Indexed OCR Text
Pages 381-400
سورة مريم الآية - ٦٤، ٦٥
أحدهما : إلا السلامة .
الثاني : تسليم الملائكة عليهم ، قاله مقاتل .
وَلَهُمْ رَزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّاً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أن العرب إذا أصابت الغداء والعشاء نعمت، فأخبرهم الله أن لهم
في الجنة غداء وعشاء ، وإن لم يكن في الجنة ليل ولا نهار .
الثاني : معناه مقدار البكرة ومقدار العشي من أيام الدنيا ، قاله ابن جريج .
وقيل إنهم يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وغلق الأبواب ، ومقدار النهار (٦٥٢)
برفع الحجب وفتح الأبواب .
ويحتمل أن تكون البكرة قبل تشاغلهم بلذاتهم ، والعشي بعد فراغهم من
لذاتهم ، لأنه يتخللها فترات انتقال من حال إلى حال .
وَمَا نَشَتَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِرَبِّكَّ لَهُ مَا بَيْنَ أَيَدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَابَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبّكَ
نَسِيًّا
٦٠ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَأَصْطَبِرْ لِعِبَدَتِهُِ هَلْ تَعْلَمُ
لَهُسَمِيًّا
٦٥
قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه قول أهل الجنة : إننا لا ننزل موضعاً من الجنة إلا بأمر الله،
قاله ابن بحر .
الثاني : أنه قول جبريل عليه السلام ، لما ذكر أن جبريل أبطأ على النبي
باثنتي عشرة ليلة، فلما جاءه قال: ((غِبْتَ عَنِّي حَتَّى ظَنَّ المُشْرِكُونَ كلَّ ظَنٍ)) (٦٥٣)
فنزلت ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّ بِأَمْرٍ رَبِّكَ﴾ .
ويحتمل وجهين :
أحدهما : إذا أُمِرْنَا نزلنا عليك .
(٦٥٢) إعلم أن الجنة ليس فيها ليل ولا نهار ناشيء عن شمس ولا عن قمر إنما نوَّرها الله بنور جميل، خلقه
الله تعالى ويعرفون انقضاء اليوم بعلامة يُعرِفهم الله بها فنسأله تعالى رضاه والجنة ونستعيذ من غضبه
والنار.
(٦٥٣) رواه الطبري ١٠٤/١٦ بنسده عن مجاهد.
٣٨١
سورة مريم الآية - ٦٦ ، ٦٧
الثاني: إذا أُمَرَكَ ربك نَزَّلْنَا عليك الأمر على الوجه الأول متوجهاً إلى
النزول ، وعلى الثاني متوجهاً إلى التنزيل .
لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ﴾ فيه قولان :
أحدهما : ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ من الآخرة، ﴿ وَمَا خَلْفَنَا ﴾ من الدنيا .
﴿ وَمَا بَيْنَ ذُلِكَ ﴾ يعني ما بين النفختين ، قاله قتادة .
والثاني : ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ أي ما مضى أمامنا من الدنيا. ﴿ وَمَا خَلْفَنَا ﴾ ما
يكون بعدنا من الدنيا والآخرة . ﴿ وَمَا بَيْنِ ذُلِكَ﴾ ما مضى من قبل وما يكون من
بعد ، قاله ابن جرير (٦٥٤).
ويحتمل ثالثاً: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: السماء، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الأرض.
وَمَا بَيْنَ ذُلِكَ ﴾ ما بين السماء والأرض .
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِياً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أي ما نسيك ربك .
الثاني : وما كان ربك ذا نسيان .
.. هَل تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ فيه أربعة أوجه :
قوله عز وجل :
أحدها : يعني مِثْلًا وشبيهاً، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، مأخوذ من
المساماة .
الثاني : أنه لا أحد يسَمى بالله غيره ، قاله قتادة ، والكلبي .
الثالث : أنه لا يستحق أحد أن يسمى إلّهاً غيره .
الرابع : هل تعلم له من ولد ، قاله الضحاك . قال أبو طالب (٦٥٥):
أمّا المسمى فأنت منه مكثر لكنه ما للخلود سبيلُ
وَيَقُولُ آلْإِنِسَنُ أَءِذَا مَامِثُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ◌َ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنِسَنُ أَنَّا
(٦٥٤) جامع البيان (١٦ /١٠٥).
(٦٥٥) روح المعاني (١١٦/١٦).
٣٨٢
سورة مريم الآية - ٦٧ - ٧٠
فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَطِينَ ثُمَّ
خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْيَكُ شَيْئًا
لَنُحْضِرَتَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِيًّا ﴿٩َ ثُمَ لَنَنْزِعَرَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُهُمْأَشَدُ عَلَى
٧٠
الرَّحْمَنِ عِنِيًّا اثُمَّنَحْنُ أَ عْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىِهَ صِلِيًّا
قوله عز وجل: ﴿ ... حَوْلَ جَهَنَّمَ ﴾ فيها قولان :
أحدهما : أن جهنم اسم من أسماء النار .
الثاني : أنه إسم لأعمق موضع في النار ، كالفردوس الذي هو اسم لأعلى
موضع في الجنة .
جِثِيّاً ﴾ فيه قولان :
أحدهما : [جماعاتٌ]، قاله الكلبي والأخفش.
