Indexed OCR Text
Pages 41-60
سورة يوسف الآية - ٤٣ - ٤٩ وقال وهب: حبس يوسف سبع سنين، ومكث أيوب في البلاء سبع سنين (٧٧) . قال الكلبي : حبس سبع سنين بعد الخمس السنين التي قال فيها ﴿اذكرني عند ربك﴾ . وَقَالَ الْمَلِكُ إِّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُكَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَا بِسَتٍ يَأَتُهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُءْ يَىَ إِن كُنْتُمْ لِلُّهْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُواْأَضْغَتُ أَحْلَمِ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَمِ بِعَلِمِينَ ٤٤ وَقَالَ الَّذِى ◌َجَامِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنِّثُكُمْ بِتَأْوِيلِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ ٤٥ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِ سَبْعِ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُتْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتِ لَّعَلَّى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٨) قَالَ تَزْرَعُونَ سَيْعَ سِنِينَ دَابًا فَمَا حَصَدُمْ فَذَرُوهُ فِ سُنُبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّان ◌َأْ كُلُونَ ◌َ ثُمَّيَأْتِ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَافَدَّمْتُمْلَمُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَا تُحْصِنُونَ ٤٧ ◌َثُمَ يَأْتِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ٤٩ (٤٨ قوله عزوجل: ﴿وقال الملك إني أرى سبع بقراتٍ سمان .. ﴾ الآية. وهذه الرؤيا رآها الملك الأكبر الوليد بن الريان وفيها لطف من وجهين : أحدهما: أنها كانت سبباً لخلاص یوسف من سجنه. الثاني : أنها كانت نذيراً بجدب أخذوا أهبته وأعدوا له عدته. ﴿يا أيها الملأ افتوني في رؤياي﴾ وذلك أن الملك لما لم يعلم تأويل رؤياه نادى بها في قومه ليسمع بها من يكون عنده عِلْمٌ بتأويلها فيعبرها له. قوله عزوجل: ﴿قالوا أضغاث أحلام﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني أخلاط أحلام، قاله معمر وقتادة. (٧٧) والصواب أنه مكث في البلاء ثمان عشرة سنة کما رواه أبو یعلی وابن حبان وأبو نعيم من حديث انس مرفوعاً وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ١٧ . ٤١ سورة يوسف الآية - ٤٣ - ٤٩ الثاني : ألوان أحلام، قاله الحسن. الثالث: أهاويل أحلام قاله مجاهد. الرابع: أكاذيب أحلام، (٧٨) قاله الضحاك. وفيه خامس: شبهة أحلام (٧٩)، قاله ابن عباس. قال أبو عبيدة: الأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا، ومنه قول الشاعر: كضغت حلم ◌ُزَّ منه حالمُه. وروى هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر أنه قال ((إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب))(٨٠). وفي تقارب الزمان وجهان : أحدهما: أنه استواء الليل والنهار لأنه وقت اعتدال تنفتق فيه الأنوار وتطلع فيه الثمار فكان أصدق الزمان في تعبير الرؤيا . الثاني: أنه آخر الزمان وعند انتهاء أمده. والأضغاث جمع واحده ضغث والضغث الحزمة من الحشيش المجموع بعضه إلى بعض وقيل هو ملء الكف، ومنه قوله تعالى: ﴿خذ بيدك ضغثاً﴾ وقال ابن مقبل (٨١): خَوْذٌ كَأَنَّ فِرَاشَهَا وُضِعَتْ بِهِ أَضْغَاثُ رَيْحَانٍ غَدَاةَ شَمَالٍ والأحلام جمع حُلم، والحُلم الرؤيا في النوم، وأصله الأناة، ومنه الحلم ضد الطيش فقيل لما يرى في النوم حلم لأنها حال أناة وسكون. ﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾ فدل ذلك على أنه ليس التأويل الأول مما تؤول به الرؤيا هو الحق المحكوم به لأن يوسف عرفهم تأويلها بالحق، وإنما قال يوسف للغلامين ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ لأنه منه نذير نبوة. ويجوز أن يكون (٧٨) قال الحافظ في الفتح (٣٦٠/٨) ولأبي يعلى من حديث ابن عباس في قوله ﴿أضغاث أحلام﴾ قال: هي الأحلام الكاذبة أ هـ قلت: ورواه الطبري (١١٨/١٦) عنه بسند مسلسل بالضعفاء. (٧٩) رواه الطبري (١١٨/١٦) ولفظه عن ابن عباس قوله ﴿أضغاث أحلام﴾ يقول مشتبهة ، قلت وفي سنده انقطاع بن علي بن أبي طلحة وابن عباس. (٨٠) تقدم تخريجه في تعليق رقم ٦٨ . (٨١) أورده الطبري في التفسير (١١٨/١٦) والألوسي في روح المعاني (٢٥١/١٢). ٤٢ سورة يوسف الآية - ٤٣ - ٤٩ الله تعالى صرف هؤلاء عن تفسير هذه الرؤيا لطفاً بيوسف ليتذكر الذي نجا منهما حاله فتدعوهم الحاجة إليه فتكون سبباً لخلاصه. قوله عز وجل: ﴿وقال الذي نجا منهما وادّكر بَعْدَ أمة﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها : یعني بعد حین، قاله ابن عباس. الثاني : بعد نسيان، قاله عكرمة. الثالث: بعد أمة من الناس، قاله