Indexed OCR Text
Pages 41-60
- ( ٣٨ ) فقال: ((إن أقمت فى أرضك رفعنا الجزية عن رأسك وأخذناها من أرضك : وإن تحولت عنها فنحن أحق بها)). وكذلك روى عن عمر رضى الله عنه في دهتقانة نهر الملك حين أسلمت . فلو كانوا عبيداً لما زال عنهم الرق بالإسلام. فإن قيل: فقد قالا: ((إن تحولت فنحن أحق بها)). قيل له: إنما أراد بذلك إن عجزت عن عمارتها عمرناها نحن وزرعناها ، لئلا تبطل الحقوق التى قد وجبت للمسلمين فى رقابها - وهو الخراج - وكذلك يفعل الإمام عندنا بأراضي العاجزين عن غماراتها . ولما ثبت بما وصفنا أن من أسلم من أهل السواد فهو حرثبت أن أراضيهم على أملاكهم كما كانت رقابهم ميقات على أصل الحرية ، ومن حيث جاز للإمام عند مخالفينا أن يقطع حق الغانمين عن رقابها ويجعلها موقوفة على المسلمين لصرفها خراجها إليهم جاز إقرارها على أملاك أهلها ويصرف خراجها إلى المسلمين ؛ إذ لا حق فى نفى ملك ملاكها عنها بعد أن لا يحصل للمسلمين ملكها ؛ وإنما حقهم فى الحالين فى خراجها لا فى رقابها بأن يتملكوها . وذكر يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح قال: سمعنا أن الغنيمة ما غلب عليه المسلمون حتى يأخذوه عنوة بالقتال ، وأن الفئ ماصولخوا عليه . قال الحسنِ : فأما سوادنا هذا فإنا سمعنا أنه كان فى أيدى النبط فظهر عليهم أهل فارس ، فكانوا يؤدون إليهم الخراج ؛ فلما ظهر المسلمون على أهل فارس تركوا السواد ومن لم يقاتلهم من الدهاقين على حالهم، ووضعوا الجزية على رءوس الرجال ، ومسحوا ما كان فى أيديهم من الأرضين ، ووضعوا عليهم الخراج ، وقبضوا على كل أرض ليست فى يد أحد فكانت صوافى للإمام . قال أبو بكر : كأنه ذهب إلى أن النبط لما كانوا أحرارا فى مملكة أهل فارس فكانت أملاكهم ثابتة فى أراضيهم ورقابهم على ما كانت عليه فى أيام ( ٣٩ ) الفرس ، لأنهم لم يقاتلوا المسلمين ، فكانت أرضوهم ورقابهم فى معنى ما صولح علیه ، وأنهم إنما كانوا يملكون أراضيهم ورقابهم لو قاتلوهم . وهذا وجه کان يحتمله الحال لو لا أن محاجة عمر لأصحابه الذين سألوه قسمة السواد كانت من غير هذا الوجه ، وإنما احتج بدلالة الكتاب دون ما ذكره الحسن . فإن قيل : إنما دفع عمر السواد إلى أهله بطيبة من نفوس الغانمين على وجه الإجارة، والأجرة تسمى خراجا، قال النبى حجٍِّّ: ((الخراج)) ومراده أجرة العبد المشترى إذا رد بالعيب . قال أبو بكر : هذا غلط من وجوه أحدها : إن عمر لم يستطب نفوس القوم فى وضع الخراج وترك القسمة ، وإنما شاور الصحابة وحاج من طلب القسمة بما أوضح به قوله . ولو كان قد استظاب نفوسهم لنقل كما نقل ما كان بينه وبينهم من المراجعة والمحاجة . فإن قيل : قد نقل ذلك وذكر ما رواه إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم قال : كنا ربع الناس فأعطانا عمر ربع السواد ، فأخذناه ثلث سنين . ثم وفد جرير إلى عمر بعد ذلك فقال عمر: ((واللّه! لولا أنى قاسم مسئول لكنتم على ما قسم لكم ، فأرى أن تردوه على المسلمين )) . ففعل ، فأجازه عمر بثمانين ديناراً. فأتته امرأة فقالت: (( يا أمير المؤمنين، إن قوى صالحوك على أمر ولست أرضى حتى تملأ كفى ذهباً، وتحملنى على جمل ذلول، وتعطينى قطيفة حمراء)). قال : ففعل . قال : ليس فيه دليل على أنه كان ملكهم رقاب الأرضين ، وجائز أن يكون أعطاهم ربع الخراج ثم رأى بعد ذلك أن يقتصر بهم على أعطياتهم دون الخراج ليكونوا أسوة لسائر الناس . وكيف يكون ذلك باستطابة منه لنفوسهم وقد أخبر عمر أنه رأى رده على المسلمين ، وأظهر أنه لا يسعه غيره ؟ لما كان عنده أنه الأصلح للمسلمين . وأما أمر المرأة فإنه أعطاها من بيت المال ، لأنه قد كان جائزا له أن يفعله من غير أخذ ما كان فى أيديهم من السواد . ( ٤٠ ) وأما قوله: إن الخراج أجرة ، ففاسد من وجوه أحدها: إنه لاخلاف أن الإجارات لا تجوز إلا على مدة معلومة إذا وقعت على المدة . وأيضا فإن أهلها لم يخلو أن يكونوا عبيداً أو أحراراً؛ فإنكانوا عبيدا فإن إجارة المولى من عبده لا تجوز ، وإن كانوا أحراراً فكيف جاز أن تترك رقابهم على أصل الحرية ولا تترك أراضيهم على أملاكهم ؟ وأيضا لو كانوا عبيدا لم يجز أخذ الجزية من رقابهم؛ لأنه لا خلاف أن العبيد لا جزية عليهم . وأيضاً لا خلاف أن إجارة النخل والشجر غير جائزة؛ وقد أخذ عمر الخراج من النخل والشجر . فدل على أنه ليس بأجرة . . وقد اختلف الفقهاء فى شرى أرض الخراج واستيجارها ، فقال أصحابنا : لا بأس بذلك، وهو قول الأوزاعى. وقال مالك: أكره استجار أرض الخراج . وكره شريك شرى أرض الخراج وقال: لا تجعل في عنقك صغاراً. وذكر الطحاوى عن ابن عمران عن سليمان بن بكار قال: ((سأل رجل المعافى بن عمران عن الزرع فى أرض الخراج فنهاه عن ذلك ، فقال له قائل : فإنك تزرع أنت فيها ؟ فقال: يا ابن أخى، ليس فى الشرقدوة)). وقال الشافعى : لا بأس بأن يكترى المسلم أرض خراج كما يكترى دوابهم . قال : والحديث الذى جاء عن رسول اللّه وجّ ه﴾ ((لا ينبغى لمسلم أن يودى الخراج ولا المشرك أن يدخل المسجد الحرام )) إنما هو خراج الجزية . قال أبو بكر : روى عن عبد الله بن مسعود أنه اشترى أرض خراج ، وروى عنه عن النبى معَ له أنه قال: ((لا تتخذوا الضيعة فترغبوا فى الدنيا)). قال عبد الله: ((وبراذان ما براذان! وبالمدينة ما بالمدينة!)) وذلك أنه كانت له ضيعة براذان، وراذان من أرض الخراج . وروى أن الحسن والحسين ابنى على رضى الله عنهم اشتروا من أرض السواد. فهذا يدل على معنيين، أحدهما أنها أملاك لأهلها، والثانى أنه غير مكروه للمسلم شراها . وروى عن على وعمر رضي الله عنهما فيمن أسلم من أهل الخراج أنه إن قام على أرضه أخذ منه الخراج. وروى عن ( ٤١ ) ابن عباس أنه كره شرى أرض أهل الذمة وقال: ((لا تجعل ما جعل الله فى عنق هذا الكافر في عنقك)). وقال ابن عمر مثل ذلك. وقال: ((لا تجعل فى عنقك الصغار)) . قال أبو بكر: وخراج الأرض ليس بصغار ، لأنا لا نعلم خلافا بين السلف أن الذى إذا كانت له أرض خراج فأسلم : أنه يوخذ الخراج من أرضه ويسقط عن رأسه ؛ فلو كان صغار لسقط بالإسلام. وقول النبي صَلّ}: ( منعت العراق قفيزها ودرهمها)) يدل على أنه واجب على المؤمنين، لأنه أخبر عما يمنع المسلمون من حق الله فى المستقبل. ألا ترى أنه قال: ((وعدتم كما بدأتم)) ؟ والصغار لا يجب على المسلمين، وإنما يجب على الكفار للمسلمين . كذا فى أحكام القرآن ( ٣ : ٤٣٠ - ٤٣٤ ). والآية السادسة: قوله تعالى: (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكمّ عنه فانتهوا )) وفيه وجوب امتثال أوامره ونواهيه حَ الج، كما أخرج البخارى ومسلم عن ابن مسعود أنه قال: ((لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق اللّه)) فبلغ امرأة من بنى أسد، فجاءت إليه فقالت : بلغنى أنك قلت كيت وكيت؟ قال: ما لى لا ألعن من لعن رسول اللّه حَلّمُ، وفى كتاب اللّه؟ قالت : لأقرأ ما بين لوحيه فما وجدته ؟ قال : إن كنت قرأتيه فقد وجدتبه، أما قرأت: ((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا))؟ قالت: بلى! قال: (فإن النبى حَ الٍ قد نهى عنه)). كذا فى الإكليل. والآية السابعة: قوله تعالى: (( والذين تبوءو الدار والإيمان)) قال ابن وهب: سمعت مالكا وهو يذكر فضل المدنية على غيرها من الآفاق، فقال: إن المدينة تبوئت بالإيمان والهجرة ، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف)) ثم قرأ الآية: ((والذين تبوءو الدار والإيمان)). كذا فى أحكام القرآن لابن العربي . ( ٤٢ ) والآية الثامنة: قوله تعالى: (( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة )) فيه مدح الإيثار فى حظوظ النفس والدنيا . كذا فى الإكليل . والآية التاسعة: قوله تعالى: (( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفرلنا ولإخواننا الذين سبقونا بالأيمان ، ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا ، ربنا إنك رءوف رحيم)) فيه الحث على الدعاء ، والترضى عن الصحابة ، وتصفية القلوب من بغض أحد منهم. أخذ منه مالك: أن من سب أصحاب رسول اللّه حَ لالٍ فلا حق له فى الفئى ، كذا فى أحكام القرآن لابن العربى . والآ ية العاشرة: قوله تعالى: (( تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى)) قال ابن العربى : تعلق بعض علمائنا من هذه الآية فى منع صلاة المفترض خلف المتنفل ، لأنهم مجمتعون على صورة التكبير والأفعال وهم مختلفون في النية، وقد ذم اللّه تعالى ذلك فيمن فعل ذلك؛ فيشمله هذا اللفظ ويناله هذا الظاهر. كذا فى أحكام القرآن . سورة الممتحنة فيها آيات . الآية الأولى: (( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة )) وفيها مسائل : المسئلة الأولى فى سبب نزولها : روى فى الصحيح واللفظ فى البخارى : إن أبا عبد الرحمن السلمى وكان عثمانيا قال لابن عطية وكان علويا : قد علمت ٢ (٤٣٠) ما جرأ صاحبك على الدماء، سمعته يقول: بعثنى النبى عَ ل والزبير فقال: ائتوا .