Indexed OCR Text

Pages 121-140

سورة النور الآية - ٥٨ - ٦٠
﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ يعني هذه الساعات الثلاث هي أوقات العورات
فصارت من عورات الزمان فجرت مجرى عورات الأبدان فلذلك خصت بالإِذن .
لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : يعني ليس عليكم يا أهل البيوت جناح في تبذلكم في هذه
الأوقات .
الثاني : ليس عليكم جناح في منعهم في هذه الأوقات . ولا على المملوكين
والصغار جناح في ترك الاستئذان فيما سوى هذه الأوقات .
طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ يعني أنهم طوّافون عليكم للخدمة
لكم فلم ينلهم حرج في دخول منازلكم ، والطوافون الذين يكثرون الدخول
والخروج .
ثم أوجب على من بلغ من الصبيان الاستئذان إذا احتلموا وبلغوا لأنهم صاروا
بالبلوغ في حكم الرجال فقال تعالى :
﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُم الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا أَسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم ﴾
يعني الرجال .
قوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ والقواعد جمع قاعدة وهن اللاتي قعدن
بالكبر عن الحيض والحمل ولا يحضن ولا يلدن . قال ابن قتيبة : بل سمين بذلك
لأنهن بعد الكبر يكثر منهن القعود . وقال زمعة : لا تراد ، فتقعد عن الاستمتاع بها
والأول أشبه . قال الشاعر :
فلو أن ما في بطنه بين نسوة حبلن ولو كان القواعد عقراً
وقوله : ﴿الَّتِي لَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ أي أنهن لأجل الكبر لا يردن الرجال ولا
يريدهن الرجال .
﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ﴾ فيه قولان .
أحدهما : جلبابها وهو الرداء الذي فوق خمارها فتضعه عنها إذا سترها باقي
ثيابها قاله ابن مسعود وابن جبير .
الثاني : خمارها ورداؤها ، قاله جابر بن زيد .
١٢١

سورة النور الآية - ٦١
﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ ﴾ والتبرج أن تظهر من زينتها ما يستدعي النظر إليها
فإنه في القواعد وغيرهن محظور . وإنما خص القواعد بوضع الجلباب لانصراف
النفوس عنهن ما لم يبد شيء من عوراتهن . والشابات المشتهيات يمنعن من وضع
الجلباب أو الخمار ويؤمرن بلبس أكثف الجلابيب لئلا تصفهن ثيابهن . وقد روى
مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه وََّ(١٣١): ((لِلزَّوْجِ مَا تَحْتَ الدِّرْعِ،
وَلِلِإِبْنِ وَالْآَخِ مَا فَوقَ الدِّرْعِ، وَلِغَيْرِ ذِي مُحْرِمٍ أَرْبَعَةُ أَثْوَابٍ : دِرْعٍ وَحِمَارٍ
وَجِلْبَابٍ وَإِزَارٍ )).
وَأَن يَسْتَعْفِقْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ يعني إن يستعفف القواعد عن وضع ثيابهن
ويلزمن لبس جلابيبهن خير لهن من وضعها وإن سقط الحرج عنهن فيه .
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حٌَ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرٌَّ وَلَ عَلَى
أَنفُسِكُمْ أَنْتَأْكُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْبُيُوتِ ءَ ابَابِكُمْ أَوْبُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ
أَوْبُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْبُيُوتِ أَخَوَتِكُمْ أَوْبُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ
بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْبُوتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْبُيُوتِ خَلَتِكُمْ أَوْمَا مَلَكْتُم
مَّفَاتِحَهُ: أَوْصَدِ يقِككُمْ لَيْسَ عَلَيَّكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا
أَوْ أَشْتَاتَأْفَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ
مُبَرَكَةً طَيِّبَّةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُلَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَ عَلَى
الْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أن الأنصار كانوا يتحرجون أن يؤاكلوا هؤلاء إذا دعوا إلى طعام
فيقولون : الأعمى لا يبصر أطيب الطعام ، والأعرج لا يستطيع الزحام عند الطعام ،
(١٣١) لم أعثر على تخريجه وهو أشبه بالموقوف والله أعلم .
١٢٢