الثاني : بُروكاً على الرُّكَب ، قاله عطية .
قوله عز وجل : ﴿ ثُمَّ لَنَنزِ عَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ﴾ الشيعة الجماعة
المتعاونون . قال مجاهد : والمراد بالشيعة الأمة لاجتماعهم وتعاونهم .
وفي ﴿ ثُمَّ لَتَزِعَنَّ ﴾ وجهان :
أحدهما : لننادين ، قاله ابن جريج .
الثاني : لنستخرجن ، قاله مقاتل .
عِّاً ﴾ فيه خمسة أوجه :
أحدها : أهل الإِفتراء بلغة بني تميم . قاله بعض أهل اللغة .
الثاني : جرأة ، قاله الكلبي .
الثالث : كفراً، قاله عطية .
الرابع : تمرداً .
الخامس : معصية .
قوله عز وجل: ﴿ ... أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً﴾ فيه وجهان :
(*) زيادة يقتضيها السياق.
٣٨٣
سورة مريم الآية - ٧٢،٧١
أحدها : دخولاً ، قاله الكلبي .
الثاني : لزوماً .
(٣) ثُمََّجِى الَّذِينَ اتَّقَواْ
وَإِنِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رََّ حَتْمَامَّقْضِيًّا
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيَهَا جِئِيًّا
٧٢
قوله عز وجل: ﴿ وَإِنّ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعني الحمى والمرض ، قاله مجاهد .
روى أبو هريرة قال (٦٥٦): خرج رسول الله ثم لل يعود رجلاً من أصحابه فيه
وعك وأنا معه، فقال رسول الله: ((أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : هِي نَارِي
أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي المُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَثَّهُ مِنَ النَّارِ )) أي في الآخرة .
الثاني : يعني جهنم . ثم فيه قولان :
أحدهما: يعني بذلك الكافرين يردونها دون المؤمن ؛ قاله عكرمة ويكون
قوله: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ﴾ أي منهم كقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُم رَبُّهُم شَرَاباً طَهُوراً ﴾ ثم
قال: ﴿إِنَّ هُذَا كَانَ لَكُم جَزَاءً ﴾ أي لهم .
الثاني: أنه أراد المؤمن والكافر. روى ابن زيد عن النبي (٦٥٧) ## أنه قال
((الزَّالُونَ وَالزَّالَّت يَومَئذٍ كَثِيرٌ )).
وفي كيفية ورودها قولان :
(٦٥٦) رواه الطبري (١١١/١٦) وقال ابن كثير غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه قلت لأن في سنده
عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وهو ضعيف .
قلت ولم یتفرد به بل تابعه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر .
رواه أحمد (٤١٠/٢) وابن أبي شيبة (٢٩٩/٢) وابن ماجة (٣٤٧٠) والحاكم (٣٤٥/١)
وصححه ووافقه الذهبي وصحح المتابعة الألباني أيضاً (٤٣٨/٤) وللحديث شواهد راجعها في
السلسلة الصحيحة رقم ١٨٢١، ١٨٢٢ وقال الألوسي (١٢٢/١٦) والحق أنه لا دلالة فيه على عدم
ورود المؤمن المحموم في الآخرة وقصارى ما يدل عليه أنه يخفف من ألم النار يوم القيامة .
(٦٥٧) رواه الطبري (١١١/١٦).
وهو خبر مرسل كما ترى .
٣٨٤
سورة مريم الآية - ٧٤،٧٣
أحدهما : الدخول فيها . قال ابن عباس : ليردنها كل بر وفاجر . لكنها
تمس الفاجر دون البر . قال وكان دعاء من مضى : اللهم أخرجني من النار سالماً ،
وأدخلني الجنة عالماً .
والقول الثاني : أن ورود المسلم عليها الوصول إليها ناظراً لها ومسروراً
بالنجاة منها ، قاله ابن مسعود ، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَّمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ﴾
[القصص ٢٣] أي وصل. وكقول زهير بن أبي سلمى (٦٥٨):
ولما وردن الماء زُرْقاً جِمامُه وضعن ◌ِصيَّ الحاضر المتخيمِ
ويحتمل قولاً ثالثاً : أن يكون المراد بذلك ورود عرضة القيامة التي تجمع كل
بر وفاجر (٦٥٩)
.
كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : قضاء مقتضياً ، قاله مجاهد .
الثاني: قسماً واجباً(٦٦٠) ، قاله ابن مسعود .
وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَاْ أَىُّالْفَرِقَيْنِ خَيْرٌ
مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٣َّوَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَتَشَاوَرِهْيَالَّا
قوله عز وجل: ﴿ ... أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : منزل إقامة في الجنة أو النار .
والثاني : يعني كلام قائم بجدل واحتجاج أي : أمّن فلجت حجته بالطاعة
(٦٥٨) شرح ديوان زهير: ٣٠، اللسان ورد القرطبي (١٣٧/١١). زاد المسير (٢٥٦/٥).
(٦٥٩) قال الشوكاني رحمه الله (٣٤٤/٣).
(( وقد اختلف الناس في هذا الورود .... ثم قال وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا
الورود ..... ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط أو الورود على جهنم وهي
خامدة فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة وينبغي حمل هذه الآية على ذلك لأنه قد حصل الجمع
بحمل الورود على دخول النار مع كون الداخل من المؤمنين مبعداً عن عذابها أو على المضي فوق
الجسر المنصوب عليها وهو الصراط .
