Indexed OCR Text

Pages 21-40

سورة يوسف الآية - ٢٢،٢١
أحدها: ببلوغ الحلم، قاله الشعبي وربيعة وزيد بن أسلم.
الثاني : ثماني عشرة سنة، قاله سعيد بن جبير.
الثالث: عشرون سنة، قاله ابن عباس والضحاك.
الرابع : خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة.
الخامس: ثلاثون سنة، قاله السدي .
السادس: ثلاث وثلاثون سنة. قاله الحسن ومجاهد وقتادة.
هذا أول الأشد، وفي آخر الأشد قولان:
أحدهما: أنه أربعون سنة، قاله الحسن.
الثاني: أنه ستون سنة، حكاه ابن جرير الطبري (٣٠)، وقال سُحَيْم بن وثيل
الرياحي (٣١):
أخو خمسين مجتمع أشُدّي وتجذّني مداورة الشئون
وفي المراد ببلوغ الأشد في يوسف قولان:
أحدهما: عشرون سنة، قاله الضحاك.
الثاني : ثلاثون سنة، وهو قول مجاهد.
﴿آتيناه حكماً وعلماً﴾ في هذا الحكم الذي آتاه خمسة أوجه:
أحدها: العقل، قاله مجاهد.
الثاني : الحكم على الناس.
الثالث: الحكمة في أفعاله.
الرابع: القرآن، قاله سفيان.
الخامس: النبوة، قاله السدي .
وفي هذا العلم الذي آتاه وجهان :
أحدهما: الفقه، قاله مجاهد.
الثاني: النبوة، قاله ابن أبي نجيح.
ويحتمل وجهاً ثالثاً: أنه العلم بتأويل الرؤيا(٣٢).
(٣٠) جامع البيان (٢١/١٦).
(٣١) اللسان ((تجذ)).
قال العلامة الألوسي قوله ((وعلماً)) يعني علم تأويل الرؤيا وخص بالذكر لأنه غير داخل فيما قبله أو =
٢١

سورة يوسف الآية - ٢٣
﴿وکذلك نجزي المحسنين﴾ فيه وجهان :
أحدهما: المطيعين.
الثاني: المهتدین، قاله ابن عباس.
والفرق بين الحكيم والعالم أن الحكيم هو العامل بعلمه، والعالم هو المقتصر
على العلم دون العمل.
وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَعَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ
قَالَ مَعَاذَاللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَنْوَىٌّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الَّالِمُونَ
٢٣
﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه﴾ وهي راعيل امرأة العزيز إظفير. قال
الضحاك: وكان اسمها زليخا(٣٣).
:
قال محمد بن إسحاق: وكان إظفير فيما يحكى لنا رجلاً لا يأتي النساء وكانت
امرأته حسناء، وكان يوسف عليه السلام قد أعطي من الحسن ما لم يعطه أحد قبله ولا
بعده كما لم يكن في النساء مثل حواء حسناً. قال ابن عباس: اقتسم يوسف وحواء
الحسن نصفين.
فراودته امرأة العزيز عن نفسه استدعاء له إلى نفسها.
﴿وغلقت الأبواب﴾ فيه وجهان:
أحدهما: بتكثير الأغلاق.
الثاني : بكثرة الإیثاق.
﴿وقالت هيت لك﴾ فیه وجهان:
أحدهما: معناه تهيأت لك، قاله عكرمة وأبو عبد الرحمن السلمي، وهذا تأويل
من قرأ (٣٤) بكسر الهاء وترك الهمز، وقال الشاعر (٣٥):
قد رابني أن الكرى أسكتا لو كان معنياً بها لهيتا
= أفرد بالذكر لأنه مما له شأن ليوسف عليه السلام به اختصاص تام كذا قيل أ. هـ.
(٣٣) وقيل هو لقبها راجع روح المعاني (١٢ /٢٠٧).
(٣٤) وهي قراءة نافع وابن عامر زاد المسير (٢٠١/٤) والمبسوط (ص ٢٤٥).
(٣٥) والبيت في اللسان ((هيت)) وغريب القرآن (٢١٥) والصماخ ((هيت)) والقرطبي (١٦٥/٩).
٢٢

