Indexed OCR Text
Pages 141-160
سورة إبراهيم الآية - ٤٤ - ٤٦
الثاني: رافعي رؤوسهم، وإقناع الرأس رفْعُه، قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه
قول الشاعر:
أنغض رأسه نحوي وأقنعا كأنما أبصَرَ شيئاً أطمعًا (٢٤٧)
﴿لا يرتد إليهم طرفهم﴾ أي لا يرجع إليهم طرفهم، والطرف هو النظر وسميت
العَیْن طرفاً لأنها بها یکون، قال جميل:
وأَقْصِرُ طَرْفِي دُون جُمْل كرامةً لجُمْلٍ وللطرْفِ الذي أنا قاصِر
﴿وأفئدتهم هواءً﴾ والمراد بالأفئدة مواضع القلوب، وهي الصدور.
وقوله : ﴿هواء﴾ فيه أربعة تأويلات:
أحدها: أنها تتردد في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه فكأنها تهوي، قاله
سعید بن جبير ومجاهد.
الثاني: أنها قد زالت عن أماكنها حتى بلغت الحناجر، فلا تنفصل ولا تعود،
قاله قتادة .
الثالث: أنها المتخرمَة التي لا تعي شيئاً، قاله مُرّة.
الرابع : أنها خالية من الخیر، وما کان خالياً فهو هواء، قاله ابن عباس ومنه قول
حسان (٢٤٨):
ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنتَ مُجَوَّف نخب هواء
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْرَبَّنَا أَخِرِينَآ إِلَى أَجَلِ
فَرِيبٍ تُحِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّحِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْأَفْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ مَا
لَكُمْ مِّنْ زَوَالِ هَا وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ
وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ اْلْأَمْثَالَ (٥) وَقَدْ
(٢٤٧) الطبري (١٣ / ٢٣٨) والقرطبي (٩/ ٣٧٧) فتح القدير (٣/ ١١٥).
(٢٤٨) ديوانه: ٧ والطبري (١٣ / ٢٤١) والقرطبي (٩/ ٣٧٧) واللسان (هوا) (جوف) مجاز القرآن (١/
٣٤٤).
١٤١
سورة إبراهيم الآية - ٤٦
مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ
مِنْهُ الْجِبَالُ
٤٦
قوله عز وجل: ﴿وأنذر النّاس يَوْمَ يأتيهم العذاب﴾ معناه وأنذرهم باليوم الذي
يأتيهم فيه العذاب، يعني يوم القيامة. وإنما خصه بيوم العذاب وإن كان يوم الثواب
أيضاً لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعاصي وإن تضمن ترغيباً للمطيع .
﴿فيقول الذين ظلموا ربّنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرُّسل﴾
طلبوا رجوعاً إلى الدنيا حين ظهر لهم الحق في الآخرة ليستدركوا فارط ذنوبهم،
وليست الآخرة دار توبة فتقبل توبتهم، كما ليست بدار تكليف فيستأنف تكليفهم.
فأجابهم الله تعالى عن هذا الطلب فقال:
﴿أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوالٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ما لكم من انتقال عن الدنيا إلى الآخرة، قاله مجاهد.
الثاني : ما لكم من زوال عن العذاب، قاله الحسن.
قوله عز وجل : ﴿وقد مکروا مکرهم﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه عنی بالمكر الشرك، قاله ابن عباس.
الثاني: أنه عنى به العتو والتجبّر، وهي فيمن تجبر في ملكه وصعد مع
النسرين (٢٤٩) في الهواء، قاله علي رضي الله عنه. وقال ابن عباس: هو النمرود بن
كنعان بن سنحاريب بن حام بن نوح بنى الصرح في قرية الرس من سواد الكوفة ،
وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعاً
وصعد منه مع النسور، فلما علم أنه لا سبيل إلى السماء اتخذه حصناً وجمع فيه أهله
وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصرح عليهم، فهلكوا
جميعاً، فهذا معنى قوله ﴿وقد مكروا مكرهم﴾ .
(٢٤٩) وهو النمرود وهذه القصة التي ذكرت هنا من الإسرائيليات وكر عليها العلامة أبو بكر ينعى العرب
بالبلاء ونقله الألوسي وارتضاه في روح المعاني (١٣ / ٢٥٢) وقال «وقد شاع ذلك في أخبار القصاص
وخبرهما (أي خبر النسرين) واقع عن درجة القبول ولو طاروا إلى النسر الطائر ومثل ذلك فيما أرى خبر
المتهمة)).
١٤٢
سورة إبراهيم الآية - ٤٧، ٤٨
﴿وعند الله مكرهم﴾ فیه وجهان:
أحدهما: وعند الله مكرهم عالماً به لا يخفى عليه، قاله علي بن عيسى.
الثاني: وعند الله مكرهم محفوظاً عليهم حتى يجازيهم عليه، قاله الحسن
وقتادة.
﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ فيه قراءتان.
إحداهما: بكسر اللام الأولى (٢٥٠) وفتح الثانية، ومعناها وما كان مكرهم لتزول
منه الجبال، احتقاراً له، قاله ابن عباس والحسن.
الثانية: بفتح اللام الأولى وضم الثانية (٢٥١)، ومعناها وإن كان مكرهم لتزول
منه الجبال استعظاماً له. قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود
وعبدالله بن عباس وأبيّ بن كعب رضي الله عنهم ﴿وإن كاد مكرهم لتزول منه
الجبال﴾ .