(٦٦٠) قال الألوسي (١٢٢/١٦) في تفسير هذا القول:
((المراد يخذله الواجب في تحتم الوقوع إذ لا يجب على الله تعالى شيء عند أهل السنة .
٣٨٥
سورة مريم الآية - ٧٦،٧٥
خير أم من دحضت حجته بالمعصية ، وشاهده قول لبيد :
ومقام ضيق فرجته بلساني وحسامي وجدل
وأُحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أفضل مجلساً .
الثاني : أوسع عيشاً .
ويحتمل ثالثاً : أيهما خير مقاماً في موقف العرض ، من قضى له بالثواب أو
العقاب ؟
﴿ وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ منزل إقامة في الجنة أو في النار . وقال ثعلب: المقام
بضم الميم : الإِقامة ، وبفتحها المجلس .
قوله تعالى: ﴿ أَثَاثاً وَرِعْياً﴾ فيه أربعة أوجه :
أحدها : أن الأثاث : المتاع ، والرئي : المنظر ، قاله ابن عباس . قال
الشاعر (٦٦١) :
أشاقت الظعائن يوم ولوا بذي الرئي الجميل من الأثاث
الثاني: أن الأثاث ما كان جديداً من ثياب البيت، والرئي الارتواء من النعمة.
الثالث: الأثاث ما لا يراه الناس. والرئي ما يراه الناس.
الرابع : معناه أكثر أموالاً وأحسن صوراً .
ويحتمل خامساً : أن الأثاث ما يعد للاستعمال ، والرئي ما يعد للجمال .
قُلْ مَن كَانَ فِي الصَّلَلَةِ فَلْيَمْدُ دْلَهُالرَّحْمَنُ مَدَّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ
وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا [٥] وَيَزِيدُ اللَّهُ
الَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ هُدَّى وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا
(٧٦
قوله تعالى : ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ آهْتَدَوُاْ هُدىً ﴾ فيه وجهان :
(٦٦١) هو محمد بن نمير الثقفي والبيت في اللسان (رأى).
روح المعاني (١٢٦/١٦) فتح القدير (٣٤٧/٣).
٣٨٦
سورة مريم الآية - ٧٧ - ٨٠
أحدهما : يزيدهم هدى بالمعونة في طاعته والتوفيق لمرضاته .
الثاني : الإِيمان بالناسخ والمنسوخ ، قاله الكلبي ومقاتل ، فيكون معناه :
ويزيد الله الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى بالناسخ .
ويحتمل ثالثاً : ويزيد الله الذين اهتدوا إلى طاعته هدى إلى الجنة .
أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَابَتِنَا وَقَالَ لَأُوْتَيَنَّ مَالَا وَوَلَدًا {مَّا أَطَلَعَ الْغَيْبَ أَمِـ
أ / /وغ ،و
كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُذَّلُهُ مِنَ الْعَذَابِ
(٧٨
اَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا!
مَدًّا ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِنَا فَرْدًا
٨٠
قوله عز وجل : ﴿ أَفَرَعَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِثَآيَاتِنَا ... ﴾ اختلف فيمن نزلت هذه
الآية فيه على قولين :
أحدهما : في العاص بن وائل (٦٦٢) السهمي ، قاله جابر وابن عباس
ومجاهد .
الثاني : في الوليد بن المغيرة ، قاله الحسن .
... مَالاَ وَوَلَداً﴾ قرأ حمزة والكسائي (٦٦٣) ﴿وَوُلْداً﴾ بضم الواو، وقرأ
الباقون بفتحها، فاختلف في ضمها وفتحها على وجهين:
أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد، يقال ولَدَ وُلْد، وعَدَم وعُدْم، وقال الحارث
ابن حلزة (٦٦٤).
ولقد رأيت معاشراً قد ثمَّروا مالاً ووُلْدا
والثاني : أن قيساً تجعل الوُلْد بالضم جميعاً ، والولد بالفتح واحداً .
(٦٦٢) وذلك حينما ذهب جناب بن الأريب ليأخذ أجره وكان ديناً على العاص فقال له العاص لا والله لا
أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث قال فإني إذا مت ثم
بعثت ثم جئت ولي ثم مال وولد أعطيتك فنزلت فيه هذه الآية .
رواه البخاري (٣٢٦/٨) ومسلم (٣١٥/٤) وأحمد (١٤٠/٥) والترمذي (١٤٥/٣) وقال حسن
صحيح وهذا القول عليه أكثر المفسرين .
(٦٦٣) الحجة في القراءات ص ٤٤٧ زاد المسير (٢٦٠/٥).
(٦٦٤) اللسان (ولد) معاني للفراء للقرار ص ١٩٥ الطبري (١٢٢/١٦)
/ ٣٨٧
سورة مريم الآية - ٨١ - ٨٤
وفي قوله تعالى: ﴿لَأَوْتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ وجهان :
أحدهما : أنه أراد في الجنة استهزاء بما وعد الله على طاعته وعبادته ، قاله
الكلبي .
الثاني : أنه أراد في الدنيا ، وهو قول الجمهور . وفيه وجهان محتملان :
أحدهما : إن أقميت(٦٦٥) على دين آبائي وعبادة آلهتي لأوتين مالاً وولداً.
