Indexed OCR Text

Pages 321-340

سورة الفتح الآية - ٢٧
أخبر الله عنهم ﴿إِنَّا وَجَدْنَا أَبَاءنا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾
[الزخرف: ٢٣].
﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىْ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني الصبر الذي صبروا
والإجابة إلى ما سألوا، والصلح الذي عقدوه حتى عاد إليهم في مثل ذلك الشهر من
السنة الثانية قاضياً لعمرته ظافراً بطلبته .
﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ فيها أربعة أوجه:
أحدها: قول لا إله إلا الله، قاله ابن عباس، وهو يروي عن النبي ◌َل.
الثاني (٣١٢): الإخلاص، قاله مجاهد.
الثالث: قول بسم الله الرحمن الرحيم، قاله الزهري.
الرابع: قولهم سمعنا وأطعنا بعد خوضهم. وسميت كلمة التقوى لأنهم يتقون
بها غضب الله.
﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما: وكانوا أحق بكلمة التقوى أن يقولوها.
الثاني : وكانوا أحق بمكة أن يدخلوها.
وفي من كان أحق بكلمة التقوى قولان:
أحدهما: أهل مكة كانوا أحق بكلمة التقوى أن يقولوها لتقدم إنذارهم لولا ما
سلبوه من التوفيق .
الثاني: أهل المدينة أحق بكلمة التقوى حين قالوها، لتقدم إيمانهم حين
صحبهم التوفيق .
لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّءُ يَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ
(٣١٢) رواه الترمذي (١٥٩) والطبري (١٠٤/٢٦) وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من
حديث الحسن بن قزعة قال: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فلم يعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه
١ هـ قلت: وفي سنده ثوير بن أبي فاختة ولم يشهد له أحد بخير راجع ترجمته في الميزان
(٣٧٥/١ - ٣٧٦) وزاد السيوطي نسبة الحديث في الدر (٥٣٦/٧) لعبد الله بن أحمدٍ في زوائد
المسند والدارقطني في الأفراد والبيهقي في الأسماء والصفات وقد ورد مرفوعاً من حديث أبي بن كعب
وأبي هريرة وسلمة بن الأكوع. راجع تخريجها في الدر (٥٣٦/٧ - ٥٣٧).
٣٢١

سورة الفتح الآية - ٢٧ - ٢٩
ءَمِنِينَ مُحِلّقِينَ رُءُ وسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْفَجَعَلَ
مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحَا فَرِيبًا [® هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ
الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
٢٨
قوله عز وجل: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن
شَاءَ اللَّهُ ءَامِنِینَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِرِينَ﴾ قال قتادة: كان رسول الله پټ، رأى في
المنام، أنه يدخل مكة على هذه الصفة، فلما صالح قريشاً بالحديبية، ارتاب
المنافقون، حتى قال ◌َ﴿: ((فَمَا رَأَيْتُ فِي هَذَا العَامِ)).
ثم قال: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ﴾ فيه قولان:
أحدهما: علم أن دخولها إلى سنة ولم تعلموه أنتم، قاله الكلبي .
الثاني: علم أن بمكة رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم؛ الآية .
ثُمَّ قَالَ: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه الصلح الذي جرى بين رسول الله ◌ّله وقريش بالحديبية، قاله
مجاهد .
الثاني : فتح مكة، قاله ابن زيد والضحاك.
وفي قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه خارج مخرج الشرط والاستثناء.
الثاني: أنه ليس بشرط وإنما خرج مخرج الحكاية على عادة أهل الدين،
ومعناه لتدخلونه بمشيئة الله.
الثالث: إن شاء الله في دخول جميعكم أو بعضكم. ولأنه علم أن بعضهم يموت.
تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِوَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِذَّاءُ عَلَى الْكُغَارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمَّ تَرَدُهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا
صِى
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثْرِ السُّجُودِ ذَلِكَ
مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَنَّةِ وَمَثَلُهُمْ فِ آلْإِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطْفَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ
فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّزَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
٣٢٢

سورة الفتح الآية - ٢٩
٢٩
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
قوله عز وجل: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. فيه ستة تأويلات:
أحدها: أنه ثری الأرض وندی الطهور، قاله سعيد بن جبير.
الثاني : أنها صلاتهم تبدو في وجوههم، قاله ابن عباس.
الثالث: أنه السمت، قاله الحسن.
الرابع: الخشوع، قاله مجاهد.
الخامس: هو أن يسهر الليل فيصبح مصفراً، قاله الضحاك.
السادس: هو نور يظهر على وجوههم يوم القيامة، قاله عطية العوفي .
﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أُخْرَجَ شَطْاُهُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن مثلهم في التوراة بأن سيماهم في وجوههم. ومثلهم في الإنجيل
كزرع أخرج شطاه.
الثاني: أن كلا الأمرين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل.
وقوله: ﴿كَزَرْعٍ أُخْرَجَ شَطَاهُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن الشطأ شوك السنبل، والعرب أيضاً تسميه السفا والبهمي، قاله
قطرب .
الثاني : أنه السنبل، فيخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان، قاله الكلبي
والفراء .
الثالث: أنه فراخه التي تخرج من جوانبه، ومنه شاطئ النهر جانبه، قاله
الأخفش.
﴿قَآزره﴾ فيه قولان:
أحدهما: فساواه فصار مثل الأم، قاله السدي.
الثاني : فعاونه فشد فراخ الزرع أصول النبت وقواها.
فَاسْتَغْلَظَ﴾ يعني اجتماع الفراخ مع الأصول.
﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ أي على عوده الذي يقوم عليه فيكون ساقاً له.
﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ يعني النبي ◌ََّ وأصحابه رضي الله
٣٢٣

