Indexed OCR Text

Pages 121-140

سورة الجن الآية - ٢٥ - ٢٧
أحدها: عذاباً ولا نعيماً.
الثاني : موتاً ولا حياة.
الثالث: ضلالاً ولا هدى.
﴿قل إني لن يُجيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحدٌ﴾ روى أبو الجوزاءُ(١٥٤) عن ابن مسعود قال:
انطلقتُ مع رسول اللّه وَي ليلة الجن حتى أتى الحجون فخط خطأً ثم تقدم عليهم
فازدحموا عليه، فقال سيد لهم يقال له وردان: أنا أزجلهم عنك، فقال: ((إتي لن
يجيرني من الله أحد))
ویحتمل وجھین :
أحدهما: لن يجيرني مع إجارة اللَّه لي أحد.
الثاني: لن يجيرني مما قدره الله عليّ أحد.
﴿ولن أجدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحداً﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني ملجأ ولا حرزاً، قاله قتادة.
الثاني: ولياً ولا مولى، رواه أبو سعيد.
الثالث: مذهباً ولا مسلكاً، حكاه ابن شَجرة، ومنه قول الشاعر(١٥٥):
يا لهفَ نفْسي ولهفي غيرُ مُجْديةٍ عني وما مِن قضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ.
﴿إلا بلاغاً مِن الله ورسالاته﴾ فیه وجهان:
أحدهما: لا أملك ضراً ولا رشداً إلا أن أبلغكم رسالات اللَّه، قاله الكلبي.
الثاني: لن يجيرني من اللَّه أحد إن لم أبلغ رسالات الله، قاله مقاتل.
روى مكحول عن ابن مسعود: أن الجن بايعوا رسول اللَّه ◌َّ ر في هذه الليلة،
وكانوا سبعين ألفاً، وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر.
قُلْ إِنْ أَدْرِىَّ أَقَرِيبٌ مَّاتُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّ أَمَدًا (٥ّا عَلِمُ الْغَيْبِ
فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٦) إِلَّا مَنِ آَرْتَضَى مِن ◌َسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ
(١٥٤) رواه ابن مردويه والبيهقي في الدلائل كما في الدر (٣٠٨/٨) وفيه ألا أرجلهم يعني أدفعهم برجلي والله
أعلم.
(١٥٥) روح المعاني (٩٣/٢٩) فتح القدير (٣١٥/٥) القرطبي (٢٦/١٩)
١٢١

سورة الجن الآية - ٢٧، ٢٨
يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٦) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ
٢٨
وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا
﴿عالِمُ الغيب﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: عالم السر، قاله ابن عباس.
الثاني : ما لم تروه مما غاب عنكم، قاله الحسن.
الثالث: أن الغيب القرآن، قاله ابن زيد.
الرابع: أن الغيب القيامة وما يكون فيها(١٥٦)، حكاه ابن أبي حاتم.
﴿فلا يُظْهِرُ على غيْبِهِ أَحَداً، إلا من ارتضى من رسول ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: إلا من ارتضى من رسول اللَّه هو جبريل(١٥٧)، قاله ابن جبير.
الثاني: إلا من ارتضى من نبي فيما يطلعه عليه من غيب، قاله قتادة.
﴿فإنه يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفه رَصَدا﴾ فيه قولان:
أحدهما: الطريق، ويكون معناه فإنه يجعل له إلى علم بعض ما كان قبله وما
یکون بعده طريقاً، قاله ابن بحر.
الثاني: أن الرصد الملائكة، وفيهم ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم حفظة يحفظون النبي ◌ّ من الجن والشياطين من أمامه وورائه،
قاله ابن عباس وابن زيد، قال قتادة: هم أربعة.
الثاني: أنهم يحفظون الوحي فما جاء من اللَّه قالوا إنه من عند الله، وما ألقاه
الشيطان قالوا إنه من الشيطان، قاله السدي .
الثالث: يحفظون جبريل إذا نزل بالوحي من السماء أن يسمعه الجن إذا
(١٥٦) لاحظ أنه لم يذكر القول الثالث وقد استدل الزمخشري بالآية على مذهبه الفاسد في إبطال الكرامات
ورد عليه العلماء. راجع كلام الشوكاني في فتح القدير (٣١٢،٣١١/٥) فقد رد عليه بكلام رصين
جداً.
(١٥٧) قال الإمام القرطبي (٢٨/١٩): قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به
دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما
شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلاله صادقة على نبوتهم وليس المنجم ومن
ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء
من غيبه بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه أهـ.
١٢٢

سورة الجن الآية - ٢٧، ٢٨
استرقوا السمع ليلقوه إلى كهنتهم قبل أن يبلغه الرسول إلى أمته، قاله الفراء.
﴿لِيَعْلَمَ أنْ قد آبلَغوا رسالاتِ ربِّهم﴾ فيه خمسة أوجه:
أحدها: ليعلم محمد أن قد بلغ جبريل إليه رسالات ربه، قاله ابن جبير،
وقال: ما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة من الملائكة.
الثاني: ليعلم محمد أن الرسل قبله قد بلغت رسالات الله وحفظت، قاله
قتادة .
الثالث: ليعلم من كذب الرسل أن الرسل قد بلغت عن ربها ما أمرت به، قاله
مجاهد .
الرابع: ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما أنزل اللَّه عليهم، ولم يكونوا هم
المبلغين باستراق السمع عليهم، قاله ابن قتيبة .
الخامس: ليعلم الله أن رسنه قد بلغوا عنه رسالاته، لأنبيائه، قاله الزجاج.
﴿وأحاط بما لديهم﴾ قال ابن جريج: أحاط علماً.
﴿وأحْصى كُلُّ شيءٍ عَدَداً﴾ يعني من خلقه الذي يعزب إحصاؤه عن غيره.
١٢٣