سورة النور الآية - ٦١
والمريض يضعف عن مشاركة الصحيح في الطعام . وكانوا يقولون : طعامهم مفرد
ويرون أنه أفضل من أن يكونوا شركاء ، فأنزل الله هذه الآية فيهم ورفع الحرج
عنهم في مؤاكلتهم ، قاله ابن عباس ، والضحاك ، والكلبي .
الثاني : أنه ليس على هؤلاء من أهل الزمانة حرج أن يأكلوا من بيوت من
سمى الله بعد هذا من أهاليهم ، قاله مجاهد .
الثالث: أنه كان المذكورون من أهل الزمانة يخلفون الأنصار في منازلهم إذا خرجواً
بجهاد وكانوا يتحرجون أن يأكلوا منها فرخص الله لهم في الأكل من بيوت من
استخلفوهم فيها ، قاله الزهري .
الرابع : أنها نزلت في إسقاط الجهاد عمن ذكروا من أهل الزمانة .
الخامس : ليس على من ذكر من أهل الزمانة حرج إذا دُعِي إلى وليمة أن
يأخذ معه قائده ، وهذا قول عبد الكريم .
وَلَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : من أموال عيالكم وأزواجكم لأنهم في بيته .
الثاني : من بيوت أولادكم فنسب بيوت الأولاد إلى بيوت أنفسهم لقوله ◌َالطيار :
((أَنتَ وَمَالُكَ لَأَبِيكَ))(١٣٢) ولذلك لم يذكر الله بيوت الأبناء حين ذكر بيوت الآباء
والأقارب اكتفاء بهذا الذكر .
الثالث : يعني بها البيوت التي هم ساكنوها خدمة لأهلها واتصالاً بأربابها
كالأهل والخدم .
﴿ أَوْ بُيُوتٍ ءَابَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ
بُيُوتٍ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ ﴾ فأباح
الأكل من بيوت هؤلاء لمكان النسب من غير استئذانهم في الأكل إذا كان الطعام
(١٣٢) ورد من حديث جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو، وعبد الله من مسعود وعائشة وسمرة بن جندب
وغيرهم. وسأقتصر في التخريج على رواية جابر حيث رواها ابن ماجه (٢٢٩١ ) والطحاوي في
مشكل الآثار (٢٣٠/٢) وصححها البوصيري في الزوائد على شرط البخاري وكذا الألباني في إرواء
الغليل (٣٢٣/٣) وأحيلك أيها القارىء لقراءة باقي تخريج الروايات في الإرواء.
١٢٣

سورة النور الآية - ٦١
مبذولاً، فإن كان محروزاً دونهم لم يكن لهم هتك حرزه . ولا يجوز أن يتجاوزوا
الأكل إلى الادخار ، ولا إلى ما ليس بمأكول وإن كان غير محروز عنهم إلا بإذن
منهم ثم قال :
﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه عَنَى به وكيل الرجل وَقَيِّمه في ضيعته يجوز له أن يأكل مما يقوم
عليه من ثمار ضيعته ، قاله ابن عباس :
الثاني : أنه أراد منزل الرجل نفسه يأكل مما ادخره ، قاله قتادة .
الثالث : أنه عنى به أكل السيد من منزل عبده وماله لأن مال العبد لسيده ،
حكاه ابن عيسى .
﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه يأكل من بيت صديقه في الوليمة دون غيرها .
الثاني : أنه يأكل من منزل صديقه في الوليمة وغيرها إذا كان الطعام حاضراً
غير محرز . قال ابن عباس : الصديق أكثر من الوالدين ، ألا ترى أن الجهنميين لم
يستغيثوا بالآباء ولا الأمهات وإنما قالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾
وروي عن النبي ◌ََّ أنه قال: ((قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِي الصَّدِيقِ البَارِّ عِوَضاً عَنِ الرَّحِمِ
المَذْمُومَةِ))(١٣٣) والمراد بالصديق الأصدقاء وهو واحد يعبر به عن الجميع ، قال
جرير :
دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا .. بأسهم أعداءٍ وهن صديقُ
وفي الصديق قولان :
أحدهما : أنه الذي صدقك عن مودته .
الثاني : أنه الذي يوافق باطنه باطنك كما وافق ظاهره ظاهرك .
ثم اختلفوا في نسخ ما تقدم ذكره بعد ثبوت حكمه على قولين :
أحدهما : أنه على ثبوته لم ينسخ شيء منه ، قاله قتادة .
(١٣٣) لم أعثر على تخريجه والله أعلم .
١٢٤

