Indexed OCR Text
Pages 141-160
سورة المدثر الآية - ١١ - ٣٠ الثالث: الحق، قاله مجاهد. وفي قوله ((عنيداً)) أربعة تأويلات: أحدها: معاند، قاله مجاهد وأبو عبيدة، وأنشد قول الحارثي (١٧٧): إذا نزلت فاجعلاني وسطا إني كبير لا أطيق العُنَّدا. الثاني : مباعد، قاله أبو صالح، ومنه قول الشاعر (١٧٨): نوى غُرْبَةٍ إِنّ الفراق عنود. أرانا على حال تفرِّق بيننا الثالث: جاحد، قاله قتادة. الرابع: مُعْرض، قاله مقاتل. ويحتمل تأويلاً خامساً: أنه المجاهر بعداوته. ﴿سأرْهِقُه صَعُوداً﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: مشقة من العذاب، قاله قتادة. الثاني : أنه عذاب لا راحة فيه، قاله الحسن. الثالث: أنها صخرة في النار ملساء يكلف أن يصعدها، فإذا صعدها زلق منها، وهذا قول السدي . الرابع: ما رواه عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري (١٧٩) عن النبي ◌َل ((سأرهقه صعوداً))، قال: هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده عليه ذابت، وإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت. ويحتمل إن لم يثبت (١٨٠) هذا النقل قولاً خامساً: أنه تصاعد نفسه للنزع وإن لم یتعقبه موت ليعذب من داخل جسده کما یعذب من خارجه. ﴿إِنه فكَّرَ وقَدَّر﴾ قال قتادة: زعموا أن الوليد بن المغيرة قال: لقد نظرت فيما قال هذا الرجل فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يُعْلَى، وما أشك أنه سحر، فهو معنى قوله ((فكر وقدّر)) أي فكر في القرآن، وقدر فيما إنه سحر ولیس بشعر. (١٧٧) والبيت في اللسان ((عند)) فتح القدير (٣٢٦/٥) والقرطبي (٧٣/١٩) والطبري (١٥٤/٢٩). (١٧٨) القرطبي (١٩/ ٧٣). (١٧٩) تقدم تخريجه في سورة الجن في التعليق ١٣ . (١٨٠) وهذا يدل على أن الحديث عند الإمام لم يثبت وفعلاً هو حديث ضعيف وقد تقدم تخريجه. ١٤١ سورة المدثر الآية - ١١ - ٣٠ ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يكون فكّر في العداوة وقدّر في المجاهدة. ﴿فِقُتِلَ كيف قَدَّرَ﴾ فیه وجهان: أحدهما: أي عوقب ثم عوقب، فيكون العقاب تكرر عليه مرة بعد أخرى. الثاني : أي لعن ثم لعن كيف قدر أنه ليس بشعر ولا كهانة، وأنه سحر. ﴿ثم نَظَرَ﴾ يعني الوليد بن المغيرة، وفي ما نظر فيه وجهان: أحدهما: أنه نظر في الوحي المنزل من القرآن، قاله مقاتل. الثاني: أنه نظر إلى بني هاشم حين قال في النبي ◌َّ إنه ساحر، ليعلم ما عندهم . ويحتمل ثالثاً: ثم نظر إلى نفسه فيما أعطِي من المال والولد فطغى وتجبر. ﴿ثم عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أما عبس فهو قبض ما بين عينيه، وبَسَرَ فيه وجهان: أحدهما: كلح وجهه، قاله قتادة، ومنه قول بشر بن أبي خازم(١٨١): بشهباءً ملمومةٍ باسِرَة. صبحنا تميماً غداة الجِفار الثاني: تغيرٌ، قاله السدي، ومنه قول توبة (١٨٢): وقد رابني منها صدودٌ رأيتُه وإِعْراضها عن حاجتي وبُسورها. واحتمل أن يكون قد عبس وبسر على النبي وَلّ حين دعاه. واحتمل أن یکون علی من آمن به ونصره. وقيل إن ظهور العبوس في الوجه يكون بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه قبل المحاورة . ﴿ثم أَدْبَر واسْتخبر﴾ یحتمل وجھین: أحدهما: أدبر عن الحق واستكبر عن الطاعة . الثاني : أدبر عن مقامه واستكبر في مقاله. ﴿فقال إنْ هذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَر﴾ قال ابن زيد: إن الوليد بن المغيرة قال: إنْ هذا القرآن إلا سحر يأثره محمد عن غيره فأخذه عمن تقدمه. ويحتمل وجهاً آخر: أن يكون معناه أن النفوس تؤثر لحلاوته فيها كالسحر. (١٨١) القرطبي (٧٥/١٩) فتح القدير (٣٢٧/٥). (١٨٢) روح المعاني (١٢٤/٢٩) الطبري (١٥٦/٢٩) فتح القدير (٣٢٧/٥) القرطبي (٧٦/١٩). ١٤٢ سورة المدثر الآية - ١١ - ٣٠ ﴿إِنْ هذا إلا قَوْلَ البَشَرِ﴾ أي ليس من كلام اللّه تعالى، قال السدي: يعنون أنه من قول أبي اليسر عَبْدٌ لبني الحضرمي كان يجالس النبي ◌َّ، فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك. ﴿سأصلیه سقر﴾ فیه وجهان : أحدهما: أنه اسم من أسماء جهنم مأخوذ من قولهم: سقرته الشمس إذا آلمت دماغه، فسميت جهنم بذلك لشدة إيلامها . ﴿وما أدراك ما سَقَر لا تبقي ولا تذر﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا تبقي من فيها حياً، ولا تذره ميتاً، قاله مجاهد. الثاني: لا تبقي أحداً من أهلها أن تتناوله، ولا تذره من العذاب، حكاه ابن عيسى . ويحتمل وجهاً ثالثاً: لا تبقيه صحيحاً، ولا تذره مستريحاً. ﴿لَوّاحَةً للبَشَرِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: مغيرة لألوانهم، قال أبو رزين تلفح وجوههم لفحة تدعهم أشد سواداً من الليل. الثاني : تحرق البشر حتى تلوح العظم، قاله عطية . الثالث: أن بشرة