Indexed OCR Text
Pages 341-360
سورة الفيل الآية - ١ - ٥ وبصر أهل مكة بالطير قد أقبلت من ناحية البحر، فقال عبد المطلب: إن هذه الطير غريبة بأرضنا، ما هي بنجدية ولا تهامية ولا حجازية، وإنها أشباه اليعاسيب، وكان في مناقيرها وأرجلها حجارة، فلما أطلت على القوم ألقتها عليهم حتى هلكوا، قال عطاء بن أبي رباح: جاءت الطير عشية فباتت، ثم صبحتهم بالغداة فرمتهم، وقال عطية العوفي: سألت عنها أبا سعيد الخدري: فقال: حمام مكة منها. وأفلت من القوم أبرهة ورجع إلى اليمن فهلك في الطريق. وقال الواقدي: أبرهة هو جد النجاشي الذي كان في زمان رسول اللّهُ وَّهِ فلما أيقنوا بهلاك القوم، قال الشاعر (٤٧٣): أين المفر والإله الطالبْ والأشرمُ المغلوبُ ليس الغالبْ. يعني بالأشرم أبرهة، سمي بذلك لأن أرياط ضربه بحربة فشرم أنفه وجبينه، أي وقع بعضه على بعض. وقال أبو الصلت بن مسعود(٤٧٤)، وقيل بل قاله عبد المطلب: لأيماري بهنّ إلا الكَفُور. إنّ آياتِ ربِّنا ناطِقاتٌ حَبَسَ الفيلَ بالمغّمس حتى مَرَّ يعْوي كأنه مَعْقورُ. ﴿أَلْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْليل﴾ لأنهم أرادوا كيد قريش بالقتل والسبي، وكيد البيت بالتخريب والهدم. يحكى عن عبد المطلب بعد ما حكيناه عنه أنه أخذ بحلقة الباب وقال: يا رب لا نرجو لهم سواكا يارب فامنع منهم حماكا. امنعهم أن يخربوا قراكا. إن عدو البيت من عاداكا ثم إن عبد المطلب بعث ابنه عبد الله على فرس له سريع، ينظر ما لقوا فإذا القوم مشدخون، فرجع يركض كاشفاً عن فخده، فلما رأى ذلك أبوه قال: إن ابني أفرس العرب وما كشف عن فخذه إلا بشيراً أو نذيراً. فلما دنا من ناديهم بحيث يُسمعهم قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعاً، فخرج عبد المطلب وأصحابه فأخذوا أموالهم، فكانت أموال بني عبد المطلب، وبها كانت رياسة عبد المطلب لأنه احتمل (٤٧٣) هو نفيل بن حبيب كما في السيرة لابن هشام. (٤٧٤) وقال ابن هشام (١ /٦٢) وهي تروى لأمية بن أبي الصلت. ٣٤١ سورة الفيل الآية - ١ - ٥ ما شاء من صفراء وبيضاء، ثم خرج أهل مكة بعده فنهبوا، فقال عبد المطلب: وقد رَعَوا بمكةَ الأجيالا. أنتَ مَنِعْتَ الحُبْشَ والأقْيالا وكُلَّ أمرٍ لهمن مِعضالا . وقد خَشِينا منهم القتالا وشكراً وخمداً لك ذا الجلالا . ٠ ويحتمل تضلیل کیدهم وجهین : أحدهما: أن کیدهم أضلهم حتى هلكوا. الثاني : أن هلاکهم أضل کیدهم حتى بطل. ﴿وَأَرْسَلَ عليهم طَيْراً أَبابِيلَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من طير السماء، قال سعيد بن جبير: لم ير قبلها ولا بعدها مثلها ويروي جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال(٤٧٥): سمعت رسول اللَّه وَله يقول: إنها طير بين السماء والأرض تعشش وتفرخ. القول الثاني: أنها العنقاء المغرب التي تضرب بها الأمثال، قاله عكرمة. الثالث: أنها من طير الأرض، أرسلها اللَّه تعالى من ناحية البحر، مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقاره، قاله الكلبي. وكانت سوداً، خضر المناقير طوال الأعناق، وقيل: بل كانت أشباه الوطاويط، وقالت عائشة: كن أشباه الخطاطيف. واختلف في ((أبابيل)) على خمسة أقاويل: أحدها: أنها الكثيرة، قاله الحسن وطاوس. الثاني : المتتابعة التي يتبع بعضها بعضاً، قاله ابن عباس ومجاهد. الثالث: أنها المتفرقة من ها هنا وها هنا، قاله ابن مسعود والأخفش، ومنه قول الشاعر: إن سلولاً عداك الموت عارفة لولا سلول مشينا أبابيلا. أي متفرقین. الرابع: أن الأبابيل المختلفة الألوان، قاله زيد بن أسلم. الخامس: أن تكون جمعاً بعد جمع، قاله أبو صالح وعطاء، ومنه قول الشاعر: (٤٧٥) وهذا الطريق ضعيف لأن جويبر متروك الحديث. ٣٤٢ سورة الفيل الآية - ١ - ٥ وأبابيل من خيول عليها كأسود الأداء تحت العوالي. وقال إسحاق بن عبدالله بن الحارث: الأبابيل مأخوذ من الإبل المؤبلة، وهي الأقاطيع. واختلف النحويون هل للأبابيل واحد من جنسه، فذهب أبو عبيدة والفراء وثعلب إلى أنه لا واحد له كالعباديد والسماطيط، وذهب آخرون إلى أن له واحد، واختلفوا في واحده، فذهب أبو جعفر الرؤاسي إلى أن واحده إبّالة مشددة، وقال الكسائي : واحدها إبول، وقال ابن کیسان