سورة المزمل الآية - ١ - ٩
تريدبها
٧٣
سُورَةُ الْمُنَّمِِّ
آياتها
مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة إلا
آيتين منها: قوله ((واصبر على ما يقولون)» والتي بعدها.
بسْمِ اللّهِ الزَّحْمِ الزَّحِيمِ
صهره
أَنِصْفَهُ{ أَوِ أَنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا
◌َالَيِّلَ إِلَّ قَلِيلًا !
و
يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
أَوْزِدُعَلَيْهِوَرَتِّلِ
٣
الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا تَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّوَعْنَا
وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّلَكَ فِ النَّهَارِسَبْحَا طَوِلَا ﴿ وَأَذْكُرٍ أَسْمَ رَبِّكَ وَقَبَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
٩
أَرَّبُّ الْشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَإِلَّ هُوَفَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
٨
قوله تعالى: ﴿يا أيها المزمِّلُ﴾ قال الأخفش: أصله المتزمل فأدغم التاء في
الزاي، وكذا المدثر.
وفي أصل المزمل: قولان:
أحدهما: المتحمل، يقال زمل الشيء إذا حمله، ومنه الزاملة التي تحمل
القماش.
الثاني: المزمل هو المتلفف، قال امرؤ القيس (١٥٨):
(١٥٨) ديوانه: ٢٥ القرطبي (٣٢/٢٩) شرح القصائد السبع لأبي بكر الأنباري: ١٠٦ فتح القدير
(٣١٥/٥).
١٢٤

سورة المزمل الآية - ١ - ٩
كبيرُ أَناسٍ في بجادٍ مُزَمّلٍ .
كأن ثبيراً في عرائين وبْله
وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها: يا أيها المزمل بالنبوة، قاله عكرمة.
الثاني : بالقرآن، قاله ابن عباس.
الثالث: بثيابه، قاله قتادة.
قال إبراهيم: نزلت عليه وهو في قطيفة .
﴿قُمِ الليلَ إلا قليلاً﴾ يعني صلِّ الليل إلا قليلاً، وفيه وجهان:
أحدهما: إلا قليلاً من أعداد الليالي لا تقمها.
الثاني: إلا قليلاً من زمان كل ليلة لاتقمه وقد كان فرضاً عليه.
وفي فرضه على مَنْ سواه من أُمّته قولان:
أحدهما: فرض عليه دونهم لتوجه الخطاب إليه، ويشبه أن يكون قول سعيد
ابن جبير.
الثاني: أنه فرض عليه وعليهم فقاموا حتى ورمت أقدامهم، قاله ابن عباس
وعائشة .
وقال ابن عباس: كانوا يقومون نحو قيامه في شهر رمضان ثم نسخ فرض قيامه
على الأمة، واختلف بماذا نسخ عنهم على قولين:
أحدهما: بالصلوات الخمس وهو قول عائشة .
الثاني : بآخر السورة، قاله ابن عباس.
واختلفوا في مدة فرضه إلی أن نسخ على قولين:
أحدهما: سنة، قال ابن عباس: كان بين أول المزمل وآخرها سنة.
الثاني: ستة عشر شهراً، قالته عائشة، فهذا حكم قيامه في فرضه ونسخه على
الأمة .
فأما رسول اللّه ◌َ لّ فقد كان فرضاً عليه، وفي نسخه عنه قولان:
أحدهما: المدة المفروضة على أمته في القولين الماضيين.
الثاني: أنها عشر سنين إلى أن خفف عنه بالنسخ زيادة في التكليف لتميزه
بفضل الرسالة، قاله سعيد بن جبير.
١٢٥

سورة المزمل الآية - ١ - ٩
وقوله ((قم الليلَ إلّ قليلاً)) لأن قيام جميعه على الدوام غير ممكن فاستثنى منه
القليل لراحة الجسد، والقليل من الشيء ما دون النصف.
حكي عن وهب بن منبه أنه قال: القليل ما دون المعشار والسدس.
وقال الكلبي ومقاتل: القليل الثلث.
وَحدُّ الليل ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الثاني .
ثم قال تعالى: ﴿نِصْفَهُ أو انقُصْ مِنْهُ قليلاً﴾ فكان ذلك تخفيفاً إذا لم يكن زمان
القيام محدوداً، فقام الناس حتى ورمت أقدامهم، فروت عائشة أن النبي (١٥٩) وَلقر قام
في الليل فقال: أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن اللَّه لا يمل من الثواب
حتى تملوا من العمل، وخير الأعمال ما ديم عليه.
ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ((عَلِمِ أنْ لن تُحْصوه فتابَ عليكم فاقْرَؤوا ما تيسّر
من القرآن)).
﴿أُوْزِدْ عليه ورَتِّل القرآنَ تَرْتِيلاً﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: بيّن القرآن تبياناً، قاله ابن عباس وزيد بن أسلم.
الثاني : فسّرْه تفسيراً، قاله ابن جبير.
الثالث: أن تقرأه على نظمه وتواليه، لا تغير لفظاً ولا تقدم مؤخراً مأخوذ من
ترتيل الأسنان إذا استوى نبتها وحسن انتظامها، قاله ابن بحر.
﴿إِنّا سُلْقِي عليكَ قوْلاً ثَقِيلًا﴾ وهو القرآن، وفي كونه ثقيلاً أربعة تأويلات:
أحدها: أنه إذا أوحي إليه كان ثقيلاً عليه لا يقدر على الحركة حتى ينجلي
عنه، وهذا قول عائشة (١٦٠) وعروة بن الزبير(١٦١).
الثاني : العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه وحلاله وحرامه، قاله الحسن وقتادة.
الثالث: أنه في الميزان يوم القيامة ثقيل، قاله ابن زبير.
(١٥٩) رواه البخاري (١١٠،١٠٩/١) ومسلم (٨٧٢) ومالك (١١٨/١) وأبو داود (٢١٨/١).
(١٦٠) روى البخاري (٣/١) من حديثها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل النبي وهو كيف يأتيك
الوحي ... الحديث وفيه قالت ولقد رأيته ينزل عليه الوحي ولقد في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن
جبينه ليتفصد عرقاً) وروى أبو يعلى عنها بسند جيد كما قال الهيثمي في المجمع (١٣٠/٧) قالت كان
النبي ◌َّ إذا نزل عليه وجد ما قال الله عز وجل إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً.
(١٦١) رواه الطبري (١٢٧/٢٩).
١٢٦