الثاني : معناه لو كنت أقمت على باطل لما أوتيت مالاً وولداً.
: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : معناه أعلم الغيب أنه سيؤتيه على كفره مالاً وولداً .
الثاني : أعلم الغيب لما آتاه الله على كفره .
أُمِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَن عَهْداً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : يعني عملاً صالحاً قدمه ، قاله قتادة .
الثاني : قولاً عهد به الله إليه ، حكاه ابن عيسى .
قوله عز وجل: ﴿وَثَرِتُهُ مَا يَقُولُ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أن الله يسلبه ما أعطاه في الدنيا من مال وولد .
الثاني : يحرمه ما تمناه في الآخرة من مال وولد .
وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : بلا مال ولا ولد .
الثاني : بلا ولي ولا ناصر .
وَأَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِءَالِهَةً لِّيَكُونُوْلَهُمْ عِزَّا جَكَلاَ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ
وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴿ أَوْتَرَأَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَزَّا
٨٤
فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ
لَهُمْ عَدًّا
(٦٦٥) كذا هنا وفي المطبوعة وهو خطأ والصواب إن أقمت والتصويب من فتح القدير للشوكاني
(٣٤٩/٣).
٣٨٨
سورة مريم الآية - ٨٥ - ٨٧
قوله عز وجل: ﴿ ... سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : سيجحدون أن يكونوا عبدوها لما شاهدوا من سوء عاقبتها .
الثاني : سيكفرون بمعبوداتهم ويكذبونهم .
﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ﴾ فيه خمسة أوجه :
أحدها : أعواناً في خصومتهم ، قاله مجاهد .
الثاني : قرناء في النار يلعنونهم ، قاله قتادة .
الثالث : يكونون لهم أعداء ، قاله الضحاك .
الرابع : بلاء عليهم ، قاله ابن زيد .
الخامس : أنهم يكذبون على ضد ما قدروه فيهم وأمّلوه منهم ، قاله ابن
بحر .
قوله عز وجل: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : تزعجهم إزعاجاً حتى توقعهم في المعاصي ، قاله قتادة .
الثاني : تغويهم إغواء ، قاله الضحاك .
الثالث : تغريهم إغراء بالشر : إمض إمض في هذا الأمر حتى توقعهم في
النار ، قاله ابن عباس .
قوله عز وجل: ﴿ ... إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : نعد أعمالهم عداً ، قاله قطرب .
الثاني : نعد أيام حياتهم ، قاله الكلبي .
الثالث : نعد مدة إنظارهم إلى وقت الإنتقام منهم بالسيف والجهاد ، قاله
مقاتل .
يَوْمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [٥] وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا
٨٦
لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلََّ مَنِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا
... وَقْداً ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ركباناً ، قاله الفراء .
الثاني : جماعة ، قاله الأخفش .
٣٨٩
سورة مريم الآية - ٨٨ - ٩٨
الثالث : زوّاراً ، قاله ابن بحر .
قوله عز وجل: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : مشاة ، قاله الفراء .
الثاني : عطاشاً .
الثالث : أفراداً .
إِلَّ مَنِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحَمْنِ عَهْداً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : (٦٦٦)
.
وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًّا ◌َلَقَدْ جِئٌْ شَيْئًا إِذَّا كَانَكَادُ السَّمَوَاتُ
يَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَذَّا (١) أَنْ دَعَوْلِلرَّحْمَنِ وَلَدًا
وَمَا يَتْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًّا ﴿ إِن كُلُّ مَنْ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ
ءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا[®َّلَقَدْ أَحْصَنْهُمْ وَعَدَّهُمْ عَذَّا ﴿ وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ
فَرْدًا
٩٥
شَيْئاً إِدّاً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : منكراً ، قاله ابن عباس .
الثاني : عظيماً، قاله مجاهد . قال الراجز (٦٦٧):
في لهث منه وحبك إدّ
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَِّحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وَّا فَإِنَّمَا
يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَبِهِ، قَوْمَالَّذًّا () وَكَمْ
أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحُِِّمِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْنَسْمَعُ لَهُمْرِكْزًا.
٩٨
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمْنُ
وُدّاً ﴾ فيه وجهان :
(٦٦٦) لاحظ أن هنا سقطاً وقد ورد في بعض التفاسير أن العهد هو شهادة ألا إله إلا الله.
(٦٦٧) الطبري (١٣٠/١٦) ولم ينسبه وفيه ((وحتل إذاً بدلاً من وحبك)).
٣٩٠
سورة مريم الآية - ٨٨ - ٩٨
أحدهما : حباً في الدنيا مع الأبرار ، وهيبة عند الفجار .
الثاني : يحبهم الله ويحبهم الناس . قال الربيع بن أنس : إذا أحب الله عبداً
ألقى له المحبة في قلوب أهل السماء ، ثم ألقاها في قلوب أهل الأرض (٦٦٨).
ويحتمل ثالثاً : أن يجعل لهم ثناء حسناً . قال كعب : ما يستقر لعبد ثناء في
الدنيا حتى يستقر من أهل السماء . وحكى الضحاك عن ابن عباس : أن هذه الآية
نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه جعل له ودّاً في قلوب المؤمنين(٦٦٩).