روضة خاخ وتجدون بها امرأة أعطاها حاطب كتابا، فأتينا الروضة فقلنا: الكتاب، فقالت : لم يعطنى شيئا ، فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لنجردنك ، فأخرجت من حجرتها - أو قال : من عقاصها - فأرسل إلى حاطب ، فقال : لا تعجل ، فوالله ما كفرت وما ازددت للإسلام إلا حبا ! ولم يكن أحد من اصحابك إلا وله بمكة من يدفع الله به عن أهله وماله ، ولم يكن لى أحد ، فأحببت أن أتخذ عندهم يدا، فصدقه النبي ◌َّ الجٍ ، فقال عمر: دعني أضرب عنقه فإنه قد نافق، فقال له: ما يدريك ! لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: ((اعملو ما شئتم فقد غفرت لكم)) . فهذا الذى جرأه. ونزلت: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء - الآية إلى - غفور رحيم)) . كذا فى أحكام القرآن لابن العربي ( ٢: ٢٤٨ ) . وذكر بعض أهل المغازى - وهو فى تفسير يحيى بن سلام - أن لفظ الكتاب: ((أما بعد! يا معشر قريش، فإن رسول اللّه حَ اله جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل، فو الله! لو جاءكم وحده لنصر اللّه وانجز له وعده؛ فانظروا لأنفسكم، والسلام )) . كذا حكاه السهيلى. وروى الواقدى بسند له مرسل أن حاطبا كتب إلى سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة: ((إن رسول اللّه ◌َلاج في الناس بالغزو ، ولا أراه یرید غیر کم ، وقد أحببت أن یکون لی عند کم ید» كذا فى فتح البخارى ( ٧ : ٤٠١ ). المسئلة الثانية : قال ابن العربى : من كثر تطلعه على عورات المسلمين وتبيها علیهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم یکن بذلك کافرا إذا كان فعله لغرض دنیاوی واعتقاده على ذلك سليم ، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة من الدين - انتهى. وقال الإمام أبو بكر الرازى : ظاهر ما فعله حاطب لايوجب الزدة ، وذلك لأنه ظن أن ذلك جائز له ليدفع به عن ولده وماله ، كما يدفع عن ( ٤٤ ) نفسه بمثله عند التقية ، ويستبيح إظهار كلمة الكفر . ومثل هذا الظن إذا صدر عنه الكتاب الذى كتبه فإنه لا يوجب الإكفار ، ولو كان ذلك يوجب لاستتابه النبي ◌َّ؛ فلما لم يستتبه وصدقه على ما قال علم أنه ما كان مرتدا . وإنما قال عمر : ائذن لى فأضرب عنقه ، لأنه ظن أنه فعله عن غير تأويل . فإن قيل: قد أخبر النبي جَ لٍ أنه إنما منع عمر من قتله لأنه شهد بدرا، وقال: (( ما يدريك ! لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) فجعل العلة المانعة من قتله كونه من أهل بدر . قيل له : ليس كما ظننت، لأن كونه من أهل بدر لا يمنع أن يكون كافرا مستحقا للنار إذا كفر؛ وإنما معناه : ما يدريك لعل الله قد علم أن أهل بدر وإن أذنبوا لا يموتون إلا على التوبة، فيجوز أن يكون مراده أن فى معلوم اللّه أن أهل بدر وإن أذنبو فإن مصيرهم إلى التوبة والإنابة. كذا فى أحكام القرآن (٣ : ٤٣٥ ). والمسئلة الثالثة : إن فى هذه الآية دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية فى إظهار الكفر ، وأنه لا يكون بمنزلة الخوف على نفسه ؛ لأن اللّه نهى المؤمنين عن مثل ما فعل حاطب مع خوفه على أهله وماله . وكذلك قال أصحابنا : إنه لو قال الرجل : لأقتلن ولدك أو لتكفرن: إنه لا يسعه إظهار الكفر. ومن الناس من يقول فيمن له على رجل مال فقال : لا أقر لك حتى تحط عني بغضه فحط عنه بعضه : إنه لا يصح الحط عنه ، وجعل خوفه على ذهاب ماله بمنزلة الإكراه على الخط . وهو فيما أظن مذهب ابن أبى ليلى . وما ذكرناه يدل على صحة قولنا . ويدل على أن الخوف على المال والأهل لا يبيح التقية أن الله فرض الهجرة على المؤمنين ولم يعذرهم فى التخلف لأجل أموالهم وأهلهم، فقال: (قل إن كان آباءكم وأبناءكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم - الآية)) وقال: ( قالوا: كنا مستضعفين فى الأرض قال: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟)) كذا فى أحكام القرآن للجصاص ( ٤٣٦). ( ٤٥ ) والآية الثانية: قوله تعالى: ((قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم: إذا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده )» فيه دليل على أن التبرى عن الكفر ومراسمه شرط لصحة الإيمان ، كما روى عن إمامنا الإمام الربانى محمد بن الحسن الشيبانى أنه ذكر مسئلة فى كتاب ( ٤٦ ) نج والآية الرابعة: قوله: ((يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ، الله أعلم بإيمانهن)) فيها مسائل : المسئلة الأولى فى سبب نزولها : ثبت أن النبى بَّ الج لما صالح أهل الحديبية كان فيه أن من جاء من المشركين إلى المسلمين رد إليهم ، ومن ذهب من المسلمين إلى المشركين لم يرد. وتم العهد على ذلك، وكان رسول اللّه عليه رد أبى بصير وعتبة بن أسيد ابن حارثة الثقفى حين قدم . وقدم أيضا نساء