Indexed OCR Text
Pages 501-520
سورة الحشر الآية - ١ - ٥ والثاني: يعني بالجلاء الإخراج عن منازلهم ﴿لعذبهم في الدنيا﴾ يعني بالقتل، قاله عروة . والفرق بين الجلاء والإخراج - وإن كان معناهما في الإبعاد واحد - من وجهين: أحدهما: أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد . الثاني: أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لجماعة ولواحد. ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ وذلك أن النبي ◌َّي لما نزل على حصون بني النضير وهي البويرة حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أحد قطع المسلمون من نخلهم وأحرقواست نخلات، (٥٥٣)، وحكى محمد بن إسحاق أنهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة، وكان ذلك عن إقرار رسول الله اله أو بأمره، إما لإضعافهم بها أو لسعة المكان بقطعها، فشق ذلك عليهم فقالوا وهم يهود أهل كتاب: يا محمد ألست تزعم أنك نبي تريد الإصلاح؟ أفمن الصلاح حرق الشجر وقطع النخل؟ وقال شاعرهم سماك اليهودي : على عهد موسى ولم نصدف ألسنا ورثنا كتاب الحكيم بسهل تهامة والأخيف وأنتم رعاء لشاء عجاف لدى كل دهر لكم مجحف ترون الرعاية مجداً لكم عن الظلم والمنطق المؤنف فيا أيها الشاهدون انتهوا يدلن عن العادل المنصف لعل الليالي وصرف الدهور وعقر النخيل ولم تقطف بقتل النضير وإجلائها فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه: وهم عمي عن التوراة يور هم أوتوا الكتاب فضيعوه بتصديق الذي قال النذير كفرتم بالقرآن وقد أتيتم حريق بالبويرة مستطير (٥٥٤) وهان على سراة بني لؤي (٥٥٣) رواه ابن جرير (٣٤/٢٨) عن مجاهد. (٥٥٤) راجع القرطبي (١٨ /٧) والطبري (٣٤/٢٨) واقتصر على البيت الأخير من شعر حسان. والشعر في معجم ما استعجم للبکري ٢٨٥ . ٥٠١ سورة الحشر الآية - ٦، ٧ ثم إن المسلمين جل في صدورهم ما فعلوه، فقال بعضهم: هذا فساد، وقال آخرون منهم عمر بن الخطاب: هذا مما يجزي الله به أعداءه وینصر أولیاءه فقالوا يا رسول الله هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فشق ذلك على النبي وَ﴿ حتى أنزل الله تعالى: ﴿وما قطعتم من لينة) الآية. وفيه دليل على أن كل مجتهد مصیب. وفي اللينة خمسة أقاويل : أحدها: النخلة من أي الأصناف کانت، قاله ابن حبان. الثاني : أنها كرام النخل، قاله سفيان. الثالث: أنها العجوة خاصة، قاله جعفر بن محمد وذكر أن العتيق والعجوة كانا مع نوح في السفينة، والعتيق الفحل، وكانت العجوة أصل الإناث كلها ولذلك شق على اليهود قطعها. الرابع: أن اللينة الفسيلة لأنها ألين من النخلة، ومنه قول الشاعر (٥٥٥): غرسوا لينها بمجرى معين ثم حفوا النخيل بالآجام الخامس: أن اللينة جميع الأشجار للينها بالحياة، ومنه قول ذي الرمة (٥٥٦): طراق الخوافي واقع فوق لينة ندى ليلة في ريشه يترقرق قال الأخفش: سميت لينة اشتقاقاً من اللون لا من اللين. وَمَا أَفَاءَاللَّهُ عَلَى رَسُولِهِمِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَارِكَابٍ وَلَكِنَّ اُللَّهَ يُسَلِطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾َمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُوْلَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا ◌َهَنْكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ إِنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٧ (٥٥٥) القرطبي (٩/١٨). (٥٥٦) القرطبي (٩/١٨). ٥٠٢ سورة الحشر الآية - ٧،٦ ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾ يعني ما رده الله على رسوله من أموال بني النضير. ﴿فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ والإيجاف الإيضاع في السير وهو الإسراع، والركاب: الإبل، وفيهما يقول نصيب (٥٥٧): ألارب ركب قد قطعت وجيفهم إليك ولولا أنت لم توجف الركب ﴿ولكن الله يسلط رسله على من يشاء﴾ ذلك أن مال الفيء هو المأخوذ من المشركين بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، فجعل الله لرسوله أن يضعه حيث يشاء لأنه واصل بتسليط الرسول عليهم لا بمحاربتهم وقهرهم. فجعل الله ذلك طعمة لرسوله خالصاً دون الناس، فقسمه في المهاجرين إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة فإنهما ذكرا فقراً فأعطاهما. ﴿كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ يقال دولة بالضم وبالفتح (٥٥٨) وقرىء بهما، وفيهما قولان : أحدهما: أنهما واحد، قاله يونس، والأصمعي . والثاني: أن بينهما فرقاً، وفيه أربعة أوجه: أحدها: أنه بالفتح الظفر في الحرب، وبالضم الغنى عن فقر، قاله أبو عمرو ابن العلاء . الثاني : أنه بالفتح في الأيام، وبالضم في الأموال، قاله عبيدة. الثالث: أنه بالفتح ما كان كالمستقر، وبالضم ما كان كالمستعار، حكاه ابن كامل. الرابع: أنه بالفتح الطعن في الحرب، وبالضم أيام الملك وأيام السنين التي تتغير، قاله الفراء، قال حسان (٥٥٩): ولقد نلتم ونلنا منكم وكذاك الحرب أحياناً دول ﴿وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ فيه أربعة أوجه. (٥٥٧) روح المعاني (٤٥/٢٨). (٥٥٨) وهي قراءة أبي جعفر راجع الطبري (٣٩/٢٨). (٥٥٩) ديوانه: ١٨١ وفيه كذاك الحرب. ٥٠٣ سورة الحشر الآية - ٨ - ١٠ أحدها: يعني ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه، قاله السدي . الثاني: ما آتاكم الله من مال الغنيمة فخذوه، وما نهاكم عنه من الغلو فلا تفعلوه، قاله الحسن. الثالث: وما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه، قاله ابن جريج . الرابع: أنه محمول على العموم (٥٦٠) في جميع أوامره ونواهيه لأنه لا يأمر إلا بصلاح ولا ینھی إلا عن فساد. وحكى الكلبي أنها نزلت في رؤساء المسلمين قالوا فيما ظهر عليه رسول الله وَل* من أموال المشركين، يا رسول اللَّه صفيك والربع ودعنا والباقي فهكذا كنا نفعل في الجاهلية وأنشدوه(٥٦١). لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول. فأنزل الله هذه الآية. لِلْفُقَرَآءِالْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ﴿َّ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن وَالَّذِينَ جَاءُ و مِنْ يُوقَ شُحَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَّجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيم ١٠ (*) وفي نسخة للمخطوطة فلا تبطلوه وهو تحريف والصواب ما هنا. (٥٦٠) وهو الصواب لأن العبرة بالعموم. (٥٦١) هو عبدالله بن عثمة الضبي. ٥٠٤ سورة الحشر الآية - ٨ - ١٠ ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾ يعني بالمهاجرين من هاجر عن وطنه من المسلمين إلى رسول الله وَّير في دار هجرته وهي المدينة خوفاً من أذى قومه ورغبة في نصرة نبيّه فهم المقدمون في الإسلام على جميع أهله. ﴿يبتغون فضلاً من الله ورضواناً﴾ يعني فضلاً من عطاء الله في الدنيا، ورضواناً من ثوابه في الآخرة. ٠ ويحتمل وجهاً ثانياً: أن الفضل الكفاية، والرضوان القناعة. وروى علي بن رباح اللخمي أن عمر بن الخطاب خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقة فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله تعالى جعلني خازناً وقاسماً، إني بادىء بأزواج النبي وسي فمعطيهن، ثم بالمهاجرين الأولين أنا وأصحابي أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا. قال قتادة: لأنهم اختاروا الله ورسوله وقّے على ما كانت من شدة، حتی ذکر لنا أن الرجل كان يعصب على بطنه الحجر ليقيم صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة(*) في الشتاء ما له دثار غيرها. ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم) ويكون على التقديم والتأخير ومعناه تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان. الثاني : أن الكلام على ظاهره ومعناه أنهم تبوءوا الدار والإيمان قبل الهجرة إليهم يعني بقبولهم ومواساتهم بأموالهم ومساكنهم. ﴿يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا﴾ فيه وجهان : أحدهما: غيرة وحسداً على ما قدموا به من تفضيل وتقريب، وهو محتمل. الثاني: يعني حسداً على ما خصوا به من مال الفيء وغيره فلا يحسدونهم عليه، قاله الحسن. ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ يعني يفضلونهم ويقدمونهم (*) الحفيرة هي والأثر أخرجه الطبري (٢٨ /٤٠). ٥٠٥ سورة الحشر الآية - ٨ - ١٠ على أنفسهم ولو كان بهم فاقة وحاجة، ومنه قول الشاعر (٥٦٢): أما الربيع إذا تكون خصاصة عاش السقيم به وأثرى المقتر وفي إيثارهم وجهان : أحدهما: أنهم آثروا على أنفسهم بما حصل من فىء وغنيمة حتى قسمت في المهاجرین دونهم، قاله مجاهد، وابن حیان . روي أن النبي وسلّ قسم على المهاجرين ما أفاء الله من النضير ونفل من قريظة على أن يرد المهاجرون على الأنصار ما كانوا أعطوهم من أموالهم فقالت الأنصار بل نقيم لهم من أموالنا ونؤثرهم بالفيء، فأنزل الله هذه الآية. الثاني: أنهم آثروا المهاجرين بأموالهم وواسوهم بها. روى ابن زيد أن النبي وقال لهم: ((إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم)) فقالوا: أموالنا بينهم قطائع، فقال: ((أو غير ذلك؟)) فقالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ فقال: ((هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم التمر)) يعني مما صار إليهم من نخيل بني النضير، قالوا نعم يا رسول الله ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ فيه ثمانية أقاويل: أحدها: أن هذا الشح هو أن يشح بما في أيدي الناس يحب أن يكون له ولا يقنع، قاله ابن جريج وطاووس. الثاني : أنه منع الزكاة، قاله ابن جبير. الثالث: يعني هوی نفسه، قاله ابن عباس. الرابع: أنه اكتساب الحرام (٥٦٣)، روى الأسود عن ابن مسعود أن رجلاً أتاه فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال وما ذاك؟ قال سمعت الله عز وجل يقول: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ وأنا رجل شحيح لا أكاد أخرج من يدي شيئاً فقال ابن مسعود: ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن، (٥٦٢) فتح القدير (٢٠١/٥) القرطبي (٢٩/١٨). (٥٦٣) رواه ابن جرير (٤٣/٢٨) وزاد السيوطي في الدر (١٠٧/٨) لابن أبي حاتم والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان. وسنده صحيح إلا أن الطريق فيه المسعودي أحد رواته فإنه كان قد اختلط قبل موته . ٥٠٦ سورة الحشر الآية - ٨ - ١٠ إنما الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل. الخامس: أنه الإمساك عن النفقة، قاله عطاء. السادس: أنه الظلم، قاله ابن عيينة . السابع: أنه أراد العمل بمعاصي الله، قاله الحسن. الثامن: أنه أراد ترك الفرائض وانتهاك المحارم، قاله الليث. وفي الشح والبخل قولان: أحدهما: أن معناهما واحد. الثاني : أنهما يفترقان وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: أن الشح أخذ المال بغير حق، والبخل أن يمنع من المال المستحق، قاله ابن مسعود. الثاني: أن الشح بما في يدي غيره، والبخل بما في يديه، قاله طاووس (٥٦٤). ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم الذين هاجروا بعد ذلك، قاله السدي والكلبي . الثاني: أنهم التابعون الذين جاءوا بعد الصحابة ثم من بعدهم إلى قيام الدنيا هم الذين جاءوا من بعدهم، قاله مقاتل. وروى مصعب بن سعد قال: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان وبقيت الثالثة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. وفي قولهم: ﴿اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ وجهان: أحدهما: أنهم أمروا أن يستغفروا لمن سبق من هذه الأمة ومن مؤمني أهل الكتاب. قالت عائشة: فأمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم. الثاني: أنهم أمروا أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. ﴿ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا﴾ الآية. في الغل وجهان: أحدهما: الغش، قاله مقاتل. الثاني : العداوة، قاله الأعمش. (٥٦٤) راجع زاد المسير (٢١٥/٨، ٢١٦) والقرطبي (٣٠،٢٩/٨) ٥٠٧ سورة الحشر الآية - ١١ - ١٧ * أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوْيَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَرَ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوِلْتُمْ ◌َتَنَصُرَ تَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُّ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ لَبِنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخُْونَ مَعَهُمْ وَلَيِن ١٢ قُوتِلُواْ لَنَصُرُونَهُمْ وَلَيِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلْنَ اْلْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اْللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ١٣ لَا يُقَائِلُونَكُمْ حَمِيعًا إِلَّا فِ قُرَّى تُحَضَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ج ١٤ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَرِيَّاذَا قُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ شَّكَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٌّمِنكَ إِنَّ أَخَافُ فَكَانَ عَقِبَتَهُمَآ أَنَهُمَا فِي النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَا وَذَالِكَ ١٦ اُللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ جَزَّؤَأْ الظَّالِمِينَ ﴿بأسهم