سورة النور الآية -- ٦١
الثاني : أنه منسوخ بقوله تعالى :
﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ ﴾ الآية. ويقول النبي
وَّ: ((لا يحل مَالُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ))(١٣٤).
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أُشْتَاتاً ﴾ فيه أربعة
أوجه :
أحدها : أنها نزلت في بني كنانة كان رجل منهم يرى أن مُحرَّماً عليه أن يأكل
وحده في الجاهلية حتى أن الرجل ليسوق الزود الحفل(*) وهو جائع حتى يجد من
يؤاكله ويشاربه ، فأنزل الله فيهم هذه الآية ، قاله قتادة وابن جريج .
الثاني : أنها نزلت في قوم من العرب كان الرجل منهم إذا نزل به ضيف
تحرج أن يتركه يأكل وحده حتى يأكل معه ، فنزل ذلك فيهم ، قاله أبو صالح .
الثالث : أنها نزلت في قوم كانوا يتحرجون أن يأكلوا جميعاً ويعتقدون أنه
ذنب ويأكل كل واحد منهم منفرداً ، فنزل ذلك فيهم ، حكاه النقاش .
الرابع : أنها نزلت في قوم مسافرين اشتركوا في أزوادهم فكان إذا تأخر
أحدهم أمسك الباقون عن الأكل حتى يحضر، فنزل ذلك فيهم ترخيصاً للأكل جماعة
وفرادى.
فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً ﴾ فيها قولان :
(١٣٤) هذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في المطالب (٤٢٢/١) من حديث معتمر عن أبيه حدثني
شيخ لقيته بالبحرين عن خطبة النبي ◌َّ في حجة الوداع أنه قال ((لا يحل من مال امرىء إلا ما أعطى عن
طيب نفسه)) رواه مسدد وقال محقق المطالب وسكت عليه البوصيري ... وللحديث طريق أخرى
عن عمرو بن يثربي رواها الدارقطني في السنن (٢٥/٣) وأحمد (٧٢/٥) والطبراني كما نقله
الحافظ في تلخيص الحبير ص ٤٥ ج ٣ وقال الطبراني لا يروى عن ابن يثربي إلا بهذا الإسناد تفرد به
عبد الملك .
قلت: وهو عبد الملك بن الحسن الأحول قال الحافظ فيه مجهول وللحديث طريق ثالثة عن أنس
مرفوعاً رواها الدارقطني (٢٦/٣) وفي سنده داود بن الزبرقان وهو متروك الحديث.
وله طريق رابعة عن أبي حرة الرفاشي عن عمه مرفوعاً .
رواها الدارقطني (٢٦/٣) وأحمد (٧٢/٥) وفي سندها علي بن زيد بن جدعان وهو متكلم فيه .
(*) الممتلئة لبناً.
١٢٥

سورة النور الآية - ٦١
أحدهما : أنه المساجد .
الثاني : أنها جميع البيوت .
فَسَلَّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ فيه خمسة أقاويل :
أحدها : يعني إذا دخلتم بيوت أنفسكم فسلموا على أهاليكم وعيالكم ، قاله
جابر .
الثاني : إذا دخلتم المساجد فسلموا على من فيها ، وهذا قول ابن عباس .
الثالث : إذا دخلتم بيوت غيركم فسلموا عليهم ، قاله الحسن .
الرابع : إذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أهل دينكم ، قاله السدي .
الخامس : إذا دخلتم بيوتاً فارغة فسلموا على أنفسكم وهو أن يقول : السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين ، قاله ابن عمر، وإبراهيم ، وأبو مالك ، وقيل :
سلامه على نفسه أن يقول : السلام علينا من ربنا تحية من عند الله .
وإذا سلم الواحد من الجماعة أجزأ عن جميعهم ، فإذا دخل الرجل مسجداً
ذا جمع كثير سلم يسمع نفسه ، وإذا كان ذا جمع قليل أسمعهم أو بعضهم .
قال الحسن : كان النساء يسلمن على الرجال ولا يسلم الرجال على النساء ،
وكان ابن عمر يسلم على النساء ، ولو قيل لا يسلم أحد الفريقين على الآخر كان
أولى لأن السلام مواصلة (١٣٥).
تَحِيَّةً مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : يعني أن السلام اسم من أسماء الله تعالى .
الثاني : أن التحية بالسلام من أوامر الله .
الثالث : أن الرد عليه إذا سلم دعاء له عند الله .
الرابع : أن الملائكة ترد عليه فيكون ثواباً من عند الله .
مُبَارَكَةً ﴾ فيها وجهان :
أحدهما : لما فيها من الثواب الجزيل .
(١٣٥) ولعل هذا القول أصون وأبعد عن الفتنة.
١٢٦