أجسادهم تلوح على النار، قاله مجاهد. الرابع: أن اللواح شدة العطش، والمعنى أنها معطشة للبشر، أي لأهلها، قاله الأخفش، وأنشد (١٨٣): سَقَتْني على لوْحٍ من الماءِ شَرْبةً سقاها به اللَّه الرهامَ الغواديا. يعني باللوح شدة العطش. ويحتمل خامساً: أنها تلوح للبشر بهولها حتى تكون أشد على من سبق إليها، وأسرّ لمن سلم منها. وفي البشر وجهان: أحدهما: أنهم الإنس من أهل النار، قاله الأخفش والأكثرون . الثاني : أنه جمع بشرة، وهي جلدة الإنسان الظاهرة، قاله مجاهد وقتادة. (١٨٣) فتح القدير (٣٢٨/٥) القرطبي (٧٨/١٩). ١٤٣ سورة المدثر الآية - ١١ - ٣٠ ﴿عليها تسعةَ عَشَرَ﴾ هؤلاء خزنة جهنم وهم الزبانية، وعددهم هذا الذي ذكره الله تعالى، وروى عامر عن البراء (١٨٤) أن رهطاً من اليهود سألوا رسول اللَّه وَّ عن خزنة جهنم، فأهوى بأصابع كفية مرتين، فأمسك الإبهام في الثانية، وأخبر اللَّه عنهم بهذا العدد، وكان الاقتصار عليه دون غيره من الأعداد إخباراً عمن وكل بها وهو هذا العدد، وموافقة لما نزل به التوراة والإنجيل من قبل. وقد يلوح لي في الاقتصار على هذا العدد معنى خفي يجوز أن يكون مراداً، وهو أن تسعة عشر عدد يجمع أكثر القليل من العدد وأقل الكثير، لأن العدد آحاد وعشرات ومئون وألوف، والآحاد أقل الأعداد، وأكثر الآحاد تسعة، وما سوى الآحاد كثير وأقل الكثير عشرة، فصارت التسعة عشر عدداً يجمع من الأعداد أكثر قليلها، وأقل كثيرها، فلذلك ما وقع عليها الاقتصار والله أعلم للنزول عن أقل القليل وأكثر الكثير، فلم يبق إلا ما وصفت. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يكون اللَّه حفظ جهنم حتى ضبطت وحفظت بمثل ما ضبطت به الأرض وحفظت به من الجبال حتى رست وثبتت، وجبال الأرض التي أرسيت بها واستقرت عليها تسعة عشر جبلاً، وإن شعب فروعها تحفظ جهنم بمثل هذا العدد، لأنها قرار لعُصاة الأرض من الإنس والجن، فحفظت مستقرهم في النار بمثل العدد الذي حفظ مستقرهم في الأرض، وحد الجبل ما أحاطت به أرض تتشعب فيها عروقه ظاهره ولا باطنه، وقد عد قوم جبال الأرض فإذا هي مائة وتسعون جبلاً، واعتبروا انقطاع عروقها رواسي وأوتاداً، فهذان وجهان يحتملهما الاستنباط، والله أعلم بصواب ما استأثر بعلمه . وذكر من يتعاطى العلوم العقلية وجهاً ثالثاً: أن الله تعالى حفظ نظام خلقه ودبر ما قضاه في عباده بتسعة عشر جعلها المدبرات أمراً وهي سبعة كواكب واثنا عشر (١٨٤) رواه الترمذي (٣٣٢٧) والبزار وأحمد وابن مردويه كما في الدر (٣٣٣/٨) من حديث جابر وأما ما ذكره المؤلف هنا فقد رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث كما في الدر (٣٣٢/٨) قال الحافظ ابن كثير في التفسير (٤ /٤٤٣) بعد أن ساقه من رواية ابن أبي حاتم قال وهذا وقع عند ابن أبي حاتم والمشهور من حديث جابر قلت وقد تقدم تخريج حديثه. وقال البزار لا يعرف إلا من حديث مجالد اهـ وقلت ومجالد ضعيف ليس بالقوي. ١٤٤ سورة المدثر الآية - ١١ - ٣٠ برجاً، فصار هذا العدد أصلاً في المحفوظات العامة، فلذلك حفظ جهنم، وهذا مدفوع بالشرع وإن راق ظاهره (١٨٥). ثم نعود إلى تفسير الآية، روى قتادة أن الله تعالى لما قال: ((عليها تسعة عشر)) قال أبو جهل: يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم أن يأخذوا واحداً منهم وأنتم أكثر منهم. قال السدي: وقال أبو الأشَدّ (١٨٦) بن الجمحي: لا يهولنكم التسعة عشر أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التسعة ثم تمرون إلى الجنة، يقولها مستهزئاً . فقال الله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّ مَلَئِكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِذَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَّ كَفَرُ وْلِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَّأْ وَلَيَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ وَالْمُؤْمِنُونُ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ وَالْكَثِرُونَ مَاذَا أَرَدَلَّهُ بِهَذَا مَثَلً كَذَلِكَ يُضِلُ اللّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَرَبِّكَ إِلَّهُوَ وَمَا هِىَ إِلََّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ جَ كَلَّ وَاَلْقَمَرِ! وَاُلَّيْلِ إِذْ أَذْبَ ﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴿٨َ إِنَّهَا لَإِ حْدَى الْكُبِ ﴿٣َّنَذِيِّ الْبَشَرِ ٣٦) لِمَن شَآءَ مِنْكُمْأَنْ يَنَقَدَّمَ أَوْيَنَأَخَّرَ ٣٧ ﴿وَمَا جَعَلْنَا أصحابَ النارِ إلا ملائكةً وما جعلْنا عدَّتهم إلا فِتْنَةً للذين كَفَرُوا﴾ وروى ابن جريج أن النبي (١٨٧) وَ ل ◌ّ نعت خزنة جهنم فقال: كأن أعينهم البرق، وكأن (١٨٥) قال الحافظ ابن كثير (٤٤٤/٤) قوله