سورة المزمل الآية - ١ - ٩
الرابع: ثقيل بمعنى كريم، مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل عليّ أي كريم عليّ،
قاله السدي .
ويحتمل تأويلا خامساً: أن يكون ثقيل بمعنى ثابت، لثبوت الثقيل في محله،
ويكون معناه أنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبداً .
﴿إِنّ ناشئةَ الليل هي أشدُّ وْئاً﴾ فيها ستة تأويلات:
أحدها: أنه قيام الليل، بالحبشية، قاله ابن مسعود.
الثاني: أنه ما بين المغرب والعشاء، قاله أنس بن مالك.
الثالث: ما بعد العشاء الآخرة، قاله الحسن ومجاهد.
الرابع: أنها ساعات الليل لأنها تنشأ ساعة بعد ساعة، قاله ابن قتيبة .
الخامس: أنه بدء الليل، قاله عطاء وعكرمة.
السادس: أن الليل كله ناشئة، قال ابن عباس: لأنه ينشأ بعد النهار.
وفي ((أشد وطْئاً) خمسة تأويلات:
أحدها: مواطأة قلبك وسمعك وبصرك، قاله مجاهد.
الثاني : مواطأة قولك لعملك، وهو ماثور.
الثالث: مواطأة عملك لفراغك، وهو محتمل.
الرابع: أشد نشاطاً، قاله الكلبي، لأنه زمان راحتك.
الخامس: قاله عبادة: أشد وأثبت وأحفظ للقراءة.
وفي قوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ ثلاثة تأويلات:
أحدها: معناه أبلغ في الخير وأمعن في العدل، قاله الحسن.
الثاني: أصوب للقراءة وأثبت للقول لأنه زمان التفهم، قاله مجاهد وقتادة،
وقرأ أنس بن مالك ((وأهيأ قيلاً)) وقال أهيأ وأقوم سواء.
الثالث: أنه أعجل إجابة للدعاء، حكاه ابن شجرة.
﴿إِنّ لك في النهارِ سَبْحاً طويلاً﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: يعني فراغاً طويلاً لنَومك وراحتك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك، قاله
ابن عباس وعطاء.
(*) هي الموافقة .
١٢٧

سورة المزمل الآية - ١ - ٩
الثاني: دعاء كثيراً، قاله السدي وابن زيد والسبح بكلامهم هو الذهاب، ومنه
سبح السابح في الماء (١٦٢).
﴿واذكر اسم ربك﴾ فیه وجهان:
أحدهما : اقصد بعملك وجه ربك.
الثاني: أنه إذا أردت القراءة فابدأ بسم الله الرحمن الرحيم، قاله ابن بحر.
ويحتمل وجهاً ثالثاً: واذكر اسم ربك في وعده ووعيده لتتوفر على طاعته وتعدل
عن معصيته .
﴿وَتَبَتَلْ إليه تَبْتِيلاً﴾ فيه أربعة تأويلات:
أحدها: أخلص إليه إخلاصاً، قاله مجاهد.
الثاني : تعبد له تعبداً، قاله ابن زيد.
الثالث: انقطع إليه انقطاعاً (١٦٣)، قاله أبو جعفر الطبري، ومنه مريم البتول
الانقطاعها إلى الله تعالى، وجاء في الحديث النهي (١٦٤) عن التبتل الذي هو الانقطاع
عن الناس والجماعات.
الرابع: وتضرّع إليه تضرّعاً.
﴿ربُّ المشرق والمغرب﴾ فيه قولان:
أحدهما: رب العالَمِ بما فيه لأنهم بين المشرق والمغرب، قاله ابن بحر.
الثاني : يعني مشرق الشمس ومغربها.
وفي المراد بالمشرق والمغرب ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه استواء الليل والنهار، قاله وهب بن منبه.
الثاني : أنه دجنة الليل ووجه النهار، قاله عكرمة .
الثالث: أنه أول النهار وآخره، لأن نصف النهار أوله فأضيف إلى المشرق،
ونصفه آخره فأضيف إلى المغرب.
(١٦٢) لاحظ أنه لم يذكر التأويل الثالث.
(١٦٣) جامع البيان (١٣٢/٢٩).
(١٦٤) ورد النهي من حديث سعد بن أبي وقاص وسمرة بن جندب مرفوعاً أما حديث سمرة فقد رواه الإمام
أحمد (١٧/٥) والترمذي (٣٨٤/٣) والنسائي (٥٩/٦) وابن ماجه وأما حديث سعد بن أبي وقاص فقد
رواه أحمد (١٧٦/١) والنسائي (٥٨/٦) ورمز السيوطي لصحته في الجامع الصغير (٣٠٣/٦) فيض.
١٢٨