سورة الفتح الآية - ٢٩
عنهم، لأن ما أعجب المؤمنين من قوتهم كإعجاب الزراع بقوة زرعهم هو الذي غاظ
الكفار منهم .
ووجه ضرب المثل بهذا الزرع الذي أخرج شطأه، هو أن النبي ◌َّ حين بدأ
بالدعاء إلى دينه كان ضعيفاً، فأجابه الواحد بعد الواحد حتى كثر جمعه وقوي أمره،
کالزرع یبدو بعد البذر ضعيفاً فیقوی حالا بعد حال حتى يغلظ ساقه وأفراخه فكان هذا
من أصح مثل وأوضح بيان. والله أعلم.
٠
٣٢٤

سورة الحجرات الآية - ١ - ٣
ترتيبهَا
٤٩
سُورَةُ الدُّعَرانِ
آياتها
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيِ
يَّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْ لَا نُقَدِّ مُوْبَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّاللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ وَلَا تَجْهَرُ واْلَهُبِالْقَوْلِ
كَجَهْرِبَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْلَا نَشْعُرُونَ ﴿ إِنَّالَّذِينَ
يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِاللَّهِأُوْلَئِكَ الَّذِينَ آَمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَىَّ لَهُم
مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمُ
قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فيه
خمسة أقاويل :
أحدها: أن ناساً كانوا يقولون: لو أنزل فيَّ كذا، لو أنزل فيَّ كذا، فنزلت هذه
الآية، قاله قتادة .
الثاني : أنهم نهوا أن یتکلموا بین یدي كلامه، قاله ابن عباس.
الثالث: معناه ألا يقتاتوا على الله ورسوله، حتى يقضي الله على لسان رسوله،
قاله مجاهد.
الرابع: أنها نزلت في قوم ضحوا قبل أن يصلوا مع رسول الله وَطير، فأمرهم أن
يعيدوا الذبح، قاله الحسن.
٣٢٥

سورة الحجرات الآية - ١ - ٣
الخامس: لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر به الله تعالى ورسوله،
قال الزجاج :
وسبب نزولها ما حكاه الضحاك عن ابن عباس أن النبي ولو أنفذ أربعة وعشرين
رجلاً من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم إلا ثلاثة تأخروا عنهم فسلموا وانكفئوا إلى
المدينة فلقوا رجلين من بني سليم فسألوهما عن نسبهما فقالا: من بني عامر
فقتلوهما، فجاء بنو سليم إلى رسول الله وسي﴿ وقالوا: إن بيننا وبينك عهداً وقد قتل منا
رجلان فوداهما رسول الله وَليه بمائة بعير ونزلت عليه هذه الآية في قتلة الرجلين.
﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ يعني في التقدم المنهي عنه.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لقولكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بفعلكم.
قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبِيِّ﴾ قيل
إن رجلين من الصحابة تماريا عنده(٣١٣) فارتفعت أصواتهما، فنزلت هذه الآية، فقال
أبو بكر رضي الله عنه عند ذلك: والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعدها إلا كأخي
السرار.
﴿وَلَا تَجْهَرُ واْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه الجهر بالصوت (٣١٤).
روي أن ثابت بن قيس بن شماس(*) قال: يا نبي الله والله لقد خشيت أن
أكون قد هلكت، نهانا الله عن الجهر بالقول وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال
النبي وَ: ((يَا ثَابِتُ أَمَا تَرْضَى أَن تَعِيشَ حَمِيداً وَتُقْتَلَ شَهِيداً وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟)) فعاش
حميداً وقتل شهيداً يوم مسيلمة .
الثاني : أن النهي عن هذا الجهر هو المنع من دعائه باسمه أو کنیته كما يدعو
(٣١٣) عزاه الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف للبزار وابن مردويه من طريق طارق بن شهاب وقال الحافظ
الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠٨/٨): فيه حصين بن عمر وهو متروك وقد وثقه العجلي وبقية رجاله
رجال الصحيح. وقال الحافظ ابن كثير (٢٠٦/٤) بعد ما ساقه من رواية البزار: ((وحصين بن عمر هذا
وإن كان ضعيفاً لكن قد رويناه من حديث عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة رضي الله عنهما بنحو ذلك
والله أعلم.
(٣١٤) قال الحافظ ابن كثير (٢٠٧/٤) قال العلماء يكره رفع الصوت عند قبره وسير كما كان يكره في حياته عليه
الصلاة والسلام لأنه محترم حياً وفي قبره وض لال دائماً.
(*) لم أهتد إلى تخريجه بلفظه كما هنا ولكن له روايات أخرى راجعها في ابن كثير (٢٠٦/٤).
٣٢٦