تعالى ((وما يعلم جنود ربك إلا هو)) اي ما يعلم عددهم وكثرتهم الا هو تعالى لئلا يتوهم متوهم انهم تسعة عشر فقط لما قد قاله طائفة من أهل الضلالة والجهالة ومن الفلاسفة اليونانيين ومن شايعهم من المسلمين والذين سمعوا هذه الآية فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة والنفوس التسعة التي اخترعوا دعواها وعجزوا عن اقامة الدلالة على مقتضاها فافهموا صدر هذه الآية وكفروا بآخرها وهو قوله ((وما يعلم جنود ربك إلا هو)). (١٨٦) وفي القرطبي (١٩ /٧٩) أبو الأشد أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البأس وذكروا أنه كان يبسط له الأدسم العكاظي فيقوم عليه ويقول من أزالني عنه فله كذا فلا ينزع إلا قطعاً ويبقى موضع قدمه وكان شديد العداوة لرسول الله يَليفر . وسياتي عن المصنف هذه القول الثاني في الاسم. (١٨٧) قال الحافظ في تخريج الكشاف ص ١٨٠ لم اجده. ١٤٥ سورة المدثر الآية - ٣١ - ٣٧ أفواههم الصياصي، يجرون شعورهم، لأحدهم مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمي بهم في النار، ويرمي الجبل عليهم. ﴿ليَسْتَيْقِنَ الذین أُوتوا الكتاب﴾ فیه وجهان: أحدهما: ليستيقنوا عدد الخزنة لموافقة التوراة والإنجيل، قاله مجاهد. الثاني: ليستيقنوا أن محمداً نبي لما جاء به من موافقة عدة الخزنة. ﴿وَيَزْدادَ الذين آمنوا إيماناً﴾ بذلك، قاله ابن جريج. ﴿وما هي إلا ذِكْرى للبَشَرِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وما نار جهنم إلا ذكرى للبشر، قاله قتادة. الثاني: وما هذه النار في الدنيا إلا تذكرة لنار الآخرة، حكاه ابن عيسى. الثالث: وما هذه السورة إلا تذكرة للناس، قاله ابن شجرة . ﴿كلا والقَمرِ﴾ الواو في ((والقمر)) واو القسم، أقسم اللّه تعالى به، ثم أقسم بما بعده فقال : ﴿واللیل إذ أَدْبَرَ﴾ فيه وجهان: أحدهما : إذ ولّی، قاله ابن عباس. الثاني: إذ أقبل عند إدبار النهار قاله أبو عبيدة، وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن إذا دبر (١٨٨)، وهي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب. واختلف في أدبر ودبر على قولين : - أحدهما: أنهما لغتان ومعناهما واحد، قاله الأخفش. - الثاني : أن معناهما مختلفان، وفيه وجهان: أحدهما: أنه دبر إذا خلفته خلفك، وأدبر إذا ولى أمامك، قاله أبو عبيدة. الثاني: أنه دبر إذا جاء بعد غيره وعلى دبر، وأدبر إذا ولى مدبراً، قاله ابن بحر. ﴿والصُّبْحِ إذا أَسْفَرَ﴾ يعني أضاء وهذا قسم ثالث. ﴿إنها لإِحْدَى الكُبَرِ﴾ فيها ثلاثة تأويلات: أحدها: أي أن تكذيبهم بمحمد ريّ لإحدى الكبر، أي الكبيرة من الكبائر، قاله ابن عباس. (١٨٨) زاد المسير (٨ /٤٠٩) والسبعة لابن مجاهد ٦٥٩. ١٤٦ سورة المدثر الآية - ٣٨ - ٥٥ الثاني: أي أن هذه النار لإحدى الكبر، أي لإحدى الدواهي. الثالث: أن هذه الآية لإحدى الکبر، حكاه ابن عیسی . ويحتمل رابعاً: أن قيام الساعة لإحدى الكبر، والكُبرُ هي العظائم والغقوبات والشدائد، قال الراجز (١٨٩): يا ابن المُعَلّى نزلتْ إحدى الكُبَرْ داهية الدهرِ وصَمّاءُ الغِيَرْ. ﴿نذيراً للبشر﴾ فيه وجهان : أحدهما: أن محمداً ێ نذير للبشر حین قال له ((قم فأنذر))، قاله ابن زيد. الثاني: أن النار نذير للبشر، قال الحسن: والله ما أنذر الخلائق قط بشيء أدهى منها . ويحتمل ثالثاً: أن القرآن نذير للبشر لما تضمنه من الوعد والوعيد. ﴿لمن شاءَ منكم أن يتقدّمَ أو يتأَخّرَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتقدم في طاعة الله، أو يتأخر عن معصية الله، وهذا قول ابن جريج . الثاني : أن يتقدم في الخير أو يتأخر في الشر، قاله يحيى بن سلام. الثالث: أن يتقدم إلى النار أو يتأخر عن الجنة، قاله السدي. ويحتمل رابعاً: لمن شاء منكم أن يستكثر أو يقصر، وهذا وعيد وإن خرج مخرج الخبر. كُ نَفْسِ بِمَاكَسَبَتْ رَهِيَنَةُ (﴿ إِلَّا أَضْحَبَلْيِينِ( ٤٠ ◌َ عَنِ الْمُجْرِمِينٌ لا أَفِي جَنَّتٍ يَتَسَاءَ لُونَ ٣٩ مَاسَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (١) قَالُوْلَمْنَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ (٣) وَلَوْنَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ أَوَكُتَّا تَخُوضُ مَعَ الْخَبِضِينَ (٥) وَكُنَاتُ كَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤) حَقَّ أَتَنْنَا اُلْيَقِينُ( ٤٤ ٤٧ اَكَأَنَّهُمْ حُمُرٌ ٤٩ فَمَالَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ فَمَا نَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ مَ مُسْتَنِفِرَةٌ شَ فَرَتْ مِن قَسْوَرَةٍ (٥٦) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ أَمْرِيٍ مِّنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ◌َ كَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴿ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ٥٣ كَلَّابَل لَّا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ ٥٢ (١٨٩) فتح القدير (٣٣١/٥) القرطبي (٨٠/١٩). ١٤٧ سورة المدثر الآية - ٥٥، ٥٦ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْغْفِرَةِ ٥٥ ٥٦ ﴿كلُّ نْفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهينةٌ﴾ فیه ثلاثة أوجه: أحدها: ان كل نفس مرتهنة محتبسة بعملها لتحاسب عليه، إلا أصحاب اليمين، وهم أطفال المسلمين فإنه لا حساب عليهم لأنه لا ذنوب لهم، قاله عليّ رضي الله عنه. الثاني: كل نفس من أهل النار مرتهنة في النار إلا أصحاب اليمين وهم المسلمون، فإنهم لا يرتهنون، وهم إلى الجنة يسارعون، قاله الضحاك. الثالث: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين وهم أهل الجنة، فإنهم لا یحاسبون، قاله ابن جريج . ﴿و كنّا نَخُوض مع الخائضينَ﴾ فیه ثلاثة أوجه: أحدها: نكذب مع المكذبين، قاله السدي . الثاني : كلما غوى غاو غوينا معه، قاله قتادة. الثالث: قولهم محمد کاهن، محمد ساحر، محمد شاعر، قاله ابن زید. ويحتمل رابعاً: وكنا أتباعاً ولم نكن متبوعين. ﴿وَكنّا نُكذّب بيوم الدِّين﴾ يعني يوم الجزاء وهو يوم القيامة. ﴿حتى أتانا اليقين﴾ فیه وجهان: أحدهما: الموت، قاله السدي . الثاني : البعث يوم القيامة . ﴿فما لهم عن التّذْكِرَةِ مُعْرِضين﴾ قال قتادة: عن القرآن. ويحتمل ثالثاً: عن الاعتبار بعقولهم. ﴿كأنهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرةٌ﴾ قرأ نافع وابن عامر بفتح الفاء، يعني مذعورة وقرأ الباقون بكسرها، يعني هاربة، وأنشد الفراء (١٩٠): فِي إِثْر أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لُغُرَّبٍ. أمْسِكْ حمارَك إنه مُستنفِرٌ ﴿فَرَّتْ من قَسْورةٍ﴾ فيه ستة تأويلات: (١٩٠) القرطبي (٨٩/١٩) اللسان نظر الطبري (١٦٩/٢٩) زاد المسير (٤١٢/٨) وفيه احبس بدلاً من أمسك. ١٤٨ سورة المدثر الآية - ٥٥، ٥٦ أحدها: أن القسورة الرماة، قاله ابن عباس. الثاني : أنه القناص أي الصياد، ومنه قول علي: يا ناس إني مثل قسورةٍ وإنهم لعداة طالما نفروا. الثالث: أنه الأسد، قاله أبو هريرة، روى يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه الأسد بلسان الحبشة، قال الفرزدق: فساروا للقسور الأصيد. إلى هاديات صعاب الرؤوس الرابع: أنهم عصب من الرجال وجماعة، رواه أبو حمزة عن ابن عباس. الخامس: أنه أصوات الناس، رواه عطاء عن ابن عباس. السادس: أنه النبل، قاله قتادة. ﴿بل يريد كلُّ امرىءٍ منهم أنْ يُؤْتِى صحُفاً مُنَشّرةً﴾ يعني كتباً منشورة وفيه أربعة أوجه : أحدها: أن يؤتى كتاباً من الله أن يؤمن بمحمد، قاله قتادة. الثاني: أن يؤتى براءة من النار أنه لا يقذف بها، قاله أبو صالح. الثالث: أن يؤتى كتاباً من اللّه بما أحل له وحرم عليه، قاله مقاتل. الرابع: أن كفار قريش قالوا إن بني إسرائيل كانوا إذا أذنب الواحد ذنباً وجده مكتوباً في رقعة، فما بالنا لا نرى ذلك فنزلت الآية، قاله الفراء. ﴿هو أهل التقْوَى وأهل المغفرة﴾ فیه ثلاثة أوجه: أحدها: هو أهل أن تتقى محارمه، وأهل أن يغفر الذنوب، قاله قتادة. الثاني: هو أهل أن يتقى أن يجعل معه إله غيره، وأهل لمن اتقاه أن يغفر له، وهذا معنى قول رواه أنس(١٩١) مرفوعاً. الثالث: هو أهل أن يتقى عذابه وأهل أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته. ويحتمل رابعاً: أهل الانتقام والإنعام. (١٩١) رواه أحمد (١٤٢/٣) والترمذي (١٦٨/٢) وابن ماجة (٤٢٩٩) وزاد السيوطي في الدر (٣٤٠/٨) نسبته للبزار والدارمي وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي والحاكم (٥٠٨/٢) وصححه وابن مردويه وابن جرير ولم أجده في تفسيره عند الآية وفي سنده ضعف فهو من رواية سهيل بن أبي حزم القطعي عن ثابت عن أنس وسهيل ضعيف كما في التقريب. وقال الترمذي حسن غريب وسهيل ليس بالقوي في الحديث وقد تفرد به عن ثابت قلت وعلى هذا فتصحيح الحاكم للحديث فيه نظر. ١٤٩ سورة القيامة الآية - ١ - ١٥ توصلبها ٧٥ سُورَةُ القِيْمَةِ سوري آياتها ٤٠ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ لَا أُقْسِمُ بَوْمِ الْقِيَمَةِ ﴿ وَلَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَامَةِ﴿ أَحْسَبُ الْإِنْسَنُ أَلَّن ◌َجْمَعَ عِظَامَهُ جَابَ قَدِرِينَ عَلَى أَنْ تُسَوِّىَ بَنَافَهُ ﴿َبَلْ يُرِبُ آلْإِنسَنُ لِيَفْجُرَأَ مَامَهُ ،[٥ّ ◌َيَسْتَلُ أَيَانَ يَوْمُالْقِيَمَةِ ﴿﴿ فَإِذَابِقَ الْبَصَرُ ﴿ وَخَسَفَ الْقَمَرُ (® وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ®َ يَقُولُ الْإِنْسَنُ يَوْمَئِذٍ أَتْنَ الْفَرُّ ◌ِ﴿٣َ كَّ لَ وَزَرَ (١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيِذٍ الْنَقَرُ (٤) يُنَّوَالْإِنِسَنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَرَ (٣َ بَلِ آلْإِنْسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴿ وَلَوْأَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ١٥ قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِم بيومِ القيامةِ﴾ اختلفوا في ((لا)) المبتدأ بها في أول الكلام على ثلاثة أقاويل : أحدها: أنها صلة دخلت مجازاً ومعنى الكلام أقسم بيوم القيامة، قاله ابن عباس وابن جبير وأبو عبيدة، ومثله قول الشاعر: تَذكّرْت ليلى فاعْتَرتْنِي صَبابةٌ وكاد ضمير القَلْبِ لا يتّقطّع. الثاني: أنها دخلت توكيداً للكلام كقوله: لا والله، وكقول امرىء القيس (١٩٢): لا يدّعي القوم أني أَفِرّ. فلا وأبيكِ ابنةَ العامريّ قاله أبو بكر بن عياش. الثالث: أنها رد لكلام مضى من كلام المشركين في إنكار البعث، ثم ابتدأ (١٩٢) القرطبي (٩٢/١٩) فتح القدير (٣٣٥/٥) ديوانه: ١٥٤، روح المعاني (١٣٥/٢٩). ١٥٠ سورة القيامة الآية - ١ - ١٥ القسم فقال: أقسم بيوم القيامة، فرقاً بين اليمين المستأنفة وبين اليمين تكون مجدداً، قاله الفراء. وقرأ الحسن: لأقْسِمُ بيوم القيامة، فجعلها لاماً دخلت على أُقسم إثباتاً للقسم، وهي قراءة ابن كثير (١٩٣). ﴿ولا أُقْسِم بالنّفْسِ اللّامةِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى أقسم بالنفس اللوامة كما أقسم بيوم القيامة فيكونان قَسَمَيْن، قاله قتادة. الثاني : أنه أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة، قاله الحسن، ويكون تقدير الكلام: أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة. وفي وصفها باللوامة قولان : أحدهما: أنها صفة مدح، وهو قول من جعلها قسماً: الثاني: أنها صفة ذم، وهو قول من نفى أن يكون قسماً. فمن جعلها صفة مدح فلهم في تأويلها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها التي تلوم على ما فات وتندم، قاله مجاهد، فتلوم نفسها على الشر لم فعلته، وعلی الخیر أن لم تستكثر منه. الثاني : أنها ذات اللوم، حكاه ابن عيسى . الثالث: أنها التي تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها . فعلى هذه الوجوه الثلاثة تكون اللوامة بمعنى اللائمة . ومن جعلها صفة ذم فلهم في تأويلها ثلاثة أوجه : أحدها: أنها المذمومة، قاله ابن عباس . الثاني : أنها التي تلام على سوء ما فعلت. الثالث: أنها التي لا صبر لها على محن الدنيا وشدائدها، فهي كثيرة اللوم فيها، فعلى هذه الوجوه الثلاثة تكون اللوامة بمعنى الملومة . ﴿أَيَحْسَب الإنسان﴾ يعني الكافر. ﴿أَنْ لن نَجْمَعَ عِظامَه﴾ فنعيدها خلقاً جديداً بعد أن صارت رفاتاً. (١٩٣) السبعة لابن مجاهد ص ٦٦١ . ١٥١ سورة القيامة الآية - ١ - ١٥ ﴿بلی قادِرین علی أنْ نُسوّي بنانه)في قوله ((بلی)) وجهان: أحدهما: أنه تمام قوله ((أن لن نجمع عظامه)) أي بلى نجمعها، قاله الأخفش. الثاني : أنها استئناف بعد تمام الأول بالتعجب بلى قادرين، الآية وفيه وجهان: أحدهما: بلى قادرين على أن نسوي مفاصله ونعيدها للبعث خلقاً جديداً، قاله جریر بن عبد العزيز. الثاني: بلى قادرين على أن نجعل كفه التي يأكل بها ويعمل حافر حمار أو خف بعير، فلا يأكل إلا بفيه، ولا يعمل بيده شيئاً، قاله ابن عباس وقتادة. ﴿بل يريد الإنسان لَيَفْجُرَ أمامَه﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه أن يقدم الذنب ويؤخر التوبة، قاله القاسم بن الوليد. الثاني : يمضي أمامه قدماً لا ينزع عن فجور، قاله الحسن. الثالث: بل يريد أن يرتكب الآثام في الدنيا لقوة أمله، ولا يذكر الموت، قاله الضحاك. الرابع: بل يريد أن يكذب بالقيامة ولا يعاقب بالنار، وهو معنى قول ابن زيد. ويحتمل وجهاً خامساً: بل يريد أن يكذب بما في الآخرة كما كذب بما في الدنيا، ثم وجدت ابن قتيبة قد ذكره وقال إن الفجور التكذيب واستشهد بأن أعرابياً قصد عمر بن الخطاب وشكا إليه نقب إبله ودبرها، وسأله أن يحمله على غيرها، فلم يحمله، فقال الأعرابي : أقسم باللَّه أبو حفصٍ عُمَرْ ما مسّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ فاغفر له اللهم إنْ كان فجَرْ. يعني إن كان كذبني بما ذكرت. فإذا برِقَ البصرُ﴾ فيه قراءتان: إحداهما: بفتح الراء (١٩٤)، وقرأ بها أبان عن عاصم، وفي تأويلها وجهان: أحدهما: يعني خفت وانكسر عند الموت، قاله عبد الله بن أبي إسحاق. الثاني : شخص وفتح عينه عند معاينة ملك الموت فزعاً، وأنشد الفراء (١٩٥): (١٩٤) السبعة لابن مجاهد ص ٦٦١ وزاد المسير (٤١٨/٨). (١٩٥) هو طرفة بن العبد والبيت في ديوانه: ٢١٨ والطبري (١٧٩/٢٩) والقرطبي (٩٤/١٩) اللسان فتح القدير (٣٣٧/٥). ١٥٢ سورة القيامة الآية - ١ - ١٥ وداوٍ الكُلومَ ولا تَبْرَقِ. فِنْفِسَكَ فَانْعَ وَلا تْعَني أي ولا تفزع من هول الجراح. الثانية: بكسر الراء وقرأ بها الباقون، وفي تأويلها وجهان : أحدهما: عشى عينيه البرق يوم القيامة، قاله أشهب العقيلي، قال الأعشى : فأبرِق مَغْشِيّاً عليّ مكانيا. وكنتُ أرى في وجه مَيّةً لمحةً الثاني: شق البصر، قاله أبو عبيدة وأنشد قول الكلابي(١٩٦): أعطيتُه عيساً صِهاباً فبرق. لما أتاني ابن عميرٍ راغباً ﴿وَخَسَفَ القمرُ﴾ أي ذهب ضوؤه، حتى كأنّ نوره ذهب في خسفٍ من الأرض. ﴿وَجُمِعَ الشمسُ والقمرُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه جمع بينهما في طلوعهما من المغرب [أسودين مكورين] مظلمين مقرنین. الثاني: جمع بينهما في ذهاب ضوئهما بالخسوف لتكامل إظلام الأرض على أهلها، حكاه ابن شجرة. الثالث: جمع بينهما في البحر حتى صارا نار اللَّه الكبرى. ﴿يقولُ الإنسانُ يومئذٍ أين المفرُ﴾ أي أين المهرب، قال الشاعر(١٤٠): وأيّ كبش حاد عنها يفتضح. أين أفِرّ والكباشُ تنتطح ویحتمل وجھین: أحدهما: ((أين المفر)) من الله استحياء منه. الثاني: ((أين المفر)) من جهنم حذراً منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين : أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة من عرصة القيامة دون المؤمن، ثقة المؤمن ببشرى ربه . الثاني : أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوه منها . (١٩٦) القرطبي (٩٦/١٩). ١٥٣ سورة القيامة الآية - ١ - ١٥ ويحتمل هذا القول وجهين : أحدهما: من قول الله للإنسان إذا قاله ((أين المفر)) قال الله له: ((كلَّ لاوَزَرَ)). الثاني: من قول الإنسان إذا علم أنه ليس له مفر قال لنفسه ((كلا لاوَزَرَ)) ﴿كلّا لاوَزَر﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أي لا ملجأ من النار، قاله ابن عباس. الثاني : لا حصن، قاله ابن مسعود. الثالث: لا جبل، [قاله الحسن]. الرابع : لا محیص، قاله ابن جبير. ﴿إلى ربِّك يومئذٍ المُسْتَقرُّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المستقر المنتهى، قاله قتادة. الثاني: أنه استقرار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قاله ابن زيد. ﴿يُنَّأ الإنسان يومئذٍ بما قدَّمَ وأَخْرَ﴾ يعني يوم القيامة وفي ((بما قدم وأخر)) خمسة تأويلات: أحدها: ما قدم قبل موته من خير أو شر یعلم به بعد موته، قاله ابن عباس وابن مسعود . الثاني : ما قدم من معصية، وأخر من طاعة، قاله قتادة. الثالث: بأول عمله وآخره، قاله مجاهد. الرابع: بما قدم من الشر وأخر من الخير، قال عكرمة. الخامس: بما قدم من فرض وأخر من فرض، قاله الضحاك. ويحتمل سادساً: ما قدم لدنياه، وما أخر لعقباه . ﴿بل الإنسانُ على نَفْسِه بَصيرةٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه شاهد على نفسه بما تقدم به الحجة عليه، كما قال تعالى: ﴿اقرأ کتابك کفی بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ . الثاني : أن جوارحه شاهدة عليه بعمله، قاله ابن عباس، كما قال تعالى: ﴿اليوم نَخْتِمُ على أفواههم وتُكَلِّمنا أيديهم وتشْهدُ أرجُلُهم بما كانوا يُكْسِبون﴾. الثالث: معناه بصير بعيوب الناس غافل عن عيب نفسه فيما يستحقه لها وعليها من ثواب وعقاب. ١٥٤ سورة القيامة الآية - ١٦ - ٢٥ والهاء فى ((بصيرة)) للمبالغة. ﴿ولو أَلْقَى معاذيرَه﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه لو اعتذر يومئذ لم يقبل منه، قاله قتادة. الثاني : يعني لو ألقى معاذيره أي لو تجرد من ثيابه، قاله ابن عباس. الثالث: لو أظهر حجته، قاله السدي وقال النابغة (١٩٧): لدىّ إذا ألقى البخيلُ معاذِرَه. الرابع: معناه ولو أرخى ستوره، والستر بلغة اليمن معذار، قاله الضحاك، قال الشاعر(١٩٨): علينا وأطّت فوقها بالمعاذرِ. ولكنّها ضَنّتْ بمنزلِ ساعةٍ ويحتمل خامساً: أنه لو ترك الاعتذار واستسلم لم يُترك. لَا تُحَرِِّبِهِ ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِ ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ﴾ فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَتَبَعْ قُرْءَانَهُ اكَلَابَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (*) وَذَرُونَ الْآخِرَةَ (®]وُجُوهٌ يَؤْمِدٍ ١٩ ثُمَّإِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ٨ TO تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ( وَوُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ بَاسِرَةً نَّاضِرَةُ ﴿ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ ﴿لا تُحرِّكْ به لسانَكَ لِتَعْجَلَ به﴾ فيه وجهان : أحدهما: أن