الحسن. قال الحسن: ألقي يوسف في الجبه، وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة وجمع له شمله (٨٢) فعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة . وقرىء ﴿واذّكر بعد أمَةٍ﴾ بفتح الألف وتخفيف الميم، والأمه: بالتخفيف النسيان. . (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾ أي أخبركم بمن عنده علم بتأويله ثم لم يذكره لهم. قال ابن عباس: لم يكن السجن بالمدينة فانطلق إلى يوسف حين أذن له وذلك بعد أربع سنين بعد فراقه. قوله عزوجل: ﴿يوسف أيها الصديق أفتنا﴾ احتمل تسميته بالصديق وجهين: أحدهما: لصدقه في تأويل رؤياهما. الثاني : لعلمه بنبوته. والفرق بين الصادق والصديق أن الصادق في قوله بلسانه، والصديق من تجاوز صدقه لسانه إلى صدق أفعاله في موافقة حاله لا يختلف سره وجهره، فصار کل صدّيق صادقاً وليس كل صادق صدّيقاً. ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان﴾ قال قتادة: هي السنون المخصبات. ﴿يأكلهن سبع عجافٌ﴾ قال قتادة: هي السنون المجدبات. ﴿وسبع سنبلات خضر وآخر يابسات﴾ والخضر الخصب لأن الأرض بنباتها (٨٢) هو أبو زبيد الطائي والبيت في أمالي اليزيدي ٨ وجمهرة أشعار العرب ١٣٨ ومجاز القرآن لأبي عبيدة (٣١٣/١) واللسان نجد، عصر. ٤٣ سورة يوسف الآية - ٤٣ - ٤٩ خضراء، واليابسات هي الجدب لأنّ الأرض فيه يابسة، كما أن ماشية الخصب سمان، وماشية الجدب عجاف. ﴿لعلي أرجع إلى الناس﴾ أي لكي أرجع الى الناس وهو الملك وقومه، ويحتمل أن يريد الملك وحده فعبر عنه بالناس تعظيماً له. ﴿ولعلهم يعلمون﴾ لأنه طمع أن يعلموا وأشفق أن لا يعلموا، فلذلك قال ﴿لعلهم يعلمون﴾ يعني تأويلها. ولم يكن ذلك منه شكاً في علم يوسف. لأنه قد وقر في نفسه علمه وصدقه، ولكن تخوف أحد أمرين إما أن تكون الرؤيا كاذبةً، وإما ألّ يصدقوا تأويلها لكراهتهم له فيتأخر الأمر إلى وقت العيان . قوله عز وجل : ﴿قال تزرعون سبع سنين دأباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني تباعاً متوالية. الثاني : يعني العادة المألوفة في الزراعة . ﴿فما حصدتم فذروه في سُنْبُلِهِ إلا قليلاً مما تأكلون﴾ يعني فيخرج من سنبله لأن ما في السنبل مدخر لا يؤكل، وهذا القول منه أمر، والأول خبر، ويجوز لكونه نبياً أن يأمر بالمصالح، ويجوز أن يكون القول الأول أيضاً أمراً وإن كان الأظهر منه أنه خبر. قوله عز وجل : ﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبعٌ شداد﴾ يعني المجدبات لشدتها على أهلها . وحکی زید بن أسلم عن أبيه أن یوسف کان یصنع طعام اثنین فیقربه إلى رجل فيأكل نصفه ويدع نصفه، حتى إذا كان يوماً قربه له فأكله كله، فقال يوسف: هذا أول يوم السبع الشداد. ﴿یأکلن ما قدمتم لهن﴾ يعني تأکلون فیهن ما ادخرتموه لهن. ﴿إلا قليلاً مما تحصنون﴾ فيه وجهان: أحدهما: مما تدخرون، قاله قتادة. الثاني : مما تخزنون في الحصون. ويحتمل وجهاً ثالثاً: إلا قليلاً مما تبذرون لأن في استبقاء البذر تحصين الأقوات . ٤٤ سورة یوسف الآية - ٥٠ - ٥٢ قوله عزوجل : ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يغاث الناس﴾ فيه وجهان: أحدهما: یغاثون بنزول الغيث، قاله ابن عباس الثاني : يغاثون بالخصب، حكاه ابن عيسى . ﴿وفيه يعصرون﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعصرون العنب والزيتون من خصب الثمار، قاله مجاهد وقتادة. الثاني: أي فيه يجلبون المواشي من خصب المراعي، قاله ابن عباس. الثالث: يعصرون السحاب بنزول الغيث وكثرة المطر، من قوله تعالى ﴿وأنزلنا من المعصرات ماءً تُجَّاجاً﴾ [النبأ: ١٤]. قاله عيسى بن عمر الثقفي. الرابع: تنجون، مأخوذ من العُصْرة وهي المنجاة، قاله أبو عبيدة والزجاج، ومنه قول الشاعر (٨٣): صادياً يستغيث غير مغاث ولقد كان عُصْرَة المنجود الخامس: تحسنون وتفضلون، ومنه قول الشاعر (٨٤): لو كان في أملاكنا ملك يعصر فينا مثل ما تعصر أي يحسن. وهذا القول من يوسف غير متعلق بتأويل الرؤيا وإنما هو استئناف خبر أطلقه الله تعالى عليه من آيات نبوته. وَقَالَ الْلِكُ اثْنُونِىِ بِهِ فَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِكَ فَسَلَهُ مَابَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَبْدِ يَهُنَّ إِنَّ رَبِ بِكَيْدِ هِنَّ عَلِيمٌ ﴾ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَوَدِتُنَّ يُوسُفَ عَن نَفْسِةٍ، قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِّمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْفَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَارَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِّقِينَ ◌ِهَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ وَأَنَّاللَّهَلَ يَهْدِى كَيْدَاٌلْخَيِنِنَ! ٥٢ قوله عز وجل: ﴿وقال الملك ائتوني به﴾ يعني يوسف عليه السلام. (٨٣) والطبري (١٣١/١٦). (٨٤) هو طرفة بن العبد والبيت في اللسان (عصر) وروايته . لو كان في أملاكنا واحد يعصر فينا كالذي تعصر ٤٥ سورة يوسف الآية - ٥٠ - ٥٢ ﴿فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك﴾ يعني الملك. ﴿فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ وإنما توقف عن الخروج مع طول حبسه ليظهر للملك عذره قبل حضوره فلا يراه مذنباً ولا خائناً (٨٥). فروى أبو الزناد عن أبي هريرة قال (٨٦): قال رسول الله وَلاير ((يرحم الله يوسف إنه كان ذا أناةٍ لو كنت أنا المحبوس ثم أُرسل لخرجت سريعاً)). وفي سؤاله عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن دون امرأة العزيز ثلاثة أوجه: أحدها: ان في سؤاله عنها ظنَّةٌ ربما صار بها متهماً. والثاني: صيانة لها لأنها زوج الملك فلم يتبذلها بالذكر. الثالث: أنه أرادهن دونها لأنهن الشاهدات له عليها. ﴿إن ربي بکیدهن عليم﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه إن الله بکیدهن علیم. الثاني : أن سيدي الذي هو العزيز بکیدهن علیم. قوله عزوجل: ﴿قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه﴾ فهذا سؤال الملك قد تضمن تنزيه يوسف لما تخيله من صدقه لطفاً من الله تعالى به حتى لا تسرع واحدة منهن إلى التكذب عليه. وفي قوله : ﴿راودتن﴾ وإن كانت المراودة من إحداهن وجهان: أحدهما: أن المراودة كانت من امرأة العزيز وحدها فجمعهن في الخطاب وإن توجه إليها دونهن احتشاماً لها . الثاني : أن المراودة كانت من كل واحدة منهن. ﴿قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوءٍ﴾ فشهدن له بالبراءة من السوء على علمهن لأنها شهادة على نفي، ولو كانت شهادتهن على إثبات لشهدن قطعاً، وهكذا (٨٥) إنها لعظمة من نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام إذا دلت فإنما تدل على عزة المؤمن الواثق بربه تبارك وتعالى وتدل على اعتزازه بإيمانه وقوة جأشه . (٨٦) رواه الطبري (١٣٤/١٦) واللفظ له وفي سنده رجل مجهول ويغني عن هذا الضعيف ما رواه البخاري (٣٦٦/٨) والطبري (١٣٥/١٦) ومسلم (١٨٣/٢) ١٨٣،٣٢٢/١٥، ولفظه عند الطبري ((لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي)). * وفي نسخة للمخطوطة: عن الأعرج عن أبي هريرة. ٤٦ سورة يوسف الآية - ٥٣ حكم الله تعالى في الشهادات أن تكون على العلم في النفي، وعلى القطع في الإثبات. ﴿قالت امرأة العزيز الآنَ حصحص الحق﴾ معناه الآن تبين الحق ووضح، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة . وأصله مأخوذ من قولهم حَصّ شعره اذا استأصل قطعه فظهرت مواضعه ومنه الحصة من الأرض إذا قطعت منها. فمعنى حصحص الحق أي انقطع عن الباطل بظهوره وبيانه. وفيه زيادة تضعيف دل عليها الاشتقاق مثل قوله: (كبوا ، وكبكبوا) قاله الزجاج. وقال الشاعر (٨٧): ألا مبلغ عني خداشاً فإنه كذوب إذا ما حصحص الحق ظالم ﴿أنا راودته عن نفسه، وإنه لمن الصادقين﴾ وهذا القول منها وإن لم تسأل عنه إظهار لتوبتها وتحقيق لصدق يوسف ونزاهته لأن إقرار المقر على نفسه أقوى من الشهادة عليه، فجمع الله تعالى ليوسف في إظهار صدقه الشهادة والإقرار حتى لا يخامر نفساً ظن ولا يخالجها شك. قوله عزوجل : ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه (٨٨) قول امرأة العزيز عطفاً على ما تقدم، ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، يعني الآن في غيبه بالكذب عليه وإضافة السوء إليه لأن الله لا يهدي کید الخائنین، حكاه ابن عیسی . الثاني: أنه قول يوسف بعد أن علم بظهور صدقه، وذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب عنه في زوجته، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي . ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ معناه وأن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم. وَمَآ أُبَرِيُّ نَفْسِىّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلََّ مَا رَحِمَ رَبِ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ (٨٧) وقد أورده الشوكاني في فتح القدير (٣٤/٣) والشطر الأول فيه فإنه .. فمن مبلغ عني خداشاً فإنه (٨٨) لاحظ أن المؤلف قد ذكر قولين بينما نص على ثلاثة أقوال والقول الثالث هو أن هذا القول من قول العزيز وهذا الوجه قال الشوكاني في فتح القدير عنه (٣٥/٣) ((وهو بعيد جداً)). ٤٧ سورة یوسف الآية - ٥٣ - ٥٥ رَّحِيمٌ ﴿يَاوَ قَالَ الْمَلِكُ اثْنُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِىِّ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا وَ قَالَ أَجْعَلْنِ عَلَى خَزَآئِنِ الْأَرْضِ إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ ﴾ مَكِينُ أَمِينٌ قوله عزوجل: ﴿وما أبرىء نفسي﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قول العزيز أي (٨٩) وما أبرىء نفسي من سوء الظن بيوسف. ﴿إِنَّ النفس الأمارة بالسوء﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الأمارة بسوء الظن. الثاني : بالاتهام عند الارتياب. ﴿إلا ما رحم ربي﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إلاّ ما رحم ربي إن كفاه سوء الظن. الثاني : أن يثنيه حتى لا يعمل. فهذا تأويل من زعم أنه قول العزيز. الوجه الثاني : أنه قول امرأة العزيز وما أبرىء نفسي إن كنت راودت يوسف عن نفسه لأن النفس باعثة على السوء إذا غلبت الشهوة عليها. ﴿إلا ما رحم ربي﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إلا ما رحم ربي من نزع شهوته منه . الثاني: إلا ما رحم ربي في قهره لشهوة نفسه، فهذا تأويل من زعم أنه من قول امرأة العزيز. الوجه الثاني: أنه من قول يوسف، واختلف قائلو هذا في سببه على أربعة أقاویل : أحدها: أن يوسف لما قال ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ قالت امرأة العزيز: ولا حين حللت السراويل (٩٠)؟ فقال: وما أبريء نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء، قاله السدي . (٨٩) قال الشوكاني (٣٤/٣) عن قوله تعالى ﴿وما أبريء نفسي﴾ قال ((إن كان من كلام يوسف فهو من باب الهضم للنفس وعدم التزكية بها مع أنه علم هو وغيره والناس أنه بريء وظهر ذلك ظهور الشمس وأقرت به المرأة التي ادعت عليه الباطل ونزهته النسوة اللاتي قطعن أيديهن وإن كان من كلام امرأة العزيز فهو واقع على الحقيقة لأنها قد أقرت بالذنب واعترفت بالمراودة وبالافتراء على يوسف أ. هـ. (٩٠) وقد تقدم قول ابن الجوزي في التعليق على هذا راجع تعليق (٤٣). ٤٨ سورة يوسف الآية - ٥٣ - ٥٥ الثاني: أن يوسف لما قال ذلك غمزه جبريل عليه السلام فقال: ولا حين هممت؟ فقال ﴿وما أبريء نفسي إن النفس الأمّارة بالسوء﴾ قاله ابن عباس. الثالث: أن الملك الذي مع يوسف قال له: اذكر ما هممت به، فقال: ﴿وما أبرىء نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء﴾ قاله قتادة. الرابع: أن يوسف لما قال ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ كره نبي الله أن يكون قد زكى نفسه فقال (٩١) ﴿وما أبريء نفسي إن النفس الأمارة بالسوء﴾ قاله الحسن. ويحتمل قوله ﴿الأمارة بالسوء﴾ وجهين: أحدهما: يعني أنها مائلة إلى الهوى بالأمر بالسوء. الثاني: أنها تستثقل من عزائم الأمور ما إن لم يصادف حزماً أفضت إلى السوء. قوله عز وجل ﴿وقال الملك ائتوني به اسْتخلصه لنفسي﴾ وهذا قول الملك الأكبر لما علم أمانة یوسف اختاره ليستخلصه لنفسه في خاص خدمته. ﴿فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾ لأنه استدل بكلامه على عقله، وبعصمته على أمانته فقال: ﴿إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾ وهذه منزلة العاقل العفيف. : وفي قوله ﴿مکین﴾ وجهان: أحدهما: وجيه ، قاله مقاتل. الثاني : متمكن في المنزلة الرفيعة . وفي قوله ﴿أمين﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بمعنى آمن لا تخاف العواقب، قاله ابن شجرة. الثاني : أنه بمعنی مأمون ثقة، قاله ابن عیسی . الثالث: حافظ، قاله مقاتل. قوله عزوجل: ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض﴾ أي على خزائن أرضك، وفيها قولان : (٩١) وقد تقدم قول الشوكاني في تعليق (٨) وكأنه رحمه الله اعتمد كلام الحسن هنا. ٤٩ سورة یوسف الآية - ٥٣ - ٥٥ أحدهما: هو قول بعض المتعمقة (٩٢) أن الخزائن ها هنا الرجال، لأن الأفعال والأقوال مخزونة فيهم فصاروا خزائن لها . الثاني: وهو قول أصحاب الظاهر أنها خزائن الأموال، وفيها قولان: أحدهما: أنه سأله جمیع الخزائن، قاله ابن زید. الثاني: أنه سأله خزائن الطعام، قاله شيبة بن نعامة (٩٣) الضبي. وفي هذا دليل على جواز(٩٤) أن يخطب الإنسان عملاً يكون له أهلاً وهو بحقوقه وشروطه قائم. فيما حكى ابن سيرين عن أبي هريرة قال: نزعني عمر بن الخطاب عن عمل البحرين ثم دعاني إليها فأبيت، فقال: لم؟ وقد سأل يوسف العمل. فإن كان المولي ظالماً فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين: أحدهما: جوازها إن عمل بالحق فيما تقلده(٩٥)، لأن يوسف عليه السلام ولي من قبل فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره. الثاني : لا يجوز ذلك له لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة (٩٦) لهم وتزكيتهم بتنفيذ أعمالهم. ٢ (٩٢) وأين الدليل على قول المتعمقة هنا. (٩٣) هو أبو نعامة شيبة بن نعامة الضبي وهو أحد الضعفاء في الحديث ولا يحتج به له ترجمه في التاريخ الكبير (١٤٣/٢/٢) والجرح والتعديل (٣٣٥/١/٢) وميزان الاعتدال (٤٥٣/٣) ولسان الميزان (١٥٩/٣). (٩٤) قال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير (٣٥/٣) ((وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل طلب ذلك لنفسه ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها ترغيباً فيما يرومه وتنشيطاً لمن يخاطبه من الملوك بإلقاء مقاليد الأمور إليه وجعلها منوطة به ولكنه يعارض هذا الجواز ما ورد عن نبينا وعليه والنهي عن طلب الولاية والمنع من توليه من طلبها أو حرص عليها ........ إلى أن قال: وقد استدل بهذه الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان الجائربل الكافر لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق. (٩٥) ولهذا قال الشوكاني رحمه الله (٥٣١/٢) ((فكل من أمروه ابتداءً به يدخل في شيء من الأعمال التي أمرها إليهم مما لم يكن فيه معصية الله كالمناصب الدينية ونحوها إذا وثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه فذلك واجب عليه فضلاً عن أن يقال جائز له (أ هـ) قلت: وكلام الشوكاني هذا في تقلد الحكم عند الظلمة لا الكافرين فتنبه. (٩٦) وقال الشوكاني رحمه الله (٥٣١/٢) ((وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحه عامة أو خاصة أو = ٥٠ سورة يوسف الآية - ٥٣ - ٥٥ وأجاب من ذهب إلى هذا القول عن ميلايته من قبل فرعون بجوابين: أحدهما: أن فرعون يوسف ◌َان صالحاً، وإنما الطاغي فرعون موسى. الثاني: أنه نظر له فلاكه دون أعماله فزالت عنه التبعة فيه. والأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام : أحدها: ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه كالصدقات والزكوات فيجوز توليته من جهة الظالمين لأن النص على مستحقيه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن التنفيذ. والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفردوا به ويلزم الإجتهاد في مصرفه كأموال الفيء فلا يجوز توليته من جهة الظالم لأنه يتصرف بغير حقٍ ويجتهد فيما لا يستحق . والقسم الثالث: ما يجوز أن يتولاه أهله وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد فيه محلول، فإن كان النظر تنفيذاً لحكم بين متراضيين أو توسطاً بين مجبورین جاز، وإن كان إلزام إجبار لم يجز. ﴿إني حفيظ عليم﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: حفيظ لما استودعتني عليم بما وليتني، قاله ابن زيد. الثاني: حفيظ بالكتاب، عليم بالحساب، حكاه ابن سراقة، وأنه أول من كتب في القراطيس (٩٧). ٥ الثالث: حفيظ بالحساب، عليم بالألسن، قاله الأشجع عن سفيان. الرابع: حفيظ لما وليتني، قاله قتادة، عليم بسني المجاعة، قاله شيبة الضبي . = دفع مفسدة عامة أو خاصة مع كراهة ما هم عليه من الظلم وعدم ميل النفس إليهم ومحبتها لهم وكراهة المواصلة لهم لولا جلب تلك المصلحة أو دفع تلك المفسدة فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد والأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى ولا تخفى على الله خافية وبالجملة فمن ابتلي بمخالطة من فيه ظلم فعليه أن يزن أقواله وأفعاله وما يأتي وما يذر بميزان الشرع فإن زاغ عن ذلك فعلى نفسها براقش تجني ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى له والأليق به أهـ. (٩٧) وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. ٥١ سورة يوسف الآ ية - ٥٧،٥٦ وفي هذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل، وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات ولكن مخط ص فيما اقترن بوصلة أو تعلق بظاهر من مكسب وممنوع منه فيما سواه لما فيه من تزكية للعاة، ولو تنزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله، فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من االه ولما يرجوه من الظفر بأهله. وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتَنَا مَن نَشَاءُ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٥٧ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ قوله عزوجل: ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض﴾ قال ابن جرير الطبري (٩٨): استخلصه الملك الأكبر الوليد بن الريان على عمل إظفير وعزله. قال مجاهد: وأسلم على يده. قال ابن عباس: ملك بعد سنة ونصف. فروى مقاتل أن النبي و لقد قال (٩٩). ((لو أن يوسف قال: إني حفيظ عليم إن شاء الله لملك في وقته ذلك)). ثم مات إظفير فزوّجه الملك بامرأة إظفير راعيل، فدخل بها يوسف فوجدها عذراء(١٠٠) وولدت له ولدين أفرائيم ومنشا(١٠١) ابني يوسف. ومن زعم أنها زليخا(١٠٢) قال لم يتزوجها يوسف وأنها لما رأته في موكبه بكت، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بالمعصية، وجعل العبيد بالطاعة ملوكاً، فضمها إليه فكانت في عياله حتى ماتت عنده