سورة النور الآية - ٦٢
الثاني : لما يرجى من ثواب الدعاء .
طَيَِّةً ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : لما فيها من طيب العيش بالتواصل .
الثاني : لما فيها من طيب الذكر والشأن .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَمَنُوْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهٍُ عَلَىَ أَمْرٍ جَامِعِ لَّمْ
يَذْهَبُوْحَتَّى يَسْتَعْذِنُوُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَخْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ، فَإِذَا أُسْتَخْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأَذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمُ
وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لِى
٦٢
قوله تعالى: ﴿ ..... وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىْ أُمْرِ جَامِعٍ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الأمر الجامع الجمعة والعيدان والاستسقاء وكل شيء يَكون فيه
الخطبة ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أنه الجهاد ، قاله زيد بن أسلم .
الثالث : طاعة اللّه ، قاله مجاهد .
لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَئْذِنُوهُ ﴾ أي لم ينصرفوا عنه حتى يستأذنوا رسول الله
◌َله فيه .
فَإِذَا اسْتَئِذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْتِهِمْ .
... ﴾ الآية. وهذا بحسب ما يرى من
أعذارهم ونياتهم وروي أن هذا نزل في عمر بن الخطاب(١٣٦) رضي الله عنه كان
مع النبي ◌َّرَ في غزاة تبوك فاستأذنه في الرجوع إلى أهله فقال: ((أَنْطَلِقْ فَوَاللَّهِ مَا
أَنتَ بِمُنَافِقٍ وَلَ مُرْتَابٍ)) وكان المنافقون إذا استأذنوا نظر إليهم ولم يأذن لهم فكان
بعضهم يقول لبعض : محمدٌ يزعم أنه بُعِث بالعدل وهكذا يصنع بنا .
وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ يعني لمن أذن له من المؤمنين ليزول عنهم باستغفاره
ملامة الانصراف قال قتادة : وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ
أَذِنتَ لَهُم ) الآية .
(١٣٦) لم أهتد إلى تخريجه والله أعلم.
١٢٧

سورة النور الآية - ٦٣، ٦٤
لََّجْعَلُواْ دُعَاءَالرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَأَ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذَا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ
أَلاَ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ
٦٣
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
وَاْأَرْضِّ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَبَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ جَ
قوله تعالى: ﴿لَّ تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً
الآية . فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه نهي من اللّه عن التعرض لدعاء رسول اللّه رَّلة بإسخاطه لأن
دعاءه يوجب العقوبة وليس كدعاء غيره ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه نهي من اللّه عن دعاء رسول الله بالغلظة والجفاء وَلْيَدْعُ بالخضوع
والتذلل : يا رسول اللّه ، يا نبي الله ، قاله مجاهد ، وقتادة .
الثالث : أنه نهي من الله عن الإِبطاء عند أمره والتأخر عند استدعائه لهم إلى
الجهاد ولا يتأخرون كما يتأخر بعضهم عن إجابة بعض ، حكاه ابن عيسى .
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذَاً ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنهم المنافقون كانوا يتسلّلُون عن صلاة الجمعة لواذاً أي يلوذ
بعضهم ببعض ينضم إليه استتاراً من رسول اللّه وَله لأنه لم يكن على المنافقين أثقل
من يوم الجمعة وحضور الخطبة فنزل ذلك فيهم ، حكاه النقاش .
الثاني : أنهم كانوا يتسللون في الجهاد رجوعاً عنه يلوذ بعضهم ببعض لواذاً
فنزل ذلك فيهم ، قاله مجاهد .
وقال الحسن معنى قوله : ﴿لِوَاذَاً ﴾ أي فراراً من الجهاد ، ومنه قول حسان
ابن ثابت (١٣٧):
(١٣٧) ديوانه: ص ٣٢٤ وروح المعاني (٥٨/٤) والبيت في الديوان:
لم يقيموا أو خف منها الحلوم
وقريش تلوذ منا لواذاً
١٢٨

سورة النور الآية - ٦٣، ٦٤
وقريش تجول منكم لواذاً لم تحافظ وخفّ منها الحلوم
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أُمْرِهِ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يخالفون عن أمر الله ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني: عن أمر رسول الله وَلّ ، قاله قتادة.
ومعنى قوله : ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي يعرضون عن أمره ، وقال
الأخفش : ﴿عَنْ ﴾ في هذا الموضع زائدة ومعنى الكلام فليحذر الذين يخالفون
أمره ، وسواء كان ما أمرهم به من أمور الدين أو الدنيا .
أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ﴾ فيها ثلاثة تأويلات :
أحدها : كفر ، قاله السدي .
الثاني : عقوبة ، قاله ابن كامل .
الثالث : بلية تُظْهِرُ ما في قلوبهم من النفاق ، حكاه ابن عيسى .
﴿ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : القتل في الدنيا ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : عذاب جهنم في الآخرة .
١٢٩

سورة الفرقان الآية - ١ - ٣
تريبهـ
٢٥
سُورَةُ الفُرْقَانِ
آياتها
مكية كلها
قال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة وهي :
وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُوراً رَحِيماً﴾ .
بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ
تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴿الَّذِى لَهُ مُلُْ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرٌِ فِ الْمُلْكِ وَخَلَقَكُلَّ
شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا [٣] وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِءَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةً وَلَا
نُشُورًا
٣
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ .... ﴾ في تبارك ثلاثة أوجه:
أحدها : تفاعل مع البركة ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه الذي يجبىء البركة من قِبَلِه ، قاله الحسن .
الثالث : خالق البركة : قاله إبراهيم .
وفي البركة ثلاثة أقاويل :
أحدها : العلو .
الثاني : الزيادة .
١٣٠

سورةالفرقان الآية - ٤ - ٦
الثالث : العظمة . فيكون تأويله على الوجه الأول : تعالى ، وعلى الوجه
الثاني تزايد ، وعلى الوجه الثالث : تعاظم .
و﴿ الْفُرْقَانَ ﴾ هو القرآن وقيل أنه اسم لكل كتاب منزل كما قال تعالى :
وَإِذَ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ ﴾ .
وفي تسميته فرقاناً وجهان :
أحدهما : لأنه فرق بين الحق والباطل .
الثاني : لأن فيه بيان ما شرع من حلال وحرام ، حكاه النقاش .
عَلَى عَبْدِهِ﴾ يعني محمداً مَّه، وقرأ ابن الزبير ﴿ عَلَى عِبَادِهِ ﴾ بالجمع .
لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ فيه قولان :
أحدهما : ليكون محمد نذيراً ، قاله قتادة ، وابن زيد .
الثاني : ليكون الفرقان ، حكاه ابن عيسى . والنذر : المحذر من الهلاك ،
ومنه قول الشاعر :
فلما تلاقينا وقد كان منذر .. نذيراً فلم يقبل نصيحة ذي النذر
والمراد بالعالمين هنا الإِنس والجن لأن النبي وم#ّ قد كان رسولاً إليهما ونذيراً
لهما وأنه خاتم الأنبياء ، ولم يكن غيره عامّ الرسالة إلا نوحاً فإنه عم برسالته جميع
الإِنس بعد الطوفان لأنه بدأ به الخلق ، واختلف في عموم رسالته قبل الطوفان على
قولين :
أحدهما : عامة لعموم العقاب بالطوفان على مخالفته في الرسالة .
الثاني : خاصة بقومه لأنه ما تجاوزهم بدعائه .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ هَذَا إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَعَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَاخَرُونَ فَقَدْ
وَقَالُواْأَسَطِيرُالْأَوَّلِينَ آكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى
جَاءُ وظُلْمًا وَزُورًا
عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
إِنَُّ كَانَ غَفُورَاتَّحِيمًا
١٣١

سورة الفرقان الآية - ٧ - ١٤
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني مشركي قريش ، وقال ابن
عباس : القائل منهم ذلك النضر بن الحارث .
﴿ إِنْ هُذَآ ﴾ يعني القرآن .
إِلَّ إِفْكّ افْتَراهُ ﴾ أي كذب اختلقه .
وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَاخَرُونَ ﴾ وفيمن زعموا أنه أعانه عليه أربعة أقاويل :
أحدها : قوم من اليهود ، قاله مجاهد .
الثاني : عبد الله الحضرمي ، قاله الحسن .
الثالث : عدّاس غلام عتبة ، قاله الكلبي .
والرابع : أبو فكيهة الرومي ، قاله الضحاك .
وَقَالُوْ مَالٍ هَذَا الرَّسُولِ بَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِىِ الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ
مَلَكُ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿ أَوْيُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزُّ أَوْتَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ
يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَِّعُونَ إِلََّ رَجُلًا مَّسْخُورًا
٨
٩
أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْلَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
تَارَكَ الَّذِىِ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا (٦َبَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا
إذَا رَأَتْهُمْ مِّن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْلَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١) وَإِذَا أُلُّقُواْ مِنْهَا مَكَانًا
ضَيِّقًاًمُّقَرَنِينَ دَعَوْاْ هُنَا لِكَ ثُبُورًا (٣٢) لََّنَدْعُوْاَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ
ثُبُورًا كَثِيرًا
١٤
قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ مَا لِهِذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ﴾
فيه وجهان :
أحدهما : أنهم قالوا ذلك إزراء عليه أنه لما كان مثلهم محتاجاً إلى الطعام
١٣٢