سورة المزمل الآية - ١٠ - ١٨
﴿فاتّخِذْهُ وَکيلًا﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها: مُعيناً.
الثاني: كفيلاً.
الثالث: حافظاً.
وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَهْجُرْ هُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (٢) وَذَرْنِ وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِ النَّعْمَةِ
◌َ إِنَّ لَدَيْنَآ أَنْكَا لَا وَحَحِيمًا (٨) وَطَعَامًا ذَاغُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا !
وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا!
١٣
يَوْمَ تَرَجُّفُ اُلْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجَالُ كَتِيبًا مَّهِيلًا (١٥) إِنَّا أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًا
شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَ أَزْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ﴿ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ
أَخْذَا وَبِلاَ ثَا فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمَا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ﴾َّ السَّمَاءُ
مُنْفَطِرٌبِهِ، كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا لها
﴿واهجرهم هجراً جميلاً﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: اصفح عنهم وقل سلام، قاله ابن جريج .
الثاني : أن يعرض عن سفههم ويريهم صغر عداوتهم.
الثالث: أنه الهجر الخالي من ذم وإساءة.
وهذا الهجر الجميل قبل الإذن في السيف(*).
﴿وَذَرْني والمُكَذِّبِينَ أولي النّعْمَةِ﴾ قال يحيى بن سلام:
بلغني أنهم بنو المغيرة، وقال سعيد بن جبير: أُخبرت أنهم اثنا عشر رجلاً من
قریش.
ويحتمل قوله تعالى: ((أولي النّعْمةِ)) ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه قال تعريفاً لهم إن المبالغين في التكذيب هم أولي النعمة .
الثاني: أنه قال ذلك تعليلاً، أي الذين أطغى هم أولو النعمة .
الثالث: أنه قال توبيخاً أنهم كذبوا ولم يشكروا من أولاهم النعمة .
﴿ومهلهم قليلاً﴾ قال ابن جريج: إلى السيف.
(*) أي في الجهاد.
١٢٩

سورة المزمل الآية - ١٠ - ١٨
﴿إِنّ لدينا أنْكالاً وجَحيماً﴾ في ((أنكالاً)) ثلاثة أوجه:
أحدها: أغلالاً، قاله الكلبي .
الثاني: أنها القيود، قاله الأخفش وقطرب، قالت الخنساء (١٦٥).
دَعاك فَقَطّعْتَ أنكاله وقد كُنّ قِبْلك لا تقطع.
الثالث: أنها أنواع العذاب الشديد، قاله مقاتل، وقد جاء عن النبي وَلّ أنه
قال (١٦٦): ((إن اللَّه تعالى يحب النكل على النكل، قيل: وما النكل؟ قال: الرجل
القوي المجرب على الفرس القوي المجرب))، ومن ذلك سمي القيد نكلاً لقوته،
وكذلك الغل، وكل عذاب قوي واشتد.
﴿وطعاماً ذا غُصَّةٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه شوك يأخذ الحلق فلا يدخل ولا يخرج، قاله ابن عباس.
الثاني : أنها شجرة الزقوم، قاله مجاهد.
﴿وکانت الجبال كئيباً مهيلاً﴾ فيه وجهان :
أحدهما: رملًا سائلاً، قاله ابن عباس.
الثاني: أن المهيل الذي إذا وطئه القدم زل من تحتها وإذا أخذت أسفله انهال
أعلاه، قاله الضحاك والكلبي .
﴿فَأخَذْناه أَخْذاً وَبِيلاً﴾ فيه أربعة تأويلات:
أحدها: شدیداً، قاله ابن عباس ومجاهد.
الثاني : متتابعاً، قاله ابن زید.
الثالث: ثقيلاً غليظاً، ومنه قيل للمطر العظيم وابل، قاله الزجاج.
الرابع: مهلكاً، ومنه قول الشاعر(١٦٧):
وَجْدتِ مرارةً [الكلإِ الوبيل]. (*)
أكْلتِ بَنيكِ أَكْلَ الضّبِّ حتی
﴿فكيف تتّقونَ﴾ يعني يوم القيامة.
(١٦٥) ديوان الخنساء وفيه ظن بدل كن، القرطبي (٤٦/١٩) فتح القدير (٣١٨/٥) وفيه أتوك بدلاً من
دعاك .
(١٦٦) لم أهتد إلى تخريجه.
(١٦٧) القرطبي (٤٨/١٩).
(*) هاتان الكلمتان أخذناهما من تفسير القرطبي وقد سقطتا من الأصل.
١٣٠