سورة يوسف الآ ية - ٢٤
الثاني: هلم لك، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وأنشد أبو عمرو بن
العلاء : (٣٦):
أخا العراق إذا أتيتا
أبلغ أمير المؤمنين
عنق إليك، فهيت هيتا
أن العراق وأهله
وهذا تأويل من قرأ هيت لك بفتح الهاء وهي أصح وأفصح، قال طرفة بن
العبد (٣٧):
ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة: هيتا
ثم اختلف قائلو هذا التأويل في الكلمة فحكى عطية عن ابن عباس أن ﴿هيت
لك﴾ كلمة بالقبطية معناها هلم لك، وقال مجاهد بل هي كلمة عربية هذا معناها وقال
الحسن: هي كلمة سريانية .
﴿قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي﴾ أي أعوذ بالله.
وفي ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾ وجهان : ..
أحدهما: إن الله ربي أحسن مثواي فلا أعصيه، قاله الزجاج.
الثاني : أنه أراد العزيز إظفير إنه ربي أي سيدي أحسن مثواي فلا أخونه. قاله
مجاهد وابن إسحاق والسدي.
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ ◌ِهَا لَوْلَا أَن رَّمَا بُرْهَنَ رَبِّهٍ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
٢٤
السُّوَءَ وَالْفَحْشَاءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ
قوله عزوجل: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾ أما همها به
ففيه قولان :
أحدهما: أنه كان هَمَّ شهوة .
الثاني : أنها آستلقت له وتهیأت لمواقعته.
وأما همّه بها ففيه ستة أقاويل :
(٣٦) مجاز القرآن (٣٠٠/١) والطبري (٢٠/١٦) واللسان (هيت) و (عنق) وفي اللسان سلم إليك.
(٣٧) أورده الطبري (١٦ /٣٠) والشطر الثاني منه:
قال داع من العشيرة هيتُ.
٢٣

سورة يوسف الآية - ٢٤
أحدها: أنه همّ بها أن يضربها حين راودته (٣٨) عن نفسه ولم يهم بمواقعتها
قاله بعض المتأخرين.
الثاني: أن قوله ولقد همت به كلام تام قد انتهى، ثم ابتدأ الخبر عن يوسف
فقال ﴿وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾ ومعنى الكلام لولا أن رأى برهان ربه همَّ
بها (٣٩) ، قاله قطرب.
الثالث: أن همها كان شهوة، وهمه كان عفة.
الرابع: أن همه بها لم يكن عزماً وإرادة (٤٠) وإنما كان تمثيلاً (٤١) بين الفعل
والترك، ولا حرج في حديث النفس إذا لم يقترن به عزم ولا فعل، وأصل الهم حديث
النفس حتى يظهر فيصير فعلاً، ومنه قول جميل (٤٢) :
هممت بهم من بثينة لو بدا
شفيت غليلات الهوى من فؤاديا
الخامس: أن همه كان حركة الطباع التي في قلوب الرجال من شهوة النساء
وإن کان قاهراً له وهو معنی قول الحسن.
السادس: أنه هم بمواقعتها وعزم عليه. قال ابن عباس : وحل الهميان (٤٣)
(٣٨) وهو قول ذكره ابن الأنباري ويؤيده قوله تعالى ﴿وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل
ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب﴾ [غافر: ٥] وإلى هذا القول ذهب ابن حزم في الفصل
(٤ / ١٠).
(٣٩) وهذا بناء على التقديم والتأخير قال العلامة الشوكاني في فتح القدير (١٧/٣): ولما كان الأنبياء
معصومين عن الهم بالمعصية والقصد إليها شطح أهل العلم في تفسير هذه الآية بما فيه نوع تكلف
فمن ذلك ما قاله أبو حاتم قال: كنت أقرأ على أبي عبيدة غريب القرآن فلما أتيت على ﴿ولقد همت به
وهم بها﴾ قال: هذا على التقديم والتأخير كأنه قال ((ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها)).
(٤٠) وهذا القول بين أن هناك فرقاً بين الهمين فإن قيل إن القرآن سوى بين الهمين فلم فرقتم أجاب عن
هذا العلامة ابن الجوزي قائلاً إن الاستواء وقع في بداية الهمة ثم ترقت همتها إلى العزيمة بدليل
مراودتها واستلقائها بين يديه ولم تتعد همته مقامها بل نزلت عن رتبتها وانحل معقودها بدليل هربه منها
وقوله معاذ الله وعلى هذا تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم أ. هـ زاد المسير (٢٠٥/٤).
(٤١) كذا في المطبوعة وهو خطأ والصواب تمييلا والتصويب من الطبري (٣٩/١٦).
(٤٢) ذكره في فتح القدير (١٧/٣) والشطر الأول فيه هممت بهم من بثينة لؤلؤ ولعل فيه تحريف والله.
أعلم .
(٤٣) قال العلامة ابن الجوزي رحمه الله في زاد المسير (٢٠٥/٤): ((ولا يصح ما يروى عن المفسرين من
أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل فإنه لو كان هذا دل على العزم والأنبياء معصومون من العزم
على الزنا)» أ. هـ.
=
٢٤