بينهم شديد﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد، قاله السدي . الثاني : أنه وعيدهم للمسلمين لنفعلن كذا وكذا، قاله مجاهد. ﴿تحسبهم جميعاً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم اليهود. الثاني : أنهم المنافقون واليهود، قاله مجاهد. ﴿وقلوبهم شتى﴾ يعني مختلفة متفرقة، قال الشاعر(٥٦٥): إلى الله أشكو نية شقت العصا هي اليوم شتى وهي بالأمس جمع. وفي قراءة ابن مسعود ((وَقُلُوبُهُمْ أَشَتُّ)) بمعنى أشد تشتيتاً، أي أشد اختلافاً. وفي اختلاف قلوبهم وجهان: (٥٦٥) القرطبي (٣٦/١٨). ٥٠٨ سورة الحشر الآية - ١١ - ١٧ أحدهما: لأنهم على باطل، والباطل مختلف، والحق متفق. الثاني: أنهم على نفاق، والنفاق اختلاف. قوله تعالى: ﴿كمثل الذين من قبلهم قريباً﴾ الآية. فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم كفار قریش یوم بدر، قاله مجاهد. الثاني: أنهم قتلى بدر، قاله السدي، ومقاتل. الثالث: أنهم بنو النضير الذين أجلوا من الحجاز إلى الشام، قاله قتادة. الرابع: أنهم بنو قريظة، كان قبلهم إجلاء بني النضير. ﴿ذاقوا وبال أمرهم﴾ بأن نزلوا على حكم سعد[ بن معاذ] فحكم فيهم بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم، قاله الضحاك. وفيه وجهان: أحدهما: في تجارتهم. الثاني : في نزول العذاب بهم. ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه مثل ضربه الله للكافر في طاعته للشيطان، وهو عام في الناس کلهم، قاله مجاهد. الثاني: أنها خاصة في سبب خاص صار به المثل عاماً، وذلك ما رواه عطية العوفي عن ابن عباس أن راهباً كان (٥٦٦) في بني إسرائيل يعبد الله فيحسن عبادته، وكان يؤتى من كل أرض يسأل عن الفقه وكان عالماً، وأن ثلاثة إخوة كانت لهم أخت من أحسن النساء مريضة، وأنهم أرادوا سفراً فكبر عليهم أن يذروها ضائعة، فجعلوا يأتمرون فيما يفعلون، فقال أحدهم: ألا أدلكم على من تتركونها عنده؟ فقال له من؟ فقال: راهب بني إسرائيل، إن ماتت قام عليها، وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليه، فعمدوا إليه وقالوا: إنا نريد السفر وإنا لا نجد أحداً أوثق في أنفسنا منك ولا آمن علينا (٥٦٦) وهذه القصة تعرف بقصة برصيصاً العابد وروى الخبر بطوله ابن جرير (٥٠/٢٨) موقوفاً على ابن عباس وسنده ضعيف مسلسل بالضعفاء وبنحوه رواه الطبري (٢٨ / ٥٠) موقوفاً على طاووس ورواه الحاكم (٤٨٤/٢) من قول علي وصححه ووافقه الذهبي. وزاد السيوطي في الدر (١١٦/٨) نسبته لعبد الرزاق وابن راهويه وأحمد في الزهد والبخاري في تاريخه وابن المنذر وابن مردويه. والبيهقي في الشعب ورفع القصة لا يصح كما قال غير واحد من العلماء فالصواب أنها موقوفة على علي وابن مسعود وابن عباس ومقاتل وطاووس. ٥٠٩ سورة الحشر الآية - ١٨ - ٢٠ غيرك، فاجعل أختنا عندك فإنها ضائعة مريضة، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فاحفظها حتى نرجع، فقال: أكفيكم إن شاء الله، وإنهم انطلقوا، فقام عليها وداواها حتى برئت فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها وحبلت، ثم تقدم منه الشيطان فزين له قتلها وقال: إن لم تفعل افتضحت، فقتلها. فلما عاد إخوتها سألوه عنها فقال: ماتت فدفنتها، قالوا أحسنت، فجعلوا يرون في المنام أن الراهب قتلها وأنها تحت شجرة كذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها قد قتلت، فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا الذي زينت لك قتلها بعد الزنى فهل لك أن أنجيك وتطيعني؟ قال: نعم، قال فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد ثم قتل، فذلك قوله تعالى: ﴿كمثل الشيطان﴾ فكذا المنافقون وبنو النضير مصيرهم إلى النار. يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْاللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ لَايَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةُ 4 أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآبِزُونَ ٢٠ ٠٠٠ ﴿يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله﴾ روى معن أو عون عن ابن مسعود أن رجلاً أتاه فقال: اعهد لي، فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يأيها الذين ءامنوا﴾ فأرعها سمعك فإنه خیر تؤمر به أو شر تنھی عنه. وفي هذه التقوى وجهان : أحدهما: اجتناب المنافقين. الثاني : هو اتقاء الشبهات. ﴿ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ قال ابن زيد: ما قدمت من خير أو شر. ﴿لغد﴾ يعني يوم القيامة والأمس: الدنيا. قال قتادة: إن ربكم قدم الساعة حتى جعلها لغد. ﴿واتقوا الله﴾ في هذه التقوى وجهان: أحدهما: أنها تأكيد للأولى . ٥١٠ سورة الحشر الآية - ٢١ والثاني : أن المقصود بها مختلف وفيه وجهان : أحدهما: أن الأولى التوبة مما مضى من الذنوب، والثانية اتقاء المعاصي في المستقبل. الثاني : أن الأولى فيما تقدم لغد، والثانية فيما يكون منكم. ﴿إن الله خبير بما تعملون﴾ فیه وجهان: أحدهما: أن الله خبير بعملكم . الثاني : خبير بكم عليم بما يكون منكم، وهو معنى قول سعيد بن جبير. ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: نسوا الله أي تركوا أمر الله، فأنساهم أنفسهم أن يعملوا لها خيراً، قاله ابن حبان . الثاني : نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم، قاله سفيان. الثالث: نسوا الله بترك شكره وتعظيمه فأنساهم أنفسهم بالعذاب أن يذكر بعضهم بعضاً، حكاه ابن عیسی . الرابع: نسوا الله عند الذنوب فأنساهم أنفسهم عند التوبة، قاله سهل. ويحتمل خامساً: نسوا الله في الرخاء فأنساهم أنفسهم في الشدائد. ﴿أولئك هم الفاسقون﴾ فيه تأويلان :. أحدهما: العاصون، قاله ابن جبير. الثاني : الكاذبون، قاله ابن زید. ولا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يستوون في أحوالهم، لأن أهل الجنة في نعيم، وأهل النار في عذاب. الثاني: لا يستوون عند الله، لأن أهل الجنة من أوليائه، وأهل النار من أعدائه. ﴿أصحاب الجنة هم الفائزون﴾ فيه وجهان: أحدهما: المقربون المكرمون . الثاني : الناجون من النار، قاله ابن حبان. لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَلٍ لََّأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ٥١١ سورة الحشر الآية - ٢١ - ٢٤ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآّ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَرُونَ ﴾ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّهُوَ الْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ اَلْمُهَيْمِنُ اُلْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِ كُونَ (ََّهُوَ اُللَّهُ الْخَلِقُّ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرِّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ, مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ( ٢٤ ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون خطاباً لرسول الله وَ ل* إننا لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لما ثبت له بل انصدع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له، فيكون ذلك امتناناً علیه أن ثبته لما لا تثبت له الجبال. الثاني: أنه خطاب للأمة، وأن الله لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من خشية الله، والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتاً، فهو يقوم بحقه إن أطاع، ويقدر علی رده إن عصى، لأنه موعود بالثواب ومزجور بالعقاب. وفيه قول ثالث: إن الله تعالى ضربه مثلاً للكفار أنه إذا نزل هذا القرآن على جبل خشع لوعده وتصدع لوعيده، وأنتم أيها المقهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده ولا ترهبون من وعيده. ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو﴾ كان جابر بن زيد يرى أن اسم الله الأعظم هو الله، لمكان هذه الآية. ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: عالم السر والعلانية، قاله ابن عباس. الثاني : عالم ما كان وما يكون. الثالث: عالم ما يدرك وما لا يدرك من الحياة والموت والأجل والرزق. الرابع: عالم بالآخرة والدنيا، قاله سهل. ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس﴾ في ﴿القدوس﴾ أربعة أوجه: ٥١٢ سورة الحشر الآية - ٢١ - ٢٤ أحدها: أنه المبارك، قاله قتادة، ومنه قول رؤية : دعوت رب العزة القدوسا دعاء من لا يقرع الناقوسا الثاني: أنه الطاهر، قاله وهب، ومنه قول الراجز (٥٦٧): قد علم القدوس مولى القدوس. الثالث: أنه اسم مشتق من تقديس الملائكة، قاله ابن جريج، وقد روي أن من تسبيح الملائكة سبوح قدوس رب الملائكة والروح. الرابع: معناه المنزه عن القبائح لاشتقاقه من تقديس الملائكة بالتسبيح فصار معناهما واحد. وأما ﴿السلام)فهو من أسمائه تعالى كالقدوس، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مأخوذ من سلامته وبقائه، فإذا وصف المخلوق بمثله قيل سالم وهو