مسلمات. منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وسبيعة الأسلمية وغيرهما ، فجاء الأولياء إلى رسول اللّه عَلٍ فسألوه رد هن على الشرط ، واستدعوا منه الوفاء بالعهد، فقال النبى حَلاٍّ: إنما الشرط فى الرجال لا فى النساء. وكان ذلك من المعجزات إلا أن الله عز وجل قبض ألسنتهم عن أن يقولوا : غدر محمد، حتى نزل الله ذلك فى النساء، وذلك أحد معجزاته . المسئلة الثانية: قوله: ((فامتحنوهن)) اختلف فى تفسير الامتحان على قولين : أحدهما اليمين رواه أبو نصر الأسدى عن ابن عباس ، ورواه الحارث بن أبى أسامة قال النبى عجّ لٍ لسبيعة وكان زوجها صيفى بن السائب: ((باللّه ما أخرجك من قومك ضرب ولا كراهية لزوجك ، ولا أخرجك إلا حرص على الإسلام ورغبة فيه ، لا تزيدين غيره))؟ الثانى: وهو ما روى فى الصحيح عن عائشة رضى الله عنها أن النبي ◌ٍَّ كان يمتحن النساء بهذه الآية. كذا فى أحكام القرآن لابن العربى (٣ : ٢٥٢). وقال العلامة الآلوسي: قوله تعالى: ((فامتحنوهن)) أى فاختبروهن بما يغلب به على ظنكم موافقة قلوبهن لألسنتهن فى الإيمان . أخرج ابن المنذر والطبرانى فى الكبير وابن مردويه بسند حسن وجماعة عن ابن عباس أنه قال فى كيفية امتحانهن: كانت المرأة إذا جاءت النبى حَلالٍ حلفها ( ٤٧ ) عمر رضى الله عنه باللّه ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من بغض زوج، وباللّه ما خرجت التماس دنيا ، وبالله ما خرجت إلا حبا للّه ورسوله. وفى رواية عنه أيضا: كانت محنة النساء أن رسول اللّه عَ لالي أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: قل لهن: إن رسول اللّه عَ ل ليه بايمكن على أن تشركن باللّه شيئا. كذا فى روح المعانى ( ٢٨ : ٦٦). والمسئلة الثالثة فى المعنى الذى لأجله لم ترد النساء وإن دخلن فى عموم الشرط : وفى ذلك قولان أحدهما : لرقتهن وضعفهن ، الثانى : لحرمة الإسلام . ويدل عليه قوله: ((لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن)). والمعنيان صحيحان، ويجوز أن يعلل الحكم بعلتين حسبما بيناه فى كتب الأصول . والمسئلة الرابعة : خروج النساء من عهد الرد كان تخصيصا للعموم ، لا ناسخا للعهد كما توهمه بعض الغافلين ، وقد بيناه فى القسم الثانى . والمسئلة الخامسة : الذى أوجب فرقة المسلمة من زوجها هو إسلامها لا حجرتها، كما بيناه فى أصول مسائل الخلاف - وهو التلخيص - وقال أبو حنيفة : الذى فرق بينها هو اختلاف الدارين ، وإليه إشارة فى مذهب مالك بل عبارة قد أوضخناها فى مسائل الفروع، والعمدة فيه ههنا أن اللّه تعالى قد قال : ((لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن)) فبين أن لعنة عدم الحل بالإسلام وليس اختلاف الدارين. كذا فى أحكام القرآن للعربى (٢ : ٢٥٠). وقال الإمام أبو بكر الرازى : فى هذه الآية ضروب من الدلالة على وقوع الفرقة باختلاف الدارين بين الزوجين ، واختلاف الدارين أن يكون أحد الزوجين من أهل دار الحرب والآخر من أهل دار الإسلام ؛ وذلك لأن المهاجرة إلى دار الإسلام قد صارت من أهل دار الإسلام وزوجها باق على كفره من أهل دار الحرب ؛ فقد اختلف بها الداران ، وحكم اللّه بوقوع الفرقة بينها بقوله . ( ٤٨ ) ((فلا ترجعوهن إلى الكفار)). ولو كانت الزوجية باقية لكان الزوج أولى بها بأن يكون معه حيث أراد . ويدل عليه أيضا قوله : ((لا من حل لهم ولا هم يحلون لهن)). وقوله ((وآتوهم ما أنفقوا)) يدل عليه أيضا، لأنه أمر برد مهرها على الزوج ، ولو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج رد المهر ، لأنه لا يجوز أن يستحق البضع وبدله . ويدل عليه قوله: (( ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن )» ولو كان النكاح الأول باقيا لما جاز لها أن يتزوج . ويدل عليه قوله : ((ولا تمسكو بعصم الكوافر)) والعصة المنع ، فنهانا أن نمتنع من تزويجها لأجل زوجها الحربى . واختلف أهل العلم فى الحربية تخرج إلينا مسلمة فقال إمامنا أبو حنيفة فى الحربية تخرج إلينا مسلمة ولها زوج كافر فى دار الحرب : قد وقعت الفرقة فيما بينهم ولا عدة عليها ، وقال أبو يوسف ومحمد: عليها العدة ، وإن أسلم الزوج لم تحل له إلا بنكاح مستقبل، وهو قول الثورى . وقال مالك ، والأوزعى ، والليث ، والشافعى: إن أسلم الزوج قبل أن تحيض ثلاث حيض فقد وقعت الفرقة . ولا فرق عند الشافعى بين دار الحرب وبين الإسلام ، لا حكم للدار عنده . قال أبو بكر : روى قتادة عن سعيد بن المسيب عن على قال: ((إذا أسلمت اليهودية والنصرانية قبل زوجها فهو أحق بها ما داموا فى دار الهجرة )). وروى الشيبانى عن السفاح بن مطر عن