واحده إبيّل. ﴿تَرْميهم بحجارةٍ مِن سِجِيلٍ ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن السجيل كلمة فارسية هي سنك وكل، أولها حجر، وآخرها: طين، قاله ابن عباس. الثاني: أن السجيل هو الشديد، قاله أبو عبيدة، ومنه قول ابن مقبل(٤٧٦): ضَرْباً تواصى به الأبطالُ سِجِيلًا ورجْلةٍ يضْرِبون البیْضَ عن عَرَضٍ الثالث: أن السجيل اسم السماء الدنيا، فنسبت الحجارة إليها لنزولها منها، قاله ابن زید . الرابع: أنه اسم بحر من الهواء، منه جاءت الحجارة فنسبت إليه، قاله عكرمة وفي مقدار الحجر قولان: أحدهما: أنه حصى الخذف، قاله مقاتل. الثاني : كان الحجر فوق العدسة ودون الحمصة، قاله أبو صالح: رأيت في دار أم هانىء نحو قفيز من الحجارة التي رمي بها أصحاب الفيل مخططة بحمرة كأنها الجزع، وقال ابن مسعود: ولما رمت الطير بالحجارة بعث اللَّه ريحها فزادتها شدة، وكانت لا تقع على أحد إلا هلك ولم يسلم منهم إلا رجل من كندة، فقال: لدى جِنْبِ المغَمِّسِ ما لَقينا فإنكِ لو رأيْتِ ولم تريبِ وظِلَّ سَحابةٍ مرَّتْ علينا خَشيتُ اللَّهُ إِذْ قَدْبَثَّ طَيْراً كأنَّ لها على الحُبْشانِ دَیْنا وباتت كلُّها تدعو بحقِّ ﴿فجعَلَهم كعَصْفٍ مأكولٍ﴾ فیه خمسة أقاويل: (٤٧٦) تقدم تخريجه في سورة المطففين. ٣٤٣ سورة الفيل الآ ية - ١ - ٥ أحدها: أن العصف ورق الزَّرع، والمأكول الذي قد أكله الدود، قاله ابن عباس. الثاني: أن العصف المأكول هو الطعام، وهذا قول حسين بن ثابت. الثالث: أنه قشر الحنطة إذا أكل ما فيه، رواه عطاء بن السائب. الرابع: أنه ورق البقل إذا أکلته البهائم فراثته، قاله ابن زيد. الخامس: أن العصف التين والمأكول القصيل للدواب، قاله سعيد بن جبير والحسن، واختلف فيما فعله اللَّهُ بهم، فقال قوم: كان ذلك معجزة لنبيّ كان في ذلك الزمان، وقيل إنه كان خالد بن سنان(٤٧٧). وقال آخرون: بل كان تمهيداً وتوطيداً لنبوة(٤٧٨) محمد ◌َّر لأنه ولد في عامه وقیل في يومه. (٤٧٧) لم يصح الحديث في ذلك . (٤٧٨) وهذه الأشياء تسمى بالإرهاصات بين يدي النبوة. ٣٤٤ سورة قريش الآية - ١ - ٤ سُورَةٌ قِرْش آياتها ٤ مكية في قول الأكثرين، ومدينة في قول الضحاك. بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيةِ إِ لَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِتَآءِ وَالصَّيْفِ جَفَلْيَعْبُدُ وارَبَّ لِإِ يلَفِ قُرَيْشِ ◌َ الَّذِىَّ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ٤ ٣ هَذَا الْبَيْتِ قوله تعالى ﴿لإيلافٍ قُرِيْشٍ﴾ الإيلاف مأخوذ من أَلِف يأَلَف، وهي العادة المألوفة، ومنه قولهم ائتلف القوم. وفي قوله ﴿لإيلاف قريش﴾ أربعة أقاويل: أحدها: نعمتي على قريش، لأن نعمة اللَّه عليهم أن ألفه لهم، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: لإيلاف اللَّهُ لهم لأنه آلفهم إيلافاً، قاله الخليل بن أحمد. الثالث: لإيلاف قريش حَرَمي وقيامهم ببيتي، وهذا معنى قول الحسن. الرابع : لإيلاف ما ذكره من رحلة الشتاء والصيف في معايشهم، قاله مكحول. وفي اللام التي في ((لإيلاف قریش» قولان: أحدهما: أنه صلة يرجع إلى السورة المتقدمة من قولهم (ألم تر كيف﴾ إلى أن قال: ﴿فجعلهم كعصف مأكولٍ﴾ لإيلاف قريش، فصار معناه أن ما فعله بأصحاب الفيل لأجل (٤٧٩) إيلاف قريش، قاله ثعلب، وكان عمر وأبيّ بن كعب لا يفصلان بين (٤٧٩) وهذا هو سر ترتيب سورة قريش بعد الفيل كما قال السيوطي في تناسق السور في تناسب السور. ٣٤٥ سورة قريش الآية - ١ - ٤ السورتين ويقرآنهما كالسورة الواحدة، ويريان أنهما سورة واحدة، أي: ألم تر لإيلاف قریش. الثاني: أن اللام صلة ترجع إلى ما بعدها من قوله ﴿فَلْيَعْبُدوا رب هذا البَيْتِ﴾ ويكون معناه لنعمتي على قريش فَلْيَعْبُدوا رَبَّ هذا البيت، قاله أهل البصرة، وقرأ عكرمة، ليألف قريش، وكان يعيب على من يقرأ ((لإيلاف قريش)). وقرأ بعض أهل مكة: إلاف قريش، واستشهد بقول أبي طالب يوصي أخاه أبا لهب برسول اللَّهُ وَالت: وكن رجلاً ذا نَجدةٍ وعفافٍ فلا تَتْرِكنْهُ ما حَييتَ لمعظمٍ ألا فُهُمُ في الناس خيرُ إلافٍ تَذودُ العِدا عن عُصْبةٍ هاشميةٍ وأما قريش تلده فهم بنو النضر بن كنانة، وقيل