ولم يتزوجها. ﴿يتبوَّأ منها حيث يشاء﴾ فيه وجهان: (٩٨) جامع البيان (١٦ /١٤٧). (٩٩) وهذا حديث مرسل ولم أظفر بمن خرجه. (١٠٠) قال العلامة الألوسي (٥/١٣) وشاع عند القصاص أنها عادت بكراً إكراماً له عليه السلام بعد ما كانت ثيباً غیر شابة وهذا مما لا أصل له)). (١٠١) كذا هنا وفي المطبوعة والذي في الطبري (١٥١/١٦) ((ميشا)). (١٠٢) قال العلامة الألوسي في روح المعاني (٥/١٣) ((وخبر تزويجها أيضاً مما لا يعول عليه عند المحدثين)) . ٥٢ سورة یوسف الآية - ٥٨ - ٦٢ أحدهما: يتخذ من أرض مصر منزلاً حيث يشاء، قاله سعيد بن جبير. الثاني: يصنع في الدنيا ما يشاء لتفويض الأمر إليه، قاله عبد الرحمن بن زيد. ﴿ نصيب برحمتنا من نشاء﴾ يعني في الدنيا بالرحمة والنعمة . ﴿ولا نضيع أجر المحسنين﴾ يعني في الآخرة بالجزاء. ومنهم من حملها على الدنيا، ومنهم من حملها على الآخرة، والأصح ما قدمناه. واختلف فيما أوتيه يوسف من هذا الحال على قولين: أحدهما: ثواب من الله تعالى على ما ابتلاه. الثاني : أنه أنعم بذلك عليه تفضلاً منه، وثوابه باقٍ على حاله في الآخرة. قوله عز وجل ﴿ولأجر الآخرة خيرٌ للذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا من أجر الدنيا، لأن أجر الآخرة دائم، وأجر الدنيا منقطع . الثاني: ولأجر الآخرة خير ليوسف من التشاغل بملك الدنيا ونعيمها لما فيه من التبعة . وَلَمَّا وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَمُ مُنكِرُونَ (شـ جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ آتْنُونِأَخْ لَّكُمْ مِنْ أَبِكُمْ أَلَاتَرَوْنَ أَبِّ أُوْ فِ الْكَيْلَ وَأَنْ فَإِ لَّمْتَأْتُونِ بِ.فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِى وَلَانَقْرَبُونِ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ٦٠ قَالُواْسَنُزَوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّالَفَعِلُونَ (١) وَقَالَ لِفِنْيَنِهِ أَجْعَلُواْ بِضَعَهُمْ فِىِ رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٦٢ قوله عزوجل: ﴿وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه﴾ الآية. قال ابن إسحاق والسدي: وإنماجاءُوا ليمتاروا (١٠٣) من مصر في سني القحط التي ذكرها يوسف في تفسير الرؤيا، ودخلوا على يوسف لأنه كان هو الذي يتولى بيع الطعام لعزته . ﴿فعرفهم﴾ فيه وجهان : أحدهما: أنه عرفهم حين دخلوا عليه من غير تعريف، قاله ابن عباس. (١٠٣) يعني يأخذوا ميرتهم وهو ما يحتاجون إليه من طعام. ٥٣ سورة یوسف الآية - ٥٨ - ٦٢ الثاني : ما عرفهم حتى تعرفوا إليه فعرفهم، قاله الحسن. وقيل بل عرفهم بلسانهم العبراني حين تكلموا به . قال ابن عباس: إنما سميت عبرانية لأن إبراهيم عليه السلام عبر بهم فلسطين فنزل من وراء نهر الأردن فسمّوا العبرانية. ﴿وهم له منكرون﴾ لأنه فارقوه صغيراً فكبر، وفقيراً فاستغنى، وباعوه عبداً فصار ملكاً، فلذلك أنكروه، ولم يتعرف إليهم ليعرفوه . قوله عزوجل: ﴿ولمّا جهزهم بجهازهم﴾ وذلك أنه كال لهم الطعام، قال ابن إسحاق: وحمل لكل رجل منهم بعيراً بعدَّتهم. ﴿قال ائتوني بأخٍ لكم (١٠٤) من أبيكم﴾ قال قتادة: يعني بنيامين وكان أخا يوسف لأبيه وأمه. قال السدي: أدخلهم الدار وقال: قد استربت بكم - تنكر عليهم-فأخبروني من أنتم فإني أخاف أن تكونوا عيوناً، فذكروا حال أبيهم وحالهم وحال يوسف وحال أخيه وتخلفه مع أبيه، فقال: إن كنتم صادقين فائتوني بهذا الأخ الذي لكم من أبیکم، وأظهر لهم أنه يريد أن يستبريء به أحوالهم. وقيل: بل وصفوا له أنه أحَبُّ إلى أبيهم منهم، فأظهر لهم محبة رؤيته. ﴿ألا تروْن أني أوفي الكيلَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أرخص لهم في السعر فصار زيادة في الكيل. الثاني : أنه کال لهم بمکیال واف. ﴿وأنا خير المنزلين﴾ فیه وجهان: أحدهما: يعني خير المضيفين، قاله مجاهد. الثاني : وهو محتمل، خير من نزلتم عليه من المأمونين. فهو على التأويل الأول مأخوذ من النزل وهو الطعام، وعلى التأويل الثاني مأخوذ من المنزل وهو الدار. (١٠٤) فائدة: قال العلامة الألوسي (٨/١٣) ((ولم يقل بأخيكم)) مبالغة في إظهار عدم معرفته لهم کانهلا يدري من هو ولو أضافه اقتضى معرفته لإشعار الإضافة به أ. هـ. ٥٤ سورة يوسف الآية - ٥٨ - ٦٢ قوله عزوجل: ﴿فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي﴾ يعني فيما بعد لأنه قد وفاهم کیلهم في هذه الحال. ﴿ولا تقربون﴾ أي لا أنزلكم عندي منزلة القريب. ولم يُرد أن يبعدوا منه ولا يعودوا إليه لأنه على العود حثهم . قال السدي: وطلب منهم رهينة حتى يرجعوا، فارتهن شمعون عنده. قال الكلبي: إنما اختار شمعون(١٠٥) منهم لأنه يوم الجُبّ كان أجملهم قولاً وأحسنهم رأياً . قوله عز وجل: ﴿قالوا سَتُرَاوِدُ عنه أباه﴾ والمراودة الاجتهاد في الطلب، مأخوذ من الإرادة. ﴿وإنَّا لفاعلون﴾ فيه وجهان: أحدهما: وإنا لفاعلون مراودة أبيه وطلبه منه. الثاني: وإنا لفاعلون للعود إليه بأخيهم، قاله ابن إسحاق. فإن قيل: كيف استجاز يوسف إدخال الحزن على أبيه بطلب أخيه؟ قيل عن هذا أربعة أجوبة: أحدها: يجوز أن يكون الله عز وجل أمره بذلك ابتلاء ليعقوب ليُعظم له الثواب فاتّبع أمره فيه (١٠٦). الثاني : يجوز أن يكون أراد بذلك أن ينبه يعقوب على حال يوسف. الثالث: لتضاعف المسرة ليعقوب برجوع ولديه عليه . والرابع: ليقدم سرور أخيه بالاجتماع معه قبل إخوته لميله إليه. قوله عزوجل: ﴿وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص (١٠٧) ﴿لفتیانه﴾ وفيهم قولان: أحدهما: أنهم غلمانه، قاله قتادة. الثاني : أنهم الذين كالوا لهم الطعام، قاله السدي . (١٠٥) وقيل يهوذا وهو المشهور، راجع روح المعاني (٨/١٣). (١٠٦) قال ابن الجوزي في زاد المسير عن هذا القول (٢٤٨/٤) ((وهذا الأظهر)) وبعد أن سرد الأقوال قال ((كل هذه الأجوبة مدخولة إلا الأول فإنه الصحيح)). (١٠٧) وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمر وأبو بكر عن عاصم ((لفتيته)) زاد المسير (٢٤٩/٤) والمبسوط ص ٢٤٧ . ٥٥ سورة يوسف الآية - ٦٤،٦٣ وفي بضاعتهم قولان: أحدهما: أنها وَرِقهم (١٠٨) التي ابتاعوا الطعام بها. الثاني: أنها كانت ثمانية جُرُب فيها سويق المقل، قاله الضحاك. وقال بعض العلماء: نبه الله تعالى برد بضاعتهم إليهم على أن أعمال العباد تعود إليهم فيما يثابون إليه من الطاعات ويعاقبون عليه من المعاصي . ﴿لعلهم يعرفونها﴾ أي ليعرفوها .. ﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم﴾ يعني رجعوا إلى أهلهم، ومنه قوله تعالى ﴿فانقلبوا بنعمة من الله﴾ [آل عمران: ١٧٤]. ﴿لعلهم يرجعون﴾ أي ليرجعوا. فإن قيل: فلم فعل ذلك يوسف؟ قيل: يحتمل أوجهاً خمسة: أحدها: ترغيباً لهم ليرجعوا، على ما صرّح به. الثاني: أنه علم منهم أنهم لا يستحلّون إمساكها، وأنهم يرجعون لتعريفها . الثالث: ليعلموا أنه لم يكن طلبه لعودهم طمعاً في أموالهم. الرابع : أنه خشي أن لا يكون عند أبيه غيرها للقحط الذي نزل به. الخامس: أنه تحرج أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن قوتهم مع شدة حاجتهم. فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِهِمْ قَالُواْيَأَ بَنَا مُنِعَ مِنَّالْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانًا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ ﴾ قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّكَمَآ أَمِنُكُمْ صلى ٦٤ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَفِظَاً وَهُوَ أَرْحَمُ الزَّحِمِينَ قوله عز وجل: ﴿فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكيل﴾ واختلفوا في نزلهم الذي رجعوا إلیه إلى أبيهم على قولين: أحدهما: بالعربات (١٠٩) من أرض فلسطين. (١٠٨) الورٍق بكسر الراء مفتوح ما قبلها هو الفضة والمراد به هنا الدراهم التي كانوا يدفعونها لشراء الحاجيات. (١٠٩) هو وادي في جنوب البحر الميت في فلسطين. معجم البلدان لياقوت الحموي. ٥٦ سورة يوسف الآية - ٦٦،٦٥ الثاني: بالأولاج (١١٠) من ناحية الشعب أسفل من حمس . وكان صاحب بادية له شاءٌ وإبل. ﴿قالوا يا أبانا منع منا الكيل﴾ أي سيمنع منا الكيل إن عدنا بغير أخينا لأن ملك مصر ألزمنا به وطلبه منا إما ليراه أو ليعرف صدقنا منه. ﴿فأرسل معنا أخانا نكتَل﴾ أي إن أرسلته معنا أمكننا أن نعود إليه ونكتال منه. ﴿وإنا له لحافظون﴾ ترغيباً له في إرساله معهم. فلم يثق بذلك منهم لما كان منهم في يوسف. ﴿قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل﴾ لأنهم ضمنوا له حفظ يوسف فأضاعوه، فلم يثق بهم فيما ضمنوه . ﴿فالله خير حافظاً﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص (١١١) ﴿حافظاً﴾ يعني منكم لأخیکم . ﴿وهو أرحم الراحمين﴾ یحتمل وجهين: أحدهما: أرحم الراحمين في حفظ ما استودع. والثاني : أرحم الراحمين فيما يرى من حزني . وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمِّ قَالُوْيَتَأَ بَنَا مَا نَبْغِىّ هَذِهِ، بِضَعَتْنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَنَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيْرٍ ◌َ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْنِقًامِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ٦٥ لَتَأُنِّى بِهِإِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّاءَ اتَوْهُ مَوْئِقَهُمْ قَالَ اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ( قوله عز وجل: ﴿ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم رُدَّتْ إليهم﴾ أي وجدوا التي كانت بضاعتهم