سورة المزمل الآية - ١٩، ٢٠
﴿إِن كفَرتم يوماً يجْعَل الولدان شيباً﴾ الشيب: جمع أشيب، والأشيب
والأشمط الذي اختلط سواد شعره ببياضه، وهو الحين الذي يقلع فيه ذو التصابي عن
لهوه، قال الشاعر(١٦٨):
طربْتَ وما بك ما يُطرِب وهل يلعب الرجلُ الأَشْيَبُ
وإنما شاب الولدان في يوم القيامة من هوْله.
﴿السماءُ مُنفطرٌ به﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: ممتلئة به، قاله ابن عباس.
الثاني : مثقلة، قاله مجاهد.
الثالث: مخزونة به، قاله الحسن.
الرابع : منشقة من عظمته وشدته، قاله ابن زید.
﴿وکان وعده مفعولاً﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: وعده بأن السماء منفطر به، وكون الجبال كئيباً مهيلاً، وأن يجعل
الولدان شیباً، قاله یحیی بن سلام.
الثاني: وعده بأن يظهر دينه على الدين كله، قاله مقاتل.
الثالث: وعده بما بشّر وأنذر من ثوابه وعقابه.
وفي المعنی المکنی عنه في قوله («به)) وجهان :
أحدهما: أن السماء منفطرة باليوم الذي يجعل الولدان شيباً، فيكون اليوم قد
جعل الولدان شيباً، وجعل السماء منفطرة ويكون انفطارها للفناء.
الثاني : معناه أن السماء منفطرة بما ينزل منها بأن يوم القيامة يجعل الولدان
شيباً، ويكون انفطارها بانفتاحها لنزول هذا القضاء منها .
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ
إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ أَّخَذَّ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٣)
تَقُوم ◌َدْنَ مِنْ قُلُنِى الَّلِ وَنِصْفَهُ وَتُلَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَّ وَالَهُيُقَدِّرُ الَّلَ وَالنَّهَارَ
عَلِمَ أَنْ تُخْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَةٌ وَأْمَاتَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَإِنَّ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ
(١٦٨) هو حمزة بن بيض والبيت في المصوت لابن أحمد العسكري ص ١٣٤ .
١٣١

سورة المزمل الآية - ٢٠
تَّرْضَّ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِى
سَبِاللَّهِفَاقْرَءُوامَا تَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْالصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَفْرِضُواْاللَّهَ فَرْضَا حَسَنًّا
وَمَا نُقَدِمُوْلِأَنْفُسِكُمِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِندَاللَّهِهُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرَاوَأَسْتَغْفِرُواْاللَّهِنَّالَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٠
والله يُقدَرَ الليل والنهارَ﴾ يعني يقدر ساعتهما، فاحتمل ذلك وجهين:
أحدهما: تقديرهما لأعمال عباده.
الثاني : لقضائه في خلقه.
﴿عَلِمَ أن لن تُحْصُوهُ﴾ فیه وجهان :
أحدهما: لن تطيقوا قيام الليل، قاله الحسن.
الثاني : يريد تقدير نصف الليل وثلثه وربعه، قاله الضحاك.
﴿فتابَ علیکم﴾ یحتمل وجهین:
أحدهما: فتاب عليكم من تقصيركم فيما مضى، فاقرؤوا في المستقبل ما
تیسر.
الثاني : فخفف عنكم .
﴿فَاقْرَءُوا ما تيسّر مِنَ القُرآنِ﴾ فیه وجهان:
أحدهما: فصلّوا ما تيسّر من الصلاة، فعبر عن الصلاة بالقرآن لما يتضمنها من
القرآن .
فعلى هذا يحتمل في المراد بما تيسر من الصلاة وجهان:
أحدهما: ما يتطوع به من نوافله لأن الفرض المقدر لا يؤمر فيه بما تيسر.
الثاني : أنه محمول على فروض الصلوات الخمس لانتقال الناس من قيام الليل
إليها، ويكون قوله ((ما تيسر)) محمولاً على صفة الأداء في القوة والضعف، والصحة
والمرض، ولا يكون محمولاً على العدد المقدر شرعاً.
الثاني: أن المراد بذلك قراءة ما تيسر من القرآن حملاً للخطاب على ظاهر
اللفظ .
فعلى هذا فيه وجهان :
١٣٢

سورة المزمل الآية - ٢٠
أحدهما: أن المراد به قراءة القرآن في الصلاة فيكون الأمر به واجباً لوجوب
القراءة في الصلاة.
واختلف في، قدر ما يلزمه أن يقرأ به من الصلاة، فقدره مالك والشافعي بفاتحة
الكتاب، لا يجوز العدول عنها ولا الاقتصار على بعضها، وقدرها أبو حنيفة بآية واحدة
من أيّ القرآن كانت.
والوجه الثاني: أن المراد به قراءة القرآن من غير الصلاة، فعلى هذا يكون
مطلق هذا الأمر محمولاً على الوجوب أو على الاستحباب؟ على وجهين:
أحدهما: أنه محمول على الوجوب ليقف بقراءته على إعجازه ودلائل التوحيد
فيه وبعث الرسل، ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه ودلائل التوحيد منه أن يحفظه،
لأن حفظ القرآن من القرب المستحبة دون الواجبة.
الثاني: أنه محمول على الاستحباب دون الوجوب، وهذا قول الأكثرين لأنه لو
وجب عليه أن يقرأه وجب عليه أن يحفظه. وفي قدر ما تضمنه هذا الأمر من القراءة
خمسة أقاويل :
أحدها: جميع القرآن، لأن اللَّه تعالى قد يسره على عباده، قاله الضحاك.
الثاني : ثلث القرآن، حكاه جويبر.
الثالث: مائتا آية، قاله السدي .
الرابع: مائة آية، قاله ابن عباس.
الخامس: ثلاث آيات كأقصر سورة، قاله أبو خالد الكناني .
﴿عَلِمِ أنْ سيكونُ منكم مَّرْضَى﴾ ذكر اللَّه أسباب التخفيف، فذكر منها المرض
لأنه يُعجز.
ثم قال: ﴿وآخرون يَضْرِبون في الأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنهم المسافرون، كما قال عز وجلّ: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس
عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ .
الثاني: أنه التَقلَّب للتجارة لقوله تعالى : ﴿يبتغونَ من فضلِ الله﴾، قاله ابن
مسعود يرفعه(١٦٩)، وهو قول السدي .
(١٦٩) لعله يقصد ما رواه الثعلبي من رواية فرقد السبخي عن إبراهيم عن ابن مسعود موقوفاً أيما رجل جلب
١٣٣