بنو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، ومن لم تلده فهر فليس من قريش، وعلى المشهور أن بني النضر بن كنانة ومن تلده: من قريش، وإن لم يكونوا من بني فهر، وقد كانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوه مسكناً، قال الشاعر(٤٨٠): به جمع اللَّهُ القبائلَ مِن فهر أبونا قصيُّ كان يُدْعى مجمّعاً واختلفوا في تسميتهم قريشاً على أربعة أقاويل: أحدها: لتجمعهم بعد التفرق، والتقريش التجميع، ومنه قول الشاعر(٤٨١): في حَديثٍ مِن دَهْرِهم وقَدیمِ إخوةٌ قرَّشوا الذنوب علينا الثاني: لأنهم كانوا تجاراً يأكلون من مكاسبهم، والتقريش التكسب. الثالث: أنهم كانوا يفتشون الحاج عن ذي الخلة فيسدون خلته، والقرش: التفتيش، قال الشاعر: أيها الشامتُ المقِّرشُ عَنّا عند عَمرو فهل له إبْقاءُ الرابع: أن قريشاً اسم دابة في البحر، من أقوى دوابه، سميت قريشاً لقوتها وأنها تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، قاله ابن عباس واستشهد بقول الشاعر(٤٨٢): (٤٨٠) روح المعاني (٢٣٩/٣٠) القرطبي (٢٠٢/٢٠). (٤٨١) هو أبو جلدة اليشكري والبيت في روح المعاني (٢٣٩/٣) والقرطبي (٢٠٣/٢٠). (٤٨٢) هو الحارث بن حلزة اليشكري والبيت في القرطبي (٢٠٣/٢٠) وروح المعاني (٢٣٩/٣٠). ٣٤٦ سورة قريش الآية - ١ - ٤ يأكلون البلادَ أكْلاً كشيشاً. . هكذا في العباد حيُّ قريش يَكثر القتل فيهمُ والخموشا. ولهم آخرَ الزمان نبيّ يملأ الأرضَ خَيلةً ورجالاً يحشُرون المطيَّ حشْراً كميشاً. رُكُ يوماً في جناحين ريشاً. تأكل الغثَّ والسّمينَ ولا تتـ ـر بها سميت قريش قريشاً. وقريش هي التي تسكن البحـ على سائر البحور جيوشاً. سلّطت بالعلو في لجج البحر ﴿إِيلَافِهِم رِحْلَة الشتاءِ والصَّيْفِ﴾ كانت لقريش في كل عام رحلتان والرحلة السفرة، لما يعانى فيها من الرحيل والنزول، رحلة في الصيف ورحلة في الشتاء طلباً للتجارة والکسب. واختلف في رحلتي الشتاء والصيف على قولين: أحدهما: أن كلتا الرحلتين إلى فلسطين، لكن رحلة الشتاء في البحر، طلباً للدفء، ورحلة الصيف على بصرى وأذرعات، طلباً للهواء، قاله عكرمة. الثاني: أن رحلة الشتاء إلى اليمن لأنها بلاد حامية، ورحلة الصيف إلى الشام لأنها بلاد باردة، قاله ابن زید. فإن قيل فما المعنى في تذكيرهم رحلة الشتاء والصيف؟ ففيه جوابان: أحدهما: أنهم كانوا في سفرهم آمنين من العرب لأنهم أهل الحرم، فذكرهم ذلك ليعلموا نعمته عليهم في أمنهم مع خوف غيرهم. فیھم الثاني: لأنهم كانوا يكسبون فيتوسعون ويطمعون ويصلون، كما قال الشاعر (٤٨٣) : هَلَّ نَزَلْتَ بآلِ عبدِ مَنافٍ. يا أيها الرجلُ المحوِّل رَحْلَه والراحلون لرحلة الإيلافِ. الآخذون العهدَ من آفاقِها والقائلون هَلُمَّ للَأَضْيافِ. والرائشون وليس يُوجد رائشٌ حتى يصير فقيرُهم كالكافي. والخالطون غنيَّهم بفقيرهم عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجافٍ. فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. (٤٨٣) هو تبع والأبيات في القرطبي (٢٠٣/٢٠) وفيها اختلاف يسير. ٣٤٧ سورة قريش الآية - ١ - ٤ ولابن عباس في رحلة الشتاء والصيف قول ثالث: أنهم كانوا يشتون بمكة لدفئها، ويصيفون بالطائف لهوائها، كما قال الشاعر(٤٨٤): ء تَشْتي بِمكة نعمةٌ ومَصيفُها بالطائف وهذه من جلائل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. ﴿فَلْيَعْبِدُوا ربَّ هذا البَيْتِ﴾ أمرهم اللَّه تعالى بعبادته، وفي تعريف نفسه لهم بأنه رب هذا البيت وجهان: أحدهما: لأنه كانت لهم أوثان، فميز نفسه عنها. الثاني: أنهم بالبيت شرفوا على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيراً بنعمته. وفي معنى هذا الأمر والضمير في دخول الفاء على قوله ((فليعبدوا)) أربعة أوجه: أحدها: فليعبدوا رب هذا البيت بأنه أنعم عليهم برحلة الشتاء والصيف. الثاني: فليألفوا عبادة رب هذا البيت كما ألفوا رحلة الشتاء والصيف. الثالث: فليعبدوا رب هذا البيت لأنه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. الرابع: فليتركوا رحلة الشتاء والصيف بعبادة رب هذا البيت، فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف ليتوفروا بالمقام على نصرة رسوله والذب عن