Indexed OCR Text
Pages 101-120
( ٩٨ ) لتعطى أكثر منها. وقال الحسن وربيع بن أنس: لا تمنن حسناتك على اللّه مستكثراً لها، فينقصك ذلك عند الله . وقال آخرون : لا تمنن بما أعطاك الله من النبوة والقرآن مستكثراً به الأجر من الناس . وعن مجاهد أيضا : لا تضعف فى عملك مستكثيراً لطاعتك. قال أبو بكر : هذه المعانى كلها يحتملها اللفظ ، وجائز أن يكون جميعا مراداً؛ فالوجه حمله على العموم فى سائر وجود الاحتمال . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . والآية الثانية: (وثيابك فطهر )) يدل على وجوب تطهير الثياب من النجاسات للصلوة ، وأنه لا تجوز الصلوة فى الثوب النجس ؛ لأن تطهيرها لا يجب إلا الصلوة . وروى عن النبى بَّ الٍ أنه رأى عماراً يغسل ثوبه فقال: مما تغسل ثوبك؟ فقال : من خامة، فقال: ((إنما يغسل الثوب من الدم والبول والمنى)). وقالت عائشة : ((أمرنى رسول اللّه جَ لالٍ بغسل المنى من الثوب إذا كان رطبا)). وزعم بعضهم أن المراد بذلك ما روى عن أبى زرين قال: ((عملك أصلحه)). وقال إبراهيم: ((وثيابك فطهر)) من الإثم . وقال عكرمة : أمره أن لا يلبس ثيابه على عذرة . وهذا كله مجاز لا يجوز صرف الكلام إليه إلا بدلالة . واحتج هذا الرجل بأنه لا يجوز أن يظن أن النبى ◌َِّّ كان يحتاج إلى أن يؤمر بغسل ثيابه من البول وما أشبهه . قال أبو بكر : وهذا كلام شديد الاختلاف والفساد والتناقض ، لأن فى الآية أمر النبى معَ الّ بهجر الأوثان بقوله تعالى: ((والرجز فاشجر)) ومعلوم بأنه مَّلاهٍ كان هاجراً للأوثان قبل النبوة وبعدها، وكان مجتنبا للآثام والعذرات فى الحالين؛ فإذا جاز خطابه بترك هذه الأشياء - وإن كان النبي صَل ◌ٍّ قبل ذلك تاركا لها - فتطهير الثياب لأجل الصلوة مثله. وقال الله تعالى مخاطبا لنبيه جدالاله : ( ٩٩ ) ( ولا تدع مع اللّه إلهاً آخر)) والنبى جَل ◌ّ لم يدع مع اللّه إلها قط. فهذا يدل على تناقض قول هذا الرجل وفساده . وزعم أنه من أول ما نزل من القرآن قبل كل شئ من الشرائع من وضوء أو صلوة أو غيرها ؛ وإنما يدل على أنها الطهارة من أوثان الجاهلية ، وشركها ، والأعمال الخبيثة . وقد نقض بهذه ما ذكره بدياً من أنه لم يكن يحتاج إلى أن يؤمر بتطهير الثياب من النجاسة ؛ أفتراه ظن أنه كان يحتاج إلى أن يوصى بترك الأوثان ؟ فإذا لم يكن يحتاج إلى ذلك لأنه كان تاركا لها وقد أجاز أن يخاطب بتركها فكذلك طهارة الثوب . وأما قوله : إن ذلك من أول ما نزل ، فما فى ذلك مما يمنع أمره بتطهير الثياب الصلوة يفرض عليه : وقد روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها ومجاهد وعطاء أن أول ما نزل من القرآن ((اقرأ باسم ربك الذى خلق )) . كذا فى أحكام القرآن للجصاص .. سورة القيامة قال تعالى: ((بل الإنسان على نفسه بصيرة)) فيه دليل على قبول إقرار المرء على نفسه . وقال تعالى : ((ولو ألقى معاذيره )) أى ولو اعتذر بعد الإقرار لم يقبل منه ؛ ففيه دليل على أن الرجوع من الإقرار لا يقبل . وقال تعالى: ((والتفت الساق بالساق )) قال الحسن : هو لفهما فى الكفن ، أخرجه ابن أبى حاتم . وليس في القرآن الإشارة إلى الكفن إلا ههنا . (١٠٠ ) وقال تعالى: ((ثم ذهب إلى أهله يتمطی » أى يتبختر ، ففيه ذم هذه المشية . وقال تعالى : ((فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى)) استدل به على أن الخنثى أحدهما ؛ لا صنف ثالث . كذا فى الإكيل . سورة الانسان قوله: ((ويطعمون الطعام على حبه - مسكيناً ويتيماً - وأسيراً)) عن أبى وائل أنه أمر بأسرى من المشركين فأمر من يطعمهم ، ثم قرأ ( ويطعمون الطعام على حبه - الآية -)). وقال قتادة : كان أسيرهم يومئذ المشرك؛ فأخوك المسلم أحق أن تطعمه. وعن الحسن ((وأسيراً)) قال: كانوا" مشركين. وقال مجاهد: الأسير المسجون. وقال ابن جبير وعطاء: ((ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيماً وأسيراً)) قالا: هم أهل القبلة وغيرهم . قال أبو بكر : الأظهر الأسير المشرك ، لأن المسلم المسجون لا يسمى أسيراً على الإطلاق . وهذه الآية تدل على أن فى إطعام الأسير قربة ، ويقتضى ظاهره جواز إعطائه من سائر الصدقات ؛ إلا أن أصحابنا لا يجيزون إعطائه من الزكوة ، وصدقات المواشى ، وما كان أخذه منها إلى الإمام . ويجيز أبو حنيفة ومحمد جواز إعطائه من الكفارات ونحوها . وأبو يوسف لا يجيز دفع الصدقة الواجبة إلا إلى المسلم . وقد بيناه فيما سلف . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . وبالجملة فيه دليل على أن إطعام المشرك مما يتقرب به إلى اللّه تعالى. كذا فى الإكيل . سورة المرسلات قال الله تعالى: ((ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتاً)) وقال الشعبي : يعنى أنه جعل ظهرها للأحياء وبطنها للأموات . والكفات ( ١٠١ ) الضمام ؛ فأراد أنها تضمهم فى الحالين . روى إسرائيل عن أبى يحيى عن مجاهد ((ألم نجعل الأرض كفاتا)) قال: تكفت الميت فلا يرى منه شئ و ((أحياءً)) قال : الرجل فى بيته لا یری من عمله شئ . قال أبو بكر : وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه ، ودفن شعره وسائر ما يزائله . وهذا يدل على أن شعره وشيئا من بدنه لا يجوز بيعه ولا التصرف فيه؛ لأن اللّه قد أوجب دفنه، وقال النبى محَ ◌ٍّ: ((لعن الله الواصلة)) - وهى التى تصل شعر غيرها بشعرها - فمنع الانتفاع به وهو معنى ما دلت عليه الآية . وهذه الآية نظير قوله تعالى: (( ثم أماته فأقبره )» یعنی أنه جعل له قبرا . وروى فى تأويل الآية غير ذلك، وعن ابن مسعود انه أخذ قملة فدفنها فى المسجد فى الحصى ثم قال: قال الله تعالى: ((ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتاً)) وعن أبى أمامة مثله. وأخذ عبيد بن عمير قملة عن ابن عمر فطرحها فى المسجد . قال أبو بكر : هذا التأويل لا ينفى الأول ، وعمومه يقتضى الجميع . كذا في أحكام القرآن للجصاص. سورة النبأ قال تعالى: ((لنخرج به حباً ونباتاً وجنات ألفافاً)) ذكره الله تعالى فى موضع الامتنان ؛ ففيه حق الصدقة بالشكر ؛ فإن الله تعالى جعل الصدقة شكر نعمة المال . قاله ابن الغزالى . سورة عبس قال تعالى: ((عبس وتولى أن جاءه الأعمى)) فيه الحث على الترحيب بالفقراء ، والإقبال عليهم فى مجالس العلم ، وقضاء حوائجهم ، وعدم إيثار الأغنياء عليهم . ( ١٠٢ ) وقال تعالى: ((ثم أماته فأقبره )) فيه وجوب دفن الموتى. كذا فى الإكليل . سورة الانشقاق فيها آيتان . الآية الأولى: قوله تعالى: ((فلا أقسم بالشفق )) قال مجاهد: الشفق النهار، ألا تراه قال اللّه تعالى: ((والليل وما وسق)) ؟ وقال عمر بن عبد العزيز : الشفق البياض . وقال أبو جعفر محمد بن على : الشفق السواد الذى يكون إذا ذهب البياض . قال أبو بكر رحمه الله: الشفق في الأصل الرقة ، ومنه ثوب شفق إذا كان رقيقا ، ومنه الشفقة وهو رقة القلب . وإذا كان هذا أصله فهو بالبياض أولى منه بالحمرة ؛ لأن أجزاء الضياء رقيقة فى هذه الحال، وفى وقت الحمرة أكثف . والآية الثانية: قوله تعالى: ((وإذ قرى عليهم القرآن لا يسجدون)) يستدل به على وجوب سجدة التلاوة لذمه لتارك السجود عند سماع التلاوة، وظاهره يقتضى ايجاب السجود عند سماع سائر القرآن ؛ إلا أنا خصصنا منه ما عدا مواضع السجود ، واستعملناه فى مواضع السجود لعموم اللفظ ؛ ولأنا لو لم نستعمله على ذلك كنا قد ألغينا حكمه رأساً . فإن قيل : إنما أراد به الخضوع ؛ لأن اسم السجود يقع على الخضوع . قيل له : هو كذلك إلا أنه خضوع على وصف هو وضع الجبهة على الأرض ، كما أن الركوع والقيام والصيام والحج وسائر العبادات خضوع ولا يسمى سجوداً : لأنه خضوع على صفة إذا خرج عنها لم يسم به . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . ( ١٠٣ ) سورة الأعلى قال تعالى: (( قد أفلح من تزکی وذكر اسم ربه فصلى)) روى عن عمر بن عبد العزيز وأبى العالية قالا: أدى زكوة الفطر ثم خرج إلى الصلوة. وروى عن النبي ◌َّاهٍ أنه أمر بإخراج صدقة الفطر قبل الخروج إلى المصلى . وقال ابن عباس : السنة أن نخرج صدقة الفطر قبل الصلوة . قال أبو بكر: ويستدل بقوله تعالى: ((وذكر اسم ربه فصلى)) على جواز افتتاح الصلوة بسائر الأذكار، لأنه لما ذكر عقيب ذكر اسم الله الصلاة متصلا به - إذ كانت الفاء للتعقيب بلا تراخ ـ دل على أن المراد افتتاح الصلوة . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . وأخرج البزار من حديث عمرو بن عوف عن النبى ◌َ ◌ٍّ أنه كان يأمر يزكوة الفطر قبل أن يصلى صلوة العيد ، ويتلو هذه الآية . وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عمر أنه كان يقدم صدقة الفطر حين يغدوثم تلا هذه الآية . وأخرج عن عطاء وابن سيرين فى قوله تعالى: ((قد أفلح من تزكى )) قال: أدى زكوة الفطر، ثم خرج فصلى بعد ما أدى . وأخرج ابن جرير عن أبى العالية مثله . ففى الآية مشروعية صلوة العيد، وزكوة الفطر ، وتقديمها على الصلوة ، والتكبير فى العيد . کذا فى الإكليل . سورة الناشية قال تعالى: ((وإلى الأرض كيف سطحت)) قيل: فيه رد لقول أهل الهيئة : إن الأرض كرة لا سطح . ذكره الجلال المحلى فى تفسيره . ١ ( ١٠٤ ) سورة الفجر قال تعالى ((والفجر)) قال عكرمة : هو الصبح أخرجه ابن أبى حاتم ، وأخرج سعيد بن منصور والبيهقى عن ابن عباس قال : هو المحرم فجر السنة . قال ابن حجر : وبذلك يظهر حكمة جعل الصحابة أول السنة المحرم دون ربيع الذى هو شهر الهجرة التى منها التاريخ . كذا فى الإكليل . ١ وقال تعالى: ((ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التى لم يخلق مثلها فى البلاد)) قال ابن العربى: فيها التحذير من التطاول فى البنيان والتعاظم بتشييد الحجارة، والندب إلى تحصيل الأعمال التى توصل إلى دار الآخرة . ومن أشرائط الساعة التطاول فى البنيان. وقد عرض على النبى حَ ◌ّةٍ بنيان مسجده، فقال: عريش كعريش موسى . والبنيان أهون من ذلك . ولقد توفى وما وضع لبنته . ثم تطاولنا فى بنياننا، وزخرفنا مساجدنا، وعطلنا قلوبنا وأبداننا. والله المستعان - انتهى. وقال تعالى: (( وتأكلون التراث أكلا لماً)) ذم جمع المال من غير حله . كذا فى الإكيل . وقال تعالى: (( يا أيتها النفس المطمئنة )) فسرت فى الحديث بـ (( التى تؤمن بلقائه ، وترضى بقضائه ، وتمنع بعطائه )). أخرجه ابن عساكر فى تاريخه . كذا فى الإكليل . سورة البلد قال تعالى : (( وأنت حل بهذ البلد )) أخرج ابن أبى حاتم قال : أنت يا محمد ، يحل لك أن تقاتل ؛ وأما غيرك ( ١٠٥ ) فلا . فاستدل به على منع قتل البغاة فيه. كذا فى الإكليل . وقال تعالى: ((فك رقبة )) حث وتشويق من الشارع على العتق وإيقاعه . وأخرج أحمد عن البراء (جاء أعرابى إلى رسول اللّه عَلاٍّ فقال: علمنى عملا يدخلنى الجنة. فقال: لئن كنت أقصرت في الخطبة لقّد أعرضت المسئلة ! أعتق النسمة ، وفك الرقبة. فقال: يا رسول اللّه، وليسا بواحدة؟ قال: لا، إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين فى عتقها)). كذا فى الإكليل . وقال الإمام أبو بكر الرازى : قد اقتضى ذلك جواز إعطاء المكاتب من الصدقات ، لأنه معونة فى ثمنه. وهو نحو قوله تعالى فى شأن الصدقات: ((وفى الرقاب)) - انتهى. وقال تعالى: ((أو إطعام فى يوم ذى مسغبة - إلى آخر السورة - )) فيه فضل الإطعام خصوصاً عند الحاجة إليه فى زمن الجوع. وفيه فضل إطعام اليتيم خصوصاً القريب ، وإطعام المساكين ، والتواصى بالصبر على الفرائض ، ومرحمة الناس كلهم. واستدل بقوله: ((مسكينا)) من قال: إن المسكين أسوأ حالا من الفقير. كذا فى الإكيل . سورة الشمش قال تعالى: ((فألهمها فجورها وتقواها)) فيه رد على القدرية. أخرج مسلم وغيره عن عمران بن حصين أن النبى عداله سئل: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه شيء قضى عليهم فى قدر سبق أوفيما يستقبلون؟ قال: بل شيء قضى عليهم ومضى عليهم. قال: فلم يعلمون إذاً يا رسول اللّه ؟ قال : من كان اللّه خلقه لواحدة من المنزلتين يهيئه يعلمها ، وتصديق ذلك فى كتاب اللّه ((ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)). كذا فى الإكليل. ( ١٠٦ ) سورة الليل قال تعالى: ((وما خلق الذكر والأنثى )» استدل به على أن الخثى إما ذكر أو أنثى ، لا صنف ثالث ؛ فيحنث ويتلكلمه من حلف لا يكلم ذكراً ولا أنثى .. وقال تعالى: (( فسنيسره لليسرى )) فيه رد على القدرية. أخرج الشيخان وغيرهما عن على أن النبى حَل ◌ٍّ قال: (( ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار . فقال : يا رسول اللّه _ حَ الٍ - أفلا نتكل؟ فقال: اعملوا ؛ فكل ميسر لما خلق له. ثم قرأ: فأما من أعطى - إلى قوله - للعسرى)). كذا في الإكليل. سورة والضحى. قال تعالى: ((ولسوف يعطيك ربك فترضى ) فسر ذلك بالشفاعة . أخرجه ابن أبى حاتم عن الحسن وأبو نعيم فى الحلية عن أبى جعفر الباقر . وقال تعالى: ((فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر )) أخرج ابن أبى حاتم عن قتادة فى قوله تعالى: ((فأما اليتيم فلا تقهر)) قال: كن له كأب رحيم. (( وأما السائل فلا تنهر)) قال : رد المسكين برحمة ولين. وأخرج عن سفيان فى قوله: ((وأما السائل فلا تنهر)) قال : من جاءك يسألك عن أمر دينه فلا تنهر. وأخرج عن الحسن بن على ((وأما بنعمة ربك فحدث)) قال إذا أصبت خيراً فحدث إخوانك . وأخرج عن على بن أبى طالب قال : ( ١٠٧ ) ما علمت من الخير فحدث به . وأخرج ابن جرير عن أبى نضرة قال : كانوا يرون أن من شكر النعمة أن يحدث بها (١). كذا فى الإكليل . (١) فائدة: وقد قال شيخ الإسلام العلامة شبير أحمد العثمانى - رحمه الله تعالى - فى مقدمة فتح الملهم (ص-١، ٢) بعد ذكر أقوال العلماء فى وجه تسمية ((الحديث)): والذى يظهر للعبد الضعيف - والله تعالى أعلم - : أن إطلاق الحديث على ما يضاف إليه عَليٍّ مقتبس من قوله تعالى: ((وأما بنعمة ربك فحدث)) فإنه - سبحانه وتعالى - عدد أولا فى سورة الضحى منته العظيمة على نبيه مَل ◌ُّ : من إيواءه بعد يتمه ، وإغناءه بعد عيله ، وهدايته بعد ما وجده ضالاً أى وجده غافلاً عن الشرائع التى لا تستبد العقول بدركها ، كما فى قوله تعالى: ((ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان)» فهداه إلى مناهجها في تضاعيف ما أوحى إليه من الكتاب المبين وعلمه ما لم يكن يعلم؛ ثم رتب على هذه المنن الثلاثة . أموراً ثلاثة : أى النهى عن قهر اليتيم، والنهى عن نهر السائل، والأمر بتحديث النعمة . والأقرب إلى الذوق السليم أن هذه الترتيب بطريق اللف والنشر المشوش، دون المرتب ، كما زعمه بعضهم . وحاصل المعنى : أنك كنت يتيماً ، وضالاً ، عائلاً ؛ فآواك ، وهداك وأغناك. فمهما يكن من شئ فلا تنس نعمة الله تعالى عليك فى هذه الثلاث ، واقتد بالله تعالى؛ فتعطف على اليتيم، وترحم على السائل ، فقد ذقت اليتم والفقر . وقوله تعالى: ((وأما بنعمة ربك فحدث)) هو فى مقابلة قوله تعالى: ((وجدك ضالاً فهدى)) أى حق هذه النعمة الجسيمة التى هى الهداية بعد الضلال - وكأن ليس ما سواها فى جنبها نعمة - ليس إلا أن تحدث بها عباد اللّه تعالى، وتشيعها فيهم . وتبين ما نزل إليهم . وظاهر أن أقواله وأفعاله - التى سميناها أحاديث - إنما جلها شرح وتبيين لما هداه الله تعالى بها، وتحديث وتنويه لما أنعم الله عليه من صنوف الخداية ، وفنون الإرشاد. والله تعالى أعلم بالصواب ( المصحح ) . ( ١٠٨ ) سورة ألم شرح قال الله تعالى: ((فإذا فرغت فانصب)) قال ابن عباس : فى الدعاء ، وقال مجاهد : إذا صليت فاجتهد فى الدعاء والمسئلة . خرجهما ابن أبى حاتم . وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال : إذا فرغت من صلوتك فانصب فى الدعاء . وأخرج عن ابن مسعود أنه قال لمن أحدث فى آخر صلوته: فقد تمت صلوته، وذلك قوله: ((فإذا فرغت فانصب)) فراغك من الركوع والسجود ((فانصب)) فى المسئلة وأنت