سورة الحجرات الآية - ٤، ٥
بعضهم بعضاً بالاسم والكنية، وهو معنى قوله ﴿كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ ، ولكنْ
دعاؤه بالنبوة والرسالة كما قال تعالى ﴿لَا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم
بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣].
﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: أن معناه فتحبط أعمالكم.
الثاني : لئلا تحبط أعمالكم.
﴿وَأَنْتُمْ لَ تَشْعُرُونَ﴾ بحبط أعمالكم .
قوله عز وجل: ﴿ ... أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: معناه أخلصها للتقوى، قاله الفراء.
الثاني : معناه اختصها للتقوى، قاله الأخفش.
إِنَّالَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ اْمُجُزَتِ أَكْثَرُ هُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿ وَلَوْ أَنَهُمْ
٥
صَبَرُ واْ حَتَّى تَخْرُّجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية. اختلف في
سبب نزولها، فروى معمر عن قتادة(٣١٥) أن رجلا جاء إلى النبي وَ لقر فناداه من وراء.
الحجرة: يا محمد، إن مدحي زين وشتمي شين، فخرج النبي ◌َِّ فقال: ((وَيْلُكَ ذَاكَ
آللَّهُ، ذَاكَ اللَّهُ)) فأنزل الله هذه الآية، فهذا قول. وروى زيد بن (٣١٦) أرقم قال: أتى
ناس النبي وليه فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبياً فنحن أسعد الناس
باتباعه وإن يكن ملكاً نعش في جنابه، فأتوا النبي وَّر، فجعلوا ينادونه، وهو في
(٣١٥) رواه ابن جرير (٢٦ /١٢٢) مختصراً مرفوعاً من حديث الأقرع بن حابس وكذا رواه أحمد والطبراني
وقال الهيثمي في المجمع (١٠٨/٧): رواه أحمد والطبراني وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح
إن كان أبو سلمة سمع الأقرع وإلا فمرسل كإسناد أحمد الآخر. وقد رواه ابن جرير (١٢١/٢٦) من
حديث البراء مرفوعاً .
(٣١٦) رواه الطبري (١٢١/٢٦) وزاد السيوطي في الدر (٥٥٢/٧) نسبته لإسحاق بن راهويه ومسدد وأبي
يعلى والطبراني وأبن أبي حاتم وسنده حسن كما قال السيوطي وقال الهيثمي في المجمع (١٠٨/٧):
وساقه من رواية الطبراني فيه داود بن راشد الطفاوي وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين وبقية رجاله
ثقات .
٣٢٧

سورة الحجرات الآية - ٦ - ٨
حجرته يا محمد، فأنزل الله هذه الآية. قيل: إنهم كانوا من بني تميم. قال مقاتل:
كانوا تسعة نفر: قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس، وسويد بن
هشام، وخالد بن مالك، وعطاء بن حابس، والقعقاع بن معبد، ووكيع بن وكيع،
وعيينة بن حصن.
وفي قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَ يَعْقِلُونَ﴾ وجهان:
أحدهما: لا يعلمون، فعبر عن العلم بالعقل لأنه من نتائجه، قاله ابن بحر.
الثاني: لا يعقلون أفعال العقلاء لتهورهم وقلة أناتهم(*)، وهو محتمل.
والحجرات جمع حجر؛ والحجر جمع حجرة.
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: لكان أحسن لأدبهم في طاعة الله وطاعة رسوله وَ له .
الثاني: لأطلقت أسراهم بغير فداء، لأن رسول الله وَ لّ كان سبى قوماً من بني
العنبر، فجاءوا في فداء سبيهم وأسراهم.
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْإِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بَِبَإٍ فَتَبَّنُواْ أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ
عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدٍ مِينَ ﴿ وَأَعْلَمُوَأ ◌َنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ اْلْأَمْرِ
◌َعَنْتُمْ وَلَكِنَّاللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُالْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمُ
٧
وَاُلْعِصْيَانُ أُوْلَتِكَ هُمُ الَّشِدُونَ
٨
حَكِيمٌ
قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٍ بِنٍَ فَتَبَيِّنُواْ﴾ الآية(٣١٧).
نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وسبب نزولها ما رواه سعيد عن قتادة
(*) وفي نسخة قلة أناتهم .
(٣١٧) قال الحافظ ابن كثير (٢٠٨/٤): وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن
أبي معيط حين بعثه رسول الله 18 على صدقات بني المصطلق وقد روى ذلك من طرق ومن أحسنها ما رواه
الإمام أحمد في مسنده من رواية مالك بن المصطلق وهو الحارث بن أبي ضرار والد جويرية بنت
الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها أهـ.
قلت: وهذه الرواية قال الهيثمي عنها (١٠٩/٧ مجمع) رجال أحمد ثقات.
٣٢٨