في صفة الله سلام، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: سلامك ربنا في كل فجر بريئاً ما تعنتك الذموم الثاني : أنه مأخوذ من سلامة عباده من ظلمه، قاله ابن عباس. [وفي ﴿المؤمن) ثلاثة أوجه: أحدها: الذي يؤمن أولياءه من عذابه](*). الثاني : أنه مصدق خلقه في وعده، وهو معنی قول ابن زید. الثالث: أنه الداعي إلى الإيمان، قاله ابن بحر. وأما﴿المهيمن﴾ فهو من أسمائه أيضاً، وفيه خمسة أوجه: أحدها: معناه الشاهد على خلقه بأعمالهم، وعلى نفسه بثوابهم، قاله قتادة، والمفضل، وأنشد قول الشاعر: شهيد عليَّ الله أني أحبها كفى شاهداً رب العباد المهيمن والثاني : معناه الأمين، قاله الضحاك. الثالث: المصدق، قاله ابن زید. الرابع: أنه الحافظ، حكاه ابن كامل. وروي أن عمر بن الخطاب قال: إني داع فهيمنوا، أي قولوا آمين حفظنا الدعاء، لما يرجى من الإجابة. (٥٦٧) هو رؤبة بن العجاج والبيت في اللسان قدس. (*) هذه العبارة كلها نقلناها من القرطبي والسياق يقتضيها. ٥١٣ سورة الحشر الآية - ٢١ - ٢٤ الخامس: الرحيم، حكاه ابن تغلب واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت: لعزته تعنو الوجوه وتسجد مليك على عرش السمآء مهيمن ﴿العزيز﴾ هو القاهر، وفيه وجهان: أحدهما: العزيز في امتناعه . الثاني : في انتقامه. ﴿الجبار﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: معناه العالي العظيم الشأن في القدرة والسلطان. الثاني: الذي جبر خلقه على ما شاء، قاله أبو هريرة، والحسن، وقتادة. الثالث: أنه الذي يجبر فاقة عباده، قاله واصل بن عطاء. الرابع: أنه الذي یذل له من دونه. ﴿المتکېر﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: المتكبر عن السيئات، قاله قتادة. الثاني: المستحق لصفات الكبر، والتعظيم، والتكبر في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذم. الثالث: المتكبر عن ظلم عباده. ﴿هو الله الخالق﴾ فیه وجهان: أحدهما: أنه المحدِث للأشياء على إرادته . الثاني : أنه المقدر لها بحكمته. ﴿الْبَارِىءُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: المميز للخلق، ومنه قولهم: برئت منه، إذا تميزت منه. الثاني : المنشىء للخلق، ومنه قول الشاعر: براك الله حين براه غيثاً ويجري منك أنهاراً عذاباً ﴿المصور﴾فيه وجهان: أحدهما: لتصوير الخلق على مشيئته. الثاني: لتصوير كل جنس على صورته. فيكون على الوجه الأول محمولاً على ابتداء الخلق بتصوير كل خلق على ما شاء من الصور. وعلى الوجه الثاني يكون ٥١٤ سورة الحشر الآية - ٢١ - ٢٤ محمولاً على ما استقر من صور الخلق، فيحدث خلق كل جنس على صورته وفيه على كلا الوجهین دليل على قدرته. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يكون لنقله خلق الإنسان وكل حيوان من صورة إلى صورة، فيكون نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن يصير شيخاً هرماً، كما قال النابغة (٥٦٨): الخالق البارىء المصور في الـ أرحام ماء حتى يصير دماً ﴿له الأسماء الحسنى﴾ فیه وجهان: أحدهما: أن جميع أسمائه حسنى لاشتقاقه من صفاته الحسنى . الثاني: أن له الأمثال العليا، قاله الكلبي. (٥٦٨) فتح القدير (٢٠٨/٥). ٥١٥ سورة الممتحنة الآية - ١ - ٣ ◌ُورَةُ الْمُمَّبِّحَّةْ آياتها) ١٣ مدنية في قول الجميع بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الزَحِيِ بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْلَا تَتَّخِذُ واْعَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْبِمَا جَاءَ كُمْ مِنَ الْحَقِّ ◌ُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْبِاللَّهِ رَبِّكُمْإِنكُ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِى وَأَبْتِغَ مَرْضَائِيَّ قُِرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلَهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْلَكُمْ أَعْدَاءُ وَيَبْسُطُوْإِلَيْكُمْ أَبِدِيَهُمْ وَأَلْسِنَهُمْ بِالسُّوْءٍ وَوَدُّواْ لَوْتَكْفُرُونَ ﴿﴿َأَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْ حَامُّكُولَا أَوْلَهُكُمْ يَوْمَالْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ( ٣ قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ سبب نزولها أن النبي ◌َ ◌ّ لما أراد التوجه إلى مكة أظهر أنه يريد خيبر، وكتب حاطب بن أبي بلتعة (٥٦٩) إلى أهل مكة أن النبي وال خارج إليهم وأرسل مع امرأة ذكر (٥٦٩) رواه