Indexed OCR Text
Pages 221-240
سورة النحل الآية - ١٢٦ - ١٢٨ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُمِيِهٌِ وَلَيِنِ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّبِينَ ﴿ وَأَصْبِرْ وَمَاصَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَاتَكُ فِي ضَيْفِ مِّمَا يَمْكُرُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْوَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ (١٢٨ قوله عزوجل: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عُوقبتم به﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها نزلت في قتلى أُحُد حين مثلت بهم قريش. واختلف قائل ذلك في نسخه علی قولین. أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ . الثاني: أنها ثابتة غير منسوخة فهذا أحد القولين. والقول الثاني: أنها نزلت في كل مظلوم أن يقتص من ظالمه، قاله ابن سيرين ومجاهد ﴿واصبر﴾ فیه وجهان: أحدهما: اصبر على ما أصابك من الأذى، وهو محتمل. الثاني: واصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عاقبوا من المثلة بقتلى أُحد، قاله الكلبي . ﴿وما صبرك إلا بالله﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وما صبرك إلا بمعونة الله. = ابن عباس مرفوعاً رواه الديلمي بسند ضعيف كما قال صاحب اللآلىء ونقله عنه صاحب كشف الخفا (١ / ١٩٦) وقال السيوطي مبيناً سبب ضعفه: في إسناده مجهول. وضعفه جدا السخاوي أيضاً في المقاصد ونقل عن الحافظ ابن حجر نسبته للحسن بن سفيان كما رواه أبو الحسن التميمي وهو من الحنابلة في کتاب العقل له وقال صاحب کشف الخفا «وله - أي للحديث - شاهد من حديث سعيد بن المسيب مرسلاً بلفظ إنا معشر الأنبياء أمرنا وذكره .. رواه في الغنية الشيخ عبد القادر قدس سره بلفظ أمرنا معاشر الأنبياء أن نحدّث الناس على قدر عقولهم أهـ. ويغني عن هذا الضعيف ما ورد موقوفاً بسند صحيح. عن علي رضي الله عنه قال ((حدثوا الناس بما يعرفونه أتحبون أنه يكفر بالله ورسوله؟)) ذكره البخاري معلقاً ورواه الخطيب في الجامع (٢ / ١٠٨). وثبت عن ابن مسعود قوله ((ما أنت بمحدّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)» رواه مسلم في مقدمة صحيحه. ٢٢١ سورة النحل الآية - ١٢٦ - ١٢٨ الثاني : وما صبرك إلا لوجه الله. ﴿ولا تحزن علیھم﴾ فیه وجهان : أحدهما: إن لم يقبلوا. الثاني: إن لم يؤمنوا. ﴿ولا تك في ضيقٍ مما يمكرون﴾ قرأ ابن كثير ﴿ضيق﴾ بالكسر وقرأ الباقون بالفتح. وفي الفرق بينهما قولان: أحدهما: أنه بالفتح ما قل، وبالكسر ما كثر، قاله أبو عبيدة. الثاني : أنه بالفتح ما كان في الصدر، وبالكسر ما كان في الموضع الذي يتسع ويضيق، قاله الفراء. قوله عزوجل: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ اتقوا يعني فيما حرم الله عليهم. والذين هم محسنون فيما فرضه الله تعالى، فجمع في هذه الآية اجتناب المعاصي وفعل الطاعات. وقوله : ﴿مع الذين اتقوا﴾ أي ناصر الذين اتقوا. وقال بعض أصحاب الخواطر: من اتقى الله في أفعاله أحْسَنَ إليه في أحواله، والله أعلم . ٢٢٢ سورة الإسراء الآية - ١ بهـ نُورَةُ الأَسْرَائِ آياتها مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثماني آيات من قوله تعالى ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ الى قوله ﴿سلطاناً نصيراً﴾. بِسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيةِ سُبْحَنَ الَّذِىَ أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًامِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ ءَدِنَآ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ! قوله عزوجل: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ أما قوله ﴿سبحان﴾ ففيه تأويلان: أحدهما: تنزيه الله تعالى من السوء، وقيل بل نزه نفسه أن يكون لغيره في إسراء عبده تأثیر. الثاني: معناه برأه الله تعالى من السوء، وقد قال الشاعر: (٣٦٠) أقول لمّا جاءني فَخْرُه سبحان مِنْ علقمةَ الفاخِر وهو ذكر تعظيم لله لا يصلح لغيره، وإنما ذكره الشاعر على طريق النادر، وهو (٣٦٠) هو الأعشى والبيت في ديوانه: ١٤٣، مقاييس اللغة (١٢٥/٣)، أمالي ابن الشجري (٣٤٧/١) (٥٠/٢) خزانة الأدب (٤١/٢) (٢٥١/٣)، مجالس ثعلب (٢٦٠/١) الكتاب (١٦٣/١) معاني القرآن (١ / ٥٧). ٢٢٣ سورة الإسراء الآية - ١ من السبح في التعظيم وهو الجري فيه إلى أبعد الغايات. وذكر أبان بن ثعلبة أنها كلمة بالنبطية ((شبهانك)). وقد ذكر الكلبي ومقاتل: إن ﴿سبحان﴾ في هذا الموضع بمعنى عجب، وتقدير الآية: عجب من الذي أسرى بعبده ليلاً، وقد وافق على هذا التأويل سيبويه وقطرب، وجعل البيت شاهداً عليه، وأن معناه عجبٌ من علقمة الفاخر. ووجه هذا التأويل أنه اذا كان مشاهدة العجب