وهو ما دفعوه في ثمن الطعام الذي امتاروه. ﴿قالوا يا أبانا ما نبغي﴾ فیه وجهان: (١١٠) الأولاج وحمس: اسم لجبلين في الأراضي السعودية راجع معجم البلدان لياقوت. (١١١) وفيها قراءة أخرى وهي ((حفظاً)) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبي بكر عن عاصم وعلى هذه القراءة يكون المعنى فالله خير حفظاً من حفظكم، راجع زاد المسير (٢٥١/٤). ٥٧ سورة يوسف الآية - ٦٥، ٦٦ أحدهما: أنه على وجه الاستفهام بمعنى ما نبغي بعد هذا الذي قد عاملنا به، قاله قتادة . الثاني : معناه ما نبغي بالكذب فيما أخبرناك به عن الملك، حكاه ابن عيسى . ﴿هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ احتمل أن يكون قولهم ذلك له تعريفاً واحتمل أن يكون ترغيباً، وهو أظهر الاحتمالین. ﴿ونمير أهلنا﴾ أي نأتيهم بالميرة، وهي الطعام المقتات، ومنه قول الشاعر (١١٢): بعثتك مائراً فمكثت حولاً متى يأتي غيائك من تغيث. ﴿ونمير أهلنا﴾ هذا ترغيب محض ليعقوب. ﴿ونحفظ أخانا﴾ وهذا استنزال. ﴿ونزداد کیل بعير﴾ وهو ترغیب وفيه وجهان: أحدهما: كيل البعير نحمل عليه أخانا. والثاني: كيل بعير هو نصيب أخينا لأن يوسف قسّط الطعام بين الناس فلا يعطى الواحد أكثر من حمل بعیر . . ﴿ذلك گيْلٌ يسير﴾ فیه وجهان: أحدهما: أن الذي جئناك به كيل يسير لا ينفعنا. .والثاني: أن ما نريده يسير على من يكيل لنا، قاله الحسن. فيكون على الوجه الأول استعطافاً، وعلى الثاني تسهيلاً. وفي هذا القول منهم وفاءً، ليوسف فيما بذلوه من مراودة في اجتذاب أخيهم لأنهم قد راودوه من سائر جهات المراودة ترغيباً واستنزالاً واستعطافاً وتسهيلاً. قوله تعالى: ﴿قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله﴾ في هذا الموثق ثلاثة أوجه : أحدها: أنه إشهادهم الله على أنفسهم. الثاني: أنه حلفهم بالله(١١٣)، قاله السدي. (١١٢) أورده الطبري (١٦٢/١٦) ولم ينسبه لأحد. (١١٣) وهو قول اكثر المفسرين. ٥٨ سورة يوسف الآية - ٦٧، ٦٨ الثالث: أنه كفيل يتكفل بهم (١١٤) . ﴿لتأتني به إلاّ أن يحاط بكم﴾ فیه وجهان: أحدهما : یعني إلا أن يهلك جمیعکم، قاله مجاهد. الثاني: إلا أن تُغلَبوا على أمركم، قاله قتادة. وَقَالَ يَبَنِىَّ لَاتَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْ خُلُواْ مِنْ أَبْوَبٍ مُتَفَرِقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوََّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنِهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٦٨ قوله عز وجل: ﴿وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد ... ﴾ يعني لا تدخلوا مصر من باب واحد، وفيه وجهان: أحدها: يعني من باب واحد من أبوابها . ﴿وادخلوا من أبواب متفرقة﴾ ، قاله الجمهور. الثاني: من طريق واحد من طرقها ﴿وادخلوا من أبواب متفرقة﴾ أي طرق، قاله السدي . وفیما خاف عليهم أن يدخلوا من باب واحد قولان: أحدهما : أنه خاف عليهم العین لأنهم كانوا ذوي صور وجمال، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أنه خاف عليهم الملك أن يرى عددهم وقوتهم فيبطش بهم حسداً أو حذراً، قاله بعض المتأخرين. ﴿وما أغني عنكم من الله من شيءٍ﴾ أي من أي شيء أحذره عليكم فأشار عليهم في الأول، وفوض إلى الله في الآخر. (١١٤) وفيه قول ثالث وهو أنه أحب أن يَلقَوا يوسف في خلوه وهو قول إبراهيم النخعي راجع زاد المسير (٤ / ٢٥٤). .٠ ٥٩ سورة يوسف الآية - ٦٩ قوله عز وجل: ﴿ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيءٍ﴾ أي لا يرد حذر المخلوق قضاءَ الخالق. ﴿إِلَّ حاجة في نفس يعقوب قضاها﴾ وهو حذر المشفق وسكون نفسه بالوصية أن يتفرقوا خشية العين. ﴿وإنه لذو علم لما علمناه﴾ فيه ثلاثة أوجه(١١٥): أحدها: إنه لعامل (١١٦) بما علم، قاله قتادة. الثاني: لمتيقن بوعدنا، وهو معنى قول الضحاك. الثالث: إنه لحافظ لوصيتنا، وهو معنى قول الكلبي : وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنَّ أَنَأْ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُواْيَعْمَلُونَ ٦٩ قوله عز وجل: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه﴾ قال قتادة: ضمّهُ إليه وأنزله معه . ﴿قال إني أنا أخوك﴾ فیه وجهان: أحدهما : أنه أخبره أنه یوسف أخوه، قاله ابن إسحاق. الثاني: أنه قال له: أنا أخوك مكان أخيك الهالك، قاله وهب. ﴿فلا تبتئس بما كانوا يعملون﴾ فیه وجهان: أحدهما: فلا تأسف، قاله ابن بحر. الثاني : فلا تحزن بما كانوا يعملون. وفيه وجهان : أحدهما: بما فعلوه في الماضي بك وبأخيك. الثاني : باستبدادهم دونك بمال أبيك. (١١٥) وزاد ابن الجوزي في زاد المسير أربعة أقوال راجعها هناك (٢٥٥/٤). (١١٦) قال ابن الأنباري سمي العمل علماً لأن العلم أول أسباب العمل نقله ابن الجوزي في زاد المسير (٤ / ٢٥٤). ٦٠