سورةالفرقان الآية - ٧ - ١٤
ومتبذلاً في الأسواق لم يجز أن يتميز عليهم بالرسالة ووجب أن يكون مثلهم في
الحكم .
الثاني : أنهم قالوا ذلك استزادة له في الحال كما زاد عليهم في الاختصاص
فكان يجب ألّ يحتاج إلى الطعام كالملائكة ، ولا يتبذل في الأسواق كالملوك .
ومرادهم في کلا الوهین فاسد من وجهين :
أحدهما : أنه ليس يوجب اختصاصه بالمنزلة نقله عن موضع الخلقة
لأمرين :
أحدهما : أن كل جنس قد يتفاضل أهله في المنزلة ولا يقتضي تمييزهم في
الخلقة كذلك حال من فضل في الرسالة .
الثاني : أنه لو نقل عن موضوع الخلقة بتمييزه بالرسالة لصار من غير جنسهم
ولما كان رسولاً منهم ، وذلك مما تنفر منه النفوس .
وأما الوجه الثاني : فهو أن الرسالة لا تقتضي منعه من المشي في الأسواق
لأمرين :
أحدهما : أن هذا من أفعال الجبابرة وقد صان الله رسوله عن التجبر .
الثاني : لحاجته لدعاء أهل الأسواق إلى نبوته ، ومشاهدة ما هم عليه من
منكر يمنع منه ومعروف يقر عليه .
﴿ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيهِ﴾ الآية أي هلا أُنزل إليه ﴿مَلَكٌ ... ) وفيه وجهان :
أحدهما : أن يكون الملك دليلاً على صدقه .
الثاني : أن یکون وزیراً له يرجع إلى رأيه .
أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ﴾ فلا يكون فقيراً .
◌ٍ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ والجنة البستان فكأنهم استقلّوه لفقره . قال
الحسن: والله ما زَوَاهَا (*) عن نبيه إلا اختياراً ولا بسطها لغيره إلا اغتراراً ولولا ذاك
لما أعاله .
(*) أي الدنيا وزينتها .
١٣٣

سورة الفرقان الآية - ٧ - ١٤
قوله: ﴿ وَقَالَ الظَّالِمُونَ ﴾ يعني مشركي قريش وقيل إنه عبد الله بن
الزبعرى .
﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّ رَجُلًا مَّسْحُوراً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : سحر فزال عقله .
الثاني : أي سَحَرَكُمْ فيما يقوله .
قوله تعالى: ﴿انظُرْ كَيفَ ضَرَبُواْ لَكَ الَأَمْثَالَ﴾ يعني ما تقدم من قولهم .
﴿ فَضَلُّواْ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : فضلواْ عن الحق في ضربها .
الثاني : فناقضوا في ذكرها لأنهم قالوا افتراه ثم قالوا تملى عليه وهما
متناقضان .
فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : مخرجاً من الأمثال التي ضربوها ، قاله مجاهد .
الثاني : سبيلاً إلى الطاعة لله ، قاله السدي .
الثالث : سبيلا إلى الخير ، قاله يحيى بن سلام .
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً﴾ قال عبد الله بن عمرو(١٣٨): إن
جهنم لتضيق على الكافرين كضيق الزج على الرمح .
﴿مُّقَرَّنِينَ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : مُكَتَفِينَ، قاله أبو صالح .
الثاني : يقرن كل واحد منهم إلى شيطانه ، قاله يحيى بن سلام .
دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ويلاً ، قاله ابن عباس .
(١٣٨) كذا هنا وفي المطبوعة وهو خطأ والصواب عبد الله بن عمر والتصويب من الدر (٢٤٠/٦) والزهد
لابن المبارك (رقم ٢٢٩) حيث رواه ابن المبارك .
وفيه انقطاع بين قتادة وابن عمر.
١٣٤

سورةالفرقان الآية - ١٥ - ١٨
الثاني : هلاكاً ، قاله الضحاك .
الثالث : معناه وانصرافاه عن طاعة الله ، حكاه ابن عيسى وروي عن النبي
وَ ﴿ أنه قال: ((أَوَّلُ مَن يَقُولُهُ إِبْلِيسُ))(١٣٩).
قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْجَنَّةُ الْخُدْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءَ
وَمَصِيرًا (٥َالَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُ ونَ خَلِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا
قوله تعالى : ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ﴾ يعني من النعيم فأما المعاصي فتصرف
عن شهواتهم .
خَالِدِينَ ﴾ يعني في الثواب كخلود أهل النار في العقاب .
كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدَاً مَّسْئُولًا ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه وعد الله لهم بالجزاء فسألوه الوفاء فوفاه ، وهو معنى قول ابن
عباس .
الثاني : الملائكة تسأل الله لهم فيجابون إلى مسألتهم ، وهو معنى قول
محمد بن كعب القرظي .
الثالث : أنهم سألوا الله الجنة في الدنيا ورَغِبُوا إليه بالدعاء فأجابهم في
الآخرة إلى ما سألوا وأعطاهم ما طلبوا ، وهو معنى قول زيد بن أسلم .
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ، أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى
هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّواْالسَّبِيلَ ﴾ قَالُواْسُبْحَتَكَ مَا كَانَ يَتْبَغِى لَنَّا أَنْ تَتَّخِذَ
(١٣٩) رواه ابن جرير (١٨٨/١٨) وأحمد (١٥٢/٣، ١٥٣) وزاد السيوطي في الدر (٢٤٠/٦)
نسبته لابن المنذر وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في
البعث من حديث أنس مرفوعاً وقال السيوطي سنده صحيح ولفظه (( إن أول ما يكسى حلته من النار
إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من بعده وهو ينادي يا ثبوراه ويقولون يا
ثبورهم ..... الحديث .
قلت: وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف كما هو معلوم .
١٣٥