داود بن كردوس قال : كان رجل من بنى تغلب نصرانى عنده امرأة من بني تميم نصرانية ، فأسلمت المرأة وأبى الزوج أن يسلم ، ففرق عمر بينهما . وروى ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد فى النصرانى تسلم امرأته قالوا : إن أسلم معها فهى امرأته ، وإن لم تسلم ففرق بينهما . وروى قتادة عن مجاهد قال : إذا أسلم وهى فى عدتها فهى امرأته ، وإن لم تسلم فرق بينهما. وروى حجاج عن عطاء مثله، وعن الحسن وابن المسيب مثله . وقال إبراهيم: 1 ( ٤٩ ) إن أبى أن يسلم فرق بينهما . وروى عباد بن العوام عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها فهى أملك لنفسها)). قال أبو بكر: حصل اختلاف السلف فى ذلك على ثلاثة أنحاء : فقال على رضى الله عنه: هو أحق بها ما داموا فى دار الهجرة . وهذا معناه عندنا إذا كانا فى دار واحدة ، ومتى اختلفت بها الدار فصار أحدهما فى دار الحرب والآخر فى دار الإسلام بانت . وقال عمر رضى الله عنه: إذا أسلمت وأبى الزوج الإسلام فرق بينهما . وهذا أيضا على أنهما فى دار الإسلام . وقال آخرون ممن ذكرنا قوله : هى امرأته ما دامت فى العدة ؛ فإذا انقضت العدة وقعت الفرقة . وقال ابن عباس : تقع الفرقة بإسلامها ، واتفق فقهاء الأمصار على أنها لا تبين منه بإسلامها إذا كانا فى دار واحدة ، واختلفوا فى وقت وقوع الفرقة إذا أسلمت ولم يسلم الزوج ، فقال أصحابنا : إن كانا ذميين لم تقع الفرقة حتى يعرض الإسلام عليه ، فإن أسلم وإلافرق بينهما . وهو معنى ما روى عن على وعمر . وقالوا : إن كانا حربيين فى دار الحرب فأسلمت فهى امرأته ما لم تحض ثلاث حيض ، فإذا حاضت ثلاث حيض قبل أن يسلم فرق بينهما . ويجوز أن يكون من روى عنه من السلف اعتبار الحيض إنما أرادوا به الحربيين فى دار الحرب . وقال أصحابنا: إذا أسلم أحد الحربيين وخرج إلينا - أيهما كان - وبقى الآخر فى دار الحرب فقد وقعت الفرقة باختلاف الدارين وقد ذكرنا وجوه دلائل الآية على صحة هذا القول. ومن الدليل على ذلك قوله: ((والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم )) . قال أبو سعيد الخدرى : نزلت فى سبايا أوطاس كان لهن أزواج في الشرك ، وأباحهن لهم بالسبی . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس فى قوله: ((والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم)) قال: ((كل ذات زوج فإتيانها زنا إلا ما سبيت)). وقال النبى جي الج في السبايا: ((لا يوطأ حامل حتى ( ٥٠ ) تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة)) . واتفق الفقهاء على جواز وطئ المسبية بعد الاستبراء وإن كان لها زوج فى دار الحرب إذا لم يسب زوجها معها. فلا يخلو وقوع الفرقة من أن يتعلق بإسلامها أو باختلاف الدارين على الحد الذى بينا ، أو بحدوث الملك عليها ؛ وقد اتفق الجميع على أن إسلامها لا يوجب الفرقة فى الحال ، وثبت أيضا أن حدوث الملك لا يرفع النكاح بدلالة أن الأمة التى لها زوج إذا بيعت لم تقع الفرقة ، وكذلك إذا مات رجل عن أمة لها زوج لم يكن انتقال الملك إلى الوارث رافعاً للنكاح ؛ فلم يبق وجه لإيقاع الفرقة إلا اختلاف الدارين . فإن قيل: اختلاف الدارين لا يوجب الفرقة لأن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان لم يبطل نكاح امرأته ، وكذلك لو دخل حربى إلينا بأمان لم تقع الفرقة بينه وبين زوجته ، وكذلك لو أسلم الزوجان فى دار الحرب ثم خرج أحدهما إلى دار الإسلام لم تقع الفرقة ؛ فعلمنا أنه لا تأثير لاختلاف الدارين فى إيجاب الفرقة . قيل له : ليس معنى اختلاف الدارين ما ذهبت إليه ؛ وإنما معناه أن يكون أحدهما من أهل دار الإسلام إما بالإسلام أو بالذمة ، والآخر من أهل دار الحرب فيكون جربيا كافرا ، فأما إذا كانا مسلمين فهما أهل دار واحدة وإن كان أحدهما مقما فى دار الحرب والآخر في دار الإسلام . فإن احتج المخالف لنا بما روى يونس عن محمد بن إسحق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: رد النبى حَ لّ ابنته زينب على أبى العاص بن الربيع بالنكاح الأول بعد ست سنين وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة وبقى زوجها بمكة مشركا ، ثم ردها عليه بالنكاح الأول . وهذا يدل على أنه لا تأثير لاختلاف الدارين فى إيقاع الفرقة . فيقال : لا يصح الا حتجاج به للمخالف من وجوه : أحدها : أنه قال : ((ردها بعد ست سنين بالنكاح الأول)) لأنه لا خلاف بين الفقهاء أنها لا ترد إليه . ( ٥١ ) بالعقد الأول بعد انقضاء ثلاث حيض ، ومعلوم أنه ليس في العادة أنها لا محيض ثلاث حيض في ست سنين ، فسقط