سورة المزمل الآية - ٢٠
﴿وَآخَرونَ يُقاتِلون في سبيل اللّهِ﴾ يعني في طاعته، وهم المجاهدون.
فاقْرؤوا ما تيسّر منه﴾ نسخ ما فرضه في أول السورة من قيام الليل وجعل ما
تيسر منه تطوعاً ونفلاً، لأن الفرض لا يؤمر فيه بفعل ما تيسر منه.
وقد ذكرنا في أول السورة الأقاويل في مدة الفرض.
﴿وأقيموا الصلاة﴾ يعني المفروضة، وهي الخمس لوقتها.
﴿وأتُوا الزكاةَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
٠١٠٠
أحدها: أنها ها هنا طاعة الله والإخلاص له، قاله ابن عباس.
الثاني: أنها صدقة الفطر، قاله الحارث العكلي .
الثالث: أنها زكاة الأموال كلها، قاله قتادة وعكرمة.
﴿وَأَقْرِضوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ فيه خمسة تأويلات:
أحدها: أنه النوافل بعد الفروض، قاله ابن زید.
الثاني: قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، قاله ابن حبان.
الثالث: النفقة على الأهل، قاله زيد بن أسلم.
الرابع: النفقة من سبيل اللّه، وهذا قول عمر رضي الله عنه.
الخامس: أنه أمر بفعل جميع الطاعات التي يستحق عليها الثواب.
﴿َتَجِدُوه عِندَ اللَّهِ﴾ يعني تجدوا ثوابه عند اللَّه ﴿هو خيراً﴾ يعني مما أعطيتم
وفعلتم .
﴿وأعظم أجرا﴾ قال أبو هريرة: الجنة.
ويحتمل أن يكون ((أعظم أجرا)) الإعطاء بالحسنة عشراً.
﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ يعني من ذنوبكم.
﴿إِنّ اللَّهَ غَفورٌ﴾ لما كان قبل التوبة.
﴿رحيمٌ﴾ بكم بعدها، قاله سعيد بن جبير.
شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء وقد ضعف
هذا الحديث الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف ص ١٧٩ وقال وصله ابن مردويه بذكر علقمة بن
إبراهيم وعبد الله ورفعه أيضاً وزاد ثم قرأ ((وآخرون يضربون في الأرض .. )) الآية.
١٣٤

سورة المدثر الآية - ١ - ١٠
ريليه
٧٤
شُورَةُ الْمَعُدّرْ
آياته
٥٦
بسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الرَّحِيمِ
يَّأَيُّهَا الْمُدَّفِرُّ هَاقُرْ فَنْذِرْ جَ وَرَبَّكَ فَكَتِرْ ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ
٥
وَالرُّجْزَفَاهْجُرْ!
٤
وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿ وَلِرَبِّكَ فَأَصْبِرِ ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ هَا فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمٌ
عَسِيرُ أَ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ بَسِيرٍـ
١٠
قوله تعالى: ﴿يا أيها المدَّثِّر﴾ فيه قولان:
أحدهما: يا أيها المدثر بثيابه، قاله قتادة.
الثاني : بالنبوة وأثقالها، قاله عكرمة.
﴿قم﴾ من نومك ﴿فأنذر﴾ قومك عذاب ربك.
ويحتمل وجهاً ثالثاً: يا أيها الكاتم لنبوته اجهر بإنذارك.
ويحتمل هذا الإنذار وجهين:
أحدهما: إعلامهم بنبوته لأنه مقدمة الرسالة.
الثاني: دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود بها.
قال ابن عباس وجابر هي أول سورة نزلت.
﴿وثيابَك فَطهِّرْ﴾ فيه خمسة أقاويل :
أحدها: أن المراد بالثياب العمل.
الثاني : القلب.
١٣٥