سورةالفرقان الآية - ١٨، ١٩
مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَتّى نَسُواْ الذِّكْرَ وَكَانُواْ
قَوْمَا بُورًا ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا نَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا
نَصْرَّ أَ وَ مَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِفْهُ عَذَابًا كَبِيرًا !
قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُم ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه حَشْرُ الموت ، قاله مجاهد .
الثاني : حشر البعث ، قاله ابن عباس .
وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ قال مجاهد : هم عيسى وعزير والملائكة.
فَيَقُولُ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هُؤُلاءِ ﴾ وهذا تقرير لإِكذاب من ادّعى ذلك
عليهم وإن خرج مخرج الإستفهام .
وفيمن يقال له ذلك القول قولان :
أحدهما : أنه يقال هذا للملائكة ، قاله الحسن .
الثاني : لعيسى وعزير والملائكة ، قاله مجاهد .
أَمْ هُمْ ضَلَّواْ السَّبِيلَ ﴾ أي أخطأوا قصد الحق فأجابوا بأن:
قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾ فيه
وجهان :
أحدهما : ما كنا نواليهم على عبادتنا .
الثاني : ما كنا نتخذهم لنا أولياء .
وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَاءَهُمْ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : متعهم بالسلامة من العذاب ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : بطول العمر ، حكاه النقاش .
الثالث : بالأموال والأولاد .
حَتَّى نَسُواْ آلذِكْرِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها : حتى تركوا القرآن ، قاله ابن زيد .
١٣٦

سورة الفرقان الآية - ١٨، ١٩
الثاني : حتى غفلوا عن الطاعة .
الثالث : حتى نسوا الإِحسان إليهم والإِنعام عليهم .
وَكَانُوا قَوْماً بُوراً ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني هلكى ، قاله ابن عباس ، مأخوذ من البوار وهو الهلاك .
الثاني : هم الذين لا خير فيهم ، قاله الحسن مأخوذ من بوار الأرض وهو
تعطلها من الزرع فلا يكون فيها خير .
الثالث : أن البوار الفساد ، قاله شهر بن حوشب وقتادة ، مأخوذ من قولهم
بارت إذا كسدت كساد الفاسد ومنه الأثر المروي : نعوذ بالله من بوار الأيم ، وقال
عبد الله بن الزِبعرى (١٤٠):
يا رسول المليك إن لساني . راتق ما فتقت إذا أنا بُور
فقد كذبوگم بما تقولون ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن الملائكة والرسل قد كذبوا الكفار فيما يقولون أنهم اتخذوهم
أولیاء من دونه ، قاله مجاهد.
الثاني: أن المشركين كذبوا المؤمنين فيما يقولونه من نبوة محمد وله ، قاله
ابن زید .
فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلَا نَصْراً ﴾ فيه أربعة أوجه :
أحدها : صرف العذاب عنهم ولا ينصرون أنفسهم ، قاله ابن زيد .
الثاني : فما يستطيعون صرف الحجة عنهم ولا نصراً على آلهتهم في
تعذيبهم ، قاله الكلبي .
الثالث : فما يستطيعون صرفك يا محمد عن الحق ولا نصر أنفسهم من
عذاب التكذيب ، حكاه عيسى .
(١٤٠) وقيل هو بيت لعبد الله بن رواحة حين أسلم عند فتح مكة أورده الطبري (١٩١/١٨) ومجاز
القرآن (٧٣/٢) وغريب القرآن (٣١١) واللسان (بور) والقرطبي (٠٣) وروح المعاني
(١٨ /٢٥٠)، وزاد المسير (٧٩/٦).
١٣٧

سورةالفرقان الآية - ٢٠
الرابع : أن الصرف الحيلة حكاه ابن قتيبة والصرف الحيلة مأخوذ من قولهم
إنه ليتصرف أي يحتال .
وأما قولهم لا يقبل منهم صرف ولا عَدْل ففيه وجهان :
أحدهما : أن الصرف : النافلة ، والعَدل : الفريضة .
الثاني : أن الصرف : الدية ، والعَدل : القود .
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ
وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَُ
وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه افتتان الفقير بالغني أن يقول لو شاء الله لجعلني مثله غني (١٤١)
والأعمى بالبصير أن يقول لو شاء لجعلني مثله بصيراً ، والسقيم بالصحيح أن يقول
لو شاء لجعلني مثله صحيحاً ، قاله الحسن .
الثاني : فتنة بالعدوان في الدين ، حكاه ابن عيسى .
الثالث : أن الفتنة صبر الأنبياء على تكذيب قومهم ، قاله يحيى بن سلام .
الرابع : أنها نزلت حين أسلم أبو ذر الغفاري وعمار وصهيب وبلال وعامر بن
فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة وأمثالهم من الفقراء الموالي فقال المستهزئون من
قريش : انظروا إلى أتباع محمد من فقرائنا وموالينا فنزلت فيهم الآية ، حكاه
النقاش .
وفي الفتنة هنا وجهان :
أحدهما : البلاء .
والثاني : الاختبار .
أَتَصْبِرُونَ﴾ يعني على ما مُحِنْتُمْ به من هذه الفتنة ، وفيه اختصار وتقديره
أم لا تصبرون.
١٣٨