احتجاج المخالف به من هذا الوجه . ووجه آخر : وهو ما رؤى خالد عن عكرمة عن ابن عباس فى اليهودية تسلم قبل زوجها أنها أملك لنفسها ، فكان من مذهبه أن الفرقة قد وقعت بإسلامها ، وغير جائز أن يخالف النبي صَلٍّ فيما قد رواه عنه. والوجه الثالث : أن عمرو بن شعيب روی عن أبيه عن جده أن النی چلي رد ابنته زینب علی أبى العاص بنكاح ثان ، فهذا يعارض حديث داود بن الحصين ، وهو مع ذلك أولى ؛ لأن حديث ابن عباس إن صح فإنما هو إخبار عن كونها زوجة له بعد ما أسلم ولم يعلم حدوث عقد ثان، وفى حديث عمرو بن شعيب الإخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه ، فهو أولى ؛ لأن الأول إخبار عن ظاهر الحال ، والثانى إخبار عن معنى حادث قد علمه. وهذا مثل ما نقوله فى رواية ابن عباس: إن النبي حَ لّ تزوج ميمونة وهو محرم ، وحديث يزيد بن أعصم : إنه تزوجها وهو حلال ، فقلنا : حديث ابن عباس أولى ؛ لأنه أخبر عن حال حادثة ، وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول . وکحديث زوج بريرة أنه کان حرا حین أعتقت ، ورواية من روی أنه كان عبدا ؛ فكان الأول لإخباره عن حال حادثة علمها وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول ولم يعلم حدوث حال أخرى . كذا فى أحكام القرآن (٣ : ٤٣٨ - ٤٤٠ ). والمسئلة السادسة : قال أبو حنيفة فى المهاجرة : إنه لا عدة عليها من الزوج الحربى، لقوله تعالى: ((لا جناح عليكم أن تنكحوهن)) فأباح نكاحها من غير ذكر عدة، وقال فى نسق التلاوة: ((ولا تمسكوا بعصم الكوافر)) والعصمة المنع فحظر الامتناع من نكاحها لأجل زوجها الحربى . والكوافر يجوز أن يتناول الرجال وظاهره فى هذا الموضع الرجال ؛ لأنه فى ذكر المهاجرات . وأيضا أباح النبي صَلّ وطئ المسبية بعد الاستبراء بحيضة، والاستبراء ليس بعدة ؛ لأن النبى ( ٥٢ ) عَ الٍ قال: ((عدة الأمة حيضتان)) والمعنى فيها وقوع الفرقة باختلاف الدارين. كذا فى أحكام القرآن للجصاص ( ٣ : ٤٤٠ ) . وقال العلامة الآلوسي: المراد بقوله تعالى: ((لا تمسكوا بعصم الكوافر)) نهى المؤمنين عن أن يكون بينهم وبين الزوجات المشركات الباقية في دار الحرب علقة من علق الزوجية أصلا ؛ حتى لا يمنع إحداهن نكاح خامسة أو نكاح أختها فى العدة، بناء على أنه لا عدة لهن. قال ابن عباس: ((من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها من نسائه ) لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه . - وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن إبراهيم النخعى أنه قال : نزل قوله تعالى: ((ولا تمسكوا الخ)) فى المرأة من المسلمين تلحق بالمشركين، فلا يمسك زوجها بعصمتها ، قد برئ منها . وأخرج ابن أبى شيبة عن مجاهد وسعيد بن جبير نحوه ، وفى رواية أخرى عن مجاهد أنه قال : أمرهم سبحانه بطلاق الباقيات مع الکفار ومفارقتهن . ويروى أن عمر رضى الله عنه طلق لذلك امرأته فاطمة أخت أم سلمة بنت أبى أمية المغيرة المخزومى ، فتزوجها معاوية بن أبى سفيان ؛ وامرأته كلثوم بنت جرول الخزاعى، فتزوجها أبو جهم بن حذيفة العدوى. وكذا أطلق طلحة زوجته أروى بنت ربيعة . وتعقب ذلك بأنه بظاهره مخالف لمذهب الحنفية والشافعية ؛ أما عند الحنفية فلأن الفرقة بنفس الوصول إلى دار الإسلام ، وأما عند الشافعية فلأن الطلاق موقوف إن جمعتها العدة تبين وقوعه من حين اللفظ وإلا فالبينونة بواسطة بقاء المرأة فى الكفر . فظاهر الآية لا يدل على ما فى هذه الرواية . كذا فى روح المعانى ( ٢٨ : ٦٩ ). والمسئلة السابعة : قال الإمام أبو بكر الرازى : هذه الأحكام فى رد المهر وأخذه من الكفار وتعويض الزوج من الغنيمة أو من صداق قد وجب رده على أهل الحرب منسوخ عند جماعة أهل العلم غير ثابت الحكم ، إلا شيئا روى عن ( ٥٣ ) عطاء ؛ فإن عبد الرزاق روى عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أرأيت لو أن امرأة من أهل الشرك جاءت إلى المسلمين فأسلمت أيعوض زوجها منها شيئا لقوله تعالى: ((وآتوهم ما أنفقوا))؟ قال: إنما كان ذلك بين النبى جَلٍّ وبين أهل وسية عهده .. قلت : فجاءت امرأة الآن من أهل عهد ؟ قال : نعم ، يعاض . فهذا مذهب عطاء في ذلك ، وهو خلاف الإجماع . فإن قيل : ليس فى القرآن ولا فى السنة ما يوجب نسخ هذه الأحكام ، فمن أن وجب نسخها ؟ قيل له : يجوز أن يكون منسوخا لقوله تعالى: (( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)) وبقول النبى جَ لٍ: ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه)). كذا في أحكام القرآن (٣ : ٤٤١ ). والآية الخامسة: قوله تعالى: (( يا أيها النبى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا )) الآية . فيه مسائل : المسئلة الأولى فى حقيقة البيعة: قال العارف ابن أبى جمرة: ((هى بيع من البيوع ، لأنه عليه السلام قال: با يعونى ، ولم يقل عاهدونى)). وهذا النص يتضمن بمعناه شيئا من أوصاف الرق على ما أبينه إن شاء الله تعالى . وإذا كانت بيعا من البيوع فيحتاج إذاً إلى بيان البيع ما هو ، والثمن ما هو. فأما البيع فى هذا الموضع فهو ترك ما لنفس من الاختيار وتفويض الأمر لصاحب البيعة ليتصرف صاحب البيعة فيمن بايعه بحسب ما أمره الله عز وجل. وهذا ضرب من الرق، لأن السيد قد ملك رقبة العبد فلم يبق للعبد اختيار ولا تصرف، لأن من ملك الرقبة فقد ملك جميع المنافع ؛ فأشبه ذلك العبد فى انقياده دون استرقاق الرقبة، وبقى المال لمالكه لا لصاحب البيعة ، ليس كما هو مال العبد لسيده ؛ لأنه لم يشبه العبودية إلا فى الذى ذكرناه لا غير . وأما الثمن على هذا البيع فهو الجنة بشرط التوفية فيها، لقوله عليه السلام فى بيعة العقبة إذ سأله الصحابة رضى الله تعالى عنهم على ما لهم من العوض على ( ٥٤ ) بيعتهم ؟ فقال : الجنة ، فقالوا : رضينا. لا ننقض البيع ، فقد سمى الشارع عليه السلام البيع والثمن، فهذا ثمنه. وكل بيعة تجديد لبيعة النبى حَ الٍ ، وبيعة النبى عَ اله بيعة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ((إن الذين يبايعونك إنما يبايعون اللّه)) وبيعنهم الله تعالى وفاء وتأكيد لبيعة ((ألست بربكم؟)) كذا فى بهجة النفوس (١: ٢٩). والمسئلة الثانية فى أقسام البيعة : قال الشاه ولى الله الدهلوى قدس الله سره: استفاض عن رسول اللّه حَالله أن الناس كانوا يبايعونه تارة على الهجرة والجهاد، وتارة على إقامة أركان الإسلام، وتارة على الثبات والقرار فى معركة الكفار ، وتارة على التمسك بالسنة والاجتناب عن البدعة والحرص على الطاعات ؛ كما صح أنه جَلٍّ بايع نسوة من الأنصار على أن لا ينحن ، وروى ابن ماجة أنه بايع ناسا من فقراء المهاجرين على أن لا يسألوا الناس شيئا ، فكان أحدهم يسقط سوطه فينزل عن فرسه فيأخذه لا يسأل أحداً . ومما لا شك فيه ولا شبهة أنه إذا ثبت عن رسول اللّه حَّيٍّ فعل على سبيل العبادة والإهتمام بشأنه فإنه لا ينزل عن كونه سنة فى الدين. بقى أنه جَ اه كان خليفة الله فى أرضه، وعالما بما أنزله الله من القرآن والحكمة ، معلما للكتاب والسنة ، ومزكياً للأمة ؛ فما فعله عن على جهة الخلافة كان سنة الخلفاء ، وما فعله على جهة كونه معلما للكتاب والحكمة ومزكياً للأمة كان سنة للعلماء الراسخين فلنبحث عن البيعة من أى قسم هى ؟ فظن قوم أنها مقصورة على قبول الخلافة وأن الذى تعتاده الصوفية ليس شئ . وهذا ظن فاسد، لما ذكرنا أن النبي عَ لَّه كان يبايع تارة على إقامة أركان الإسلام، وتارة على التمسك بالسنة . وهذا صحيح البخارى شاهد على أنه مَالج اشترط على جرير عند مبايعته فقال: ((والنصح لكل مسلم)) وأنه بايع قوما من الأنصار فاشترط أن لا يخافوا فى الله لومة لائم ويقولوا بالحق حيث كانوا، فكان أحدهم يجاهر الأمراء والملوك بالرد والإنكار، وأنه عبدالاله بايع نسوة من الأنصار واشترط الاجتناب عن النوحة إلى غير ذلك ، وكل ذلك من باب التزكية والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؛ فالحق أن البيعة على أقسام: منها بيعة الخلافة ، ومنها بيعة الإسلام ، ومنها بيعة التمسك بحبل التقوى ، ومنها ( ٥٥ ) بيعة الهجرة والجهاد ، ومنها بيعة التوثق فى الجهاد . وكانت بيعة الإسلام متروكة فى زمن الخلفاء ؛ أما فى زمن الراشدين منهم فلأن دخول الناس فى الإسلام فى أيامهم كان غالبا بالقهر والسيف لا بالتأليف وإظهار البرهان، لا طوعا ولا رغبة؛ وأما فى غيرهم فلأنهم كانوا فى الأكثر ظلمة فسقة لا يهتمون بإقامة السنن . وكذلك بيعة التمسك بحبل التقوى كانت متروكة ؛ أما فى زمن الخلفاء الراشدين فلكثرة الصحابة الذين استناروا بصحبة النبى معدّ لٍ تأدبوا في حضرته فكانوا لا يحتاجون إلى بيعة الخلفاء ؛ وأما في زمن غيرهم فخوفاً عن افتراق الكلمة وأن يظن بهم مبايعة الخلافة فتهيج الفتن . وكانت الصوفية يومئذ يقيمون الخرقة مقام البيعة ، ثم لمـ اندرس هذا الرسم فى الخلفاء انتهز الصوفية الفرصة وتمسكوا بسنة البيعة والله أعلم . والمسئلة الثالثة فى حكم البيعة : اعلم أن البيعة سنة وليست بواجبة ، لأر الناس بايعوا النبى عَ لٍّ. وتقربوا بها إلى اللّه تعالى؛ ولم يدل دليل على تأثيم تاركها: ولم ينكر أحد من الأئمة على تاركها ، فكان كالإجماع على أنها ليست