قوله عز وجل: ﴿قَوْماً لُّدّاً ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : فجّاراً ، قاله مجاهد .
الثاني : أهل إلحاح في الخصومة ، مأخوذ من اللدود في الأفواه ، فلزومهم
الخصومة بأفواههم كحصول اللدود في الأفواه ، قاله ابن بحر .
قال الشاعر :
بغوا لَدَدَي حَنقاً عليَّ كأنما تغلي عداوة صدرهم في مِرجل
الثالث : جدالاً بالباطل ، قاله قتادة ، مأخوذ من اللدود وهو شديد
الخصومة . قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَذُّ الْخِصَامِ ﴾ وقال الشاعر :
أبيت نجياً للهموم كأنني أخاصم أقواماً ذوي جدلٍ لُدّا
قوله عز وجل : ﴿ وِكْزَاً ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : صوتاً ، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك .
الثاني : حِسّاً ، قاله ابن زيد .
الثالث : أنه ما لا يفهم من صوت أو حركة ، قاله اليزيدي .
(٦٦٨) وقد ورد في هذا المعنى حديثاً مرفوعاً رواه البخاري (٢٢٠/٦، ١١٠، ٣٨٦) ومسلم
(٢٠٣٠/٤) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً ((إن الله إذا أحب عبداً دعا
جبريل فقال إنى أحب فلاناً فأحبه قال فيجلسه جبريل ثم ينادي من السماء فيقول إن الله يحب فلاناً
فأحبوه فيحبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض الله عبداً دعا جبريل فيقول
إني أبغض فلاناً فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه قال
فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض)».
(٦٦٩) راجع ما كتبه العلامة الألوسي في روح المعاني (١٤٣/١٦) حول هذا القول.
٣٩١
سورة طه الآية - ١ - ٨
تريبها
٢٠
سُورَةُ طبة
آياتها
١٣٥
بِسْمِ الَّهِالرَّحمَن الرَحِيةِ
◌َ إِلَّا نَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَى
٢
طِهِ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى
مِمَّنُ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى [] الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اُسْتَوَى (٥) لَهُمَافِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّىِ ﴿ وَإِنِ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ
فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَ وَأَخْفَى اللَّهُلَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَّلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
٨
اتَنزِيلًا
٣
قوله عز وجل : ﴿ طه ﴾ فيه سبعة أقاويل :
أحدها : أنه بالسريانية يا رجل ؛ قاله ابن عباس ، ومجاهد . وحكى
الطبري (٦٧٠): أنه بالنبطية يا رجل ؛ وقاله ابن جبير ، والسدي كذلك .
وقال الكلبي: هو لغة عكل (٦٧١)، وقال قطرب: هو بلغة طبىء وأنشد ليزيد بن
مهلهل (٦٧٢):
إن السفاهة ( طه ) من خلیقتکم
لا قدس الله أرواح الملاعين
(٦٧٠) جامع البيان (١٣٥/١٦) واختاره ورجحه على غيره .
(٦٧١) وفي الطبري (١٣٦/١٦) عك.
(٦٧٢) الطبري (١٣٧/١٦) ولم ينسبه والشطر الثاني فيه.
لا بارك الله في القوم الملاعين.
٣٩٢
سورة طه الآية - ١ - ٨
الثاني : أنه اسم من أسماء الله تعالى (٦٧٣) وَقَسَمٌ أَقْسَمَ بِهِ ، وهذا مروي عن
ابن عباس أيضاً .
الثالث : أنه اسم السورة ومفتاح لها .
الرابع : أنه اختصار من كلام خص الله رسوله بعلمه .
الخامس : أن حروف مقطعة يدل كل حرف منها على معنى .
السادس : معناه : طوبى لمن اهتدى ، وهذا قول محمد الباقر بن علي زين
العابدين رحمهما الله .
السابع : معناه طَإِ الأَرْضَ بقدمك ، ولا تقم على إحدى رجليك يعني في
الصلاة ، حكاه ابن الأنباري .
؛
ويحتمل ثامناً : أن يكون معناه طهّر . ويحتمل ما أمره بتطهيره وجهين :
أحدهما : طهر قلبك من الخوف .
والثاني : طهر أُمَّتَك من الشرك .
قوله تعالى: ﴿ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بالتعب والسهر في قيام الليل ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه جواب للمشركين لما قالوا : إنه بالقرآن شقى ، قاله الحسن .
الثالث : معناه لا تشْقِ نفسك بالحزن والأسف على كفر قومك ، قاله ابن
بحر .
قوله تعالى : ﴿إِلَّ تَذْكِرَةً لَّمَن يَخْشَىْ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : إلا إنذاراً لمن يخشى الله .
والثاني : إلا زجراً لمن يتقي الذنوب .
والفرق بين الخشية والخوف : أن الخوف فيما ظهرت أسبابه والخشية فيما لم
تظهر أسبابه (٦٧٤).
(٦٧٣) انظر تفصيل ذلك في زاد المسير (٢٠٥/٥، ٢٠٧).
(٦٧٤) كيف ذلك والله تعالى يقول ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ فالعلم سبب من أسباب خشية
الله فتنبه وإلا لما قال ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾.
٣٩٣
سورة طه الآية - ١٠،٩
قوله عز وجل: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : له ملك السموات والأرض .