سورةالفرقان الآية - ٢١ - ٢٤
وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ قال ابن جريج : بصيراً بمن يصبر ممن يجزع .
ويحتمل وجهاً آخر : بصيراً بالحكمة فيما جعل بعضكم لبعض فتنة .
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَ نَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَكَبِكَةُ أَوْنَرَى رَبَّنَا لَقَدِ
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَّةَ لَابُشْرَى
٢١
اُسْتَكْبَرُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ وَعَنَوْ عُنُوًّا كَبِيرًا !
يَوْمَئِذٍلِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا فَحْجُورًا (﴿ وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْنَهُ هَبَآءَ مَنُورًا ﴿ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًا وَأَحْسَنُ
مَقِيلًا
٢٤
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يخافون ولا يخشون، قاله السدي، ومنه قول الشاعر(١):
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل
أي لم يخش.
الثاني: لا يبالون، قاله ابن عمير، وأنشد لخبيب(١٤٢).
لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلماً على أي حال كان في الله مصرعي
أي ما أبالي .
الثالث: لا يأملون، حكاه ابن شجرة وأنشد قول الشاعر:
أترجو أمة قتلت حسينا شفاعة جَدَّة يوم الحسابِ
﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: ليخبرونا أن محمداً نبي قاله يحيى بن سلام.
(١٤١) هو أبو ذؤيب الهذلي والبيت تقدم تخريجه.
(١٤٢) هو بيت من قصيدة لخبيب بن عدي ذكرها ابن هشام في السيرة (١٨٣/٢١٩/٢) في قصة الرجيع التي
قتل فيها خبيب وعاصم وسرد ابن هشام منها ثلاثة عشر بيتاً وقال ومنهم من ينكرها لخبيب.
قلت وقد ذكر البخاري منها بيتين (٣٧٨/٦) وأحمد (٣١٠/٢) وابن سعد (٥٥/٢، ٥٦) والطبري
(٢٩/٣).
والبيت في السيرة: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي
١٣٩

سورةالفرقان الآية - ٢١ - ٢٤
الثاني: ليكونوا رسلا إلينا من ربهم بدلاً من رسالة محمد وصله.
﴿أُوْ نَرَىْ رَبِّنَا﴾ فيأمرنا باتباع محمد وتصديقه.
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أُنفُسِهِم﴾ فیه وجهان:
أحدهما: تكبروا في أنفسهم لما قل في أعينهم من إرسال محمد وَله نبياً
إلیھم .
الثاني : استكبروا في أنفسهم بما اقترحوه من رؤية الله ونزول الملائكة عليهم.
﴿وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً﴾ فيه خمسة أوجه:
أحدها: أنه التجبر، قاله عكرمة .
الثاني : العصيان، قاله یحیی بن سلام.
الثالث: أنه السرف في الظلم، حكاه ابن عيسى.
الرابع: أنه الغلو في القول، حكاه النقاش.
الخامس: أنه شدة الكفر، قاله ابن عباس .
قيل أن هذه الآية نزلت في عبدالله بن أبي أمية بن المغيرة ومكرز بن حفص بن
الأخنف في جماعة من قريش قالوا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا .
فنزل فيهم قوله تعالى :
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِگةَ﴾ فیه قولان:
أحدهما: عند الموت، قاله يحيى بن سلام.
الثاني : يوم القيامة، قاله مجاهد.
وَلَا بُشْرَىْ يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ يعني بالجنة، قاله عطية العوفي: إذا كان يوم
القيامة يلقى المؤمن بالبشرى فإذا رأى الكافر ذلك تمناه فلم يره من الملائكة .
﴿وَيَقُولُونَ حجراً مَّحْجوراً﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: معناه معاذ الله أن تكون لكم البشری يومئذ، قاله مجاهد.
الثاني : معناه: منعنا أن نصل إلى شيء من الخير، قاله عكرمة.
الثالث: حراماً محرماً أن تكون لكم البشرى يومئذ، قاله أبو سعيد الخدري،
والضحاك، وقتادة ومنه قول الملتمس (١٤٣):
(١٤٣) اللسان ((دهرس)) روح المعاني (٦/١٩) والطبري (٢/١٩) فتح القدير (٧٠/٤).
١٤٠