سورة الحجرات الآية - ٦ - ٨
أن نبي الله وَيُ بعث الوليد بن عقبة مصدقاً لبني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه،
فهابهم فرجع إلى النبي وَّر، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث نبي الله وَيه
خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه،
فلما جاءوا أخبروا خالداً أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما
أصبحوا، أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعادوا إلى نبي الله وَّ فأخبروه، فنزلت
هذه الآية. فكان النبي ◌َّه يقول: التأني من الله والعجلة من الشيطان. وفي هذه
الآية دليل على أن خبر الواحد مقبول إذا كان عدلاً .
قوله عز وجل: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ
لَعَنِّمُ﴾ فيه خمسة تأويلات:
أحدها: لأثمتم، قاله مقاتل.
الثاني : لا تهمتم، قاله الكلبي .
الثالث: لغويتم.
الرابع: لهلكتم .
الخامس: لنالتِكم شدة ومشقة .
قال قتادة: هؤلاء أصحاب النبي ◌َّ لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا، فأنتم
والله أسخف رأياً وأطيش عقولا .
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: حسنه عندكم، قاله ابن زید.
الثاني : قاله الحسن، بما وصف من الثواب عليه.
﴿وَزَيِّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: بما وعد عليه في الدنيا من النصر وفي الآخرة من الثواب، قاله ابن
بحر.
الثاني : بالدلالات على صحته.
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: أنه الكذب خاصة، قاله ابن زید.
الثاني : كل ما خرج عن الطاعة .
٣٢٩

سورة الحجرات الآية - ٩، ١٠
وَإِنَ طَايِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَاْ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَدُهُمَا عَلَى
اُلْأَخْرَى فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتّى تَفِىّءَإِلَى أَمْرِالَّهِ فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ
وَأَقْسِطُوَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿إِنَّمَا ◌ُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْبَيْنَ
أَخَوَيُّكُمْ وَأَتَّقُواْاللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
١٠
قوله عز وجل: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ اختلف في
سبب نزولها على أربعة أقاويل :
أحدها: ما رواه عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهم
على عهد رسول الله ﴿ قتال بالسعف والنعال ونحوه فنزلت هذه الآية فيهم.
الثاني: ما رواه سعيد عن قتادة (٣١٨) أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت
بينهما مدارأة في حق بينهما، فقال أحدهماللآخر: لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته، وأن
الآخر دعاه ليحاكمه إلى رسول الله وَر فأبى أن يتبعه، فلم يزل بهما الأمر حتى
تواقعوا وتناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال، فنزلت فيهم.
الثالث: ما رواه أسباط عن السدي أن رجلاً من الأنصار كانت له امرأة
تدعى أم زيد وأن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا
يدخل عليها أحد من أهلها، وأن المرأة بعثت إلى أهلها، فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا
بها، فخرج الرجل فاستعان أهله، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وأهلها فتدافعوا
واجتلدوا بالنعال، فنزلت هذه الآية فيهم.
الرابع: ما حكاه الكلبي ومقاتل والفراء أنها نزلت في رهط عبد الله بن أبي بن
سلول من الخزرج ورهط عبد الله بن رواحة من الأوس، وسببه أن النبي بَّ وقف
على حمار له على عبد الله بن أبي(٣١٩)، وهو في مجلس قومه، فراث حمار النبي
وَل ﴿، فأمسك عبد الله أنفه وقال: إليك حمارك، فغضب عبد الله بن رواحة، وقال:
أتقول هذا لحمار رسول الله و#، فوالله هو أطيب ريحاً منك ومن أبيك، فغضب
(٣١٨) رواه الطبري (١٣٩/٢٦) وزاد السيوطي في الدر (٥٦٠/٧) نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر ولكن فيه
قالقتادة: ذکر لنا فالحديث مرسل کما ترى.
(٣١٩) رواه البخاري (٢١٨/٥) ومسلم (١٤٢٤/٣) وابن جرير (١٢٨/٢٦) من حديث أنس رضي الله عنه.
٣٣٠