سورة المدثر الآية - ١ - ١٠
الثالث: النّفْس.
الرابع: النساء والزوجات.
الخامس: الثياب الملبوسات على الظاهر.
فمن ذهب إلى أن المراد بها العمل قال تأويل الآية: وعملك فأصلح، قاله
مجاهد، ومنه ما روي عن النبي ◌َّ ر أنه قال (١٧٠):
(«يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات فيها)) يعني عمله الصالح والطالح .
ومن ذهب إلى أن المراد بالثياب القلب فالشاهد عليه قول امرىء القيس (١٧١):
فسلّي ثيابي من ثيابكِ تنسلٍ
وإن تك قد ساءتك مني خليقةٌ
ولهم في تأويل الآية وجهان:
أحدهما: معناه وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي، قاله ابن عباس وقتادة.
الثاني: وقلبك فطهر من الغدر وهذا مروي عن ابن عباس، واستشهد بقول
الشاعر (١٧٢):
فإني بحمْدِ اللَّه لا ثوْبَ فاجر لبست ولا مِن غَدْرةٍ أَتَقَنْع.
ومن ذهب إلى أن المراد بالثياب النفس فلأنها لابسة الثياب، فكنى عنها
بالثياب، ولهم في تأويل الآية ثلاثة أوجه:
أحدها: معناه ونفسك فطهرها مما نسبك إليه المشركون من شعر أو سحر أو
کهانة أو جنون، رواه ابن أبي نجيح وأبو یحیی عن مجاهد.
الثاني : ونفسك فطهرها مما كنت تشكو منه وتحذر، من قول الوليد بن
المغيرة، قاله عطاء.
الثالث: ونفسك فطهرها من الخطايا، قاله عامر.
ومن ذهب إلى أن المراد النساء والزوجات فلقوله تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم
(١٧٠) والذي في التذكرة للقرطبي ص ٢٤٣ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه لما حضرته الوفاة
دعا بثياب جدد فلبسها وقال سمعت رسول الله وَيهو يقول إن الميت يبعث في ثيابه التي مات فيها رواه أبو
داود ذكر السيوطي في كتابه شرح الصدور آثاراً عن حذيفة ومعاذ رضي الله عنهما تؤيد هذا
الحديث فراجعها .
(١٧١) ديوانه: ١٣، شرح القصائد السبع لأبي بكر الأنباري: ٤٦. زاد المسير (٤٠١/٨).
(١٧٢) هو غيلان بن سلمة والبيت في اللسان ثوب والطبري (١٤٥/٢٩) فتح القدير (٣٢٤/٥).
١٣٦

سورة المدثر الآية - ١ - ١٠
لباس لهن﴾ [البقرة: ١٨٧]ولهم في تأويل الآية وجهان:
أحدهما: معناه ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف.
الثاني : الاستمتاع بهن من القبل دون الدبر، وفي الطهر دون الحيض ،
حکاهما ابن بحر
ومن ذهب إلى أن المراد بها الثياب الملبوسة على الظاهر، فلهم في تأويله
أربعة أوجه:
أحدها: معناه وثيابك فأنْقِ، رواه عطاء عن ابن عباس، ومنه قول امرىء
(١٧٣) .
القیس
وأَوْجُهُهُمْ عند المشاهد غُرّان
ثياب بني عَوْفٍ طهارى نقيّةٌ
الثاني : وثيابك فشمّر وقصّر، قاله طاووس.
الثالث: وثيابك فطهر من النجاسات بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد
والفقهاء .
الرابع: معناه لا تلبس ثياباً إلا [من] كسب حلال مطهرة من الحرام.
﴿والرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فيه ستة تأويلات:
أحدها: يعني الآثام والأصنام، قاله جابر وابن عباس وقتادة والسدي .
الثاني : والشرك فاهجر، قاله ابن جبير.
الثالث: والذنب فاهجر، قاله الحسن.
الرابع: والإثم فاهجر، قاله السدي .
الخامس: والعذاب فاهجر، حكاه أسباط.
السادس: والظلم فاهجر، ومنه قول رؤية بن العجاج (١٧٤).
حتى وَقَمْنا كيدَه بالرجزِ.
كم رامنا من ذي عديد منه
قال السدي: الرَّجز بنصب الراء: الوعيد.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر﴾ فيه أربعة تأويلات:
(١٧٣) القرطبي (٦٥/٢٩) فتح القدير (٣٢٤/٥) ديوانه: ٨٣ ونسبه القرطبي لأبي كبشة وهو خطأ وفيه
وأوجههم بيض المسافر.
(١٧٤) ديوانه: ٦٤ .
١٣٧

سورة المدثر الآية - ١ - ١٠
أحدها: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة،
قال الضحاك: هذا حرمه الله تعالى على رسوله وأباحه لأمته.
الثاني : معناه لاتمنن بعملك تستكثر على ربك، قاله الحسن.
الثالث: معناه لاتمنن بالنبوة على الناس تأخذ عليها منهم أجراً، قاله ابن زيد.
الرابع: معناه لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه، قاله مجاهد.
ويحتمل تأويلاً خامساً: لا تفعل الخير لترائي به الناس.
﴿ولِرَبِّك فاصْبِرْ﴾ أما قوله ((وَلِرَبِّكَ)) ففيه ثلاثة أوجه:
a
ے
أحدها: لأمر ربك.
الثاني : لوعد ربك.
الثالث: لوجه ربك.
وفي قوله ((فاصْبِرْ سبعة تأويلات:
أحدها: فاصْبِرْ على ما لاقيت من الأذى والمكروه، قاله مجاهد.
الثاني : على محاربة العرب ثم العجم، قاله ابن زید.
الثالث: على الحق فلا يكن أحد أفضل عندك فيه من أحد، قاله السدي.
الرابع: فاصْبِرْ على عطيتك للَّه، قاله إبراهيم.
الخامس: فاصْبِرْ على الوعظ لوجه اللَّه، قاله عطاء.
السادس: على انتظام ثواب عملك من الله تعالى، وهو معنى قول ابن شجرة.
السابع: على ما أمرك الله من أداء الرسالة وتعليم الدين، حكاه ابن عيسى .
﴿فإذا نُقِرَ في الناقُورِ﴾فیه تأويلان:
أحدهما: يعني نفخ في الصور(١٧٥)، قاله ابن عباس، وهل المراد النفخة الأولى
أو الثانية؟ قولان:
أحدهما: الأولى
والثاني : الثانية .
- الثاني: أن الناقور القلب يجزع إذا دعي الإنسان للحساب، حكاه ابن كامل.
ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أن الناقور صحف الأعمال إذا نشرت للعرض.
(١٧٥) وهو الصواب وعليه أكثر المفسرين.
١٣٨