سبباً للتسبيح صار التسبيح تعجباً فقيل عجب، ومثله قول بشار: تلقي بتسبيحةٍ مِنْ حيثما انصرفت وتستفزُّ حشا الرائي بإرعاد وقد جاء التسبيح في الكلام على أربعة أوجه: أحدها: أن يستعمل في موضع الصلاة، من ذلك قوله تعالى: ﴿فلولا أنه كان من المسبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] أي من المصلين. الثاني: أن يستعمل في الاستثناء، كما قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ [القلم: ٢٨] أي لولا تستثنون. الثالث: النور، للخبر المروي عن رسول الله وَ الل أنه قال(٣٦١) ((لأحرقت سبحات وجهه» أي نور وجهه . الرابع: التنزيه، روي عن النبي ◌َّلي أنه سئل عن التسبيح (٣٦٢) فقال: ((تنزيه الله تعالى عن السوء)). وقوله تعالى: ﴿أسرى بعبده﴾ أي بنبيه محمد رَّه، والسُّرى: سير الليل، قال الشاعر (٣٦٣) : وليلة ذات ندَّى سَرَيت ولم يلتني مِنْ سُراها ليت وقوله ﴿من المسجد الحرام﴾ فيه قولان: (٣٦١) جزء من حديث رواه مسلم رقم ١٧٩ في الإيمان باب قوله عليه السلام: إن الله لا ينام من)) حديث أبي موسى الأشعري . (٣٦٢) رواه الطبري (٢/١٥) بسنده عن موسى بن طلحة عن النبي ثم أنه سئل عن التسبيح فذكره وهو هكذا مرسل وفي روح المعاني (٣/١٥) نقل أن الذي سأل هو طلحة فقال الآلوسي: ففي العقد الفريد عن طلحة قال سألت رسول الله (زيتلتر . (٣٦٣) هو رؤبة بن العجاج والبيت في اللسان (ليت) والطبري (٢/١٥). ٢٢٤ سورة الإسراء الآية - ١ أحدهما: يعني من الحرم، والحرم كله مسجد. وكان ◌َّ حين اسرى به نائماً في بيت ام هانىء بنت أبي طالب، روى ذلك أبو صالح عن أم هانىء (٣٦٤). الثاني : أنه أسری به من المسجد، وفيه کان حین أسری به روی ذلك أنس بن مالك (٣٦٥). ثم اختلفوا في كيفية إسرائه على قولين: أحدهما: أنه أسريَ بجسمه وروحه (٣٦٦)، روى ذلك ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو هريرة وحذيفة بن اليمان . واختلف قائلو ذلك هل دخل بيت المقدس وصلى فيه أم لا، فروى أبو هريرة أنه صلى فيه بالأنبياء (٣٦٧) ، ثم عرج به إلى السماء، ثم رجع به الى المسجد الحرام فصلى فيه صلاة الصبح من صبيحة ليلته. وروى حذيفة بن اليمان (٣٦٨) أنه لم يدخل بيت المقدس ولم يُصلّ فيه ولا نزل عن البراق حتی عرج به، ثم عاد إلى ملكه. والقول الثاني: أن النبي ◌َلير أسري بروحه ولم يسر بجسمه، روى ذلك عن عائشة رضي الله عنها قالت (٣٦٩): ما فُقِدَ جَسَدُ رسول الله وََّ، ولكن الله أسرى بروحه . وروى عن معاوية قال: (٣٧٠) كانت رؤيا من الله تعالى صادقة، وكان الحسن (٣٦٤) وحديثها رواه الطبري (٢/١٥) وفي سنده محمد بن السائب الكلبي وهو متروك ساقط قال الهيثمي في المجمع (٧٦/١) رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور وهو متروك كذاب. (٣٦٥) رواه مسلم (١٤٩/١) والطبري (٣/١٥) وقد جمع الحافظ ابن حجر من هذه الروايات بأنه وهلهو كان نائماً في بيت أم هانىء ثم أتاه الملكان فأيقظاه وأخذاه إلى الحطيم بجوار زمزم ثم توليا شق صدره وغسل قلبه وإيداع الحكمة والإيمان فيه. (٣٦٦) وهو الصواب وعليه الجمهور من السلف والخلف راجع الشفا للقاضي عياض (٢٦٩/٢) والسيرة لابن کثیر (١٠٤/٢). (٣٦٧) رواه مسلم (١ /١٥٧) وهذا القول هو الصواب. (٣٦٨) رواه الطبري (١٥/١٥). (٣٦٩) رواه ابن إسحاق في السيرة (٢ /٣٠٤). وهذا باطل لأن عائشة لم تكن زوجته يومها . (٣٧٠) ما عليه جمهور المسلمين أن الإسراء والمعراج حقيقة ثابتة بالروح والجسد فمن أنكر الإسراء فقد ضلَّ ومن أنكر المعراج فقد فسق. ٢٢٥ سورة الإسراء الآية - ١ يتأول قوله تعالى ﴿وما جَعَلنا الرؤيا التي أريناك إلّ فتنةً للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] أنها في المعراج، لأن المشركين كذبوا ذلك وجعلوا يسألونه عن بيت المقدس وما رأى في طريقه فوصفه لهم، ثم ذكر لهم أنه رأى في طريقه قعباً (٣٧١) مغطى مملوءاً ماء، فشرب الماء ثم غطاه كما كان، ثم ذكر لهم صفة إبل كانت لهم في طريق الشام تحمل متاعاً، وأنها تقدُم يوم كذا مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق (٣٧٢) ؛ فخرجوا في ذلك اليوم يستقبلونها، فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد أشرقت ولم تأت، وقال آخر: هذه والله العير يقدمها جمل أورق كما قال محمد. وفي هذا دليل على صحة القول الأول أنه أسرى بجسمه وروحه(٣٧٣). وقوله تعالى: ﴿الى المسجد الأقصى﴾ يعني بيت المقدس، وهو مسجد سليمان بن داود عليهما السلام. وسمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام. ثم قال تعالى: ﴿الذي بار كنا حوله﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني بالثمار ومجاري الأنهار. الثاني : بمن جعل حوله من الأنبياء والصالحين ولهذا جعله مقدساً. وروى معاذ بن جبل عن النبي ◌َير أنه قال(٣٧٤) ((يقول