بواجبة . والمسئلة الرابعة فى حكمة البيعة : اعلم أن الله تعالى أجرى سنة أن يضبط الأمور الخفية المضمرة فى النفوس بأفعال وأقوال ظاهرة ينصبها مقامها ، كما أن التصديق بالله ورسوله واليوم الآخر خفى فأقيم الإقرار مقامه ، وكما أن رضى المتعاقدين بيدل الثمن والمبيع أمر خفى مضمر فأقيم الإيجاب والقبول مقامه ؛ فكذلك التوبة والعزيمة على ترك المعاصى والتمسك بحبل التقوى خفى فأقيمت البيعة مقامها . المسئلة الخامسة فى شرائط الشيخ المرشد : اعلم أن شرط من يأخذ البيعة أمور ، أحدها : علم الكتاب والسنة ، ولا أريد المرتبة القصوى بل يكفى من علم الكتاب أن يكون قد ضبط تفسير المدارك أو الجلالين أو غيرهما ، وحققه على عالم ، وعرف من معانيه وتفسير الغريب والأسباب والإعراب والنقص وما يتصل بذلك ؛ ومن السنة أن يكون قد ضبط وحقق مثل كتاب المصابيح ، وعرف ( ٥٦ ) معانيه وشرح غريبه وإعراب مشكله وتأويل معضله على رأى الفقهاء . ولا يكلف يحفظ القرآن ولا الفحص عن حال الأسانيد ، ألا ترى أن التابعين وأتباعهم كانوا يأخذون بالمنقطع والمرسل؟ إنما المقصود حصول الظن ببلوغ الخبر إلى رسول اللّه عَلَامٍ ؟ ولا بعلم الأصول والكلام وجزئيات الفقه والفتاوى ؛ لأن الغرض من البيعة أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وإرشاده إلى تحصيل السكينة الباطنة وإزالة الرذائل واكتساب الحمائد ثم امتثال المسترشد به فى كل ذلك ؛ فمن لم يكن عالما كيف يتصور منه هذا ؟ وقد اتفق كلمة المشائخ على أن لا يتكلم على الناس إلا من كتب الحديث وقرأ القرآن ، اللهم إلا أن يكون رجل صحب العلماء الأتقياء دهرا طويلا ، وتأدب عليهم ، وكان متفحصا عن الحلال والحرام ، وقافا عند كتاب الله وسنة رسوله ، فعسى أن يكفيه ذلك . والله أعلم . والشرط الثانى : العدالة والتقوى ؛ فيجب أن يكون مجتنبا عن الكبائر غير مصر على الصغائر . والشرط الثالث: أن يكون زاهداً فى الدنيا، راغبا فى الآخرة، مواظبا على الطاعات المؤكدة والأذكار الماثورة المذكورة فى صحاح الأحاديث ، مواظبا على تعلق القلب بالله تعالى ، وكان ياد داشت له ملكة له راسخة . والشرط الرابع : أن يكون آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر ، مستبداً برأيه لا أسعة ليس له رأى ولا امرء ، ذا مروة وعقل تام ؛ ليعتمد عليه فى كل ما يأمر به وينهى عنه؛ قال الله تعالى: ((ممن ترضون من الشهداء)) فما ظنك لصاحب البيعة ؟ والشرط الخامس: أن يكون صحب المشائخ وتأدب بهم دهراً طويلا ، وأخذ منهم النور الباطن والسكينة . وهذا لأن سنة اللّه جرت بأن الرجل لا يفلح إلا إذا رأى المفلحين ، كما أن الرجل لا يتعلم إلا بصحبة العلماء . وعلى هذا القياس غير ذلك من الصناعات . ولا يشترط فى ذلك ظهور الكرامات أو الخوارق ، ولا ترك الاكتساب؛ ( ٥٧ ) لأن الأول ثمرة المجاهدات لاشتراط الكمال ، والثانى مخالف للشرع . ولا تغتر بما فعليه المغلوبون فى أحوالهم ؛ وإنما المأثور: القناعة بالقليل ، والورع من الشبهات . والمسئلة السادسة فى شرائط المريد : اعلم أنه يجب أن يكون المبايع بالغاً عاقلاً راغباً، وقد جاء فى الحديث أنه عرض على النبى مَ الق صبى ليبايعه فمسح على رأسه ودعا له بالبركة ولم يبابع . ومن المشائخ من يجوز بيعة الصغار تبركاً وتفاولاً. والله أعلم. والمسئلة السابعة فى بيان البيعة المتوارثة بين الصوفية : اعلم أن البيعة المتوارثة بين الصوفية على وجوه ، أحدها : بيعة التوبه من المعاصى . والثانى : بيعة التبرك فى سلسلة الصالحين بمنزلة سلسلة إسناد الحديث ، فإن فيها بركة . والثالث : بيعة تأكده العزيمة على التجرد لأمر الله عز وجل ، وترك ما نهى عنه ظاهراً وباطناً ، وتعليق القلب بالله تعالى ، وهو الأصل . وأما الأولان فالوفاء بالبيعة فيهما : ترك الكبائر ، وعدم الإصرار على الصغائر ، والتمسك بالطاعات المذكورة من الواجبات والسنن . والنكث : بالإخلال فى ما ذكرنا . وأما الثالث فالوفاء : البقاء على هذه الهجرة والمجاهدة حتى يكون متنوراً بنور السكينة ، ويصير ذلك ديدنا له وخلقًا وجبلة ؛ فعند ذلك قد يرخص فيما أباحه الشرع من اللذات ، والاشتغال ببعض ما يحتاج إلى طول التعهد كالتدريس والقضاء وغيرها . والنكث : بالإخلال فى ذلك . والمسئلة الثامنة فى تكرار البيعة : اعلم أن تكرار البيعة من رسول الله عبد الٍ مأثور ، وكذلك عن الصوفية؛ أما من الشخصين فإن كان بظهور خلل فى من بايعه فلا بأس ، وكذلك بعد موته أو غيبته المنقطعة ؛ وأما بلا عذر فإنه يشبه التلاعب ، ويذهب بالبركة ، ويصرف قلوب المشائخ عن تعهده . والله أعلم .