وفي ﴿الجبال﴾ التي عنى زوالها بمكرهم قولان:
أحدهما: جبال الأرض.
الثاني: الإسلام(٢٥٢) والقرآن، لأنه لثبوته، ورسوخه كالجبال.
فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ: إِنَّاللَّهَ عَزِيزٌ ذُوْ آنِقَامِ {أَيَوْمَ تُبَدَّلُ
اْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُ واْلِلَّهِالْوَاحِدِ الْقَهَّارِ
٤٨
قوله عز وجل : ﴿یوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنها تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة، لم تعمل عليها خطيئة، قاله
ابن مسعود. وقال ابن عباس: تبدل الأرض من فضة بيضاء.
الثاني : أنها هي هذه الأرض، وإنما تبدل صورتها ويطهر دنسها، قاله الحسن.
﴿السمواتُ﴾ فيها ستة أقاويل:
(٢٥٠) وهي قراءة الأكثرية والمراد أن مكرهم أوهن وأضعف راجع زاد المسير (٤ / ٣٧٤).
(٢٥١) وهي قراءة الكسائي أراد قد كادت الجبال تزول من مكرهم كذلك فسرها ابن الأنباري كما نقله ابن
· الجوزي في زاد المسير (٤ / ٣٧٤).
(٢٥٢) وتعقب الألوسي هذا القول (١٣ / ٢٥٢) والقول الأول هو الأرجح وهو قول الجمهور.
١٤٣
سورة إبراهيم الآية - ٤٩ - ٥١
أحدها: أن السموات تبدل بغيرها كالأرض فتجعل السماء من ذهب، والأرض
من فضة، قاله علي بن أبي طالب.
الثاني: أن السموات تبدل بغيرها كالأرض، فتصير السموات جناناً والبحار
نيراناً وتبدل الأرض بغيرها، قاله كعب الأحبار.
الثالث: أن تبدیل السموات تکویر شمسها وتكاثر نجومها، قاله ابن عیسی .
الرابع: أن تبديلها أن تطوى كطي السجل للكتب، قاله القاسم بن يحيى.
الخامس: أن تبديلها أن تنشق فلا تظل، قاله ابن شجرة.
السادس: أن تبديلها اختلاف أحوالها، تكون في حال كالمهل (٢٥٣)، وفي حال
كالوردة(٢٥٤)، وفي حال كالدهان، حكاه ابن الأنباري .
﴿وبرزوا لله الواحد القهار﴾ أي صاروا إلى حكم الله تعالى وأمره فروى
الحسن (٢٥٥) قال: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله يوم تبدَّل الأرض غير
الأرض أين الناس يومئذٍ؟ قال ((إن هذا الشيء ما سألني عنه أحد ثم قال على الصراط
يا عايشة)).
سَرَابِلُهُمْ مِّن قَطِرَانٍ
٤٩
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَبِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى الْأَصْفَادِ
وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ثَالِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
٥١
الْحِسَابِ
قوله عز وجل : ﴿وتری المجرمین یومئذٍ مقرنین في الأصفاد﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن الأصفاد الأغلال، واحدها صفد، ومنه قول حسان (٢٥٦):
ما بين مأسورٍ يشد صِفادُهُ صقرٍ إذا لاقى الكريهة حامي
(٢٥٣) كما في قوله تعالى ﴿يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن﴾.
(٢٥٤) كما في قوله ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة کالدهان فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾
(٢٥٥) رواه الطبري (١٣/ ٢٥٣) واللفظ له وأحمد كما أشار ابن كثير في تفسيره (٢ / ٥٤٣) وله طريق أخرى
عن عائشة رواه مسلم (٢٧٩١) والترمذي (٣١٢١) وابن ماجة (٤٢٧٩) والحاكم (٢/ ٣٥٢).
(٢٥٦) ديوان حسان: ٢١٥. فتح القدير (٣/ ١١٨).
١٤٤
سورة إبراهیم الآية - ٤٩ - ٥١
١
الثاني : أنها القيود، ومنه قول عمرو بن كلثوم (٢٥٧):
فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوكِ مُصَفّدينا
أي مقيّدين. وأما قول النابغة الذبياني (٢٥٨).
هذا الثناء فإن تسمع لقائله فلم أعرض، أبيت اللعن، بالصفدٍ
فأراد بالصفد العطية، وقيل لها صفد لأنها تقيد المودة.
وفي المجرمين المقرنين في الأصفاد قولان:
أحدهما: أنهم الكفار يجمعون في الأصفاد كما اجتمعوا في الدنيا على
المعاصي .
الثاني : أنه يجمع بين الكافر والشيطان في الأصفاد.
قوله عزوجل: ﴿سرابيلهم مِن قطرانٍ﴾ السرابيل: القمص، واحدها سربال،
ومنه قول الأعشى(*):
عهدي بها في الحي قد سربلت صفراء مثل المهرة الضامر
وفي القطران ها هنا قولان:
أحدهما: أنه القطران الذي تهنا(٢٥٩) به الجمال، قاله الحسن، وإنما جعلت
سرابيلهم من قطران الإسراع النار إليها.