دينه. ﴿الذي أُطعمهم من ◌ُوعٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أطعمهم من جوع بما أعطاهم من الأموال وساق إليهم من الأرزاق، قاله ابن عیسی . الثاني: أطعمهم من جوع بما استجاب فيهم دعوة إبراهيم عليه السلام. حين قال: ﴿وارْزُقهم من الثمرات﴾، قاله ابن عباس. الثالث: أن جوعاً أصابهم في الجاهلية، فألقى اللَّهُ في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاماً، فحملوه، فخافت قريش منهم وظنوا أنهم قدموا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين، فإذا هم قد جلبوا إليهم الطعام وأعانوهم بالأقوات، فهو معنى قوله ﴿الذي أطعمهم من جوع﴾. (٤٨٤) روح المعاني (٢٤٠/٣٠). ٣٤٨ سورة قريش الآية - ١ - ٤ ﴿وَآمَنَّهُم مِنْ خوْفٍ﴾ فیه أربعة أقاويل: أحدها: آمنهم من خوف العرب أن يسبوهم أو يقاتلوهم تعظيماً لحرمة الحرم، لما سبقت لهم من دعوة إبراهيم عليه السلام حیث قال: ﴿ربُّ اجْعَلْ هذا بلدآ آمِناً﴾، قاله ابن عباس . الثاني : من خوف الحبشة مع الفيل، قاله الأعمش. الثالث: آمنهم من خوف الجذام ، قاله الضحاك والسدي وسفيان الثوري . الرابع: يعني آمن قريشاً ألا تكون الخلافة إلا فيهم، قاله علّي رضي اللَّهُ عنه. ٣٤٩ سورة الماعون الآية - ١ - ٧ تريدبهـ ١٠٧ سُورَةُ المَاعُونِ آياتها ٧ مكية في قول عطاء وجابر، ومدينة في قول ابن عباس وقتادة. بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُ الْبَنِبِمَا أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ٢ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّينَ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ٧ ٦ صَلَ تِهِمْ سَاهُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ قوله تعالى ﴿أرأيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدِّينِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني بالحساب، قاله عكرمة ومجاهد. الثاني : بحكم الله تعالى، قاله ابن عباس. الثالث: بالجزاء الثواب والعقاب. واختلف فيمن نزل هذا فيه على خمسة أوجه: أحدها: أنها نزلت في العاص بن وائل السهمي، قاله الكلبي ومقاتل. الثاني: في الوليد بن المغيرة، قاله السدي. الثالث: في أبي جهل. الرابع: في عمرو بن عائذ، قاله الضحاك. الخامس: في أبي سفيان وقد نحر جزوراً، فأتاه يتيم، فسأله منها، فقرعه بعصا، قاله ابن جريج . ﴿فذلك الذي يدُغُ اليتيم﴾ فیه ثلاثة أوجه: ٣٥٠ سورة الماعون الآية - ١ - ٧ أحدها: بمعنی یحقر الیتیم، قاله مجاهد. الثاني : يظلم اليتيم، قاله السدي. الثالث: يدفع اليتيم دفعاً شديداً، ومنه قوله تعالى: ﴿يوم يُدَعُونَ إلى نارٍ جهنّمَ دعّاً﴾ أي يُدفعون إليها دفعاً. وفي دفعه الیتیم وجهان: أحدهما: يدفعه عن حقه ويمنعه من ماله ظلماً له وطمعاً فيه، قاله الضحاك. الثاني: يدفعه إبعاداً له وزجراً،. وقد قرىء ((يَدَعُ اليتيم))(٤٨٥) مخففة، وتأويله على هذه القراءة يترك اليتيم فلا يراعيه اطراحاً له وإعراضاً عنه. ويحتمل على هذه القراءة تأويلاً ثالثاً: يدع اليتيم لاستخدامه وامتهانه قهراً واستطالة. ﴿ولا يَحُضُّ على طعامِ المِسْكِينِ﴾ أي لا يفعله ولا يأمر به، وليس الذم عاماً حتى يتناول من تركه عجزاً، ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم يقولون ﴿أنطعم من لو يشاءُ اللَّه أَطْعَمَهُ﴾ فنزلت هذه الآية فيهم، ويكون معنى الكلام لا يفعلونه إن قدروا، ولا یحثون علیه إن عجزوا. ﴿فَوِيْلٌ لِلمُصَلِّينَ﴾ الآية، وفي إطلاق هذا الذم إضمار، وفيه وجهان: أحدهما: أنه المنافق، إن صلاها لوقتها لم يرج ثوابها، وإن صلاها لغير وقتها لم يخش عقابها، قاله الحسن. الثاني: أن إضماره ظاهر متصل به، وهو قوله تعالى: ﴿الذين هم) الآية. وإتمام الآية في قوله: ﴿فويل للمصلين﴾ ما بعدها من قوله: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ إضماراً فيها وإن كان نطقاً ظاهراً . وليس السهو الذي يطرأ عليه في صلاته ولا يقدر على دفعه عن نفسه هو الذي ذم به، لأنه عفو. وفي تأويل ما استحق به هذا الذم ستة أوجه: أحدها: أن معنى ساهون أي لاهون(٤٨٦)، قاله مجاهد. (٤٨٥) وهي قراءة الحسن وأبي رجاء ونقل عن علي كما في الفتح (٦٠٢/٨). (٤٨٦) قال