البخاري (٤٠٠/٧) (٤٨٦/٨) ومسلم (١٩٤١/٤) والترمذي (٣٣٠٥) وأبو داود (٢٦٥٠) وابن جرير (٥٨/٢٨) وزاد السيوطي في الدر (١٢٥/٨) نسبته لعبد بن حميد والحميدي وأبي عوانة والبيهقي وأبي نعيم في الدلائل وابن مردويه. وابن المنذر وابن أبي حاتم وأحمد والنسائي وابن حبان. ٥١٦ سورة الممتحنة الآية - ٤ - ٦ أنها سارة مولاة لبني عبد المطلب، فأخبر النبي و # بذلك، فأنفذ علياً وأبا مرثد، وقيل عمر بن الخطاب، وقيل الزبير رضي الله عنهم، وقال لهما: اذهبا إلى روضة خاخ(*) فإنكم ستلقون بها امرأة معها كتاب فخذاه وعودا، فأتيا الموضع فوجداها والكتاب معها، فأخذاه وعادا، فإذا هو كتاب حاطب فقال عمر: ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه فقد خان الله ورسوله فقال ◌َله قد شهد بدراً، فقالوا: بلى ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك، فقال رسول الله وَير فلعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني بما تعملون خبير. ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم [ثم قال رسول الله ﴿ لحاطب] ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله كنت امرأ ملصقاً من قريش وكان لي بها مال فكتبت إليهم بذلك، والله يا رسول الله إني لمؤمن بالله ورسوله، فقال رسول الله و لل صدق حاطب فلا تقولوا له إلا خيراً. فنزلت هذه الآية والتي بعدها . وفي قوله تعالى : ﴿تسرون إليهم بالمودة﴾وجهان: أحدهما: تعلمونهم سراً أن بينكم وبينهم مودة. الثاني: تعلمونهم سراً بأحوال النبي وَله بمودة بينكم وبينهم. قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِ إِنََّهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْقَا أُوْلِقَوْمِمْ إِنَّابُرَءَؤُّأْ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْوَبَدَابَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْبِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرِهِيمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لِ﴿ رَبَّنَا لَ تَجْعَلْنَا لَقَدْكَانَ لَكُتْفِهِمْ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَأَغْفِرْ لَنَا رَبَّنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوْاللَّهَ وَلْيَّوْمَ الْآَخِرُّ وَ مَن يَنَوَلَ فَإِنَّ اللّهَ هُوَالْغَنِىُّ ◌ُلْحَمِيدُ ٦ ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة﴾ ذكر الكلبي والفراء أنه أراد حاطب بن أبي. بلتعة، وفيها وجهان : (*) هي مكان بين مكة والمدينة وأقرب إلى المدينة على اثني عشر ميلاً منها. (*) زيادة يقتضيها السياق. ٥١٧ سورة الممتحنة الآية - ٧ - ٩ أحدهما: سنة حسنة، قاله الكلبي . الثاني : عبرة حسنة، قاله ابن قتيبة. ﴿في إبراهيم والذين معه﴾من المؤمنين. ﴿إِذ قالوا لقومهم﴾ يعني من الكفار. ﴿إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾ فتبرؤوا (٥٧٠) منهم فهلا تبرأت أنت يا حاطب من كفار أهل مكة ولم تفعل ما فعلته من مكاتبتهم وإعلامهم. ثم قال: ﴿کفرنا بکم﴾ یحتمل وجھین: أحدهما: كفرنا بما آمنتم به من الأوثان. الثاني : بأفعالکم وکذبنا بها . ﴿وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ... ﴾فیه وجهان: أحدهما: تأسوا بإبراهيم في فعله واقتدوا به إلا في الاستغفار لأبيه فلا تقتدوا به فيه، قاله قتادة. الثاني: معناه إلا إبراهيم فإنه استثنى أباه من قومه في الاستغفار له، حكاه الكلبي . ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا﴾فيه تأويلان: أحدهما: معناه لا تسلطهم علينا فيفتنونا، قاله ابن عباس. الثاني: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فنصير فتنة لهم فيقولوا لوكانوا على حق ما عذبوا، قاله مجاهد، وهذا من دعاء إبراهيم عليه السلام. عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ قَوَدَّةٌ وَاللَّهُ قَدِيَّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿﴿َالَّا يَنْهَنَكُمُاللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَْنُخْرِجُوكُمْ مِّنِيَرِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ ﴿ إِنََّا يَنْهَنَّكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ (٥٧٠) هذا يدل على أن التوحيد لا يتأتى إلا بالتبرؤ من الشرك وأهله فشهادة أن لا إله إلا الله نفي وإثبات فمن لم يأت بإعلان البراءة لم يحصل له التوحيد ولهذا جعل الله إبراهيم والذين آمنوا معه أسوة لنا في إعلان تلك البراءة. ٥١٨ سورة الممتحنة الآية - ٩ قَتَلُوَّكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ وَظَهَرُ واْ عَّ إِخْرَاِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَن ٩ يَوَُّمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَِّمُونَ! ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة﴾ فيهم قولان: أحدهما: أهل مكة حين أسلموا عام الفتح فكانت هي المودة التي صارت بینهم وبین المسلمین، قاله ابن زید. الثاني : أنه إسلام أبي سفيان. وفي مودته التي صارت منه قولان: أحدهما: تزويج النبي ◌َلقر بأم حبيبة بنت أبي سفيان فكانت هذه مودة بينه وبين أبي سفيان، قاله مقاتل. الثاني: أن النبي وَلِّ استعمل أبا سفيان على بعض اليمن فلما قبض رسول الله أقبل فلقي ذا الخمار مرتداً، فقاتله فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين، فكانت هذه المودة، قاله الزهري . ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين) الآية. فيهم أربعة أوجه: أحدها: أن هذا في أول الأمر عند موادعة المشركين، ثم نسخ بالقتال، قاله ابن زید. الثاني: أنهم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف كان لهم عهد فأمر الله أن یبروهم بالوفاء به، قاله مقاتل. الثالث: أنهم النساء والصبيان لأنهم ممن لم يقاتل، فأذن الله تعالى ببرهم، حكاه بعض المفسرين. الرابع: ما رواه عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه(٥٧١) أن أبا بكر رضي الله عنه طلق امرأته قتيلة في الجاهلية وهي أم أسماء بنت أبي بكر، فقدمت عليهم في (٥٧١) وأحمد (٤/٤) وابن جرير (٦٦/٢٨) والحاكم (٤٨٥/٢) وصححه ووافقه الذهبي وزاد السيوطي في الدر (١٣٠/٨) نسبته للبزار وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في تاريخه والطبراني وابن مردويه والطيالسي وقال الهيثمي في المجمع (١٢٣/٧) رواه أحمد والبزار وفيه مصعب بن ثابت وثقه ابن حبان وضعفه جماعة وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ. قلت: ومصعب لين الحديث كما في التقريب. ٥١٩ سورة الممتحنة الآية - ١٠، ١١ المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله (ص 18 وبين كفار قريش، فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر قرطاً وأشياء، فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله وكلية. فذكرت ذلك له، فأنزل الله هذه الآية. ﴿وتقسطوا إليهم﴾ فیه وجهان: أحدهما: يعني وتعدلوا فيهم، قاله ابن حبان فلا تغلوا في مقاربتهم ولا تسرفوا في مباعدتهم. الثاني: معناه أن تعطوهم قسطاً من أموالكم، حكاه ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: أنه الإنفاق على (٥٧٢) من وجبت نفقته منهم، ولا يكون اختلاف الدين مانعاً من استحقاقها. وَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْإِذَا جَآءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجَِتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِمَتِهِنَ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّمُؤْمِنَاتٍ فَلَرْجِعُوهُـنَّ إِلَى الْكُفَّارِلَاهُنَّ حِلٌ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ نَّ وَءَاتُوهُمْمَّا أَنفَقُواْ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَآءَانْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ وَسْتَلُواْ مَآ أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْتَلُواْ مَّا أَنْفَقُواْ ذَ لِكُمْ حُكْمُلَهِيَحْكُمُبَيْنَكُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿ وَإِن ◌َاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَاتُواْالَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهُ الَّذِىَ أَنْتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾ لأنه يعلم بالامتحان ظاهر إيمانهن والله يعلم باطن إيمانهن، ليكون الحكم عليهن معتبراً بالظاهر وإن كان معتبراً بالظاهر والباطن. والسبب في نزول هذه الآية (٥٧٣) أن النبي ◌َّر هادن قريشاً عام الحديبية فقالت قريش على أن ترد علينا من جاءك منا، ونرد عليك من جاءنا منك، فقال على أن أرد عليكم من جاءنا منكم ولا تردوا علينا من جاءكم منا ممن اختار الكفر على الإيمان، (٥٧٢) وإليه ذهب كثير من العلماء. راجع كلام ابن القيم في زاد المعاد. (٥٧٣) وهذا في حديث الحديبية الطويل وقد تقدم تخريجه في سورة الفتح. ٥٢٠