الثاني : أنه النحاس الحامي، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير.
وقرأ عكرمة وسعيد بن جبير ﴿من قطران﴾ بكسر القاف وتنوين (٢٦٠) الراء
وهمزآن لأن القطر النحاس، ومنه قوله تعالى ﴿آتوني أفرغ عليه قطراً﴾
[الكهف: ٩٦] والآنسي: الحامي، ومنه قوله تعالى ﴿وبين جحيم آن﴾
[الرحمن: ٤٤].
(٢٥٧) ديوان: ص ٤١٢، واللسان صفر، والطبري (١٣ / ٢٥٤).
(٢٥٨) ديوانه :. ص ٢٧، مختار الشعر الجاهلي ص ١٥٥، الطبري (١٣ / ٢٥٤) وفيه فما عرضت.
(٢٥٩) يقال هنأ الإبل يهنؤها ويهنئها هناً وهِناءً: طلاها بالهناء وهو القطران.
(٢٦٠) وهي أيضاً قراءة ابن عباس وأبي رزين وأبي مجلز وقتادة وابن أبي عبلة وأبي حاتم عن يعقوب زاد
المسير (٤ / ٣٧٧).
١٤٥
سورة إبراهيم الآية - ٥٢
هَذَابَغُ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ
الْأَلْبَب
٥٢
قوله عز وجل : ﴿هذا بلاغ للناس﴾ فيه قولان (٢٦١):
أحدهما: هذا الإنذار كاف للناس، قاله ابن شجرة.
الثاني : هذا القرآن کاپٍ للناس، قاله ابن زید.
﴿ولينذروا به﴾ فیه وجهان:
أحدهما: بالرسول.
الثاني : بالقرآن.
﴿وليعملوا أنما هو إله واحدٌ﴾ لما فيه من الدلائل على توحيده.
﴿ولیذكّر أولوا الألباب﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وليتعظ، قاله الكلبي .
الثاني: ليسترجع يعني بما سمع من المواعظ. أولو الألباب، أي ذوو العقول.
وروی یمان بن رئاب أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
(٢٦١) واختاره الطبري (١٣ / ٢٥٨) والشوكاني (١١٩/٣).
١٤٦
سورة الحجر الآية - ١ - ٣
ـريبه
١٥
سُورَةُ الِجْرُ
شوراء
آياتها
مكية باتفاق إلا قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾
فمدنية :
بسْمِ الهِ الزَحمَن الرَّحِيةِ
الرَّتِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانِ مُبِينٍ زُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُ واْ لَوْ
كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ
٣
﴿الر تلك آیاتُ الکتاب وقر آن مبين﴾ فیه تأويلان:
أحدهما: أن الكتاب هو القرآن، جمع له بين الاسمين.
الثاني: أن الكتاب هو التوراة والانجيل، ثم قرنها بالقرآن بالقرآن المبين. وفي
المراد بالمبين ثلاثة أوجه :
أحدها: المبين إعجازه حتى لا يعارض.
الثاني : المبين الحق من الباطل حتى لا يشكلا.
الثالث: المبين الحلال من الحرام حتى لا يشتبها .
قوله عز وجل: ﴿رُبما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) وفي زمان هذا
التمني ثلاثة أقاويل:
أحدها: عند المعاينة في الدنيا حين يتبين لهم الهدى من الضلالة، قاله
الضحاك.
١٤٧
سورة الحجر الآية - ٤ - ٩
الثاني : في القيامة إذا رأوا كرامة المؤمنين وذل الكافرين.
الثالث: إذا دخل المؤمن الجنة، والكافر النار.
وقال الحسن: اذا رأى المشركون المؤمنين وقد دخلوا الجنة وصاروا هم إلى
النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين.
وربما مستعملة في هذا الموضع للكثير، وإن كانت في الأصل موضوعة
للتقليل، كما قال الشاعر:
ألا ربّما أهدت لك العينُ نظرة قصاراك مِنْها أنها عنك لا تجدي
وقال بعضهم هي للتقليل أيضاً في هذا الموضع، لأنهم قالوا ذلك في بعض
المواضع لا في کلها.
وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّ وَلَمَا كِتَابٌ مَعْلُومُ ﴿ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَةٍ أَجَلَهَا
وَمَا يَسْتَنْخِرُونَ
٥
قوله عز وجل: ﴿وما أهلكنا من قرية﴾ يعني من أهل قرية.
﴿إلا ولها كتاب معلوم﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أجل مقدر.
الثاني : فرض محتوم .
قوله عز وجل : ﴿ما تسبق من أمةٍ أجلها وما يستأخرون﴾ یحتمل وجهين:
أحدهما: لا يتقدم هلاکهم عن أجله ولا يتأخر عنه.
الثاني: لا يموتون قبل العذاب فيستريحوا، ولا يتأخر عنهم فيسلموا.
وقال الحسن فيه تأويلاً ثالثاً: ما سبق من أمة رسولها وكتابها فتعذب قبلهما ولا
يستأخر الرسول والكتاب عنها.
وَقَالُوْ يَتَأَ يُّهَا الَّذِى نُزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴿ الَّوْمَا تَأْتِنَا بِالْمَلَئِكَةِ
مَا نُفَزِّلُ الْمَلَمِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذَا
إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
٧
مُنْظَرِينَ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّالَهُلَفِظُونَ
٩
١٤٨
سورة الحجر الآية - ١٠ - ١٣
قوله عز وجل: ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: إلا بالقرآن، قاله القاسم.