الحافظ ابن كثير (٤ / ) قوله ((فويل للمصلين الذين هو عن صلاتهم ساهون)) أما عن فعلها بالكلية كما قال ابن عباس وأما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعاً فيخرجها عن وقتها بالكلية كما قال ٣٥١ سورة الماعون الآية - ١ - ٧ الثانى : غافلون، قاله قتادة. الثالث: أن لا يصلّيهاسراً ويصليها علانية رياء للمؤمنين، قاله الحسن. الرابع: هو الذي يلتفت يمنة ويسرة هواناً بصلاته، قاله أبو العالية . الخامس: هو ألا يقرأ ولا يذكر اللَّه، قاله قطرب. السادس: هو ما روى مصعب بن سعد بن أبي وقاص (٤٨٧) عن أبيه قال: سألت رسول اللَّهُ وَير عن ((الذين هم عن صلاتهم ساهون)) فقال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن مواقيتها . ﴿الذين هم يُراءونَ﴾ فیه وجهان: أحدهما: المنافقون الذين يراءون بصلاتهم، يصلّونها مع الناس إذا حضروا، ولا يُصلّونها إذا غابوا، قاله علي وابن عباس. الثاني: أنه عامّ في ذم كل من راءى لعمله ولم يقصد به إخلاصاً لوجه ربه. روي عن النبي ◌َّي أنه قال(٤٨٨): ((يقول اللَّه تعالى: مَن عَمِل عملا لغيري فقد أشرك بي وأنا أغنى الشركاء عن الشرك)). ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعونَ﴾ فيه ثمانية تأويلات: أحدها: أن الماعون الزكاة، قاله علي وابن عمر والحسن وعكرمة وقتادة، قال الراعي (٤٨٩): مسروق وأبو الضحى وأما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخر دائماً أو غالباً وأما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور وأما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها فاللفظ يشمل ذلك كله ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية .. (٤٨٧) رواه ابن جرير (٣١٣/٣٠) وزاد السيوطي في الدر (٦٤٢/٨) نسبته لأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في سننه وقال الهيثمي في المجمع (١٤٣/٧) بعد روايته من طريق الطبراني «فيه عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف جداً ورواه ابن جرير (٣١١/٣٠) والفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه موقوفاً على سعد ورجح الحاكم وقفه كذا البيهقي كما في الدر (٦٤٢/٨) ونسبه الحافظ في الفتح (٦٠٢/٨) لعبد الرزاق أيضاً. (٤٨٨) رواه ابن ماجه (٤٢٠٢) ولفظه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل# قال قال الله عز وجل: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملاً اشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو الذي أشرك)). وقال المنذري في الترغيب والترهيب رواة ابن ماجه ثقات وزاد نسبته لابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والحديث صححه الألباني الترغيب والترهيب (١٨/١). (٤٨٩) تقدم تخريج هذه الأبيات. ٣٥٢ سورة الماعون الآية - ١ - ٧ حُنَفَاءُ نسجُد بكرةً وأصيلاً. أخليفة الرحمن إنا مَعْشَرٌ حقَّ الزكاة مُنزّلا تنزيلاً عَرَبٌ نرى للَّهُ في أَمْوالِنا ماعونَهم ويضَيِّعوا التهْليلا قَوْمٌ على الإسلام لمّا يَمْنعوا الثاني : أنه المعروف، قاله محمد بن کعب. الثالث: أنه الطاعة، قاله ابن عباس. الرابع: أنه المال بلسان قريش، قاله سعيد بن المسيب والزهري. الخامس: أنه الماء إذا احتيج إليه ومنه الماء المعين وهو الجاري، قال الأعشى (٤٩٠): بأجود منا بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغِم السادس: أنه ما يتعاوره الناس بينهم، مثل الدلو والقدر والفاس، قاله ابن عباس (٤٩١)، وقد روي مأثوراً(٤٩٢). السابع: أنه منع الحق، قاله عبدالله بن عمر. الثامن: أنه المستغل من منافع الأموال، مأخوذ من المعنى وهو القليل، قاله الطبري (٤٩٣) وابن عيسى . ويحتمل تاسعاً: أنه المعونة بما خف فعله وقل ثقله . (٤٩٠) ديوانه: ١٧٠ القرطبي (٢١٤/٢٠) والطبري (٣١٤/٣٠) وفتح القدير (٥٠٠/٥). (٤٩١) رواه الطبري (٣١٨/٣٠) والطبراني كما في المجمع (١٤٣/٧) وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح . (٤٩٢) وهذا المأثور ورد موقوفاً له حكم الرفع من حديث ابن مسعود رضي الله عنه فرواه البزار والطبراني ولفظه كنا نعد الماعون على عهد رسول الله وَّر الدلو والفأس والقدر قال الهيثمي في