جالس . وأخرج من وجه آخر عنه قال : إذا فرغت من الفرائض فانصب فى قيام الليل . كذا فى الإكليل . سورة التين قال تعالى: ((لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم)) قال ابن العربى: ليس للّه تعالى خلق هو أحسن من الإنسان، فإن اللّه خلقه حياً عالماً قادراً مري داً متكلماً سميعاً بصيراً مدبراً حكيماً . وهذه صفات الرب ، وعنها عبر بعض العلماء ووقع البيان بقوله: ((إن الله خلق آدم على صورته)) يعنى على صفاته التى قدمنا ذكرها، وفى رواية ((على صورة الرحمن )) ومن أين يكون للرحمن صفة مشخصة ؟ فلم يبق إلا أن تكون معانى ، وقد تكلمنا على الحديث فى موضعه بما فيه بيانه . وقد أخبرنا المبارك بن عبد الجبار الأزدى أخبرنا القاضى أبو القاسم على ابن أبى على القاضى المحسن عن أبيه : كان عيسى بن موسى الهاشمى يحب زوجه حباً شديداً فقال لها يوماً : أنت طالق ثلاثا إنّ لم تكونى أحسن من القمر . فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتنى ، وبات بليلة عظيمة . ولما أصبح غدا إلى دار المنصور فأخبره الخبر ، وقال : يا أمير المؤمنين، إن تم على طلافها تطلقت نفسى غماً، وكان الموت أحب إلى من الحياة . ( ١٠٩ ) وأظهر للمنصور جزءاً عظيماً ، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم ، فقال جميع من حضر : طلقت ؛ إلا رجلاً واحدا من أصحاب أبى حنيفة فإنه كان ساكتاً ، فقال له المنصور : مالك لا تتكلم؟ فقال له الرجل : بسم الله الرحمن الرحيم : (( والتين والزيتون وطورسيئين وهذا البلد الأمين . لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم)) با أمير المؤمنين، الأنسان أحسن الأشياء، ولا شئ أحسن منه . فقال المنصور لعيسى بن موسى : الأمر كما قال ، فأقبل على زوجك . فأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجه أن أطيعى زوجك ولا تعصيه؛ فما طلقك . فهذا يدلك على أن الإنسان أحسن خلق الله باطناً، وهو أحسن خلق الله ظاهراً : جمال هيئته، وبديع تركيب الرأس بما فيه ، والصدر بما جمعه ، والبطن بما حواه ، والفرج وما طواه ، واليدان وما بطشاه ، والرجلان وما احتملاه . ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما فى المخلوقات أجمع فيه، هذا على الجملة ، وكيف على التفصيل بتناسب المحاسن ، فهو أحسن من الشمس والقمر بالعينين . كذا فى أحكام القرآن . سورة القدر قال تعالى: (( إنا أنزلناه فى ليلة القدر)). وقال الإمام أبو بكر الرازى: اختلفت الروايات عن النبى حٍَّ فى ليلة القدر متى تكون، واختلفت الصحابة فيها. فروى عن النبى ◌َّالّ: أنها ليلة ثلاث وعشرين. رواه ابن عباس. وروى أبو سعيد الخدرى أن النبى محمد الجٍ قال: ((التمسوها فى العشر الأواخر، واطلبوها فى كل وتر)). وعن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه بَلاتٍّ: «ليلة تسع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين)). وعن ابن عمر عن النبى فَلاّ أنه قال: ((تحروا ليلة القدر فى السبع الأواخر))، وروى أنه قال: ((فى سبع وعشرين)). حدثنا محمد بن بكر البصرى قال : أخبرنا أبو داود قال : ثنا حميد بن زنجويه النسائى قال : حدثنا سعيد بن أبى مريم ثنا محمد بن جعفر بن أبى كثير أنا موسى بن عقبة عن أبى إسحاق عن ( ١١٠ ). سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: سئل النبى محّ ◌ٍُّ وأنا أسمع عن ليلة القدر ، فقال: ((هى فى كل رمضان)). وحدثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا : ثنا حماد بن زيد عن عاصم عن زر قال : قلت لأبي بن كعب: ((أخبرنى عن ليلة القدر يا أبا المنذر، فإن صاحبنا - يعنى عبد الله بن مسعود - سئل عنها فقال : من بقم الحول يصيبها، فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن! والله لقد علم أنها فى رمضان لكن كره أن يتكلوا. والله إنها فى رمضان ليلة سبع وعشرين )). قال أبو بكر : هذه الأخبار كلها جائز أن تكون