الثاني : إلا بالرسالة، قاله مجاهد.
الثالث: إلا بالقضاء عند الموت لقبض أرواحهم، قاله الكلبي.
الرابع: إلا بالعذاب إذا لم يؤمنوا، قاله الحسن.
﴿وما كانوا إذاً منظرين﴾ أي مؤخّرين.
قوله عز وجل: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ قال الحسن والضحاك يعني القرآن.
﴿وإنا له لحافظون﴾ فيه قولان:
أحدهما: وإنا لمحمد حافظون ممن أراده بسوء من أعدائه، حكاه ابن (٢٦٢)
جرير.
الثاني: وإنا للقرآن لحافظون.
وفي هذا الحفظ ثلاثة أوجه:
أحدها: حفظه حتى يجزى به يوم القيامة، قاله الحسن.
الثاني: حفظه من أن يزيد فيه الشيطان باطلاً، أو يزيل منه حقاً، قاله قتادة.
الثالث: إنا له لحافظون في قلوب من أردنا به خيراً، وذاهبون به من قلوب من
أردنا به شراً .
وَلَقَدْ أَرْ سَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ آلْأَوَّلِينَ ﴿ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا كَانُواْبِهِ،
يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِ قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِّهِ مَوَقَدْ
١٣
خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَِّينَ
قوله عز وجل: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الشيع الأمم، قاله ابن عباس وقتادة.
الثاني: أن الشيع جمع شيعة، والشيعة الفرقة المتآلفة المتفقة الكلمة، فكأن
الشيع الفرق، ومنه قوله تعالى ﴿أو يلبسكم شَيّعاً﴾ [الأنعام: ٦٥] أي فرقاً، وأصله
مأخوذ من الشیاع وهو الحطب الصغار یوقد به الكبار، فهو عون النار.
(٢٦٢) جامع البيان (١٤ / ٨).
١٤٩
سورة الحجر الآية - ١٤، ١٥
الثالث: أن الشيع القبائل(*)، قاله الكلبي.
قوله عز وجل: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: كذلك نسلك الاستهزاء في قلوب المجرمين، وإن لم يعرفوا، قاله
قتادة .
الثاني : كذلك نسلك التكذيب في قلوب المجرمين، قاله ابن جريج .
الثالث: كذلك نسلك القرآن في قلوب المجرمين، وإن لم يؤمنوا، قاله
الحسن.
الرابع: كذلك إذا كذب به المجرمون نسلك في قلوبهم أن لا يؤمنوا به.
قوله عز وجل: ﴿لا يؤمنون به﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: بالقرآن أنه من عند الله.
الثاني : بالعذاب أن يأتيهم.
﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ السنة: الطريقة، قال عمر بن أبي ربيعة:
لها من الريم عيناه وسُنّتُهُ ونحرُه السابق المختال إذا صَهَلا
فيه وجهان :
أحدهما: قد خلت سنة الأولين بالعذاب لمن أقام على تكذيب الرسل.
الثاني : بأن لا يؤمنوا برسلهم إذا عاندوا.
ويحتمل ثالثاً: بأن منهم مؤمناً وكافراً .
كما يحتمل رابعاً: من أقام على الكفر بالمعجزات بعد مجيء ما طلب من
الآيات .
وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْفِيهِ يَعْرُجُونٌّ (﴿ لَقَالُواْإِنَّمَا سُكِرَتْ
أَبْصَرُ نَابَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْخُورُونَ
١٥
قوله عز وجل: ﴿ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون﴾ فيه
وجهان :
(*) وفي نسخه للمخطوطة: القرى.
١٥٠
سورة الحجر الآية - ١٥،١٤
أحدهما: فظل هؤلاء المشركون يعرجون فيه، قاله الحسن وقتادة.
الثاني: فظلت الملائكة فيه يعرجون وهم يرونهم، قاله ابن عباس والضحاك.
قوله عز وجل: ﴿لقالوا إنما سكرت أبصارنا﴾ في ﴿سكرت﴾ قراءتان:
إحداهما بتشديد الكاف (٢٦٣)، والثانية بتخفيفها (٢٦٤)، وفي اختلافهما وجهان:
أحدهما: معناهما واحد، فعلى هذا ستة تأويلات:
أحدها: سُدّت، قاله الضحاك.
الثاني : عميت، قاله الكلبي .
الثالث: أخذت، قاله قتادة.
الرابع: خدعت، قاله جوییر.
الخامس: غشيت وغطيت، قاله أبو عمرو بن العلاء، ومنه قول الشاعر (٢٦٥):
وطلعت شمسٌ عليها مغفر وجَعَلَتْ عين الحرور تسكر
السادس: معناه حبست، قاله مجاهد. ومنه قول أوس بن حجر (٢٦٦):
فصرن على ليلة ساهرة فليست بطلقٍ ولا ساكرة
والوجه الثاني: أن معنى سكرت بالتشديد والتخفيف مختلف، وفي اختلافهما
وجهان :
أحدهما: أن معناه بالتخفيف سُحِرَتْ، وبالتشديد: أخذت.