المجمع (١٤٣/٧). رجال الطبراني رجال الصحيح . ورواه أبو داود (١٦٥٧) والنسائي كما في الفتح (٦٠٣/٨) ولفظه كنا نعد الماعون على عهد رسول الله 43* عارية الدلو والقدر وزاد السيوطي في الدر (٤٠٠/٦) نسبته لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي . (٤٩٣) جامع البيان (٣١٣/٣٠). ٣٥٣ سورة الكوثر الآية - ١ - ٣ ريبها ١٠٨ شُورَةٌ الكور آياتها) بسْمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيةِ إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ ﴾ فَصَلّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ جَ إِنَّ شَانِتَكَ ٣ هُوَ اُلْأَبْتَ قوله تعالى ﴿إِنّا أَعْطَيْنَاكِ الكَوْثَرِ﴾ فيه تسعة تأويلات: أحدها: أن الكوثر النبوة، قاله عكرمة. الثاني : القرآن، قاله الحسن. الثالث: الإسلام، حكاه المغيرة. الرابع: أنه نهر في الجنة، رواه ابن (٤٩٤) عمر وأنس (٤٩٥) مرفوعاً. الخامس: أنه حوض النبي (٤٩٦) * * الذي يكثر الناس عليه يوم القيامة، قاله عطاء . (٤٩٤) رواه الترمذي (٣٣٥٨) وابن ماجه (٤٣٣٤) وأحمد (١١٢/٢) وإسناده صحيح كما قال الأرناؤوط في تخريج جامع الأصول (٤٣٩/٢) وزاد السيوطي في الدر (٤٠٣/٦) نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم. (٤٩٥) رواه مسلم (٣٠٠/١) وابن جرير (٣٢٤/٣٠، ٣٢٥) وأبو داود (٤٧٤٧، ٤٧٤٨) والنسائي (١٣٤،١٣٣/٣) وزاد السيوطي في الدر (٦٤٧/٨) نسبته للبيهقي في سننه وابن مردويه وابن أبي شيبة وأحمد. (٤٩٦) ولا ينافي هذا القول القول الذي قبله فإن النبي وَّر له نهر في الجنة يصب في حوض أمام باب الجنة يشرب منه الناس في أرض المحشر قبل دخول الجنة. ٣٥٤ سورة الكوثر الآية - ١ - ٣ السادس: أنه الخیر الکثیر، قاله ابن عباس. السابع: أنه كثرة أمته، قاله أبو بكر بن عياش. الثامن: أنه الإيثار، قاله ابن کیسان. التاسع: أنه رفعة الذكر، وهو فوعل من الكثرة. ﴿فَصَلِّ لِرِبِّكَ وانحَرْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها: الصلاة المكتوبة، وهي صلاة الصبح بمزدلفة، قاله مجاهد. الثاني: صلاة العيد، قاله عطاء. الثالث: معناه اشكر ربك، قاله عكرمة. ﴿وانحرْ﴾فيه خمسة تأويلات: أحدها: وانحر هديك أو أضحيتك، قاله ابن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة. الثاني: وانحر أي وسل، قاله الضحاك. الثالث: معناه أن يضع اليمين على الشمال عند نحره في الصلاة، قاله عليّ (٤٩٧) وابن عباس رضي اللَّه عنهما. الرابع: أن يرفع يديه في التكبير، رواه علّي(٤٩٨). الخامس: أنه أراد واستقبل القبلة في الصلاة بنحرك، قاله أبو الأحوص ومنه قول الشاعر (٤٩٩): (٤٩٧) رواه ابن جرير (٣٢٥/٣٠) والبخاري في تاريخه (٤٣٧/٦) والحاكم (٥٣٧/٢) وزاد السيوطي في الدر (٨/ ٦٥٠) نسبته لابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والدارقطني في الأفراد وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه ولكن قال الحافظ ابن كثير (٤ / ٥٥٨). ولا يصح وعند الشعبي مثله. (٤٩٨) رواه ابن أبي حاتم وابن شاهين في السنة وابن مردويه والبيهقي ولا شك أن القول الأول الذي ذكره المصنف هو الصواب وهو قول الجمهور ولهذا قال العلامة ابن كثير (٥٥٩/٤) والصحيح القول الأول أن المراد بالنحر ذبح المناسك ولهذا كان رسول الله ولم يصلي العيد ثم ينحر نسكه .. الخ. (٤٩٩) وقد رواه علي مرفوعاً ولم يصح هذا الحديث فقد أخرجه الحاكم (٥٣٨/٢) وزاد السيوطي في الدر (٦٥٠/٨) نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه قال العلامة الألوسي (٤٤٧/٣٠) نقلاً عن السيوطي ((وحديث عليّ كرم الله وجهه أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم بسند ضعيف. وقال الحافظ ابن كثير (٥٥٩/٤) حديث منكر جداً بل أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات قلت: لأن في سنده إسرائيل بن حاتم وهو صاحب عجائب لا تعتمد عليه وأصبغ شيعي متروك عند النسائي. أفاده الذهبي في تهذيب المستدرك (٥٣٨/٢). ٣٥٥ سورة الكوثر الآية - ١ - ٣ أبا حَكَمٍ هَلْ أَنْتَ عَمُّ مُجالدٍ وسيدُ أهْلِ الأَبْطحِ المتناحرِ. أي المتقابل. ﴿إِنّ شانئك هو الأبترُ﴾ في شانئك وجهان: أحدهما: مبغضك، قاله ابن