Indexed OCR Text
Pages 201-220
سورة الشورى الآية - ٢١ - ٢٤ لَمْ يَأْذَنُ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمُّ وَإِنَّ الظَِّلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ جَاتَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِّ لَهُم مَّا يَشَآءُ ونَ عِندَرَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ٢٢ قوله عزوجل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ آلْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ الآية. فيه وجهان : أحدهما: أن الله تعالى يعطي على نية الآخرة من شاءمن أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا، قاله قتادة. الثاني: معناه من عمل للآخرة أعطاه الله بالحسنة عشر أمثالها، ومن عمل للدنيا لم يزد على من عمل لها . ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ في الجنة وهذا معنى قول ابن زيد وشبه العامل الطالب بالزارع لاجتماعهما في طلب النفع . ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ قُلَّا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا اُلْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىُّ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةُ نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنَّا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ [®]ْ أَ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنِ يَشٍَ لَهُ يَخْتِمْ عَلَى فَلْيِكَّ وَيَمْعُ اللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحِقُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ قوله عز وجل: ﴿قُل لَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فيه خمسة أوجه : أحدها: معناه ألا تؤذوني في نفسي لقرابتي (٢٠١) منكم، وهذا لقريش خاصة لأنه (٢٠١) قال الحافظ ابن كثير (١١٣/٤) ولا تنكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخراً وحسباً ونسباً ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وذريته رضي الله عنهم أجمعين أهـ. ٢٠١ سورة الشورى الآية - ٢١ - ٢٤ لم يكن بطن من قريش إلا بينهم وبين رسول الله وهلله قرابة، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وأبو مالك. الثاني: معناه إلا أن تؤدوا قرابتي، وهذا قول علي بن الحسين وعمرو بن شعيب والسدي. وروى مقسم عن ابن عباس قال(٢٠٢): سمع رسول الله وَّل سيئاً فخطب فقال للأنصار ((أَلَمْ تَكُونُوا أَزِلَاءَ فَأَعَزَّكُمُ اللَّهُ بِي؟ أَلَمْ تَكُونُوا ضُلَّلاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ أَلَمْ تَكُونُوا خَائِفِينَ فَأَمَّنَّكُمُ اللَّهُ بِي؟ أَلَ تَردُواْ عَلَيَّ؟ فقالوا: بم نجيبك؟ فقال تَقُولُونَ: أَلْ يَطْرُدْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْنَاكَ؟ أَلْ يُكَذِّبْكَ قَومُكَ فَصَدَّقْناكَ؟ فعد عليهم، قال: فجثوا على ركبهم وقالوا: أنفسنا وأموالنا لك )). فنزلت ﴿قُل لَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ . الثالث: معناه إلا أن توادوني وتؤازروني کما توادون وتؤازرون قرابتکم، قاله ابن زید الرابع: معناه إلا أن تتوددوا وتتقربوا إلى الله بالطاعة والعمل الصالح، قاله الحسن، وقتادة. الخامس: معناه إلا أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم، قاله عبدالله بن القاسم . ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي يكتسب، وأصل القرف الكسب. ﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ أي نضاعف له بالحسنة عشراً. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فيه وجهان : أحدهما: غفور للذنوب، شكور للحسنات، قاله قتادة. الثاني: غفور لذنوب آل رسول الله وَلي، شكور لحسناتهم، قاله السدي. قوله عز وجل: ﴿فَإِن يَشَإٍ آللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أي ينسيك ما قد آتاك من القرآن، قاله قتادة. (٢٠٢) رواه ابن جرير (٢٥/٢٥) وزاد السيوطي في الدر (٣٤٧/٧) نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه وفي سنده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف وضعفه الحافظ ابن كثير (١١٢/٤) وقال ((وذكر نزولها في المدينة فيه نظر لأن السورة مكية وليس يظهر بين هذه الآية والسياق مناسبة والله أعلم. ٢٠٢ سورة الشورى الآية - ٢٥ - ٣٠ الثاني: معناه يربط على قلبك فلا يصل إليه الأذى بقولهم افترى على الله كذباً، قاله مقاتل. الثالث: معناه لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذباً لطبع الله على قلبك، قاله ابن عیسی . ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ یحتمل وجهین : أحدهما: ينصر دينه بوعده. الثاني : يصدق رسوله بوحیه. وَهُوَالَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ ٢٥ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَيَزِيِدُ هُم مِّن فَضْلِهِ، وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ * وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنْزِّلُ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِقَدَرٍ مَّايَشَاءُإِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ ٢٨ قوله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ والقنوط الإياس، قاله قتادة . قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: جدبت الأرض وقنط الناس فقال: مطروا إذن. والغيث ما كان نافعاً في وقته، والمطر قد يكون ضاراً ونافعاً في وقته وغير وقته. ﴿وَيَشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ بالغیث فیما یعم ويخص. ﴿وَهُوَ آلْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الولي المالك والحميد مستحق الحمد. الثاني : الولي المنعم والحميد المستحمد. : وَمِنْءَايَتِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ﴾ وَمَآ أَضَبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَبْدِيَكُمْ ٢٠٣ سورة الشورى الآية - ٣٠، ٣١ ٠٠٠ ٬ ◌َ وَمَآ أَنْتُمُ بِمُعْجِرِينَ فِ الْأَرْضِّ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ أ ٣١ مِن وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍأ قولهعزوجل : ﴿وَمَآ أُصَابَكُم مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ آَيْدِيكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه الحدود على المعاصي، قاله الحسن. الثاني : أنها البلوى في النفوس والأموال عقوبة على المعاصي والذنوب. قال النبي ◌َّ: ((مَا (٢٠٣) يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ خَدْشُ عُوْدٍ وَلَ عَثْرَةُ قَدَمٍ وَلاَ اخْتِلَاجُ عِرْقٍ إِلَّ بِذَنبِ وَمَا يَعْفُو عَنْهُ أَكْثَرَ)) وقال ثابت البناني: كان يقال ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا . ثم فيها قولان : أحدهما: أنها خاصة في البالغين أن تكون عقوبة لهم؛ وفي الأطفال أن تكون مثوبة لهم . الثاني: عقوبة عامة للبالغين في أنفسهم وللأطفال في غيرهم من والدٍ أو والدة، قاله العلاء بن زید. ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: عن كثير من المعاصي أن لا يكون عليها حدود، وهو مقتضى قول الحسن. الثاني: عن كثير من العصاة وأن لا يعجل عليهم بالعقوبة . قال علي رضي الله عنه(٢٠٤): ما عاقب الله به في الدنيا فالله أحلم من أن يثني عليه العقوبة يوم القيامة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم(*) من أن يعود في عفوه يوم القيامة . (٢٠٣) رواه ابن مردويه من حديث البراء بن عازب مرفوعاً كما في الدر (٣٥٥/٧) ولفظه «ما عثرة قدم ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله عنه أکثر وقد ورد الحدیث من مرسل قتادة رواه ابن جرير (٢٣/٢٥) ومن مرسل الحسن رواه ابن أبي حاتم وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد كما في الدر (٣٥٤/٧). (٢٠٤) رواه ابن أبي حاتم موقوفاً ونقله ابن كثير (١١٦/٤) ورواه مرفوعاً بنحوه مطولاً وزاد السيوطي في الدر (٣٥٤/٧) نسبته لأحمد وابن راهويه وابن منيع وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وأبي يعلى وابن المنذر وابن مردويه والحاكم. (*) وفي نسخة أحلم. ٢٠٤ سورة الشورى الآية - ٣٢ - ٣٩ وَمِنْ ءَايَتِهِ اْجَوَارِ فِي الْبَحْرِكَالْأَعْلَمِ ﴿ إِن يَشَأَيُسْكِنِ الْرِيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهَّةٍإِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِ صَبَّارٍ شَكُورٍ [® أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْوَيَعْفُ عَن ٣٥ كَثِيرٍ ﴿ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِنَا مَا لَهُم مِّن ◌َِّيصِ قوله عز وجل: ﴿وَمِن ءَايَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ قال مجاهد هي السفن في البحر ﴿كَالأَعْلَامٍ﴾ أي كالجبال، ومنه قول الخنساء (٢٠٥): وإنَّ صَخْراً لتأتّمُّ الهُدَاةُ به كأَنَّه علمٌ في رأسِه نار ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ أي وقوفاً على ظهر الماء، قال قتادة: لأن سفن هذا البحر تجري بالرياح. فإذا أمسكت عنها ركدت. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ صبار على البلوى، شكور على النعماء . قال قطرب: نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعْطِي شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر. قال عون بن عبدالله: فكم من منعم عليه غير شاكر، وكم من مبتلٍ غير صابر. ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ﴾ معناه يغرقهن بذنوب أهلها. ﴿وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ من أهلها فلا يغرقهم معها. ﴿مَا لَهُم مِّن مَّحِیصٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من فرار ومهرب، قاله قطرب . الثاني: ملجأ، قاله السُدي مأخوذ من قولهم حاص به البعير حيصة إذا مال به، ومنه قولهم فلان یحیص عن الحق أي یمیل عنه . فَ أُوْتِيْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَعُ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌوَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَُّونَ (٢٦) وَالَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَِّرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَامَا غَضِبُواْهُمْ يَغْفِرُونَ ﴿َاوَالَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِرَبِهِمْ وَأَقَامُواْالصَّلَوةَ وَأَمْرُ هُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّارَزَقْتَهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ٣٩ (٣٨ (٢٠٥) دیوانها : ٢٠٥ سورة الشورى الآية - ٤٠ قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ أَسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد: هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم قبل الهجرة اثني عشر نقيباً منهم . ﴿وَأَقَامُوْا الصَّلَاةَ﴾ فيها وجهان : أحدهما: أنه المحافظة على مواقيتها، قاله قتادة . الثاني : إتمامها بشروطها، قاله سعيد بن جبير. ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىْ بَيْنَهُمْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنهم كانوا قبل قدوم النبي وَلّ إليهم إذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه ثم عملوا عليه فمدحهم الله تعالى به، قاله النقاش. الثاني: يعني أنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون فمدحوا على اتفاق كلمتهم. قال الحسن: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم. الثالث: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله وي ليه وورود النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له، قاله الضحاك. الرابع: أنهم يتشاورون فیما يعرض لهم فلايستأثر بعضهم بخير دون بعض. ﴿وَمِمّا رَزَقْنَاهُم يُنفِقُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يريد به أداء الزكاة من أموالهم، قاله السدي. الثاني : إنفاق الحلال من أكسابهم، وهو محتمل. قوله عز وجل: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُم الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أصابهم يعني المشركين على دينهم انتصروا بالسيف منهم. قاله ابن جريج . الثاني: أصابهم يعني باغ عليهم كره لهم أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا، قاله إبراهيم. الثالث: إذا أصابهم البغي تناصروا عليه حتى يزايلوه عنهم ويدفعوه عنهم، قاله ابن بحر. وَجَزَُّؤُأْ سِئَةٍ سَبِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى الَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ٢٠٦ سورة الشورى الآية - ٤٠ - ٤٣ ﴿﴿ وَلَمَنِ أَنَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأَوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴿﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤٢ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ٤٣ قوله عز وجل : ﴿وَجَزَآءُ سَيِئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه محمول على الجراح التي تتمثل في القصاص دون غيرها من سب أو شتم، قاله الشافعي، وأبو حنيفة، وسفيان. الثاني: أنه محمول على مقابلة الجراح، وإذا قال أخزاه الله أو لعنه الله أن يقول مثله، ولا يقابل القذف بقذف ولا الكذب بكذب، قاله ابن أبي نجيح والسدي. وسمي الجزاء سيئة لأنه في مقابلتها وأنها عند المعاقب بها سواء. ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فأذن في الجزاء وندب إلى العفو. وفي قوله : ﴿وَأُصْلَحَ﴾ وجهان: أحدهما: أصلح العمل، قاله سعيد بن جبير. الثاني : أصلح بينه وبين أخيه، قاله ابن زياد. وهذا مندوب إليه في العفو عن التائب دون المصرّ. روى أنس عن النبي ◌َّرَ أنه قال(٢٠٦): (إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: مَن كَانَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ مَن ذَا الَّذِي أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَيَقُولُونَ العَافُونَ عَنِ النَّاسِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ)). ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ فیه وجهان: نے أحدهما: الظالمین في الابتداء ، قاله سعيد بن جبير. (٢٠٦) وروى أبو يعلى نحوه من حديث أنس مرفوعاً ((إذا التقى الخلائق يوم القيامة فدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد [من تحت العرش] يسمع الخلائق يا أهل الجمع هل أنتم تاركو المظالم وثوابكم عليَّ)) قال البوصيري: في سنده سدوسي صاحب السامري وهو ضعيف كما في المطالب (٣٩٢/٤). وقال أبو بكر: بلغنا أنه إذا كان يوم القيامة ناد مناد أين أهل العفو؟ قال: فيكافئهم الله تعالى بما كان من عفوهم عن الناس. رواه أحمد بن منيع کما في المطالب (٤ /٣٩٢) قالالبوصيري: في سندہ کوثر بن حکیم وهو ضعيف. ٢٠٧ سورة الشورى الآية - ٤٠ - ٤٣ الثاني : المعتدي في الجزاء، قاله ابن عيسى . قوله عز وجل: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أي استوفى حقه بنفسه . ﴿فَأَوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ وهذا ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون قصاصاً في بدن يستحقه آدمي فلا حرج عليه فيه إذا استوفاه من غير عدوان، وثبت حقه عند الحكام، لكن يزجره الإمام في تفرده بالقصاص لما فيه من الجرأة على سفك الدماء، وإن كان حقه غير ثابت عند الحكام فليس عليه فيما بينه وبين الله حرج وهو في الظاهر مطالب وبفعله مؤاخذ. والقسم الثاني : أن يكون حداً لله لا حق فيه لآدمي كحد الزنى وقطع السرقة، فإن لم يثبت ذلك عند حاكم أخذ به وعوقب عليه، وإن ثبت عند حاكم نظر فإن كان قطعاً في سرقة سقط به الحد لزوال العضو المستحق قطعه، ولم يجب عليه في ذلك حق إلا التعزير أدباً، وإن كان جلداً لم يسقط به الحد لتعديه به مع بقاء محله وكان مأخوذاً بحکمه . القسم الثالث: أن يكون حقاً في مال فيجوز لصاحبه أن يغالب على حقه حتى يصل إليه إن كان من هو عليه عالماً به، وإن كان غير عالم نظر، فإن أمكنه الوصول إليه عند المطالبة لم يكن له الاستسرار (٢٠٧) بأخذه، وإن كان لا يصل إليه بالمطالبة لجحود من هو عليه مع عدم بينة تشهد به ففي جواز الاستسرار بأخذه مذهبان: أحدهما: جوازه، وهو قول مالك، والشافعي . الثاني : المنع، قاله أبو حنيفة . قوله عز وجل : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ فيه قولان: أحدهما: يظلمون الناس بعدوانهم عليهم وهو قول كثير منهم. الثاني: يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم، قاله ابن جريج. ﴿ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بغيهم في النفوس والأموال، وهو قول الأكثرين . الثاني : عملهم بالمعاصي، قاله مقاتل. (٢٠٧) ولعل هذه المسألة تعرف عندهم بالظفر والقول بالجواز مال إليه البخاري وغيره. ٢٠٨ سورة الشورى الآية - ٤٤ - ٤٦ الثالث: هو ما يرجوه كفار قريش أن يكون بمكة غير الإسلام ديناً، قاله أبو مالك. قولهعز وجل : ﴿وَلَمِنَ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ یحتمل وجهین: أحدهما: صبر على الأذى وغفر للمؤذي . الثاني : صبر عن المعاصي وستر المساوىء. ويحتمل قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ آلْأُمُورِ﴾ وجهين: أحدهما: لمن عزائم الله التي أمر بها. الثاني : لمن عزائم الصواب التي وفق لها. وذكر الكلبي والفراء أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع ثلاث آيات قبلها وقد شتمه بعض الأنصار فرد عليه ثم أمسك، وهي المدنیات من هذه السورة . وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍ مِّنْ بَعْدِ وَتَرَى الَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْاُلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍ مِّن سَبِيلٍ ﴿ وَتَرَنَّهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٌّ وَقَالَ الَّذِينَءَامَنُوْاْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوَأَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةُ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِ عَذَابٍ مُقِيمٍ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّنْ أَوْلِيَآَ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَ لَهُ مِن ٤٥ سَبِيلٍ ٤٦ قوله عزوجل : ﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم المشركون جميعاً يعرضون على جهنم عند إطلاقهم إليها، قاله الأكثرون . الثاني: آل فرعون خصوصاً تحبس أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح، فهم عرضهم، قاله ابن مسعود. الثالث: أنهم عامة المشركين ويعرضون على العذاب في قبورهم، وهذا معنى قول أبي الحجاج. ٢٠٩ سورة الشورى الآية - ٤٧، ٤٨ ◌ِخَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ قال السدي: خاضعين من الذل. ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ فيه ثلاثة تأويلات. أحدها: ينظرون بأبصار قلوبهم دون عيونهم لأنهم يحشرون عمياً، قاله أبو سليمان . الثاني : يسارقون النظر إلى النار حذراً، قاله محمد بن كعب. الثالث: بطرفٍ ذليل، قاله ابن عباس. أُسْتَحِبُوْلِرَبِّكُم مِّنْ قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا مَرَذَّلَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجٍَ يَوْمَبِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ ﴿هَافَإِنْ أَعْرَ ضُواْ فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيَّكَ إِلَّا الْبَغُ وَإِنَّ إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِعَ بِهَا وَإِن تُصِبُهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّ مَتْ أَبْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورُ (﴾ قوله عز وجل: ﴿مَا لَكُم مِّن مُّلجٍ يَوْمَئِذٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من منج . الثاني : من حرز، قاله مجاهد. ﴿وَمَا لَكُم مِّن نكيرٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من ناصر ینصرکم، قاله مجاهد. الثاني : من منكر يغير ما حل بكم، حكاه ابن أبي حاتم وقاله الكلبي . قوله عز وجل: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ فيها وجهان: أحدهما: أن الرحمة المطر، قاله مقاتل. الثاني : العافية، قاله الكلبي . ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سيِّئَةً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أنه السنة القحط، قاله مقاتل. الثاني : المرض، قاله الكلبي . ﴿فَإِنَّ الإِنسَانَ گفُورٌ﴾ یحتمل وجھین : أحدهما: بالنعمة . ٢١٠ سورة الشورى الآية - ٤٩ - ٥٣ الثاني : بالله. لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَشًا وَ يَهَبُ لِمَن ◌َشَآءُ الذُّكُرَ [® أَوْيُزَوِجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ قوله عزوجل: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ﴾ قال عبيدة: يهب لمن يشاء إناثاً لا ذكور فيهن، ويهب لمن يشاء ذكوراً لا إناث فيهم. وأدخل الألف على الذكور دون الإناث لأنهم أشرف فميزهم بسمة التعريف. ﴿أُوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: هو أن تلد المرأة غلاماً ثم تلد جارية ثم تلد غلاماً ثم تلد جارية، قاله مجاهد . الثاني: هو أن تلد توأمين غلاماً وجارية، قاله محمد بن الحنفية. والتزويج هنا الجمع بين البنين والبنات. قال ابن قتيبة: تقول العرب زوجني إبلي إذا جمعت بين الصغار والكبار. ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً﴾ أي لا يولد له. يقال عقم فرجه عن الولادة أي منع . وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في الأنبياء خصوصاً وإن عم حكمها، فوهب للوط البنات ليس فيهن ذكر، ووهب لإبراهيم الذكور ليس معهم أنثى، ووهب الإسماعيل وإسحاق الذكور والإناث، وجعل عيسى ويحيى عقيمين. وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكِّمَةُ اللَّهُإِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآبٍِحِجَادٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىُّ حَكِيمُ ﴾ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحَا مِّنْ أَمْرِ نَاْ مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ اْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ صِرَطِ اللَّهِ الَّذِى لَّهُ مَا فِي ٥٢ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ أَلَّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُالْأُمُورُ ٥٣ ٢١١ سورة الشورى الآية - ٤٩ - ٥٣ قوله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِيَشَرِ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْياً﴾ الآية. سبب نزولها ما حكاه النقاش أن اليهود قالوا للنبي ولم ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً صادقاً كما کلمه موسی ونظر إليه؟ فنزلت هذه الآية. وفي قوله : ﴿وَحياً﴾ وجهان: أحدهما: أنه نفث ينفث في قلبه فيكون إلهاماً، قاله مجاهد. الثاني : رؤیا یراها في منامه، قاله زهير بن محمد. ﴿أُوْ مِن وَرَآءِي حِجَاب﴾ قال زهير: كما كلم موسى : ﴿أُوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ قال زهير: هو جبريل. ﴿فَيُّوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقاً ويرونه عياناً. وهكذا كانت حال جبريل إذا نزل بالوحي على النبي ◌َّ . قال ابن عباس: نزل جبريل على كل نبي فلم يره منهم إلا محمد وعيسى وموسى وزكريا صلوات الله عليهم أجمعين، فأما غيرهم فكان وحياً إلهاماً في المنام. قوله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: رحمة من عندنا، قاله قتادة. الثاني : وحياً من أمرنا، قاله السدي . الثالث: قرآناً من أمرنا، قاله الضحاك. ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ﴾ فيه وجهان : أحدهما: ما كنت تدري ما الكتاب لولا الرسالة، ولا الإيمان لولا البلوغ، قاله ابن عيسى . الثاني: ما كنت تدري ما الكتاب لولا إنعامنا عليك، ولا الإيمان لولا هدایتنا لك وهو محتمل. وفي هذا الإيمان وجهان: أحدهما: أنه الإيمان بالله، وهذا يعرفه بعد بلوغه وقبل نبوته. الثاني : أنه دين الإسلام، وهذا لا يعرفه إلا بعد النبوة. ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً ... ﴾ فيه قولان: أحدهما: جعلنا القرآن نوراً، قاله السدي . ٢١٢ سورة الشوری الآية - ٤٩ - ٥٣ الثاني : جعلنا الإيمان نوراً. حكاه النقاش وقاله الضحاك. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فيه قولان : أحدهما: معناه: وإنك لتدعو إلى دين مستقيم، قاله قتادة. الثاني : إلی کتاب مستقیم، قاله علي رضي الله عنه. وقرأ عاصم الجحدري: وإنك لتُهدى، بضم التاء أي لتُدْعَى. قوله عز وجل : ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن صراط الله هو القرآن، قاله علي كرم الله وجهه . الثاني: الإسلام، رواه النواس بن سمعان (٢٠٨) الأنصاري عن النبي ◌َّل . ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه وعيد بالبعث. الثاني: أنه وعيد بالجزاء. والله أعلم. (٢٠٨) تقدم تخريجه في سورتي البقرة والأنعام. ٢١٣ سورة الزخرف الآية - ١ - ٨ ريبها ٤٣ ،9.4،٧ سُورَةُ الزّحْرُق شورى الـ آياتها ٨٩ بِسْمِ الهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ (٤) إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَّا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَاُلْكِتَبِ الْمُبِينِ حمّ الإـ جَ وَإِنَُّ فِي أَمِ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ ﴿أَفَتَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴿ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِىِ الْأَوَّلِينَ وَمَايَأْنِهِمْ مِّن نَّبِيٍ إِلَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ ﴿ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ قوله عز وجل: ﴿حَمَ. وَالْكِتَابِ الْمُبِينٍ﴾ الكتاب هو القرآن: وفي تسميته مبيناً ثلاثة أوجه : أحدها: لأنه بيِّن الحروف، قاله أبو معاذ. الثاني : لأنه بين الهدى والرشد والبركة، قاله قتادة. الثالث: لأن الله تعالى قد بين فيه أحكامه وحلاله وحرامه، قاله مقاتل. وفي هذا موضع القسم، وفيه وجهان: أحدهما: معناه ورب الكتاب. الثاني: أنه القسم بالكتاب، ولله عز وجل أن يقسم بما شاء، وإن لم يكن ذلك لغيره من خلقه. ٢١٤ سورة الزخرف الآية - ١ - ٨ وجواب القسم ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرءاناً عَرَبِّاً﴾ وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: إنا أنزلناه قرآناً عربياً، قاله السدي . الثاني : إنا قلناه قرآناً عربياً، قاله مجاهد. الثالث: إنا بيناه قرآناً عربياً، قاله سفيان الثوري. ومعنى العربي أنه بلسان عربي، وفيه قولان: أحدهما: أنه جعل عربياً لأن لسان أهل السماء عربي، قاله مقاتل. الثاني: لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه، قاله سفيان الثوري . ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تفهمون، فعلى هذا يكون هذا القول خاصاً بالعرب دون العجم، قاله ابن عیسی . الثاني: يتفكرون قاله ابن زيد، فعلى هذا يكون خطاباً عاماً للعرب والعجم. قوله عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: جملة الكتاب. الثاني : أصل الكتاب، قاله ابن سیرین. الثالث: أنها الحكمة التي نبه الله علیها جميع خلقه، قاله ابن بحر. وفي ﴿اَلْكِتَابِ﴾ قولان: أحدهما: أنه اللوح المحفوظ؛ قاله مجاهد. الثاني: أنه ذكر عند الله فيه ما سيكون من أفعال العباد مقابل يوم القيامة بما ترفعه الحفظة من أعمالهم، قاله ابن جريج . وفي المكنى عنه أنه في أم الكتاب قولان: أحدهما: أنه القرآن (٢٠٩)، قاله الكلبي . الثاني: أنه ما يكون من الخلق من طاعة ومعصية وإيمان أو كفر، قاله ابن جريج . ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ فيه وجهان : (٢٠٩) والسياق من الآيات يدل عليه ورجحه غير واحد من المفسرين كالطبري (٢٨/٢٥) وابن كثير (١٢٢/٤) والشوكاني (٥٤٧/٤). ٢١٥ سورة الزخرف الآية - ٩، ١٠ أحدهما: رفيع عن أن ينال فيبدل. حكيم أي محفوظ من نقص أو تغيير، وهذا تأويل من قال أنه ما يكون من الطاعات والمعاصي . الثاني : أنه علي في نسخه ما تقدم من الكتب، وحكيم أي محكم الحكم فلا ينسخ، وهذا تأويل من قال أنه القرآن. قوله عز وجل: ﴿أَفَتَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أفحسبتم أن نصفح ولما تفعلون ما أمرتم به؟ قاله ابن عباس. الثاني : معناه أنكم تكذبون بالقرآن ولا نعاقبكم فیه، قاله مجاهد. الثالث: أي نهملكم فلا نعرفكم بما يجب عليكم، حكاه النقاش. الرابع: أن نقطع تذكيركم بالقرآن: وإن كذبتم به: قاله قتادة. ويحتمل خامساً: أن نوعد ولا نؤاخذ، ونقول فلا نفعل. ﴿قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ فیه وجهان: أحدهما: مشركين، قاله قتادة. الثاني : مسرفین في الرد. ومعنى صفحاً أي إعراضاً، يقال صفحت عن فلان أي أعرضت عنه. قال ابن قتيبة: والأصل فيه إنك توليه صفحة عنقك. قال كثير في صفة امرأة (٢١٠): صفحٌ فما تلقاك إلا بخيلة فمن قَلّ منها ذلك الوصل قلّت أي تعرض عنه بوجهها. قوله عز وجل: ﴿وَمَضَىْ مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: سنة الأولین، قاله مجاهد. الثاني : عقوبة الأولين، قاله قتادة. الثالث: عِبرة الأولين، قاله السدي . الرابع: خبر الأولين أنهم أهلكوا بالتكذيب، حكاه النقاش. وَلَيِنِ سَأَلْنَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُالْعَلِيمُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ ٩ (٢١٠) والبيت في غريب القرآن ٢٩٥، اللسان ((صفح)) زاد المسير (٣٠٢/٧). ٢١٦ سورة الزخرف الآية - ١٠ - ١٤ ١٠ ◌َ وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءْ بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًاً تَهْتَدُونَ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١) وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَاتَرْكَبُونَ ﴿ لِتَسْتَوُ اْعَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ () وَإِنَّ إِلَى رَبِنَا لَمُنْقَلِبُونَ ١٤ قوله عز وجل : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً﴾ أي فراشاً. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي طرقاً . ويحتمل ثانياً : أي معايش. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تهتدون في أسفارکم، قاله ابن عيسى . الثاني : تعرفون نعمة الله علیکم، قاله سعید بن جبير. ويحتمل ثالثاً: تهتدون إلى معايشكم. قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الأصناف كلها، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أزواج الحيوان من ذكر وأنثى، قاله ابن عيسى. الثالث: أن الأزواج الشتاء والصيف، والليل والنهار، والسموات والأرض، والشمس والقمر، والجنة والنار، قاله الحسن. ويحتمل رابعاً: أن الأزواج ما يتقلب فيه الناس من خيرٍ وشر، وإيمان وكفر، وغنى وفقر، وصحة وسقم. ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّن الْقُلْكِ﴾ يعني السفن. وَآلْأَنْعَامِ مَا تَركَبُونَ﴾ في الأنعام هنا قولان: أحدهما: الإبل والبقر، قاله سعيد بن جبير. الثاني: الإبل وحدها، قاله معاذ. فذكرهم نعمه عليهم في تسييرهم في البر والبحر. ٢١٧ سورة الزخرف الآية - ١٥ - ٢٠ ثم قال ﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهَا﴾ وأضاف الظهور إلى واحد لأن المراد به الجنس فصار الواحد في معنى الجمع. ﴿ثُمَّ تَذْكُرُ واْ نِعْمَةَ رَبَّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي ركبتم. ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ أي ذلل لنا هذا المركب. ﴿وَمَا كَنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ضابطين، قاله الأخفش . الثاني : مماثلين في الأيد والقوة، قاله قتادة من قولهم هو قرن فلان إذا كان مثله في القوة. الثالث: مطيقين، قاله ابن عباس والكلبي، وأنشد قطرب لعمروبن معدي کرب (٢١١): لنا في النائبات بمقرنينا لقد علم القبائل ما عقيل وفي أصله قولان: أحدهما: أن أصله مأخوذ من الإقران، يقال أقرن فلان إذا أطاق. الثاني : أن أصله مأخوذ من المقارنة وهو أن يقرن بعضها ببعض في السير. وحكى سليمان بن يسار أن قوماً كانوا في سفر، فكانوا إذا ركبوا قالوا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ وكان فيهم رجل على ناقة له رازم وهي لا تتحرك هزالاً فقال أما أنا فإني لهذه مقرن، قال فقصمت به فدقت عنقه. وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنِسَنَ لَكَفُورٌ مُبِينُ ﴿ أَمِ أَتَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَكُمْ بِالْبَنِينَ ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُ هُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلَا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿ أَوَمَن يُنَشَّؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ ﴿ وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنًَّا فِي الْخِصَامِ غَيْرُمُبِينٍ أَشَهِدُ واْخَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَثُهُمْ وَيُسْتَلُونَ (٦) وَقَالُواْ لَوْشَآءَ الرَّحْمَنُ (٢١١) فتح القدير (٥٤٩/٤). ٢١٨ سورة الزخرف الآية - ٢٠ مَا عَبَدْنَهُمْ مَّالَهُمْ يِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنَّ هُمْ إِلَا يَخْصُونَ ٢٠ قوله عز وجل : ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: عدلاً أي مثلاً، قاله قتادة. الثاني : من الملائكة ولداً، قاله مجاهد. الثالث: نصيباً، قاله قطرب. الرابع: أنه البنات، والجزء عند أهل العربية البنات (٢١٢) يقال قد أجزأت المرأة إذا ولدت البنات. قال الشاعر (٢١٣): إن أجزأت مرة قوماً فلا عجب قد تجزىء الحرة المذكارُ أحيانا ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورُ﴾ قال الحسن: يعد المصائب وينسى النعم. قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أي بما جعل للرحمن البنات ولنفسه البنين. ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَداً﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : ببطلان مثله الذي ضربه. الثاني : بما بشر به من الأنثى . ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: حزين، قاله قتادة. الثاني : مکروب، قاله عكرمة. الثاني : ساکت، حكاه ابن أبي حاتم. وذلك لفساد مثله وبطلان حجته. قوله عز وجل: ﴿أُوَمَن يُنَشَّؤَأْ فِي الْحِلْيَةِ﴾ النشوء التربية، والحلية الزينة. وفي المراد بها ثلاثة أوجه : أحدها : الجواري، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني : البنات. قاله ابن قتيبة. (٢١٢) وقد أنكر بعض المفسرين تفسير الجزء بالإناث في لغة العرب وادعى أن هذا كذب ولم يصح في اللغة وهو مردود، راجع فتح القدير (٥٤٩/٤) زاد المسير (٣٠٥/٧). (٢١٣) غريب القرآن (٣٩٦) القرطبي (٦٩/١٦) البحر المحيط (٨/٨) اللسان ((جزء)) فتح القدير (٥٤٩/٤). ٢١٩ سورة الزخرف الآية - ٢١ - ٢٣ الثالث: الأصنام، قاله ابن زید. وفي ﴿الخِصَامِ ﴾ وجهان: أحدهما: في الحجة . الثاني : في الجدل. ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عني قلة البلاغة، قاله السدي . الثاني : ضعف الحجة، قال قتادة: ما حاجت امرأة إلا أوشكت أن تتكلم بغير حجتها . الثالث: السكوت عن الجواب، قاله الضحاك وابن زيد ومن زعم أنها الأصنام . قوله عز وجل: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾ في قوله ﴿عِبَادُ الرَّحْمنِ﴾ وجهان: أحدهما: أنه سماهم عباده على وجه التكريم كما قال ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾. الثاني : أنه جمع عابد. وفي قوله: ﴿إِنَاثاً﴾ وجهان: أحدهما: أي بنات الرحمن. الثاني : ناقصون نقص البنات. ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ يحتمل وجهین : أحدهما: مشاهدتهم وقت خلقهم. الثاني: مشاهدتهم بعد خلقهم حتى علموا أنهم إناث. ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ أي ستكتب شهادتهم إن شهدوا ويسألون عنها إذا بعثوا . أَمَّءَانَيْنَهُمْ كِتَبَّامِّن قَبْلِهِ، فَهُمْ بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ ﴿ بَلْ قَالُواْإِنَا وَجَدْنَا ءَابَآءَ نَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَّ ءَاثَرِهِم ◌ُهْتَدُونَ ﴾ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ٢٢٠