الثاني : أنه بالتخفيف من سُكر الشراب، وبالتشديد مأخوذ من سكرت الماء.
﴿بل نحن مسحورون﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أي سحرنا فلا نبصر.
الثاني : مضللون، حكاه ثعلب.
(٢٦٣) وهي قراءة الأكثرين.
(١٦٤) وهي قراءة ابن كثير وحده راجع المبسوط ص ٢٥٩.
(٢٦٥) أورده في فتح القدير (٣/ ١٢٣). والشطر الثاني فيه وجعلت عين الجزور تسكر.
(٢٦٦) ديوانه: والبيت فيه .
بصحراء سرج أني ناظرة
خذلت على ليلة ساهرة
فليست لطلق ولا ساكره
تزداد ليالي في طولها
واللسان (سكر) والبيت أورده في فتح القدير (٣/ ١٢٣) كما هنا.
١٥١
سورة الحجر الآية - ١٦ - ٢٠
الثالث: مفسدون.
وَحَفِظْنَهَا مِنْ كُلّ
١٦
وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَآءِ بُرُوجَا وَزَيَّتَهَا لِنَّظِرِينَ
شَيْطَنِ رَّجِيمٍ * إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ مُِينٌ لِ﴾ وَاْأَرْضَ
مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ (١) وَجَعَلْنَا لَكُمُ
فِهَا مَعَبِشَ وَمَن ◌َّسْتُمْ لَهُ بَرَزِقِينَ
٢٠
قوله عز وجل: ﴿ولقد جعلنا في السماء بروجاً﴾ فيه خمسة أقاويل:
أحدها: أنها قصور في السماء فيها الحرس، قاله عطية.
الثاني: أنها منازل الشمس والقمر، قاله علي بن عيسى.
الثالث: أنها الكواكب العظام، قاله أبو صالح، يعني السبعة السيارة.
الرابع: أنها النجوم، قاله الحسن وقتادة.
الخامس: أنها البروج الاثنا عشر.
وأصل البروج الظهور، ومنه تبرجت المرأة إذا أظهرت نفسها.
﴿وزيناها للناظرين﴾ أي حسنّاها.
﴿وحفظناها من كل شيطان رجيم﴾ يعني السماء. وفي الرجيم ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الملعون، قاله قتادة.
الثاني: المرجوم بقول أو فعل، ومنه قول الأعشى (٢٦٧):
يظل رجيماً لريب المنون والسقم في أهله والحزن
الثالث: أنه الشتيم. زعم الكلبي أن السموات كلها لم تحفظ من الشياطين إلى
زمن عيسى، فلما بعث الله تعالى عيسى حفظ منها ثلاث سموات، إلى مبعث رسول
الله وسلّ فحفظ جميعها بعد بعثه وحرسها منهم بالشهب.
قوله عز وجل: ﴿إلا من استرق السمع﴾ ومسترق السمع من الشياطين يسترقه
من أخبار الأرض دون الوحي، لأن الله تعالى قد حفظ وحيه منهم.
ومن استراقهم له قولان:
(٢٦٧) ديوانه: ١٩٠.
١٥٢
سورة الحجر الآية - ١٦ - ٢٠
أحدهما: أنهم يسترقونه من الملائكة في السماء.
الثاني : في الهواء عند نزول الملائكة من السماء.
وفي حصول السمع قبل أخذهم بالشهاب قولان:
أحدهما: أن الشهاب يأخذهم قبل وصولهم إلى السمع، فيصرفون عنه.
الثاني : أنه يأخذهم بعد وصول السمع إليهم.
وفي أخذهم بالشهاب قولان:
أحدهما : أنه يخرج ويحرق ولا يقتل، قاله ابن عباس.
الثاني : أنه يقتل، قاله الحسن وطائفة.
فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان:
أحدهما: أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم، فعلى
هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء، قاله ابن عباس: ولذلك انقطعت الكهانة.
الثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن،
ولذلك ما يعودون إلى استراقه، ولو لم يصل لانقطع الإستراق وانقطع الإحراق.
وفي الشهب التي يرجمون بها قولان:
أحدهما: أنها نور يمتد بشدة ضيائه فيحرقهم ولا يعود، كما إذا أحرقت النار لم
تعد .
الثاني: أنها نجوم يرجمون بها وتعود إلى أماكنها، قال ذو الرمة (٢٦٨):
كأنه كوكب في إثر عفريةٍ مُسَوَّمٌ في سوادِ الليلِ منقضبُ
قوله عز وجل: ﴿والأرض مددناها﴾ أي بسطناها. قال قتادة. بسطت من مكة
لأنها أم القرى.
﴿وألقينا فيها رواسي﴾ وهي الجبال.
﴿وأنتبنا فيها من كل شيء موزون﴾ فيه أربعة أقاويل:
أحدها: يعني مقدر معلوم (٢٦٩)، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. وإنما قيل
(٢٦٨) ديوانه: ٣٦، مجاز القرآن (٢ / ٩٥)، الكامل للمبرد (٨٣٣) الأمالي للقالي (٣/ ٦٥)، اللسان
قضب، القرطبي (٣/ ٢٠٣).
(٢٦٩) واختاره ابن جرير (١٤ / ١٧).