الثاني : له تدبيرها .
الثالث : له علم ما فيها .
وفي ﴿ ... الثَّرَى﴾ وجهان :
أحدها : كل شيء مُبْتَلّ ، قاله قتادة .
الثاني : أنه التراب في بطن الأرض ، قاله الضحاك .
الثاني : أنها الصخرة التي تحت الأرض السابعة ، وهي صخرة خضراء وهي
سجِّين التي فيها كتاب الفجار ، قاله السدي .
قوله عز وجل : ﴿وَإِن تَجْهَرْ بَالْقَوْلِ﴾ فما حاجتك إلى الجهر؟ لأن الله
يعلم بالجهر وبالسر .
فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ فيه ستة تأويلات :
أحدها: أن ((السِّرَّ)) ما حدَّث به العبد غيره في السر. ((وأُخْفَىْ)) ما أضمره
في نفسه ، ولم یحدّث به غيره ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن السر ما أضمره العبد في نفسه . وأخفى منه ما لم يكن ولا
أضمره أحد في نفسه قاله قتادة وسعيد بن جبير .
الثالث : يعلم أسرار عباده ، وأخفى سر نفسه عن خلقه ، قاله ابن زيد .
الرابع : أن السر ما أسره الناس ، وأخفى : الوسوسة ، قاله مجاهد .
الخامس : أن السر ما أسره من علمه وعمله السالف ، وأخفى : وما يعلمه
من عمله المستأنف ، وهذا معنى قول الكلبي .
السادس: السر: العزيمة ، وما هو أخفى : هو الهم الذي دون العزيمة.
وَهَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ مُوسَىّ ﴾ إِذْرَءَانَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُوْ اْإِنِّءَانَسْتُ نَارًا
لَعَلِّءَائِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْأَجِدُ عَلَى النَّارِهُدَّى
١٠
٣٩٤
سورة طه الآية - ١١ - ١٥
قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ أي قد أتاك حال موسى فيما
اجتباه ربه لنبوته وحمله من رسالته . واحتمل ذلك أن يكون ذلك بما قصه عليه في
هذا الموضع ، واحتمل أن يكون بما عرفه في غيره .
﴿ إِذْ رَءَا نَاراً﴾ وكانت عند موسى ناراً، وعند الله نوراً، قال مقاتل : وكانت
ليلة الجمعة في الشتاء (٦٧٥).
فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُثُواْ﴾ أي أقيموا. والفرق بين المكث والإقامة أن الإقامة
تدوم والمكث لا يدوم .
﴿ إِنِّي أَنَسْتُ نَاراً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : رأيت ناراً .
والثاني : إني آنست بنار .
أَّعَلِّي ءَآتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ ﴾ أي بنار تصطلون بها.
أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ﴾ فیه وجهان :
أحدهما : هادياً يهديني الطريق ، قاله قتادة .
والثاني : علامة أستدل بها على الطريق . وكانوا قد ضلوا عنه فمكثوا
بمكانهم بعد ذهاب موسى ثلاثة أيام حتى مر بهم راعي القرية فأخبرهم بمسير
موسى ، فعادوا مع الراعي إلى قريتهم وأقاموا بها أربعين سنةً حتى أنجز موسى أمر
ربه .
فَلَمَّا أَنَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَىّ ﴿﴿ إِّ أَنْ رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ
طُوَّى ﴿ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىّ ﴿ إِنَِّى أَنَ اللّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَأَعْبُدُنِى
وَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىِّ ﴿ إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةٌ أَ كَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا
(٦٧٥) قال محقق المطبوعة في الهامش ((كان ذلك بعد أن قضى موسى الأجل في خدمة شعيب شيخ
مدينة ... الخ . وجواباً على هذا نقول لقد عوّل المحقق على ما ورد وشاع من أن الذي صاهره نبي
الله موسى هو نبي الله شعيب ولكن لم يرد ذلك في حديث صحيح وقد أسهب شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله في رسالة جميعها في ذلك راجعها ضمن جامع الرسائل بتحقیق الدكتور محمد رشاد .
٣٩٥
سورة طه الآية - ١٦،١٥
فَلَا يَصُدَنَّكَ عَنْهَا مَن لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاَتْبَعَهَوَىهُفَتَرْدَى
١٥
تَسْعَى
١٦
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَتَّاهَا ﴾ يعني النار، التي هي نور ﴿نُودِيَ يَا مُوسَىَ إِنِّي
أَنَّأْ رَبُّكَ ﴾ وفي هذا النداء قولان :
أحدهما : أنه تفرد بندائه .
الثاني : أن الله أنطق النور بهذا النداء فكان من نوره (٦٧٦) الذي لا ينفصـ
عنه ، فصار نداء منه أعلمه به أنه ربه لتسكن نفسه ويحمل عنه أمره فقدم تأديبه
بقوله : ﴿فَآَخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ الآية. وفي أمرْه بخلعهما قولان :
أحدهما : ليباشر بقدميه بركة الوادي المقدس ، قاله علي بن أبي طالب ،
والحسن ، وابن جريج .
والثاني : لأن نعليه كانتا من جلد حمار ميت(٦٧٧)، قاله كعب ، وعكرمة ،
وقتادة .