سورة الحجرات الآية - ١١
قومه، وأعان ابن رواحة قومه حتى اقتتلوا بالأيدي والنعال فنزلت هذه الآية فيهم،
فأصلح رسول الله ◌َّر بينهم.
﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ البغي التعدي بالقوة إلى طلب ما ليس
بمستحق .
﴿فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: تبغي في التعدي في القتال.
الثاني: في العدول عن الصلح، قاله الفراء.
﴿حَتَّى تَفِيّءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به، قاله سعيد بن جبير.
الثاني : ترجع إلى كتاب الله وسنة رسوله فيما لهم وعليهم، قاله قتادة.
فَإِن فَآءَتْ﴾ أي رجعت.
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالعدْلِ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: يعني بالحق .
الثاني : بكتاب الله، قاله سعيد بن جبير.
وَأَقْسِطُواْ﴾ معناه واعدلوا .
ویحتمل وجهین :
أحدهما: اعدلوا في ترك الهوى والممايلة.
الثاني : في ترك العقوبة والمؤاخذة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي العادلين قال أبو مالك: في القول والفعل.
يَّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْ لَا يَسْخَرْقَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُواْخَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن
نِسَآٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِنُواْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا نَنَابَرُواْ بِالْأَ لْقَبٍ بِئْسَ الِأَسْمُ
الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنّ وَمَن لَّمْ يَتُّبُ فَأُوْلَكَ هُمُ الَِّمُونَ
قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمُ مِّن قَوْمٍ﴾ الآية. أما القوم فهم
الرجال خاصة، ولذلك ذكر بعدهم النساء. ويسمى الرجال قوماً لقيام بعضهم مع
٣٣١

سورة الحجرات الآية - ١١
بعض في الأمور، ولأنهم يقومون بالأمور دون النساء، ومنه قول الشاعر (٣٢٠):
وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء
وفي هذه السخرية المنهي عنها قولان:
أحدهما: أنه استهزاء الغني بالفقير إذا سأله، قاله مجاهد.
الثاني : أنه استهزاء المسلم بمن أعلن فسقه، قاله ابن زيد.
ويحتمل ثالثاً: أنه استهزاء الدهاة بأهل السلامة .
﴿عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِنْهُمْ﴾ عند الله تعالى. ويحتمل: خيراً منهم معتقداً
وأسلم باطناً. ﴿وَلَ نِسَآءٌ مِّن نِسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ﴾ .
﴿وَلا تَلْمِزُ واْ أَنفُسَكُمْ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: ولا تلمزوا أهل دينكم.
الثاني: لا تلمزوا بعضكم بعضاً. واللمز: العيب.
وفي المراد به هنا ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يطعن بعضكم على بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد
ابن جبير.
الثاني : لا تختالوا فيخون بعضكم بعضاً، قاله الحسن.
الثالث: لا يلعن بعضكم بعضاً، قاله الضحاك.
﴿وَلَ تَنَابَزُ وا بِآلأَلْقَابٍ﴾ في النبز وجهان :
أحدهما: أنه اللقب الثابت، قاله المبرد.
الثاني : أن النبز القول القبيح، وفيه هنا أربعة أوجه:
أحدها: أنه وضع اللقب المكروه على الرجل ودعاؤه به. قال الشعبي : روي أن
وفد بني سليم قدموا (٣٢١) على النبي وَّر المدينة وللرجل منهم اسمان وثلاثة فكان
يدعو الرجل بالاسم فيقال إنه يكره هذا، فنزلت هذه الآية.
(٣٢٠) هو زهير بن أبي سلمى والبيت في اللسان ((قوم)) وروح المعاني (١٥٣/٢٦).
(٣٢١) رواه الترمذي (١٥٢/٢) وحسنه، والطبري (١٣٢/٢٦) من حديث أبي جبيرة بن الضحاك وزاد
السيوطي في الدر (٧/ ) نسبته لأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب وغيرهم.
٣٣٢

سورة الحجرات الآية - ١٢
الثاني: أنه تسمية الرجل بالأعمال السيئة بعد الإسلام ... يا فاسق ...
یا سارق، یا زاني، قاله ابن زید.
الثالث: أنه يعيره بعد الإسلام بما سلف من شركه، قاله عكرمة.
الرابع: أن يسميه بعد الإسلام باسم دينه قبل الإسلام، لمن أسلم من
اليهود ... يا يهودي، ومن النصارى ... يا نصراني، قاله ابن عباس، والحسن. فأما
مستحب الألقاب ومستحسنها فلا يكره، وقد وصف النبي ◌َلّ عدداً من أصحابه
بأوصاف فصارت لهم من أجمل الألقاب.
واختلف في من نزلت فيه هذه الآية على أربعة أقاويل :
أحدها: أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شمسان وکان في أذنه ثقل فکان يدنو
من رسول الله وَّل حتى يسمع حديثه، فجاء ذات يوم وقد أخذ الناس مجالسهم فقال:
(تَفَسَّحُواْ)) ففعلوا إلا رجلاً كان بين يدي النبي ◌ِِّ فإنه لم يفسح وقال: ((قَدْ أَصَبْتَ
مَوْضِعاً)) فنبذه ثابت، بلقب كان لأمه مكروهاً، فنزلت، قاله الكلبي والفراء.
الثاني: أنها نزلت في كعب بن مالك الأنصاري، وكان على المغنم فقال
لعبد الله بن أبي حدرد: يا أعرابي، فقال له عبد اللَّه: يا يهودي، فتشاكيا ذلك إلى
رسول الله وَالر، فنزلت فيهما، حكاه مقاتل.
الثالث: أنها نزلت في الذين نادوا رسول الله من وراء الحجرات عند استهزائهم
بمن مع رسول الله من الفقراء والموالي فنزل ذلك فيهم.
الرابع: أنها نزلت في عائشة وقد عابت أم سلمة .
واختلفوا في الذي عابتها به فقال مقاتل: عابتها بالقصر، وقال غيره: عابتها
بلباس تشھرت به .
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ النَّنِ إِنَّ بَعْضَ الَّنِّ إِنْهٌ وَلَا تَسُواْ وَلَا
يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضَا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِ هْتُمُوهُ
وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَابٌ رَّحِيمٌ
١٢
٣٣٣