١٥٣
سورة الحجر الآية - ٢١ - ٢٥
﴿موزون﴾لأن الوزن يعرف به مقدار الشيء. قاله الشاعر (٢٧٠):
قد كنت قبل لقائكم ذا مِرّةٍ عندي لكل مُخاصِمِ ميزانُه
الثاني : يعني به الأشياء التي توزن في أسواقها، قاله الحسن وابن زيد.
الثالث: معناه مقسوم، قاله قتادة .
الرابع : معناه معدود، قاله مجاهد.
ويحتمل خامساً: أنه ما يوزن فيه الأثمان لأنه أجل قدراً وأعم نفعاً مما لا ثمن
له.
قوله عز وجل: ﴿وجعلنا لكم فيها معايش﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنها الملابس، قاله الحسن.
الثاني: أنها المطاعم والمشارب التي يعيشون فيها، ومنه قول جرير (٢٧١):
تكلفني معيشة آل زيدٍ ومَن لي بالمرقق والصنابِ
الثالث: أنها التصرف في أسباب الرزق مده أيام الحياة، وهو الظاهر.
﴿ومن لستم له برازقين﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها الدواب والأنعام، قاله مجاهد.
الثاني : أنها الوحوش، قاله منصور.
الثالث: العبيد والأولاد الذين قال الله فيهم ﴿نحن نرزقهم وإياكم﴾ [الإسراء:
٣١] قاله ابن بحر.
وَإِنِ مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ، وَمَا نُفَزِلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴿ وَأَرْسَلْنَا
الرِّيَحَ لَوَقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَزِنِينَ(
٢٢
وَإِنَّالَنَحْنُ تُحِّىِ، وَنُمِيتُ وَنَحُْ الْوَرِثُونَ (﴾ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمُ
وَلَقَدْ عَلِمِنَا الْمُسْتَفْخِرِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ّـ
(٢٧٠) أورده في فتح القدير (٣/ ١٢٦)، اللسان (وزن) ولم ينسبه.
) اللسان (رفق) فتح القدير (٣ / ١٢٦) والشطر الثاني في اللسان:
(٢٧١) ديوانه (
ومن لي بالصلائق والضباب.
١٥٤
سورة الحجر الآية - ٢١ - ٢٥
قوله عز وجل: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه﴾ يعني وإن من شيء من
أرزاق الخلق إلا عندنا خزائنه وفيه وجهان :
أحدهما: يعني مفاتيحه لأن في السماء مفاتيح الأرزاق، وهو معنى قول
الكلبي .
الثاني: أنها الخزائن التي هي مجتمع الأرزاق. وفيها وجهان:
أحدهما: ما كتبه الله تعالی وقدره من أرزاق عباده.
الثاني: يعني المطر المنزل من السماء، لأنه نبات كل شيء، قال الحسن:
المطر خزائن كل شيء.
﴿وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ قال ابن مسعود: ما كان عامٌ بأمطر من عام ولكن
الله یقسمه حیث یشاء، فیمطر قوماً ویحرم آخرین.
قوله عز وجل: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ فيه قولان:
أحدهما: لواقح السحاب حتى يمطر، قاله الحسن وقتادة، وكل الرياح لواقح
غير أن الجنوب ألقح. وقد روي عن النبي وَلقر أنه قال (٢٧٢): ((ما هبت ريح جنوب إلا
أنبع الله تعالى بها عيناً غدقة)).
الثاني : لواقح للشجر حتی یثمر، قاله ابن عباس.
وقال أبو عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح. وقال عبيد بن عمير: يرسل الله تعالى
المبشرة (٢٧٣) فتقم الأرض قمّاً، ثم يرسل- المثيرة فتثير السحاب، ثم يرسل المؤلفة
فتؤلفه، ثم يرسل اللواقح فتلقح الشجر.
قوله عز عزوجل: ﴿فأنزلنا من السماء ماءً﴾ يعني من السحاب مطراً.
﴿فأسقيناكموه﴾ أي مكناكم منه، والفرق بين السقي والشرب أن السقي بذل
(٢٧٢) لم اعثر على تخريجه والآشبه أنه ضعيف لتصدير المؤلف له بصيغة التضعيف المشعرة بضعفه وقد روى
نحوه وفي معناه أحاديث راجعها في الدر (٥ / ١٧٢) وابن كثير (٢ / ٥٤٩).
(٢٧٣) كما في قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن أرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته﴾ الآية [الروم: ٤٦]
وأعط المثيرة. فكما في قوله: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به
الأرض بعد موتها كذلك النشور﴾ (فاطر: ٩].
والمؤلف كما في قوله: ﴿ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج
من خلاله﴾ الآية [النور: ٤٣]. واللواقح هي المذكورة هنا وقد تعقب ابن قتيبة كلام ابن عبيدة فراجعه
في زاد المسير (٤ / ٣٩٣).
١٥٥
سورة الحجر الآية - ٢١ - ٢٥
المشروب، والشرب: استعمال المشروب، فصار الساقي باذلاً، والشارب مستعملاً.
﴿وما أنتم له بخازنين﴾ فيه وجهان:
أحدهما: بخازني الماء الذي أنزلناه.
الثاني : بمانعي الماء الذي أنزلناه.
قوله عز وجل: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد عَلِمنا المستأخرين﴾ فيه
ثمانية تأويلات :
أحدها: أن المستقدمين الذين خلقوا، والمستأخرين الذين لم يخلقوا، قاله
عكرمة.