﴿ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أن المقدس هو المبارك ، قاله ابن عباس ، ومجاهد .
والثاني : أنه المطهر ، قاله قطرب ، وقال الشاعر :
وأنت وصول للأقارب مدره
بریء من الآفات من مقدس
وفي ﴿ طُوئِ ﴾ خمسة تأويلات :
أحدها : أنه اسم من طوى لأنه مر بواديها ليلاً فطواه ، قاله ابن عباس .
الثاني : سمي طوى لأن الله تعالى ناداه مرتين . وطوى في كلامهم بمعنى
مرتين ، لأن الثانية إذا أعقبتها الأولى صارت كالمطوية عليها .
الثالث : بل سمي بذلك لأن الوادي قدس مرتين ، قاله الحسن .
(٦٧٦) وهو قول المعتزلة ومن وافقهم راجع روح المعاني (١٦٩/١٦).
(٦٧٧) وقد ورد مرفوعاً رواه الترمذي (١ /٢٠٦) من حديث ابن مسعود وقال الترمذي حديث غريب لا
تعرفه إلا من حديث حميد الأعرج وحميد هو ابن علي الأعرج الكوفي منكر الحديث وقال الطبري
(١٦ /١٤٤) في إسناده نظر يجب التثبت منه .
٣٩٦
سورة طه الآية - ١٥، ١٦
الرابع : أن معنى طوى : طَإِ الوادي بقدمك ، قاله مجاهد .
الخامس : أنه الإِسم للوادي قديماً . قاله ابن زيد :
فخلع موسی نعليه ورمى بهما وراء الوادي .
قوله تعالى : ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِيّ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : وأقم الصلاة لتذكرني فيها ، قاله مجاهد .
والثاني : وأقم الصلاة بذكري ، لأنه لا يُدْخَلُ في الصلاة إلا بذكره .
الثالث : وأقم الصلاة حين تذكرها ، قاله إبراهيم .
وروى سعيد بن المسيب (٦٧٨) أن رسول الله وَلِّ قال: ((مَنْ نَسِيَ صَلَاةً
فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا))(٦٧٩)، قال تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَلَةَ لِذَكْرِي ﴾ .
قوله تعالى: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أي لا أظهر عليها أحداً ، قاله الحسن . ويكون أكاد بمعنى أريد
أ:".
الثاني : أكاد أخفيها من نفسي ، قاله ابن عباس ومجاهد ، وهي كذلك في
قراة أُبَيّ (٦٨٠) (أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي)) ويكون المقصود من ذلك تبعيد الوصول إلى
علمها . وتقديره : إذا كنت أخفيها من نفسي فكيف أظهرها لك ؟.
الثالث : معناه أن الساعة آتية أكاد . انقطع الكلام عند أكاد وبعده مضمر أكاد
آتي بها تقريباً لورودها ، ثم استأنف : أخفيها لتجزى كل نفسٍ بما تسعى . قاله
الأنباري ، ومثله قول ضابىء البرجمي (٦٨١):
تركت على عثمان تبكي حلائله
هممت ولم أفعل وكدت وليتني
(٦٧٨) هذا الحديث مرسل رواه الطبري (١٤٨/١٦) موصولاً من حديث أبي هريرة.
(٦٧٩) وورد من حديث انس رواه البخاري (٢ / ٧٠) ومسلم (٤٧٧/١)
وأبو داود ( ٤٤٢) وغيرهم راجع الدر (٥٦١/٥).
(٦٨٠) وهي قراءة ابن مسعود ومحمد بن علي كما في زاد المسير (٢٧/٥).
(٦٨١) الطبري (١٥٢/١٦) والقرطبي (١٨٣/١١) وزاد المسير (٢٧٦/٥) البحر المحيط
(٢٣٣/٦ ).
٣٩٧
سورة طه الآية - ١٧ - ٢١
أي كدت أن أقتله ، فأضمره لبيان معناه .
الرابع : أن معنى - أخفيها : أظهرها ، قاله أبو عبيدة وأنشد(٦٨٢):
فإن تدفنوا الداءَ لا نخفيه وأن تبعثوا الحرب لا نقعد
يقال أخفيت الشيء أي أظهرته وأخفيته إذا كتمته ، كما يقال أسررت الشيء
إذا كتمته ، وأسررته إذا أظهرته .
وفي قوله : ﴿ وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ ﴾ وجهان :
أحدهما : أسر الرؤساء الندامة عن الأتباع الذين أضلوهم .
والثاني : أظهروا الندامة . قال الشاعر(٦٨٣):
ولما رأى الحجاج أظهر سيفه أسر الحروري الذي كان أضمرا
﴿ لِتُجْزَىْ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه على وجه القسم من الله ، إن كل نفس تجزى بما تسعى .
الثاني : أنه إخبار من الله أن كل نفس تجزى بما تسعى .
قوله عز وجل : ﴿ فَتَرْدَى ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : فتشقى .
الثاني : فتنزل .
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى [﴿ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَ كَؤُاْ عَلَيْهَا وَأَهُشُ
بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَثَارِبُ أُخْرَى ◌َقَالَ أَلْقِهَا يَمُوسَى { فَأَلْقَنِهَا فَإِذَا
٢١
/٠ارو
قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفُ سَنُعِيدُ هَا سِيرَتَهَا الْأَوَلَى
٢٠
هِىَحَيَّةُنَسْعَى
(٦٨٢) هو امرىء القيس .