شجرة. الثاني : عدوّك، قاله ابن عباس. وفي ((الأبتر)) خمسة تأويلات: أحدها: أنه الحقير الذليل، قاله قتادة. الثاني : معناه الفرد الوحيد، قاله عكرمة. الثالث: أنه الذي لا خير فيه حتى صار مثل الأبتر، وهذا قول مأثور (٥٠٠). الرابع: أن قريشاً كانوا يقولون لمن مات ذكور ولده، قد بتر فلان فلما مات لرسول اللَّه وَليل ابنه القاسم بمكة، وابراهيم بالمدينة، قالوا بتر محمد فليس له من يقوم بأمره من بعده، فنزلت الآية، قاله السدي وابن زيد. الخامس: أن اللَّه تعالى لما أوحى إلى رسول اللَّه وَليل ودعا قريش إلى الإيمان، قالوا ابتتر منا محمد، أي خالفنا وانقطع عنا، فأخبر اللَّه تعالى رسوله أنهم هم المبتورون، قاله عكرمة(٥٠١) وشهر بن حوشب. واختلف في المراد من قريش بقوله ﴿إِنّ شانئك هو الأبتر﴾ على ثلاثة أقاويل: أحدها : أنه أبو لهب، قاله عطاء. الثاني : أبو جهل، قاله ابن عباس. الثالث: أنه العاص بن وائل، قاله عكرمة(٥٠٢). والله أعلم. (٥٠٠) روح المعاني (٢٤٧/٣٠) فتح القدير (٥٠٢/٥) القرطبي (٢١٩/٢٠). (٥٠١) وروى البزار بسند صححه ابن كثير (٥٥٩/٤) عن ابن عباس رضي الله عنه قال قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش أنت سيدهم ألا ترى إلى هذا (الصابي) المنبتر من قومه يزعم أنه جاء ونحن أهل الحجيج وأهل السقاية فقال أنتم خير منه فنزلت ((إن شانئك هو الأبتر)). (٥٠٢) وقيل هو كعب بن الأشرف كما سبق في التعليق الذي قبله. ٣٥٦ سورة الكافرون الآية - ١ - ٦ مليهـ ١٠٩ سُورَةُ الْكَافِرُونَ آياتها) مكية في قول ابن مسعود والحسن وعكرمة، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك. بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الزَحِيةِ جَأوَّلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ربدةدوم مُ ] وَلَآَ أَنْتُمْ عَِدُونَ مَا أَعْبُدُ ٤ ◌َ وَلَ أَنْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُمْ! مَآ أَعْبُدُ دِیئُكُمْوَلَِدِينِ ﴿قُل يا أيُّها الكافِرِونَ﴾ الآيات، ذكر محمد بن إسحاق أن سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول الله وسليل فقالوا: يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد. ونعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنامنه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيديك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فصار حرف الأمر في هذه السورة وسورة الإخلاص والمعوذتين متلوّاً، لأنها نزلت جواباً، عنى بالكافرين قوماً معينين، لا جميع الكافرين، لأن منهم من آمن، فعبد الله، ومنهم من مات أو قتل على كفره، وهم المخاطبون بهذا القول فمنهم المذكورون. ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ يعني من الأوثان. ٣٥٧ سورة الكافرون الآية - ١ - ٦ ﴿ولا أنتم عابدون ما أَعْبُدُ﴾ يعني الله تعالى وحده، الآيات. فإن قيل: ما فائدة هذا التكرار؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما: أن قوله في الأول ((لا أعبد)) و ((لا تعبدون)) يعني في الحال، وقوله الثاني: يعني في المستقبل، قاله الأخفش. الثاني: أن الأول في قوله ((لا أعبد)) و((لا أنتم)) الآية يعني في المستقبل(٥٠٣)، والثاني: إخبار عنه وعنهم في الماضي، فلم يكن ذلك تكراراً لاختلاف المقصود فيهما . فإن قيل: فلم قال ((ما أَعْبُدُ)) ولم يقل ((من أَعْبُدُ))؟ قيل: لأنه مقابل لقوله: ﴿ولا أنا عابد ما عَبَدْتُمْ﴾ وهي أصنام وأوثان، ولا يصلح فيها إلا ((ما)) دون ((من)) فحمل الثاني على الأول ليتقابل الكلام ولا يتنافى. ﴿لكم دينكم ولي دينٍ﴾ فیه وجهان: أحدهما: لكم دينكم الذي تعتقدونه من الكفر، ولي ديني الذي أعتقده من الإسلام، قاله یحیی بن سلام. الثاني: لكم جزاء عملكم، ولي جزاء عملي. وهذا تهديد منه لهم، ومعناه وكفى بجزاء عملي ثواباً، قاله ابن عيسى . قال ابن عباس: ليس في القرآن سورة أشد لغيظ إبليس من هذه السورة، لأنها توحيد وبراءة من الشرك (٥٠٤). (٥٠٣) في هذه الآيات تأكيد واضح لاستقلالية الإيمان وأن العقيدة الإسلامية لا تقبل أنصاف الحلول مطلقاً إذ أن أركان الإيمان وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة على الإطلاق فمن اعتراه ريب أو شك في عقيدته فقد ضل ضلالاً بعيداً ومجرد النطق بكلام الكفر يخرج الشخص عن الإسلام ويحبط عمله الصالح قال تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ ولو أن شخصاً نوى بقلبه أن يكفر بعد حين فقد ارتد عن الإسلام بمجرد هذه النية ولا يعود إلى الإسلام إلا بعد التبرؤ من كفره ثم الإتيان بالشهادتين ولا ينفعه الإستغفار قبل الشهادتين. (٥٠٤) كيف لا وقد اشتملت هذه السورة على نوعي التوحيد القولي والعملي ولهذا كان رسول الله وَله يقرأ بها في مناسبات خاصة. ٣٥٨ سورة النصر الآية - ١ - ٣ شُورَةُ النَّصِرُ آياتها بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الزَّحِيِ وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجَالثََّ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا ٣ قوله تعالى ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفتحُ﴾ أما النصر فهو المعونة مأخوذ من قولهم قد نصر الغيث الأرض إذا أعان على نباتها ومنع من قحطها، قال الشاعر(٥٠٥): بلادَ تميمٍ وانْصُري أرضَ عامِرٍ. إذا انسلَخَ الشهرُ الحرامُ فَوَدِّعي وفي المعنيّ بهذا النصر قولان: أحدهما: نصر الرسول على قريش، قاله الطبري. الثاني : نصره على كل من قاتله من أعدائه، فإن عاقبة النصر كانت له. وقيل: إذا جاء نصره بإظهاره إياك على أعدائك، والفتح: فتحه مكة وقيل المراد حين نصر اللَّه المؤمنين وفتح مكة وسائر البلاد عليهم. وإنما عبر عن الحصول بالمجيء تجوزاً للإشعار بأن المقدرات متوجهة (٥٠٦) حين إلى أوقاتها المعينة لها، فتعرف منها شيئاً فشيئاً، وقد قرب النصر من وقته فكن مترقباً لوروده مستعداً لشكره. (٥٠٥) هو الراعي النميري والبيت في اللسان نصر والقرطبي (٢٠/ ٢٣٠) وفتح القدير (٥٠٩/٥) وفيه إذا انصرف الشهر الحرام ... (٥٠٦) يعني أن الأشياء كانت سابقة في القدر معلومة ومكتوبة وتظهر الى عالم الوجود في أوقاتها التي قدرها اللّه لها. ٣٥٩ سورة النصر الآية - ١ - ٣ وفي هذا الفتح قولان: أحدهما: فتح مكة، قاله الحسن ومجاهد. الثاني : فتح المدائن والقصور، قاله ابن عباس وابن جبير، وقيل ما فتحه عليه من العلوم . ﴿ورأيْتَ الناسَ يَدْخُلون في دِيْنِ اللَّهِ أَفْواجاً﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل اليمن، وروى عن ابن عباس أن النبي (٥٠٧) وَّ قال: ((الدين يمانٍ والفقه يمانٍ والحكمة يمانية)) وروي عنه (٥٠٨) عليه السلام أنه قال: إني لأجد نَفَس ربكم مِن قِبل اليمن)) وفيه تأويلان: أحدهما: أنه الفرج لتتابع إسلامهم أفواجاً. الثاني: معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه بأهل اليمن، وهم الأنصار. القول الثاني: أنهم سائر الأمم الذين دخلوا في الإسلام، قاله محمد بن کعب. وقال الحسن: لما فتح الله على رسوله مكة، قالت العرب بعضهم لبعض: أيها القوم ليس لكم به ولا بالقوم يد، فجعلوا يدخلون في دين الله أفواجاً أمة أمة. قال الضحاك: والأمة أربعون رجلاً، وقال ابن عباس: الأفواج ((الزمر))، وقال الكلبي : الأفواج القبائل. وروى جابر بن عبد اللَّه (٥٠٩) قال: سمعت رسول اللَّه وَلَه يقول: ((إنّ الناس دخلوا في دين الله أفواجاً وسيخرجون أفواجاً)). (٥٠٧) رواه ابن جرير (٣٣٢/٣٠) ولفظه عن ابن عباس ((قال بينا رسول الله له بالمدينة إذ قال: ((الله أكبر الله. أكبر جاء نصر الله والفتح جاء أهل اليمن)) قيل يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال قوم رقيقة قلوبهم لينة طباعهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية)). (٥٠٨) قال الحافظ في تخريج الكشاف ص ١٨٩ رواه الطبراني في الأوسط ومسند الشاميين من طريق حريز بن عثمان عن شبيب بن روح عن أبي هريرة به في حديث أوله الإيمان يمان ولا باس بإسناده وله شاهد من حديث سلمة بن نفيل السكوني في مسند البزار والطبراني في الكبير والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٤٦٢ وفي إسناده إبراهيم بن سليمان الأفطس قال البزار إنه غير مشهور والراوي عنه عبد الله بن سالم الحمصي وكان أبو داود یذمه . (٥٠٩) رواه أحمد (٣٤٣/٣) وزاد السيوطي في الدر (٦٦٤/٨) نسبته لابن مردويه. ٣٦٠