الثاني: المستقدمين الذين ماتوا، والمستأخرين الذين هم أحياء لم يموتوا، قاله
الضحاك.
الثالث: المستقدمين أول الخلق، والمستأخرين آخر الخلق، قاله الشعبي.
الرابع: المستقدمين أول الخلق ممن تقدم على أمة محمد، والمستأخرين أمة
محمد آلڼ، قاله مجاهد.
الخامس: المستقدمين في الخير، والمستأخرين في الشر، قاله قتادة.
السادس: المستقدمين في صفوف الحرب، والمستأخرين فيها، قاله سعيد بن
المسیب .
السابع: المستقدمين من قتل في الجهاد، والمستأخرين من لم يقتل، قاله
القرظي .
الثامن: المستقدمين في صفوف الصلاة(٢٧٤)، والمستأخرين فيها.
روى عمر بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال(٢٧٥): كانت تصلي
(٢٧٤) وقال العلامة الألوسي (٣٣/١٤) ((وأنت تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ومن هنا
قال بعضهم الحمل على العموم أن علمنا من اتصف بالتقدم والتأخر في الولادة والموت على الإسلام
وصفوف الصلاة وغيرها .
(٢٧٥) رواه الطبري (٢٦/١٤) واللفظ له والترمذي (٣١/٢٢) والنسائي في التفسير كما في ابن كثير (٢/
٥٤٩) وزاد السيوطي في الدر نسبته (٥/ ٧٣) لأحمد وابن ماجة وابن المنذروابن أبي حاتم وابن خزيمة
وابن حبان والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه والطيالسي وسعيد بن منصور.
قال الترمذي رحمه الله ((وروي جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء نحوه =
١٥٦
سورة الحجر الآية - ٢٧،٢٦
خلف رسول الله ﴿ امرأةٌ من أحسن الناس، لا والله ما رأيت مثلها قط، فكان بعض
الناس يستقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف
المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطه في الصف، فأنزل الله تعالى في شأنها هذه
الآية.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا ◌ُلْإِنِسَنَ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَمَلٍ مَسْئُونٍ (٦ وَالْجَاتَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن ◌َارِ
السَّمُومِ
٢٧
قوله عز وجل: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حَمَإٍ مسنون﴾ أما
الإنسان هاهنا فهو آدم عليه السلام في قول أبي هريرة والضحاك. أما الصلصال ففيه
ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه الطين اليابس الذي لم تصبه نار، فإذا نقرته صل فسمعت له
صلصلة، قاله ابن عباس وقتادة، ومنه قول الشاعر:
وقاع ترى الصَّلصال فيه ودونه بقايا بلالٍ بالقرى والمناكبِ
والصلصة: الصوت الشديد المسموع من غير الحيوان، وهو مثل القعقعة في
الثوب .
الثاني : أنه طين خلط برمل، قاله عكرمة.
الثالث: أنه الطين المنتن، قاله مجاهد، مأخوذ من قولهم: صَلَّ اللحمُ وأصَلَّ
إذا أنتن، قال الشاعر (٢٧٦):
ذاك فتى يبذل ذا قدرٍهٍ لا يفسد اللحم لديه الصلول
والحمأ: جمع حمأة وهو الطين الأسود المتغير.
وفي المسنون سبعة أقاويل:
= ولم يذكر فيه عن ابن عباس وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح. وقال الحافظ ابن كثير (٢/
٥٤٩) (( حديث غريب جداً فيه نكارة شديدة فالظاهر أنه من أخلاط أبي الجوزاء ليس فيه لابن عباس
ذکر».
قلت والرواية التي أشار إليها الترمذي أخرجها عبد الرزاق كما نقلها ابن كثير (٢/ ٥٥٠).
(٢٧٦) هو الحطيئة والبيت في اللسان (صلل).
١٥٧
سورة الحجر الآية - ٢٧،٢٦
أحدها: أن المسنون المنتن المتغير، من قولهم قد أسن الماء إذا تغير، قاله ابن
عباس، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت:
كالمسكِ فُتَّ على ماءٍ العناقيد
سَقَتْ صدايَ رضاباً غير ذي أُسَنٍ
الثاني: أن المسنون المنصوب القائم، من قولهم وجه مسنون، قاله الأخفش.
الثالث: أن المسنون المصبوب، من قولهم سنيتُ الماء على الوجه إذا صببته
عليه، قاله أبو عمرو بن العلاء، ومنه الأثر المروي عن عمر أنه كان يسن الماء على
وجهه ولا يشنُّه، والشن تفريق الماء، والسن صبه.
الرابع: أن المسنون الذي يحك بعضه بعضاً، من قولهم سننت الحجر على
الحجر إذا حككت أحدهما بالآخر، ومنه سمي المسَنّ لأن الحديد يسن عليه، قاله
الفراء.
الخامس: أن المسنون المنسوب.
السادس: أنه الرطب، قاله ابن أبي طلحة.
السابع: أنه المخلص من قولهم سن سيفك أي اجلهُ.
قوله عز وجل: ﴿والجانَّ خلقناه من قبل من نار السموم﴾ وفي الجان ثلاثة
أقاويل:
أحدها: أنه إبليس، قاله الحسن.