سورة المدثر الآية - ١١ - ٣٠
ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا { وَجَعَلْتُ لَهُ مَا لَا مَّمْدُودًا [﴾ وَبَنِينَ شُهُودً
١٣
وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا [٤] ثُمَ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ [١٥] كَلَّ إِنَّهُ كَانَ لِلَتِّنَا عَنِيدَالَسَأُنْهِقُهُ
ثُمَّنَظَرَ!
ثُمَّ قُئِلَ كَيْفَ قَدَّرَإِ
صَعُودًا [َ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ هَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾
٢١
٢٠
إِنْ هَذَآٍإِلَّا قَوْلُ
٢٤
عَبَسَ وَبَسَ لَا ثُمَّ أَذْبَرَوَأُسْتَكْبَ ◌َّفَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّاسِرٌ يُؤْثَرُ
اَلْبَشَرِ ﴿ أَسَأَصْلِيهِ سَقَرَ [٦] وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا سَقَرُّ ◌ِيهَلَا نُبْقِي وَلَا نَذَرُ الْجَلَوَاحَةٌ لِلْبَشَرِ
٢٩
٣٠
عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ
﴿ذِرْني ومَنْ خَلَقْتُ وَحيداً﴾ قال المفسرون يعني الوليد بن المغيرة المخزومي
وإن كان الناس خلقوا مثل خلقه، وإنما خص بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة لأذى
الرسول.
وفي قوله تعالى ((وحيداً)) تأويلان:
أحدهما: أن الله تفرد بخلقه وحده.
الثاني: خلقه وحيداً في بطن أُمّه لا مال له ولا ولد، قاله مجاهد. فعلى هذا
الوجه في المراد بخلقه وحيداً وجهان:
أحدهما: أن يعلم به قدر النعمة عليه فيما أعطي من المال والولد.
الثاني: أن يدله بذلك على أنه يبعث وحيداً كما خلق وحيداً.
وجَعَلْتُ له مالاً مَمْدوداً﴾ فيه ثمانية أقاويل :
أحدها: ألف دینار، قاله ابن عباس.
الثاني : أربعة الآف دينار، قاله سفيان.
الثالث: ستة آلاف دينار، قاله قتادة.
الرابع: مائة ألف دينار، قاله مجاهد.
الخامس: أنها أرض يقال لها ميثاق، وهذا مروي عن مجاهد أيضاً.
السادس: أنها غلة شهر بشهر، قاله عمر رضي الله عنه.
السابع: أنه الذي لا ينقطع شتاء ولا صيفاً، قاله السدي.
الثامن: أنها الأنعام التي يمتد سيرها في أقطار الأرض للمرعى والسعة، قاله
ابن بحر.
١٣٩

سورة المدثر الآية - ١١ - ٣٠
ويحتمل تاسعاً: أن يستوعب وجوه المكاسب فيجمع بين زيادة الزراعة وكسب
التجارة ونتاج المواشي فيمد بعضها ببعض لأن لكل مكسب وقتاً.
ويحتمل عاشراً: أنه الذي يتكون نماؤه من أصله كالنخل والشجر.
﴿وَبَنِينَ شُهوداً﴾ اختلف في عددهم على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم كانوا عشرة، قاله السدي .
الثاني : قال الضحاك: كان له سبعة ولدوا بمكة، وخمسة ولدوا بالطائف.
الثالث: أنهم كانوا ثلاثة عشر رجلاً، قاله ابن جبير.
وفي قوله ((شهوداً)) ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنهم حضور معه لا يغيبون عنه، قاله السدي .
الثاني : أنه إذا ذکر ذکروا معه، قاله ابن عباس.
الثالث: أنهم کلهم رب بیت، قاله ابن جبیر.
ويحتمل رابعاً: أنهم قد صاروا مثله من شهود ما كان يشهده، والقيام بما كان
يباشره .
﴿ومَهدت له تمهيداً﴾ فیه وجهان :
أحدهما: مهدت له من المال والولد، قاله مجاهد.
الثاني : مهدت له الرياسة في قومه، قاله ابن شجرة.
ويحتمل ثالثاً: أنه مهد له الأمر في وطنه حتى لا ينزعج عنه بخوف ولا حاجة.
﴿ثم يَطْمَعُ أنْ أُزيد﴾ فیه وجهان:
أحدهما: ثم يطمع أن أدخله الجنة، كلّا، قاله الحسن.
الثاني: أن أزيده من المال والولد ((كلّا)) قال ابن عباس:
فلم يزل النقصان في ماله وولده.
ويحتمل وجهاً ثالثاً: ثم يطمع أن أنصره على كفره.
﴿كلَّ إنه كان لآياتِنَاعَنيداً﴾ في المراد((بآياتنا)) ثلاثة أقاويل:
أحدها: القرآن(١٧٦)، قاله ابن جبير.
الثاني: محمد وَلّ ، قاله السدي.
(١٧٦) وهو الأصح من سياق الآيات.
١٤٠