صحيحة ؛ فتكون فى سنة فى بعض الليالى ، وفى سنة أخرى في غيره ، وفى سنة أخرى في العشر الأواخر من رمضان ، وفى سنة فى العشر الأوسط ، وفى سنة فى العشر الأول ، وفى سنة فى غير رمضان. ولم يقل ابن مسعود: ((ومن يقم الحول يصيبها)) إلا من طريق التوقيف ؛ إذ لا يعلم ذلك إلا بوحى من اللّه تعالى إلى نبيه ، فثبت بذلك أن ليلة القدر غير مخصوصة بشهر من السنة، وأنها قد تكون فى سائر السنة. ولذلك قال أصحابنا فيمن قال لامرأته : أنت طالق فى ليلة القدر : إنه لا تطلق حتى يمضى حول، لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك ولم يثبت ، وأنها مخصوصة بوقت فلا يحصل اليقين بوقوع الطلاق إلا بمضى حول . انتهى كلام الجصاص . هذا هو المشهور بين الحنفية ، وفى رواية عن أبى حنيفة أنها مختصة برمضان مثل قول الجمهور . وفى شرح الهداية الجزم به عن أبى حنيفة . وفى رواية عن أبى حنيفة أنها ليلة سبع وعشرين ، كما جزم به أبى ابن كعب وحلف عليه . كذا فى فتح البارى . ومن أراد التفصيل فليراجعه . سورة البينة قال تعالى: (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)) استدل به على وجوب النية فى العبادات ، لأن الإخلاص لا يكون بدونها . ( ١١١ ) كذا فى الإكليل . وقال الإمام أبو بكر الرازى : فيه الأمر بإخلاص العبادات له ، وهو أن لا يشرك فيها غيره ؛ لأن الإخلاص ضد الإشراك . وليس له تعلق بالنية ، لا فى وجودها ولا في فقدها ؛ فلا يصح الاستدلال به فى إيجاب النية ؛ لأنه متى اعتقد الإيمان فقد حصل له الإخلاص فى العبادة ونفى الإشراك فيها . كذا فى أحكام القرآن . وقال تعالى: ((أولئك هم خير البرية)) استدل به على تفضيل البشر على الملائكة ، فأخرج ابن أبى حاتم عن أبى هريرة قال : أتعجبون من منزلة الملائكة من اللّه ؟ والذى نفسى بيده ! لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك. واقرأوا: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)). كذا فى الإكليل. سورة الزلزال قال تعالى: (( يومئذ تحدث أخبارها)) قال ابن الفرس : انتزع بعضهم من هذه الآية أن حدثنا وأخبرنا سواء فى الرواية ، خلافا لمن فرق بينهما . كذا فى الإكليل . سورة التكاثر قال تعالى: ((ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر». أخرج الترمذى عن على قال: ((ما زلنا نشك فى عذاب القبر حتى نزات : ألهاكم التكاثر )). كذا فى الإكليل . سورة الماعون قال تعالى : ((الذین هم عن صلاتهم ساهون)) قال ابن عباس : يؤخرونها عن وقتها . و کذلك قال مصعب بن سعد عن ( ١١٢ ) سعد. وروى مالك بن دينار عن الحسن قال: يسهون عن ميقاتها حتى يفوت. وروى إستمعيل بن مسلم عن الحسن قال: هم المنافقون يؤخرونها عن وقتها ، يراءون بصلانهم إذا صلوا . وقال أبو العالية : هو الذى لا يدرى أعلى شفع انصرف أو على وتر ؟ قال أبو بكر: يشهد لهذا التأويل ما روينا عن أبى هريرة عن النبى محمد الذي قال: ((لا غرار في الصلوة والتسليم)) ومعناه: إنه لا ينصرف منها على غرار وهو شاك فيها. ونظيره ما روى أبو سعيد أن النبي بجَّ امٍ قال: ((من شك في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً فليصل ركعة أخرى ، وإن كان قد تمت صلاته فالركعة والسجدتان له نافلة . وروى عن مجاهد ((ساهون)) قال: لا هون. قال أبو بكر : كأنه أراد أنهم يسهون للهوهم عنها ، فإنما استحقوا اللوم لتعرضهم للسهو لقلة فكرهم فيها ، إذا كانوا مرائين في صلاتهم ؛ لأن السهو الذى ليس من فعله لا يستحق العقاب عليه . وقال تعالى: ((يدع اليتيم)) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة : يدفعه . وقال تعالى: ((ويمنعون الماعون)) قال على وابن عباس رواية وابن عمر ، وابن المسيب : الزكوة . وروى الحارث عن على ((الماعون)) منع الفاس، والقدر، والدلو . وكذلك قال ابن مسعود . وعن ابن عباس رواية أخرى : العارية . وقال أبو عبيدة: كل ما فيه منفعة فهو الماعون . قال أبو