سورة الحجرات الآية - ١٢
قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ﴾ يعني ظن السوء
بالمسلم توهماً من غير أن تعلمه يقيناً (٣٢٢).
﴿إِنَّ بَعْضَ آلظّنِّ إِثم﴾ فیه وجهان :
أحدهما: يعني ظن السوء.
الثاني: أن يتكلم بما ظنه فيكون إثماً، فإن لم يتكلم به لم يكن إثماً، قاله
مقاتل بن حيان .
﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ فيه وجهان :
أحدهما: هو أن يتبع عثرات المؤمن، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة.
الثاني: هو البحث عما خفي حتى يظهر، قاله الأوزاعي .
وفي التجسس والتحسس وجهان :
أحدهما: أن معناهما واحد، قاله ابن عباس وقرأ الحسن (٣٢٣) بالحاء. وقال
الشاعر:
تجنبت سعدى أن تشيد بذكرها إذا زرت سعدى الكاشح المتحسس
وقال أبو عمرو الشيباني : الجاسوس: صاحب سر الشر، والناموس صاحب سر
الخير.
والوجه الثاني : أنهما مختلفان. وفي الفرق بينهما وجهان:
أحدهما: أن التجسس بالجيم هو البحث، ومنه قيل رجل جاسوس إذا كان
يبحث عن الأمور وبالحاء هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه .
الثاني: أنه بالحاء أن يطلبه لنفسه وبالجيم أن يكون رسولاً لغيره. والتجسس
أن يجس الأخبار لنفسه ولغيره.
﴿وَلَ يَغْتَبِ بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾ والغيبة: ذكر العيب بظهر الغيب، قال الحسن:
الغيبة ثلاثة كلها في كتاب الله: الغيبة والإفك والبهتان، فأما الغيبة، فأن تقول في
(٣٢٢) راجع كلام الإمام الشوكاني هنا في معنى الظن فإنه ذكر عدة فوائد (٦٤/٥) فتح القدير.
(٣٢٣) وقرأ بها أيضاً أبو رزين والضحاك وابن سيرين وأبو رجاء وأبي معمر. زاد المسير ٤٧١/٧).
٣٣٤

سورة الحجرات الآية - ١٣
أخيك ما هو فيه. وإما الإفك، فأن تقول فيه ما بلغك عنه. وأما البهتان فأن تقول فيه ما
لیس فیه .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي (٣٢٤) هريرة قال: سئل رسول
الله ◌َّ عن الغيبة قال: ((هُوَ أَن تَقُولَ لَأَخِيكَ مَا فِيهِ فَإِن كُنتَ صَادِقاً فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِن
كُنْتَ كَاذِباً فَقَدْ بَهَّتَّهُ».
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أي كما يحرم أكل لحمه ميتاً يحرم غيبته حياً .
الثاني: كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً كذلك يجب أن يمتنع عن
غيبته حياً، قاله قتادة. واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة لأن عادة العرب بذلك جارية
قال الشاعر:
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
﴿فَكَرِ هْتُمُوهُ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: فكرهتم أكل الميتة، كذلك فاكرهوا الغيبة.
الثاني : فكرهتم أن يعلم بكم الناس فاكرهوا غيبة الناس.
يَّأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوَإِنَّ
أَكْرَ مَكُمْ عِندَاللَّهِأَنْقَنَكُمْ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْثَى﴾ قصد بهذه الآية
النهي عن التفاخر بالأنساب، وبين التساوي فيها بأن خلقهم من ذكر وأنثى يعني آدم
وحواء .
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ فبين أن الشعوب والقبائل للتعارف
لا للافتخار، وفيها ثلاثة أوجه :
(٣٢٤) رواه أبو داود (٨٧٤) والترمذي (١٥/٢) وقال حسن صحيح وابن جرير (١٣٥/٢٦) واللفظ له ورواه
مسلم (٤ /٢٠٠١) من حديث وأوله أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره
قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول .. .
٣٣٥