النبي (١٩٩) وَ ل﴿ كان إذا نزل عليه القرآن حرك به لسانه يستذكره مخافة أن ينساه، وكان ناله منه شدة، فنهاه اللَّه تعالى عن ذلك وقال: ﴿إنّ علينا جَمْعَه وقرآنه﴾، قاله ابن عباس. الثاني: أنه كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حبه له وحلاوته في لسانه، فنهي عن ذلك حتى يجتمع، لأن بعضه مرتبط ببعض، قاله عامر الشعبي . (١٩٧) فتح القدير (٣٣٧/٢) والقرطبي (٩٧/١٩). (١٩٨) فتح القدير (٣٣٨/٥) القرطبي (١٠٠/١٩). (١٩٩) رواه البخاري (٣٢٥/٨) ومسلم ( ) وابن جرير (١٨٧/٢٩) وزاد السيوطي ) والترمذي ( في الدر (٣٤٨/٨) نسبته للطيالسي وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي في الدلائل وابن الأنباري في المصاحف والنسائي وابن أبي حاتم وابن المنذر وأحمد من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس. ١٥٥ سورة القيامة الآ ية - ١٦ - ٢٥ ﴿إِنّ علينا جَمْعَهُ وقُرآنَه﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إن علينا جمعه في قلبك لتقرأه بلسانك، قاله ابن عباس. الثاني : علينا حفظه وتأليفه، قاله قتادة. الثالث: علينا أن نجمعه لك حتى تثبته في قلبك، قاله الضحاك. ﴿فإذا قرأناه فاتّبعْ قُرْآنَه﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فإذا بیّناه فاعمل بما فيه، قاله ابن عباس. الثاني: فإذا أنزلناه فاستمع قرآنه، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الثالث: فإذا تلي عليك فاتبع شرائعه وأحكامه، قاله قتادة. ﴿ثم إنّ علينا بَيَانَه﴾ فیه ثلاثة أقاويل: أحدها: بيان ما فيه من أحكام وحلال وحرام، قاله قتادة. الثاني: علينا بيانه بلسانك إذا نزل به جبريل حتى تقرأه كما أقرأك، قاله ابن عباس. الثالث: علينا أن نجزي يوم القيامة بما فيه من وعد أو وعيد، قاله الحسن. ﴿كلّ بل تُحِبُّونَ العاجلةَ* وتذَرُونَ الآخِرَة﴾ فيه وجهان : أحدهما: تحبون ثواب الدنيا وتذرون ثواب الآخرة، قاله مقاتل. الثاني : تحبون عمل الدنيا وتذرون عمل الآخرة. ﴿وجوه يومئذٍ ناضِرةٌ﴾ فيه أربعة تأويلات : أحدها : يعني حسنة، قاله الحسن. الثاني : مستبشرة، قاله مجاهد. الثالث: ناعمة، قاله ابن عباس. الرابع : مسرورة، قاله عكرمة. ﴿إلى ربِّها ناظرة﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها: تنظر إلى ربها في القيامة، قاله الحسن وعطية العوفي . الثاني: إلى ثواب ربها، قاله ابن عمر ومجاهد (٢٠٠). (٢٠٠) وهذا القول عده العلماء من الأقوال المرذولة لمجاهد التي تخالف الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة في إثبات الرؤية في الآخرة وقد كر عليه العلامة أبو عمر بن عبد البر كما نقله الشوكاني عنه وأما ما نسب ١٥٦ سورة القيامة الآية - ٢٦ - ٤٠ الثالث: تنتظر أمر ربها، قاله عكرمة(٢٠١). ﴿ووجوه يومئذٍ باسرٌ﴾ فیه وجهان: أحدهما: كالحة، قاله قتادة . الثاني : متغيرة، قاله السدي . ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بها فاقِرةٌ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أن الفاقرة الداهية، قاله مجاهد. الثاني : الشر، قاله قتادة. الثالث: الهلاك، قاله السدي. الرابع: دخول النار، قاله ابن زيد. كَلََّ إِذَابَغَتِ اَلتَّرَافِىَ (٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (*) وَظَنَّأَنَّهُ اَلْفِرَاقُ! ٢٨ وَاُلْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ٢٩ أَوَلَكِنَ كَذَّبَ وَتَوَلّى ٣١ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَبِذٍ الْمَسَاقُ ﴿ فَلَ صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ◌ِ ثُمَّذَهَبَ إِلَى ٣٢ أَهْلِهِ يَتَمَطَىِ ﴿٣َّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ◌َ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَـأَوْلَى (٢٥) أَيَحْسَبُ اَ لْإِنِسَنُ أَنْ يُْرَكَ سُدَّى ﴿ أَلَمْيَكُ نُطْفَةً مِّنْ شَّنِ يُعْنَى ◌َا ثُمَ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٌ ﴿٨َ فَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَاْأُنْثَىِ [َّ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُخْتِىَ المُؤَنَى فَ﴾ ﴿كلّ إذا بَلَغَتِ التّراقِيَ﴾ يعني بلوغ الروح عند موته إلى التراقي، وهي أعلى الصدر، واحدها ترقوة. ﴿وقيلَ منْ راقٍ﴾ فیه ثلاثة أوجه: أحدها: قال أَهْله: من راقٍ يرقيه بالرُّقى وأسماء الله الحسنى، قاله ابن عباس. الثاني : مَنْ طبيبٌ شافٍ، قاله أبو قلابة، قال الشاعر (٢٠٢): إلى ابن عمر فقد قال القرطبي (١٠٨/١٩) حكاه أي القول الماوردي عن ابن عمر وعكرمة أيضاً وليس معروفاً إلا عن مجاهد وحده ((قلت كذا القول الثاني ليس بصحيح وقد ثبت عن عكرمة خلافه كما سيأتي راجع فتح القدير (٣٣٨/٥) وروح المعاني (١٤٤/٢٩، ١٤٥) والطبري (٣٩٣،٣٩٢/٢٩) وابن كثير (٤ / ٤٥٠) وبعد هذا فإن القول الأول الذي ذكره المؤلف هنا هو الصواب وما عليه الجمهور وما دونه فخطأ مرذول. (٢٠١) وقد روى الطبري (١٩٢/٢٩) عن عكرمة قال ((تنظر إلى ربها نظراً راجع التعليق السابق)). (٢٠٢) القرطبي (١١١/١٩) فتح القدير (٣٤١/٥). ١٥٧ سورة القيامة الآية - ٢٦ - ٤٠ هل للفتى مِن بنات الدهرِ من واقى أم هل له من حمامِ الموتِ من راقي الثالث: قال الملائكة: مَن راقٍ يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. ﴿وظَنَّ أَنّه الفراق﴾ أي تيقن أنه مفارق الدنيا. ﴿والْتَفّتِ الساقُ بالساقِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: اتصال الدنيا بالآخرة، قاله ابن عباس. الثاني: الشدة بالشدة والبلاء بالبلاء، وهو شدة كرب الموت بشدة هول المطلع، قاله عكرمة ومجاهد، ومنه قول حذيفة بن أنس الهذلي (٢٠٣): أخو الحرب إن عضّت به الحربُ عضّها وإن شمّرتْ عن ساقها الحرب شمّرا. الثالث: التفّت ساقاه عند الموت، وحكى ابن قتيبة عن بعض المفسرين أن التفاف الساق بالساق عند المیثاق، قال الحسن : ماتت رجلاه فلم تحملاه وقد كان عليهما جوّالاً . الرابع: أنه اجتمع أمران شديدان عليه: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه، قاله ابن زيد. ﴿إلى ربِّك يومئذٍ المساقُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: المنطلق، قاله خارجة . الثاني : المستقر، قاله مقاتل. ﴿فِلا صَدَّقَ ولا صَلَّى﴾ هذا في أبي جهل، وفيه وجهان: أحدهما: فلا صدّق بكتاب الله ولا صلّى للَّه، قاله قتادة. الثاني: فلا صدّق بالرسالة ولا آمن بالمرسل، وهو معنى قول الكلبي. ويحتمل ثالثاً: فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه. ﴿ولکن كَذَّبَ وتَوَلَّى﴾ فیه وجهان: أحدهما: كذب الرسول وتولى عن المرسل. الثاني : كذب بالقرآن وتولى عن الطاعة. ﴿ثم ذَهَبَ إِلى أَهْلِه يَتَمَطَى﴾ يعني أبا جهل، وفيه ثلاثة أوجه: (٢٠٣) قال محقق المخطوطة نسب هذا البيت في حاشية تفسير القرطبي إلى حاتم الطائي . ١٥٨ سورة القيامة الآية - ٢٦ - ٤٠ أحدها: يختال في نفسه، قاله ابن عباس. الثاني : يتبختر في مشيته، قال زيد بن أسلم وهي مشية بني مخزوم. الثالث: أن يلوي مطاه، والمطا: الظهر، وجاء النهي (٢٠٤) عن مشية المطيطاء وذلك أن الرجل يلقي يديه مع الكفين في مشيه. ﴿أَوْلَى لك فَأَوْلَى* ثم أَوْلَى لك فَأُوْلَى﴾ حكى الكلبي ومقاتل: أن النبي ◌ِّ لقي أبا جهل ببطحاء مكة وهو يتبختر في مشيته، فدفع في صدره وهمزه بيده وقال: (أُوْلی لك فأولی) فقال أبو جهل: إليك عني أتوعدني يا ابن أبي كبشة ما تستطيع أنت ولا ربك الذي أرسلك شيئاً، فنزلت هذه الآية. وفيه وجهان : أحدهما: وليك الشر، قال قتادة: وهذا وعيد على وعيد. الثاني: ويل لك، قالت الخنساء (٢٠٥): هَمِمْتُ بنفسي بعض الهموم فأوْلى لنَّفْسيَ أُوْلَى لها. سأحْمِلُ نَفْسي على آلةٍ فإمّا عليها وإمّا لها. الآلة: الحالة، والآلة: السرير أيضاً الذي يحمل عليه الموتى . ﴿أَيَحْسَبُ الإنسانُ أنْ يُتْرَكِ سُدىً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: فهل لا يفترض علیه عمل، قاله ابن زيد. الثاني: يظن ألا يبعث، قاله السدي. الثالث: ملغی لا یؤمر ولا ینھی، قاله مجاهد. الرابع: عبث لا يحاسب ولا يعاقب، قال الشاعر(٢٠٦): (٢٠٤) تخريجه كما في قوله ((إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمها أبناء الملوك أبناء فارس والروم سلط شرارها على خيارها)) رواه ابن المبارك في الزهد رقمه ١٨٧ والترمذي (٤٢/٢ -٤٣) والعقيلي في الضعفاء (٤٠٨) وابن عدي في الكامل (٣٢٣/١) والبيهقي في الدلائل (ج٢) من حديث ابن عمر مرفوعاً. له شاهد من حديث أبي هريرة رواه الطبراني في الأوسط وحسنه الهيثمي في المجمع (٢٣٧/١٠) والحديث صححه الألباني في السلسلة ٩٥٦. (٢٠٥) قول الخنساء ديوانها: فتح القدير (٣٤٢/٥) واقتصر على البيت الأول القرطبي (١١٥/١٩). (٢٠٦) القرطبي (١١٦/١٩). ١٥٩ سورة القيامة الآية - ٢٦ - ٤٠ فأُقسِم باللَّه جهدَ اليمين ما ترك اللَّه شيئاً سُدى ﴿ألمْ يكُ نُطْفٌ مِنْ مَنِيِّ يُمْنَى﴾ فیه ثلاثة أوجه: أحدها: أن معنى يُمنى يراق، ولذلك سميت مني لإراقة الدماء فيها . الثاني : بمعنی ینشأ ويخلق، ومنه قول يزيد بن عامر: فاسلك طريقك تمشي غير مختشعٍ حتى تلاقيَ ما يُمني لك الماني. الثالث: أنه بمعنى يشترك أي اشتراك ماء الرجل بماء المرأة. ﴿ثم كان عَلَقَةً﴾ يعني أنه كان بعد النطفة علقة. ﴿فَخلق فسوى﴾ یحتمل وجهین : أحدهما: خلق من الأرحام قبل الولادة وسوي بعدها عند استكمال القوة وتمام الحركة . الثاني: خلق الأجسام وسواها للأفعال، فجعل لكل جارحة عملاً، والله أعلم. ١٦٠