الله تعالى: يا شام أنت (٣٧١) وهو إناء . (٣٧٢) هو المختلط أبيض وأسود ورمادي اللون. (٣٧٣) وهو الصواب كما سلف. (٣٧٤) ورد مثله من حديث عبدالله بن حوالة الأزدي أنه قال يا رسول الله خرْ لي بلداً أكون فيه فلو أعلم أنك تبقى لم أختر عن قربك شيئاً قال عليك بالشام فلما رأى كراهيتي للشام قال أتدري ما يقول الله في الشام إن الله عز وجل يقول يا شام أنت صفوتي من بلادي أدخل فيك خيرتي من عبادي : - الله قد تكفل لي بالشام وأهله. قال الهيثمي في المجمع (٥٩/١٠) رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح غير صالح بن رستم وهو ثقة اهـ قلت وأشار الهيثمي في المجمع إلى أن أبا داود رواه باختصار قلت وهو في أبي داود رقم (٢٤٨٣) في الجهاد باب في سكنى الشام من حديث عبدالله بن حوالة وفي سياقه اختلاف يسير. وصححه الارناؤوط في جامع الأصول. وأما حديث معاذ فلم أظفر بتخريجه ولكني رأيت في المجمع للهيثمي (٥٩/١٠) عن واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله عليه يقول لحذيفة بن اليمان ومعاذ بن جبل وهما يستشيران في المنزل فأومأً إلى الشام ثم سألاه فأومأ إلى الشام ثم سألاه فأومأ إلى الشام قال عليكما بالشام فإنها صفوة بلاد الله سكنها خيرية من خلقه فمن أبى فليلحق بمنه وليسق من غدره فإن الله تكفل لي بالشام وأهله قال الهيثمي رواه الطبراني بأسانيد كلها ضعيفة. راجع مجمع الزوائد فإنه ذكر أحاديث كثيرة في فضل الشام (١٠ /٥٧ - ٦٠). ٢٢٦ سورة الإسراء الآية - ٣،٢ صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي)). ﴿لنريه من آياتنا﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الآيات التي أراه في هذا المسرى أن أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة، وهي مسيرة شهر. الثاني : أنه أراه في هذا المسرى آيات. وفيها قولان : أحدهما: ما أراه من العجائب التي فيها اعتبار. الثاني: من أري من الأنبياء حتى وصفهم واحداً واحداً. ﴿إنه هو السميع البصير﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه وصف نفسه في هذه الحال بالسميع والبصير، وإن كانتا من صفاته اللازمة لذاته في الأحوال كلها لأنه حفظ رسوله عند إسرائه في ظلمة الليل فلا يضر ألا يبصر فيها، وسمع دعاءه فأجابه إلى ما سأل، فلهذين وصف الله نفسه بالسميع البصير. الثاني: أن قومه كذبوه عن آخرهم بإسرائه، فقال: السميع يعني لما يقولونه من تصديق أو تكذيب، البصير لما يفعله من الإسراء والمعراج. وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِيّ إِسْرَّهِ يلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا جَا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوعٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ٣ قوله عز وجل: ﴿وآتينا موسى الكتاب﴾ يعني التوراة. ﴿وجعلناه هدی لبني إسرائيل﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن موسی هدی لبني اسرائيل. الثاني : أن الكتاب ھدی لبني اسرائيل. ﴿ألّ تتخذوا من دوني وكيلاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: شريكاً، قاله مجاهد. الثاني : يعني ربّاً يتوكلون عليه في أمورهم، قاله الكلبي. الثالث: كفيلاً بأمورهم، حكاه الفراء. ٢٢٧ سورة الإسراء الآية - ٤ - ٨ قوله عزوجل: ﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾ يعني موسى وقومه من بني إسرائيل ذرية من حملهم الله تعالى مع نوح في السفينة وقت الطوفان. ﴿إنّه كان عبداً شكوراً﴾ يعني نوحاً، وفيه قولان: أحدهما: أنه سماه شكوراً لأنه كان يحمد الله تعالى على طعامه، قاله سلمان. الثاني: أنه كان لا يستجد ثوباً إلا حمد الله تعالى عند لباسه، قاله قتادة. ویحتمل وجهین : أحدهما: أن نوحاً كان عبداً شكوراً فجعل الله تعالى موسى من ذريته. الثاني: أن موسى كان عبداً شكوراً إذ جعله الله تعالى من ذرية نوح. وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيَلَ فِ الْكِنَبِ لَنُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُوًّا كَبِيرًا ﴿ فَإِذَاجَاءَ وَعْدُ أُوْلَنْهُمَا بَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ ◌َ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ فَجَاسُوْخِلَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِنَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيْرًا ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمُ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمُ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُاَ لْآَخِرَةِ لِيَسُدُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْ خُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُنَِّرُواْ مَا عَلَوْ اْ تَشْبِيرًا ٧ عَسَى رَبُّكُمْأَنْ يَرَّحَمَكُمْ وَإِنْ عُدُتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا! ٨ قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾. معنى قضينا ها هنا: أخبرنا. (٣٧٥) ويحتمل وجهاً ثانياً: أن معناه حكمنا، قاله قتادة. ومعنى قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾ أي قضينا عليهم. ﴿لتفسدن في الأرض مرتين﴾ الفساد الذي فعلوه قتلهم للناس ظلماً وتغلبهم على أموالهم قهراً، وإخراب ديارهم بغياً. وفيمن قتلوه من الأنبياء في الفساد الأول قولان: (٣٧٥) انظر معاني القضاء ذكرها الحافظ في الفتح (٣٨٩/٨). ٢٢٨ سورة الإسراء الآية - ٤ - ٨ أحدهما : أنه زکریا قاله ابن عباس. الثاني: أنه شعيا (٣٧٦) ، قاله ابن إسحاق، وأن زكريا مات حتف أنفه. أما المقتول من الأنبياء في الفساد الثاني فيحيى بن زكريا في قول الجميع قال مقاتل: وإن كان بينهما مائتا سنة وعشر. ﴿فإذا جاء وعْد أولاهما﴾ يعني أولى المرتين من فسادهم. ﴿بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأسٍ شديدٍ﴾ في قوله بعثنا وجهان: أحدهما: خلينا بينكم وبينهم خذلاناً لكم بظلمكم، قاله الحسن. الثاني : أمرنا بقتالكم انتقاماً منكم. وفي المبعوث عليهم في هذه المرة الأولى خمسة أقاويل: أحدها: جالوت وكان ملكهم طالوت إلى أن قتله داود عليه السلام، قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه بختنصر (٣٧٧) ، وهو قول سعيد بن المسيب. الثالث: أنه سنحاریب (٣٧٨)، قاله سعيد بن جبير. الرابع: أنهم العمالقة وكانوا كفاراً، قاله الحسن. الخامس: أنهم كانوا قوماً من أهل فارس يتجسسون أخبارهم، وهو قول مجاهد. ﴿ ... فجاسوا خلال الديار﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني مشوا وترددوا بين الدور والمساكن، قال ابن عباس وهو أبلغ في القهر. الثاني : معناه فداسوا خلال الديار، ومنه قول الشاعر: إِلَيْكَ جُسْتُ اللَّيْلَ بِالمَطِيِّ الثالث: معناه فقتلوهم بين الدور والمساكن، ومنه قول حسان بن ثابت: فَجَاس بهِ الأَعْدَاءَ عَرْضَ العَسَاكِر(٣٧٩) ومِنَّا الَّذِي لافَى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ (٣٧٦) وخيره مطولاً رواه الطبري (٢٣،٢٢/١٥) واسمه في الكتاب العبراني ((أشعياء بن آموص)). (٣٧٧) وهو ملك من ملوك الكدانيين فتح القدس وأحرقها. وأجلى بني إسرائيل الى مدينة بابل. (٣٧٨) وهو ملك آشور بن سنجور وخليفته حمل على بلاد الكلدانيين واليهود وأرمينية. (٣٧٩) وأنشده الفراء لحسان كما في فتح القدير (٢٠٩/٣)، الطبري (٢٨/١٥). ٢٢٩ سورة الإسراء الآية - ٤ - ٨ الرابع: معناه فتشوا وطلبوا خلال الديار، قاله أبو عبيدة. الخامس: معناه نزلوا خلال الديار، قاله قطرب، ومنه قول الشاعر: فَجُسنا ديارهم عَنْوَةً وأبنا بساداتهم موثَقينا (٣٨٠) قوله عزوجل: ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ يعني الظفر بهم، وفي كيفية ذلك ثلاثة أقاويل : أحدها: أن بني إسرائيل غزوا ملك بابل واستنقذوا ما في يديه من الأسرى والأموال. الثاني: أن ملك بابل أطلق من في يده من الأسرى، وردّ ما في يده من الأموال. الثالث: أنه کان بقتل جالوت حین قتله داود. ﴿وأمددناكم بأموالٍ وبنين﴾ بتجديد النعمة عليهم. ﴿وجعلناكم أكثر نفيراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أكثر عزاً وجاهاً منهم. ... الثاني: أكثر عدداً، وكثرة العدد تنفر عدوهم منهم، قال تُبع بن بكر (٣٨١). فأكرِم بقحْطَانَ مِن وَالِدٍ وحِمْيَرَ أَكْرِمِ بِقَوْمٍ نَفِيراً قال قتادة: فكانوا بها مائتي سنة وعشر سنين، وبعث فيهم أنبياء. قوله عزوجل: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ لأن الجزاء بالثواب يعود إليها، فصار ذلك إحساناً لها. ﴿وإن أسأتُم فلها﴾ أي فإليها ترجع الإساءة لما يتوجه إليها من العقاب، فرغَّب في الإحسان وحذر من الإساءة. ثم قال تعالى: ﴿فإذا جاءَ وَعْدُ الآخرة ليسوعُوا وجوهكم﴾ يعني وعد المقابلة على فسادهم في المرة الثانية. وفيمن جاءهم فيها قولان: أحدهما: بختنصّر، قاله مجاهد. (٣٨٠) فتح القدير (٢٠٩/٣). (٣٨١) روح المعاني (١٩/١٥). ٢٣٠ سورة الإسراء الآية - ١٠،٩ الثاني : أنه انطياخوس(٣٨٢) الرومي ملك أرض(٣٨٣) نينوى، وهو قول مقاتل، وقيل إنه قتل منهم مائة ألف وثمانين ألفاً، وحرق التوراة وأخرب بيت المقدس، ولم يزل على خرابه حتى بناه المسلمون. ﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرّة﴾ يعني بيت المقدس. ﴿وليتبروا ما علوا تتبيراً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه الهلاك والدمار. الثاني : أنه الهدم والإخراب، قاله قطرب. ومنه قول لبید: وما النَّاسُ إِلا عَامِلان فَعَامِلٌ يُتَبِّرُ مَا يَبْنِي وَآخَرُ رَافِعْ قوله عزوجل: ﴿عسى ربُّكم أن يرحمكم﴾ يعني مما حل بكم من الانتقام منكم. ﴿وإن عدتم عدنا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: إن عدتم إلى الإساءة عدنا إلى الانتقام، فعادوا. قال ابن عباس وقتادة: فبعث الله عليهم المؤمنين يذلونهم بالجزية والمحاربة إلى يوم القيامة. الثاني: إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى القبول، قاله بعض الصالحين. ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني فراشاً ومهاداً، قاله الحسن: مأخوذ من الحصير المفترش. الثاني: حبساً يحبسون فيه، قاله قتادة، مأخوذ من الحصر وهو الحبس. والعرب تسمي الملك حصيراً لأنه بالحجاب محصور، قال لبيد: (٣٨٤) جِنَّ لَدَى بَابِ الحَصِيرِ قِيَامُ ومقامَةِ غُلْبِ الرِّقَابِ كَأَنَّهُمْ إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِىِ هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ اَلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّلَهُمْ أَجْرًّا كَبِيرًا ﴿ـ وَ أَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَالَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًاها قوله عزوجل: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ فيها تأويلان: (٣٨٢) وفي الدر المنثور (٢٤٣/٥) ((ايطنا نحوس)) وفي الطبري (٢٢/١٥) ابطيانحوس. (٣٨٣) والتي منها نبي الله يونس على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام كما أخبره بذلك الصادق المصدوق. (٣٨٤) ديوانه (٢٩) وفيه ((طرف الحصير)) ومجاز القرآن ص ٣٧١ واللسان قوم والطبري (٤٥/١٥). ٢٣١ سورة الإسراء الآية - ١٢،١١ أحدهما: شهادة أن لا إله إلا الله، قاله الكلبي والفراء. الثاني : ما تضمه من الأوامر والنواهي التي هي أصوب، قاله مقاتل. وَيَدْعُ آلْإِنِسَنُ بِالشَّرِّدُ عَ هُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَنُ عَجُولً = قوله عز وجل: ﴿ويدعو الإنسان بالشر دُعاءَه بالخير﴾ فيه وجهان من التأويل: أحدهما: أن يطلب النفع في العاجل بالضر العائد عليه في الآجل. الثاني: أن يدعو أحدهم على نفسه أو ولده بالهلاك، ولو استجاب دعاءه بهذا الشر كما استجاب له بالخير لهلك. ﴿وکان الإنسان عجولاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: عجولاً في الدعاء على نفسه وولده وما يخصه، وهذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد. الثاني : أنه عنی آدم حین نفخ فيه الروح، حتى بلغت الی سُرّته فأراد أن ینهض عجلاً، وهذا قول إبراهيم والضحاك. وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَءَ ايَنَيْنِ فَمَحَوْنَاءَايَةَ أَيْلِ وَحَعَلْنَآءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْعَدَدَ السِّينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَّلْتَهُ ١٢ تَفْصِيلًا قوله عزوجل: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها ظلمة الليل التي لا نبصر فيها الطرقات كما لا نبصر ما محي من الكتاب، وهذا من أحسن البلاغة، وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: أنها اللطخة السوداء التي في القمر، وهذا قول علي وقتادة ليكون ضوء القمر أقل من ضوء الشمس فیمیز به الليل من النهار. ﴿وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها الشمس مضيئة للأبصار. الثاني : موقظة . ٢٣٢ سورة الإسراء الآية - ١٣، ١٤ وَكُلَّ إِنْسَنِ أَلْزَمْنَهُ طَبِرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُيَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَتُهُ مَنْشُورًا ١٤ أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ١٣ قوله عز وجل: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ فيه قولان: أحدهما: ألزمناه عمله من خير أو شر (٣٨٥) مثل ما كانت العرب تقوله سوانح الطير وبوارحه. والسانح: (٣٨٦) الطائر يمر ذات اليمين وهو فأل خير، والبارح: الطائر يمر ذات الشمال وهو فأل شر، وأضيف إلى العنق(*) .. الثاني: أن طائره حظه ونصيبه، من قول العرب: طار سهم فلان إذا خرج سهمه ونصیبه منه، قاله أبو عبيدة . ﴿ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً﴾ يعني كتاب طائره الذي في عنقه من خير أو شر. ويحتمل نشر كتابه الذي يلقاه وجھین : أحدهما: تعجيلاً للبشرى بالحسنة، والتوبيخ بالسيئة. الثاني : إظهار عمله من خير أو شر. ﴿آقرأ كتابك﴾ یحتمل وجھین: أحدهما: لما في قراءته من زيادة التقريع والتوبيخ. والثاني : ليكون إقراره بقراءته على نفسه. کفی بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني شاهداً. والثاني: يعني حاكماً بعملك من خير أو شر. ولقد أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك بعملك (٣٨٧) . (٣٨٥) وقد ورد حديث مرفوع في ذلك