سورة الحجرات الآية - ١٤ - ١٨
أحدها: أن الشعوب النسب الأبعد والقبائل النسب الأقرب، قاله مجاهد
وقتادة. وقال الشاعر (٣٢٥):
قبائل من شعوب ليس فيهم كريم قد يعد ولا نجيب
وسموا شعوباً لأن القبائل تشعبت منها .
الثاني : أن الشعوب عرب اليمن من قحطان، والقبيلة ربيعه ومضر وسائر
عدنان
الثالث: أن الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب.
ويحتمل رابعاً: أن الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب، والقبائل
هم المشتركون في الأنساب، قال الشاعر:
وتفرقوا شعباً فكل جزيرة فيها أمير المؤمنين ومنبر
والشعوب جمع شَعب بفتح الشين، والشِّعب بكسر الشين هو الطريق وجمعه
شعاب، فكان اختلاف الجمعين مع اتفاق اللفظين تنبيهاً على اختلاف المعنيين.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَاكُمْ﴾ إن أفضلكم، والكرم بالعمل والتقوى لا
بالنسب.
قَالَتِ الْأَعْرَابُءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْأَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اُلْإِيمَنُ
فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتَّكُمْ مِّنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيُ ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ
بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اَلَّهِأُوْلَئِكَ هُمُ الصَدِّقُونَ ﴿قُلْ
أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَاَللَّهُ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿ يَمُنُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُواْ عَلَىَ إِسْلَمَكُمْ بَلِ لَّهُ يَمُنُّ
عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَ نَكُمْ لِلْإِيمَنِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ
(٣٢٥) فتح القدير (٦٧/٥).
٣٣٦

سورة الحجرات الآية - ١٨
١٨
وَاُلْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
قوله عز وجل: ﴿قَالَتِ آلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا ... ﴾
فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم أقروا ولم يعملوا، فالإسلام قول والإيمان (٣٢٦) عمل، قاله
الزهري .
الثاني: أنهم أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا فأعلمهم أن اسمهم
أعراب، قاله ابن عباس.
الثالث: أنهم مَنُّوا على رسول الله الله بإسلامهم فقالوا أسلمنا، لم نقاتلك، فقال
الله تعالى لنبيه: قل لهم: لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا خوف السيف، قاله قتادة.
لأنهم آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، فلم يكونوا مؤمنين، وتركوا القتال فصاروا
مستسلمين لا مسلمين، فيكون مأخوذاً من الاستسلام لا من الإسلام كما قال الشاعر:
طال النهار على من لا لقاح له إلا الهدية أو ترك بإسلام
ويكون الإسلام والإيمان في حكم الدين على هذا التأويل(٣٢٧) واحداً وهو
مذهب الفقهاء، لأن كل واحد منهما تصديق وعمل.
وإنما يختلفان من وجهين:
أحدهما: من أصل الاسمين لأن الإيمان مشتق من الأمن، والإسلام مشتق من
السلم .
الثاني: أن الإسلام علم الدين محمد ◌َله والإيمان لجميع الأديان، ولذلك
امتنع اليهود والنصارى أن يتسموا بالمسلمين، ولم يمتنعوا أن يتسموا بالمؤمنين. قال
الفراء: ونزلت هذه الآية في أعراب بني أسد.
قولهعزوجل: ﴿ ... لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئاً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: لا يمنعكم من ثواب عملكم شيئاً، قال رؤية (٣٢٨):
(٣٢٦) وفي هذا القول: أنظر كلام الأئمة في قول الزهري .
(٣٢٧) وهو الصواب من القول في ذلك وهو قول أهل السنة والجماعة.
(٣٢٨) مجاز القرآن (٢٢١/٢) والطبري (٢/١٠) (١٤٣/٢٦) اللسان ((ليت)) زاد المسير (٤٧٧/٧) وفتح
القدير (٦٨/٥).
٣٣٧