بكر : يجوز أن يكون جميع ما روى فيه مراداً ؛ لأن عارية هذه ( ١١٣ ) الآلات قد تكون واجبة فى حال الضرورة إليها ، ومانعها مذموم مستحق للذم . وقد يمنعها المانع لغير ضرورة فينئ ذلك من لوم ومجانبة أخلاق المسلمين ، وقال النبي ◌ٍَّ: ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). كذا فى أحكام القرآن للجصاص. سورة الكوثر قال تعالى: (( فصل لربك وانحر)) قال الحسن : صلوة يوم النحر ، ونحر البدن . وقال عطاء ومجاهد : صل الصبح بجمع ، وانحر البدن بمنى . قال أبو بكر : وهذا التأويل يتضمن معنيين ، أحدهما : إيجاب صلوة الأضحى ، والثانى : وجوب الأضحية . وقد ذكرنا فيما سلف. وروى حماد بن سلمة عن عاصم الجحدرى عن أبيه عن على ((فصل لربك وانحر)) قال: وضع اليد اليمنى على الساعد الأيسر، ثم وضعه على صدره . وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس ((فصل لربك وانحر )) قال : وضع اليمين على الشمال عند النحر فى الصلوة . وروى عن عطاء أنه رفع اليدين فى الصلوة . قال الفراء : يقال : استقبل القبلة بنحرك . فإن قيل : يبطل التأويل الأول حديث البراء بن عازب قال : خرج علينا رسول اللّه عَلٍّ يوم الأضحى إلى البقيع ، فبدأ فصلى ركعتين ، ثم أقبل علينا بوجهه وقال: ((إن أول نسكنا فى يومنا هذا أن نبدأ بالصلوة، ثم رجع فنحر؛ فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا ، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك فى شئ)). فسمى صلاة العيد والنحر سنة، فدل على أنه لم يؤمر بها فى الكتاب. قيل: ليس كما ظننت ، لأن ما سنه اللّه وفرضه فجائز أن نقول : هذا سنتنا وفرضنا ، كما نقول : هذا ديننا وإن كان الله فرضه علينا . وتأويل من تأوله على حقيقة نحر البدن أو لى ؛ لأنه حقيقة اللفظ ، ولأنه ( ١١٤ ) لا يعقل بإطلاق اللفظ غيره ، لأن من قال : نحر فلان اليوم عقل منه نحر البدن ولم يعقل منه وضع اليمين على اليسار . ويدل على أن المراد الأول اتفاق الجميع على أنه لا يضع يده عند النحر ، وقد روى عن على وأبى هريرة وضع اليمين اليسار أسفل السرة، وقد روى عن النبي حَ الٍ أنه كان يضع يمينه على شماله فى الصلاة ، من وجوه كثيرة . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . سورة الكافرون قال تعالى: (لکم دینکم ولی دین)) قال أبو بكر : هذه الآية وإن كانت خاصة فى بعض الكفار دون بعض لأن كثيراً منهم قد أسلموا وقد قال تعالى: ((ولا أنتم عابدون ما أعبد)) فإنها قد دلت على أن الكفر ملة واحدة ؛ لأن من لم يسلم منهم مع اختلاف مذاهبهم مرادون بالآية، ثم جعل دينهم ديناً واحداً، ودين الإسلام ديناً واحداً ؛ فدل على أن الكفر مع اختلاف مذاهبه ملة واحدة . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . سورة النصر قال تعالى: ((إذا جاء نصر الله والفتح)) روى أنه فتح مكة . وهذا يدل على أنها فتحت عنوة، لأن إطلاق اللفظ يقتضيه ، ولا ينصرف إلى الصلح إلا بتقييد . وقال تعالى: ((فسبح بحمد ربك واستغفره )) روى أبو الضحى عن مسروق عن عائشة قالت: كان النبي ◌ٍَّ يكثر أن يقول فى ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفرلى، يتأول القرآن. وروى الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة قالت: كان رسول اللّه صَل التهجم وَشير®® ( ١١٥ ) يكثر أن يقول قبل أن يموت : سبحانك اللهم وبحمدك ، أستغفرك. وأتوب إليك . قالت : قلت : يا رسول اللّه ، ما هذه الكلمات التى أراك قد أحدثتها ؟ قال : جعلت لى علامة فى أمتي إذا رأيتها قلتها، إذا جاء نصر الله والفتح . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . سورة تبت قال تعالى: ((ما أغنى عنه ماله وما كسب)) روى عن ابن عباس ((وما كسب)) يعنى ولده. وسماهم ابن عباس الكسب الخبيث. وروى عن النبى معَّ ﴾ (( إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه)). قال أبو بكر: هو كقوله: ((أنت ومالك لأبيك)). وبدل على صحة استيلاد الأب لجارية ابنه وأنه مصدق عليه ، وتصير أم ولده . ويدل على أن الوالد لا يقتل بولده ، لأنه سماء كسباله ، كما لا يقاد لعبده الذى هو كسبه . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . وقال تعالى: ((وامر أته)) استدل به الشافعى على صحة أنكحة الكفار . وقال تعالى: ((حمالة الحطب)) فسره الحسن وغيره بالنميمة . أخرجه بن أبى حاتم . وأخرج عن ابن زيد . وغيره أنها كانت بالشوك تطرحه باليل فى الطريق . وكذا أخرجه ابن جرير عن ابن عباس والضحاك . فيفهم منه أن من شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق: لأن الله تعالى عد ضده من خصال الكفرة . وما زلت أفحص عن استخراج هذه الشعبة من القرآن حتى ظفرت به هنا . كذا فى الإكليل. ( ١١٦ ) سورة الإخلاص فيها الرد على اليهود ، والنصارى ، والمجوس ، والمشركين ، والمجسمة ، والمشبهة، والحلولية ، والاتحادية، وجميع أهل الأديان الباطلة . كذا فى الإكليل . سورة الفلق قال تعالى « من شرما خلق)» فيه رد على من قال : إن اللّه لم يخلق الشر. وقال تعالى : ((ومن شر حاسد إذا حسد)) قال ابن عباس وعطاء : من نفس ابن آدم وعينه . أخرجه ابن أبى حاتم . ففيه أن العين حق . كذا فى الإكليل . وقال الإمام أبو بكر الرازى : قد روى ابن عباس وأبو هريرة أن النبى حَ لٍّ قال: ((العين حق)). والأخبار عن النبى عَ لّ بصحة العين متظاهرة. قال أبو بكر : زعم بعض الناس أن ضرر العين إنما هو من جهة شئ ينفصل من العائن فيتصل بالمعين ، وهذا هو شر وجهل ؛ وإنما العين فى الشئ المستحسن عند العائن فيتفق فى كثير من الأوقات ضرر يقع بالمعين . ويشبه أن يكون اللّه تعالى إنما يفعل ذلك عند إعجاب الإنسان بما يراه، تذكيراً له لئلا يركن إلى الدنيا ولا يعجب بشئ منها . ولذلك أمر العائن عند إعجابه بما يراه أن يذكر الله وقدرته، فيرجع إليه ويتوكل عليه، قال الله تعالى: ((ولولا إذ دخلت جنتك قلت: ما شاء اللّه، لا قوة إلا باللّه)) وقال النبى جَعَ الَ: ((من رأى شيئا أعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شئ)). انتهى كلامه ملخصا . وفى الصورة استحباب تعوذ مما ذكر والرقية المنهى عنها هى رقية الجاهلية، لما تضمنته من الشرك والكفر؛ وأما الرقية بالقرآن وبذكر اللّه تعالى فإنها جائزة ، ( ١١٧ ) وقد أمر بها النبى حَلٍّ وندب إليها؛ وكذلك قال أصحابنا فى التبرك بالرقية بذكر اللّه تعالى . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . سورة الناس فيها ذم الوسواس ، وندب الاستعاذة منه ، وأن للإنس شياطين يستعاذ من شرهم كما أن للجن شياطين يستعاذ منهم . كذا فى الإكليل . قال الحافظ ابن القيم : هذه السورة مشتملة على الاستعاذة من الشر الذى هو سبب الذنوب والمعاصى كلها ، وهو الشر الداخل فى الإنسان ؛ فسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من الشر الذى هو ظلم الغير له بالسحر والحسد ، وهو شر من خارج؛ وسورة الناس تضمنت الاستعاذة من الشر الذى هو سبب ظلم العبد نفسه، وهو شر من داخل ؛ فالشر الأول لا يدخل ولا يطلب منه الكف عنه لأنه ليس من كسبه، والشر الثانى - في سورة الناس - يدخل تحت التكليف ويتعلق به النهى؛ فهذا شر المعائب والأول شر المصائب ، والشر كله يرجع إلى العيوب والمصائب ، ولا ثالث لهما . فسورة الفلق تتضمن الاستعاذة من شر المصيبات ، وسورة الناس تضمن الاستعاذة من شر العيوب التى أصلها كلها الوسوسة . بيان ما يعتصم به العبد من الشيطان وما يعتصم به العبد من الشيطان ويستدفع به شره ويحترز به منه فذلك عشرة أسباب . أحدها : الاستعاذة بالله من الشيطان، قال تعالى: ((وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه هو السميع العليم)) . والحرز الثاني : قرأة هاتين السورتين ، فإن لهما تأثيراً عجيباً فى الاستعاذة من شره ودفعه والتخلص منه، ولهذا قال النبى حَلٍّ: (( ما تعوذ المتعوذون بمثلها)).