من حديث جابر مرفوعاً في تفسير قوله: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ قال سمعت رسول الله * يقول ((طائر كل إنسان في عنقه)) رواه أحمد (٣٤٢/٣، ٣٤٩، ٣٦٠) وفي سنده ابن لهيعة وعنعنه ابن الزبير لكن توبع كما عند ابن جرير (٣٩/١٥) والحديث صححه الألباني في السلسلة برقم ١٩٠٧ . (٣٨٦) وكانوا يتشائمون بها في الجاهلية. (*) هنا عبارة مطموسة بالأصل. (٣٨٧) هنا عبارة مطموسة في الأصل قلت ولعلها ((قاله الحسن)) فإن هذا القول الذي ساقه المؤلف هنا جزء من قول الحسن بل من أحسن كلام الحسن كما قال الحافظ ابن كثير (٥٨/٣). ٢٣٣ سورة الإسراء الآية - ١٥ مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَايَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ ١٥ أُخْرَىُ وَمَا كُنَامُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا قوله عزوجل: ﴿مَن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه﴾ يعني لما يحصل له من ثواب طاعته . ﴿ومَن ضلّ فإنما يضل عليها﴾ يعني لما يحصل عليه من عقاب معصيته. ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. الثاني : لا يجوز لأحد أن يعصى لمعصية غيره. الثالث: لا يأثم أحد بإثم غيره. ويحتمل رابعاً: أن لا يتحمل أحد ذنب غيره ويسقط مأثمه عن فاعله. ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ فیه وجهان: أحدهما: وما كنا معذبين على الشرائع الدينية حتى نبعث رسولاً مبيناً، وهذا قول من زعم أن العقل تقدم الشرع (٣٨٨). الثاني: وما كنا معذبين على شيء من المعاصي حتى نبعث رسولاً داعياً، وهذا قول من زعم أن العقل والشرع جاءا معاً (٣٨٩). وفي العذاب وجهان: أحدهما: عذاب الآخرة. وهو ظاهر قول قتادة. الثاني: عذاب الاستئصال في الدنيا، وهو قول مقاتل (٣٩٠). (٣٨٨) وهو قول المعتزلة وقد ترتب على هذا القول أن العبد معاقب قبل ورود الشرع استناداً إلى أن العقل یحسن ويقبح . (٣٨٩) قال ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة (٣٩/٢) والتحقيق أن سبب العذاب قائم قبل البعثة ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله لأن هذا السبب قد نصب الله تعالى له شرطاً وهو بعثه الرسل وانتفاء التعذيب قبل البعثة هو لانقضاء شرطه لا لعدم سببه ومقتضيه . وقال في (٨/٢) ((وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم أن القبح ثابت للعقل في نفسه وأن لا يعذب عليه إلا الله بعد إقامة الحجة بالرسالة وهذه النكتة هي التي فاتت المعتزلة والكلابية كليهما فاستطالت كل طائفة منها على الأخرى لعدم جمعهما بين هذين الأمرين)). (٣٩٠) ولا مانع من حمل الآية على نفي العذاب الدنيوي والأخروي ونقله الشوكاني في فتح القدير عن طائفة = ٢٣٤ سورة الإسراء الآية - ١٦ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرِّيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبَهَا فَفَسَقُواْ فِهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا قوله عز وجل: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها .. ) الآية في قوله ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه إذا أردنا أن نحكم بهلاك قرية. والثاني : معناه وإذا أهلكنا قرية، وقوله ﴿أردنا﴾ صلة زائدة كهي في قوله تعالى: جداراً يريد أن ينقض﴾ [الكهف: ٧٧]. الثالث: أنه أراد بهلاك القرية فناء خيارها وبقاء شرارها. ﴿أمرنا مترفيها﴾ الذي عليه الأئمة السبعة من القراء أن أمرنا مقصور مخفف، وفيه وجهان : . أحدهما: أمرنا مترفيها بالطاعة (٣٩١)، لأن الله تعالى لا يأمر إلا بها، ﴿ففسقوا فيها﴾ أي فعصوا بالمخالفة، قاله ابن عباس. الثاني: معناه: بعثنا مستكبريها، قاله هارون، وهي في قراءة أبيٍّ: بعثنا أكابر مجرمیھا . وفي قراءة (٣٩٢) ثانية ﴿أمّرنا مترفيها﴾ بتشديد الميم، ومعناه جعلناهم أمراء مسلطين، قاله أبو عثمان النهدي . وفي قراءة ثالثة ﴿آمَرْنا مُترفيها﴾ ممدود، ومعناه أكثرنا عددهم، من قولهم آمر = من أهل العلم (٢١٤/٣) وهاك نص عبارته ((والظاهر أنه لا يعذبهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل وبه قالت طائفة من أهل العلم وذهب الجمهور إلى أن المنفي هنا هو عذاب الدنيا لا عذاب الآخرة )). (٣٩١) وقد قدر بعضهم أمرنا بالطاعة فعصونا وفسقوا فيها لكن قال ابن القيم في شفاء العليل ص ٤٨ ((لا حاجة إلى تكلف تقدير أمرنا مترفيها بالطاعة فعصونا وفسقوا فيها بل الأمر ههنا أمر تكوين وتقدير لا أمر تشريع لوجوه احدها أن المستعمل في مثل هذا التركيب أن يكون ما بعد الفاء هو المأمور به كما تقول امرته فقام وأمرته فأكل كما لو صرح بلفظه أفعل كقوله تعالى ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا﴾ وهذا كما تقول دعوته فأقبل وقال تعالى ﴿يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده﴾ والثاني أن الأمر بالطاعة لا يخص المترفين فلا يصح حمل الآية عليه بل تسقط فائدة ذكر المترفين فإن جميع المبعوث إليهم مأمورون بالطاعة فلا يصح أن يكون أمر المترفين على إهلاك جميعهم الثالث. (٣٩٢)، وهي قراءة أبي العالية والنخعي والجحدري زاد المسير (١٩/٥). ٢٣٥ سورة الإسراء الآية - ١٧ - ١٩ القوم إذا كثروا، لأنهم مع الكثرة يحتاجون إلى أمير يأمرهم وينهاهم. ومنه قول. النبي ويلي (٣٩٣)(خير المال مهرة مأمورة أو سُكة مأبورة)). (٣٩٤) أي كثيرة النسل، وقال لبید : إن يغبطوا يهبطوا وإن أمِروا يوماً يصيروا إلى الإهلاك والنكد وهذا قول الحسن وقتادة. وفي ﴿مترفيها﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: جباروها(*)، قاله الحسن. الثاني : رؤساؤها، قاله علي بن عيسى . الثالث: فساقها، قاله مجاهد. (٣٩٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ١٧ مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَانَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنهَا مَذْهُوْمًا مَّدْ حُورًالَ وَ مَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأَوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا! ١٩ قوله عزوجل: ﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نُوح﴾ واختلفوا في مدة القرن على ثلاثة أقاويل : أحدها: أنه مائة وعشرون سنة، قاله عبدالله بن أبي أوفى . الثاني: أنه مائة سنة، قاله عبدالله بن بُسْر المازني (٣٩٦). (٣٩٣) رواه أحمد (٤٦٨/٣) والبغوي (٣٨٧/١٠) والطبراني كما في المجمع (٢٥٨/٥) وحديث سويد بن هبيرة التابعي قال الهيثمي رجال أحمد ثقات وقد صحح الحديث العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة برقم. بل ضعفه في ضعيف الجامع لإرساله. (٣٩٤) سكه مأبورة: هي الطريقة المصطفة المستوية من النخل والمأبورة التي قد أبرت ونقحت وسميت الأزقة سككاً لاصطفاف الدور فيها شرح السنة للبغوي (١٠ / ٣٨٧). (٣٩٥) ديوانه ص ١٩ وفي الشطر الثاني ((للملك والنكد)) والطبري (٥٦/١٥) وفيه (للقل والنكد)) وفي فتح القدير للشوكاني (٢١٤/٣) للهلاك والفند. (*) وفي نسخه للمخطوطة قال الطبري. (٣٩٦) وقد رواه مرفوعاً إلى رسول الله صل كما رواه الطبري (٥٨/١٥). ٢٣٦ سورة الإسراء الآية - ٢٠ - ٢٤ الثالث: أنه أربعون سنة، روى ذلك محمد بن سيرين عن النبي وَطِّ . كُلَّا تُمِّدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْطُورًا (٥) أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا ٢١ قوله عز وجل: ﴿كُلَا ثُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربِّكَ﴾ يعني البر والفاجر من عطاء ربك في الدنيا دون الآخرة. ﴿وما كان عطاء ربك محظوراً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: منقوصاً، قاله قتادة. (٣٩٧) الثاني : ممنوعاً، قاله ابن عباس. لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللهِإِلَهَاءَ اخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْهُومًا تَّخْذُولًا (٣)﴾ وَقَضَى رَبُّكَ أَلََّ تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِآلْوَ لِدَيْنِ إِحْسَنَّأْ إِمَا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُ هُمَا أَوْكَلَا هُمَا فَلاَ تَقُل لَّمَا أُفٍ وَلَا نَتْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [®] وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَرَبَيَانِى صَغِيرًا @ قوله عزوجل: ﴿وقضى ربُّك ألا تعبدوا إلّا إياه﴾ معناه وأمر ربك، قاله ابن عباس والحسن وقتادة. وكان ابن مسعود وأبيّ بن كعب يقرآن ﴿ووصى ربك﴾ قاله الضحاك (٣٩٨)، وكانت في المصحف: ﴿ووصى ربك﴾ لكن ألصق الكاتب الواو فصارت ﴿وقضى ربك﴾ . (٣٩٧) وهو من مرسلات ابن سيرين رحمه الله رواه الطبري (٥٨/١٥) (٣٩٨) ولكن هذا الأثر لم يصح عن الضحاك فقد رواه ابن جرير (٦٣/١٥) وفي سنده أبو إسحاق الكوفي وهو عبدالله بن ميسرة الحارثي ضعفه ابن معين وأحمد بن حنبل والنسائي والدارقطني وقال ابن أبي حاتم ليس بشيء وقال ابن حيان لا يحل الاحتجاج بخبره وهشيم الراوي عن ابن إسحاق ثقة مدلس وقد عنعن هنا. قلت وقد ورد عن ابن عباس مثل ما ورد عن الضحاك لكن قال العلامة الألوسي في روح المعاني وهذا إن صح عجيب من ابن عباس ولاندفاع المحذور يحمل القضاء على الأمر ولا أقل ... الخ (٢٧٤/١٥). قال الحافظ في الفتح (٣٨٩/٨) وتفسير ﴿قضى ربك ألا تعبدوا﴾ بمعنى وصى منقول من مصحف = ٢٣٧ سورة الإسراء الآية - ٢٥ ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ معناه ووصى بالوالدين إحساناً، يعني أن يحسن إليهما بالبر بهما في الفعل والقول. ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما﴾ فیه وجهان: أحدهما: يبلغن كبرك وكمال عقلك. الثاني : يبلغان كبرهما بالضعف والهرم. ﴿فلا تقل لهما أفٍّ﴾ يعني حين ترى منهما الأذى وتميط عنهما الخلا، وتزيل عنهما القذی فلا تضجر، كما كانا يميطانه عنك وأنت صغير من غير ضجر. وفي تأويل ﴿أف﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كل ما غلظ من الكلام وقبح، قاله مقاتل. الثاني: أنه استقذار الشيء وتغير الرائحة، قاله الكلبي . الثالث: أنها كلمة تدل على التبرم والضجر، خرجت مخرج الأصوات المحكية. والعرب تقول أف وتف، فالأف وسخ الأظفار، والتّف ما رفعته من الأرض بيدك من شيء حقیر. ﴿وقل لهما قولا كريماً﴾ فیه وجهان: أحدهما: ليناً. والآخر: حسناً. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية والآية التي بعدها في سعد بن أبي وقاص. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِنِ تَكُونُواْ صَِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا ٢٥ قوله عز وجل: ﴿ ... إنه كان للأوّابين غفوراً﴾ فيهم خمسة (٣٩٩) أقاويل: أحدها: أنهم المحسنون، وهذا قول قتادة. = أبي بن كعب أخرجه الطبري أيضاً (٦٢/١٥) وأخرجه أيضاً (٦٢/١٥) من طريق قتادة قال هي في مصحف ابن مسعود ووصى ومن طريق مجاهد في قوله وقضى قال وأوصى ومن طريق الضحاك أنه قرأ ووصى قال ألصقت الواو بالصاد فصارت قافاً فقرئت وقضى كذا وقال واستنكروه منه. (٣٩٩) وزاد ابن الجوزي في زاد المسير (٢٦/٥) خمسة أوجه أخرى. ٢٣٨ سورة الإسراء الآية - ٢٦ - ٣٠ والثاني: أنهم الذين يصلّون بين المغرب والعشاء، وهذا قول ابن المنكدر(٤٠٠) يرفعه . الثالث: هم الذين يصلون الضحى، وهذا قول عون العقيلي. والرابع: أنه الراجع عن ذنبه الذي يتوب، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد. والخامس: أنه الذي يتوب مرة بعد مرة، وكلما أذنب بادر بالتوبة وهذا قول سعيد بن المسيب. وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّالْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا () وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا! ٢٨ قوله عز وجل: ﴿وإما تعرضَنَّ عنهم ابتغاء رحمةٍ من ربّك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه إذا أعرضت عمن سألك ممن تقدم ذكره لتعذره عندك ﴿ابتغاء رحمة من ربك ترجوها﴾ أي انتظاراً للرزق منه ﴿فقل لهم قولاً ميسوراً﴾ أي عِذْهم خيراً ورد عليهم رداً جميلاً، وهذا قول الحسن ومجاهد. الثاني: معناه إذا أعرضت عمن سألك حذراً أن ينفقه في معصية فمنعته ابتغاء رحمة له فقل لهم قولاً ميسوراً، أي ليناً سهلاً، وهذا قول ابن زيد. وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوْلَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرُ أَبَصِيدً الـ ٣ قوله عز وجل: ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ أي ويقتر ويقلل. ﴿إنه كان بعباده خبيراً بصيراً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: خبيراً بمصالحهم بصيراً بأمورهم. والثاني : خبيراً بما أضمروا بصيراً بما عملوا. (٤٠٠) لكنه مرسل كما تری ورواه ابن جرير (٦٩/١٥). ٢٣٩ سورة الإسراء الآية - ٣١ - ٣٣ وَلَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْفًا كَبِيرًا ٣٢ وَلَ نَقْرَبُوْ اُلزِنَّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ٣١ قوله عزوجل: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ﴾ يعني وأد البنات أحياء خيفة الفقر. ﴿نحن نرزقهم وإياكُم إنّ قتلهم كان خطئاً كبيراً﴾. والخِطءُ العدول عن الصواب بعمد، والخطأ العدول عنه بسهو، فهذا الفرق بين الخِطْءِ والخطأ، وقد قال الشاعر (٤٠١): الخِطْءُ فاحشةٌ والبِرُّ نافِلةٌ كَعَجْوةٍ غرسَتْ في الأرض تؤتَبِرُ الثاني: أن الخطء ما كان إثماً، والخطأ ما لا إثم فيه، وقرأ الحسن خطاء بالمد(٤٠٢). وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّ بِالْحَقُّ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ، ٣٣ سُلْطَنَا فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا قوله عز وجل: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله إلَّا بالحق﴾ يعني إلا بما تستحق به القتل. ﴿وَمَن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه القود، قاله قتادة. الثاني: أنه الخيار بين القود أو الدية أو العفو، وهذا قول ابن عباس والضحاك. الثالث: فقد جعلنا لوليه سلطاناً ينصره وينصفه في حقه. ﴿فلا يُسْرِف في القتل﴾ فيه قولان: أحدهما: فلا يسرف القاتل الأول في القتل تعدياً وظلماً، إن وليّ المقتول كان منصوراً، قاله مجاهد. الثاني : فلا يسرف وليّ المقتول في القتل. (٤٠١) الطبري (٧٩/١٥) ولم ينسبه. (٤٠٢) وهي قراءة ابن كثير كما في المبسوط ص ٤٦٨ . ٢٤٠