سورة الحجرات الآية - ١٨
سب
ولم يلتني عن سراها ليت
وليلة ذات سرى سريت
أي لم يمنعني عن سراها.
الثاني: ولا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً، قال الحطيئة (٣٢٩):
أبلغ سراة بني سعد مغلغلة جهد الرسالة لا ألتاً ولا كذباً
أي لا نقصاً ولا كذباً .
وفيه قراءتان (٣٣٠): ﴿يَلِتْكم﴾ و ﴿يألتكم﴾ وفيها وجهان:
أحدها: [أنهما]لغتان معناهما واحد.
الثاني : يألتكم أكثر وأبلغ من يلتكم.
قوله عز وجل: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُم) الآية. هؤلاء أعراب حول المدينة
أظهروا الإسلام خوفاً، وأبطنوا الشرك اعتقاداً فأظهر الله ما أبطنوه وكشف ما كتموه،
ودلهم بعلمه بما في السموات والأرض علم علمه بما اعتقدوه، وكانوا قد منوا
بإسلامهم على رسول الله بهخير، وقالوا: فضلنا على غيرنا بإسلامنا طوعاً.
فقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّ تَمُنُوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ وهذا
صحيح لأنه إن كان إسلامهم حقاً فهو لخلاص أنفسهم فلا مِنَّةً فيه لهم، وإن كان
نفاقاً فهو للدفع عنهم، فالمنة فيه عليهم .
ثم قال: ﴿بِلِ آللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَن هَدَاكُمْ لِلإِيمانِ﴾ یحتمل وجهين :
أحدهما: أن الله أحق أن يمن عليكم أن هداكم للإيمان حتى آمنتم. وتكون
المنة هي التحمد بالنعمة.
الثاني: أن الله تعالى ينعم عليكم بهدايته لكم، وتكون المنة هي النعمة. وقد
يعبر بالمنة عن النعمة تارة وعن التحمد بها أخرى.
﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني فيما قلتم من الإيمان.
(٣٢٩) روح المعاني (١٦٨/٢٦) فتح القدير (٦٨/٥).
(٣٣٠) راجع الحجة في القراءات ٦٧٦ وزاد المسير (٤٧٧/٧).
٣٣٨

سورة ق الآية - ١ - ٥
ـة
آياتها
٤٥
مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: إلا
آية وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيِ
بَلْ عَبُواْ أَنْ جَاءَ هُم مُّنْذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا
قَ وَاُلْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ
شَىْءٌ عَجِيبُ ﴿ْأَءِذَا مِتْنَا وَكُنَا نُرَبَا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴿َّقَدْ عَلِمِنَا مَا نَقُصُ الْأَرْضُ
جسد
مِنْهُمْ وَعِندَنَّا كِتَبَّ حَفِيظٌ ﴿َبَّ كَذَّبُواْبِالْحَقِّ لَمَّاجَآءُ هُمْ فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيِجٌ
قوله عز وجل : ﴿قَ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم بها، قاله ابن عباس.
الثاني: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة.
الثالث: أن معناه قضى والله، كما قيل في حمّ: حمّ والله، وهذا معنى قول
مجاهد .
الرابع: أنه اسم الجبل المحيط بالدنيا، قاله الضحاك.
قال مقاتل: وعروق الجبال کلها منه.
ويحتمل خامساً: أن يكون معناه قف؛ كما قال الشاعر(٣٣١):
(٣٣١) تقدم تخريج هذا البيت في أول سورة البقرة.
٣٣٩

سورة ق الآ ية - ١ - ٥
قلت لها قفي فقالت قاف
أي وقفت. ويحتمل ما أريد بوقفه علیه وجهین :
أحدهما: قف على إبلاغ الرسالة لئلا تضجر بالتكذيب.
الثاني : قف على العمل بما يوحى إليك لئلا تعجل بما لم تؤمر به .
﴿وَالْقُرْءَانِ المچيدِ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الکریم، قاله الحسن.
الثاني: أنه مأخوذ من كثرة القدر والمنزلة، لا من كثرة العدد من قولهم فلان
كثير في النفوس، ومنه قول العرب في المثل السائر: لها في كل الشجر نار،
واستجمد المرخ (٣٣٢) والعفار، أي استكثر هذان النوعان من النار وزاد على سائر
الشجر، قاله ابن بحر.
الثالث: أنه العظيم، مأخوذ من قولهم قد مجدت الإبل إذا أعظمت بطونها من
كلا الربيع .
﴿﴿وَالْقُرْءَانِ المَجِيدِ﴾ قسم أقسم الله به تشريفاً له وتعظيماً لخطره لأن عادة
جارية في القسم ألا يكون إلا بالمعظم. وجواب القسم محذوف ويحتمل وجهين:
أحدهما: هو أن محمداً رسول الله ﴿ل بدليل قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُواْ أَن
جَآءَهُم مُنذِرٌ مِنْهُمْ﴾
الثاني: أنكم مبعوثون بدليل قوله: ﴿إِئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً﴾ .
قوله عز وجل: ﴿بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءَهُم مُنذِرٌ مِنْهُمْ﴾ يعني محمداً وَّل .
﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هذا شيءٌ عَچِيبٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم عجبوا أن دعوا إلى إلّه واحد، قاله قتادة.
الثاني : عجبوا أن جاءهم منذر منهم، من قبل الله تعالى .
الثالث: أنهم عجبوا من إنذارهم بالبعث والنشور.
قوله عز وجل: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأُرْضُ مِنْهُم﴾ فيه وجهان:
أحدهما: من يموت منهم، قاله قتادة .
(٣٣٢) وهما نوعان من الشجر إذا ضرب بعضهما ببعض خرج منهما نار.
٣٤٠