الثاني : انهم الجن حكاه ابن شجرة.
الثالث: أنه أبو الجن قاله الكلبي فآدم أبو الإنس، والجان: أبو الجن، وإبليس
أبو الشياطين.
قال ابن عباس: الجان أبو الجن وليسوا شياطين (٢٧٧). والشياطين ولد إبليس لا
يموتون إلا مع إبليس. والجن يموتون (٢٧٨)، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر.
﴿خلقناه من قبل﴾ يعني من قبل آدم. قال قتادة: لأن آدم إنما خلق آخر
الخلق .
(٢٧٧) وذهب الحسن فيما صح عنه ورواه الطبري كما تقدم في سورة البقرة أن إبليس أصل الجن كما أن آدم
أصل الإنس .
(٢٧٨) والدليل على ذلك حديث قوله # في الحديث ((أنت الحي القيوم الذي لا تموت والإنس والجن
يموتون».
١٥٨
سورة الحجر الآية - ٢٨ - ٣٨
وقوله تعالى: ﴿من نار السّموم﴾ فيه أربعة أقاويل:
أحدها: يعني من لهب النار (٢٧٩)، قاله ابن عباس.
الثاني : یعني من نار الشمس، قاله عمرو بن دينار.
الثالث: من حر السموم، والسموم: الريح الحارة. ذكره ابن عيسى.
الرابع: أنه نار السموم نار الصواعق بين السماء وبين حجاب دونها، قاله
الكلبي وسمي سموماً لدخوله في مسام البدن.
فَإِذَا
٢٨
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَّةِ إِنِِّ خَلِقِ بَشَرَّامِن صَلْصَلِمِّنْ حَمَلٍ مَّسْنُونٍ
سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُوْلَهُ سَجِدِينَ ﴿فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ
قَالَ يَاِبْلِيسُ مَالَكَ
أَجْمَعُونَ ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ أَن يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ لـ
أَلَّاتَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ ﴿ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ
مِّنْ حَمَلٍ مَسْئُونٍ ﴿ قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ ﴿ وَ إِنَّ عَلَيْكَ الَّعْنَةَ إِلَى
لا
قَالَ رَبِّ فَأْنِظِرُ نِيِّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ الْأَبِّ
يَوْمِ الدِّينِ (٣٥
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ
٣٨
إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
٣٧
قوله عز وجل: ﴿قال رَبِّ فأنظرني إلى يوم يبعثونَ﴾ وهذا السؤال من إبليس لم
يكن من ثقة منه بمنزلته عند الله تعالى وأنه أهل أن يجاب له دعاء، ولكن سأل تأخير
عذابه زيادة في بلائه كفعل الآيس من السلامة. وأراد بسؤاله الإنظار إلى يوم يبعثون
أن لا یموت، لأن يوم البعث لا موت فیه ولا بعده.
فقال الله تعالى: ﴿فإنك من المنظرين﴾ يعني من المؤجلين.
﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ فلم يجبه إلى البقاء.
وفي الوقت المعلوم وجهان:
أحدهما: معلوم عند الله تعالى، مجهول عند إبليس.
(٢٧٩) وروي مسلم في صحيحه (٤ / ٢٢٩٤) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وصلخر ((خلقت
الملائكة من نور وخلق الجان من نار وخلق آدم مما وصف لكم)).
١٥٩
سورة الحجر الآية - ٣٩ - ٤٤
الثاني: إلى يوم النفخة الأولى يموت إبليس. وبين النفخة والنفخة أربعون
سنة. فتكون مدة موت إبليس أربعين سنة، وهو قول ابن عباس وسمي يوم الوقت
المعلوم لموت جمیع الخلائق فیه .
وليس هذا من الله تعالى إجابة لسؤاله، لأن الإجابة تكرمة، ولكن زيادة في
بلائه، ویعرف أنه لا يضر بفعله غیر نفسه.
وفي كلام الله تعالى له قولان:
أحدهما: أنه کلمه على لسان رسول.
الثاني: أنه كلمه تغليظاً فى الوعيد لا على وجه التكرمة والتقريب.
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّلَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَهُـمْ أَجْمَعِينٌّ لِ
١
إلا
(٣٩
عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيمُ ﴾ إِنَّ
عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (*) وَإِنَّ جَهَنَّمَ
لَمَّوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّفْسُوهُ
٤٤
قوله عز وجل: ﴿قال ربُّ بما أغويتني﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: بما أضللتني(٢٨٠)، قاله ابن عباس.
الثاني : بما خيبتني من رحمتك.
الثالث: بما نسبتني إلى الإغواء.
ویحتمل هذا من إبلیس وجهین :
أحدهما: أنه يقوله على وجه القسم وتقديره: وحق إغوائك لي .
الثاني: أنه يقوله على وجه الجزاء، وتقديره لأجل إغوائك لي .
﴿لأزینن لهم في الأرض﴾ یحتمل وجهین:
أحدهما: لأزينن لهم فعل المعاصي .
الثاني : لأشغلنهم بزينة الدنيا عن فعل الطاعة.
(٢٨٠) وقد تمسك المعتزلة بقوله ((لأغوينهم)) على قولهم بوجوب رعاية الأصلح على الله ولا حجة لهم في
ذلك راجع روح المعاني (١٤ / ٥٠).
١٦٠