والبيت في ديوانه : ١٨٦ والطبري (١٥٠/١٦)، ومجاز القرآن (١٧/٢) اللسان (خفا) والقرطبي
(١٨٢/١١) زاد المسير (٢٧٦/٥).
(٦٨٣) هو الفرزدق
والبيت في الطبري (١٦ /١٥٢) اللسان (سرر) وفي الطبري
فلما رأى الحجاج جرّد سيفه .
( تنبيه ) هذا الفعل من الاضداد يحمل معنيين متضادين.
٣٩٨
٠
سورة طه الآية - ١٧ - ٢١
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ ليس هذا سؤال استفهام، وإنما هو سؤال
تقرير لئلا يدخل عليه ارتياب بعد انقلابها حيةٌ تسعى .
قَالَ هِيَ عَصَايَ ﴾ فتضمن جوابه أمرین :
أحدهما : الإِخبار بأنها عصا وهذا جواب كافٍ .
الثاني : إضافتها إلى ملكه ، وهذه زيادة ذكرها ليكفي الجواب بما سئل
عنه .
٠
ثم أخبر عن حالها بما لم يُسأل عنه ليوضح شدة حاجته إليها واستعانته
بها (٦٨٤) لئلا يكون عابئاً بحملها ، فقال: ﴿أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ﴾
أي أخبط بها ورق الشجر لترعاه غنمي . قال الراجز(٦٨٥):
أهش بالعصا على أغنامي من ناعم الأراك والبشام
وقرأ عكرمة (٦٨٦) ((وأهس)) بسين غير معجمة . وفي الهش والهس وجهان :
أحدهما : أنهما لغتان معناهما واحد .
والثاني : أن معناهما مختلف ، فالهش بالمعجمة : خبط الشجر ، والهس
بغير إعجام زجر الغنم .
﴿وَلِيَ فِيهَا مَثَارِبُ أَخْرَى﴾ أي حاجات أخرى، فنص على اللازم وكنّى
عن العارض ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها: أنه كان يطرد بها السباع ، قاله مقاتل :
الثاني : أنه كان يَقْدَحُ بها النار ، ويستخرج الماء بها .
(٦٨٤) وقد أبدى بعض المفسرين نكتة في ذلك وهي أن نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام أراد أن يتلذذ
بطول المناجاة مع ربه تبارك وتعالى ولهذا أطال الكلام عن العصا.
(٦٨٥) أورده الطبري (١٥٤/١٦) ولم ينسبه.
وفي اللسان ((هش)) قال الفراء في تفسير البيت : أي أضرب بها الشجر اليابس فيسقط ورقها فترعاه
غنمي والأراك والبشام نوعان من الشجر ترعيها الماشية وفي أغصانها لين وقد تأكلها الماشية إذا كانت
خضراء .
(٦٨٦) وهي قراءة الحسن راجع روح المعاني (١٦٠ /١٧٥).
٣٩٩
سورة طه الآ ية - ٢٢ - ٣٥
الثالث : أنها كانت تضيىء له بالليل (٦٨٧)، قاله الضحاك.
وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ ءَايَةً أُخْرَى
٤اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَفَى ®آقَالَ رَبِّ آشْرَعْلِصَدْرِى
٢٣
ءَايَتِنَا الْكُبْرَىَ
لِتُرِيَكَ مِنْ
٢٢
وَيَسِّرْلِ أَمْرِىِ ﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةٌ مِّنْ لِّسَانِى ◌َْيَفْقَهُوْ قَوْلِ (١٨) وَأَجْعَل لِ وَزِيرًا مِنْ
وَأَشْرِكُهُ فِي أَمْرِى
٣١
] آشْدُدْبِهِ: أَزْرِى أ
٣٠
أَهْلِىِجَاهَرُونَ أَخِى
كَىْ نُسَيِّحَكَ
٣٢
كَثِيرًا ﴿ وَنَذْكُوَلَ كَثِيرًا (٦) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا
٣٥
قوله عز وجل: ﴿وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَىْ جَنَاحِكَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها : إلى عضدك . قاله مجاهد .
الثاني : إلى جيبك .
الثالث : إلى جنبك فعبر عن الجنب بالجناح لأنه مائل في محل الجناح .
قوله عز وجل: ﴿رَبِّ أَشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : لحفظ مناجاته .
الثاني : لتبليغ رسالته .
وَيَسِّرْ لِيَ أَمْرِي ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : ما لا يطيق .
الثاني : في معونتي بالقيام على ما حملتني .
وَأَخْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها عقدة كانت بلسانه من الجمرة التي ألقاها بفيه في صغره عند
فرعون .
(٦٨٧) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله (١٤٥/٣) ((وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي
أبهمت فقيل كانت تضيء بالليل وتحرس له الغنم إذا نام يغرسها ، فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من
الأمور الخارقة للعادة والظاهر أنها لم تكن لذلك ولو كانت كذلك لما استنكر موسى عليه السلام
صيرورتها ثعباناً فما كان يفرّ منها هارباً ولكن كل ذلك من الأخبار الاسرائيلية وكذلك قول بعضهم أنها
كانت لآدم عليه السلام وفي قول الآخر أنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة .
٤٠٠