سورة يوسف الآية - ٢٤
يعني السراويل وجلس بين رجليها مجلس الرجل من المرأة، وهو قول جمهور
المفسرين (٤٤).
فإن قيل: فكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا الفعل وهو نبي الله عز
وجل؟
قيل: هي منه معصية، وفي معاصي الأنبياء ثلاثة أوجه:
أحدها: أن كل نبي ابتلاه الله بخطيئة إنما ابتلاه ليكون من الله تعالى على
وجل إذا ذكرها فيجدّ في طاعته إشفاقاً منها ولا يتكل على سعة عفوه ورحمته.
الثاني: أن الله تعالى ابتلاهم بذلك ليعرفهم موقع نعمته عليهم بصفحه عنهم
وترك عقوبتهم في الآخرة على معصيتهم.
الثالث: أنه ابتلاهم بذلك ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء رحمة الله
وترك الإياس في عفوه عنهم إذا تابوا.
وفي قوله تعالى ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ ستة أقاويل:
أحدها: أن برهان ربه الذي رآه أن نودي بالنهي عن مواقعة الخطيئة، قال ابن
عباس: نودي يا ابن يعقوب تزني فيكون مثلك مثل طائر سقط ريشه فذهب يطير فلم
يستطع .
الثاني: أنه رأى صورة يعقوب وهو يقول: يا يوسف أنهمُّ بفعل السفهاء وأنت
مكتوب في الأنبياء؟ فخرجت شهوته من أنامله (٤٥) ، قاله قتادة ومجاهد والحسن
وسعید بن جبیر.
= قلت: ومن العزم على غيره من المعاصي والموبقات.
(٤٤) كالقشيري وابن الأنباري وغيرهم كما حكاه القرطبي في تفسيره (١٦٦/٩) قال الشوكاني في فتح
القدير (١٨/٣) وقد ذهب جمهور المفسرين من السلف والخلف إلى ما قدمنا من حمل اللفظ على
معناه اللغوي ويدل على هذا ما سيأتي من قوله ﴿ذلك ليعلم أني لم أخته بالغيب﴾ وقوله ﴿وما أبرىء
نفسي﴾ ومجرد الهم لا ينافي العصمة فإنها قد وقعت العصمة عن الوقوع في المعصية وذلك المطلوب
أ. هـ. وقد توسع العلامة الألوسي في تفسير الهم والقول الصحيح فيه في (١٢٣/١٢ - ٢١٦) ومن
جملة ما قال ((وبالجملة لا ينبغي التعويل على ما شاع من الأخبار والعدول عما ذهب إليه المحققون
الأخيار وإياك والهم بنسبة تلك الشنيعة إلى ذلك الجناب بعد أن كشف الله سبحانه عن بعد بصيرتك
فرأيت برهان ربك بلا حجاب أ. هـ.
(٤٥) وهذه الروايات والأقوال التي هنا في تفسير البرهان أغلبها من الإسرائيليات التي لم يعرف لها سند =
٢٥

سورة يوسف الآية - ٢٤
قال مجاهد: فولد لكل واحد من أولاد يعقوب اثنا عشر ذكراً إلا يوسف فلم يولد
له إلا غلامان ونقص بتلك الشهوة ولده.
الثالث: أن البرهان الذي رآه ما أوعد الله تعالى على الزنى، قال محمد بن
كعب القرظي: رأى كتاباً على الحائط: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء
سبيلاً﴾ (الإسراء: ٣٢].
الرابع: أن البرهان الذي رآه. الملك إظفير سيده، قاله ابن إسحاق.
الخامس: أن البرهان الذي رآه هو ما آتاه الله تعالى من آداب آبائه في العفاف
والصيانة وتجنب الفساد والخيانة، قاله ابن بحر.
السادس: أن البرهان الذي رآه أنه لما همت به وهم بها رأى ستراً فقال لها: ما
وراء هذه الستر؟ فقالت: صنمي الذي أعبده أستره استحياء منه. فقال: إذا استحيت
مما لا يسمع ولا يبصر فأنا أحق أن أستحي من إلهي وأتوقاه، قاله الضحاك(*).
كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء﴾ فيها وجهان :
أحدهما: أن السوء الشهوة، والفحشاء المباشرة .
الثاني : أن السوء عقوبة الملك العزيز. والفحشاء مواقعة الزنى.
﴿إنه من عبادنا المخلصين﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر المخلصين
بكسر اللام، وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله تعالى.
وقرأ الباقون بفتح اللام، وتأويلها الذین أخلصهم الله برسالته، وقد کان یوسف
عليه السلام بهاتين الصفتين (٤٦) لأنه كان مخلصاً في طاعة الله تعالى، مستخلصاً
لرسالة الله.
= ثابت وصحيح ولم يعرف بين الروايات التي ذكرت رواية مرفوعة يمكن الركون اليها والصواب أن يقال
في البرهان أنه عليه السلام رأي حجج الله الباهرة الدالة على كمال قبيح الزنا وسوء سبيله والمراد برؤيته
للبرهان كمال إيقانه عليه السلام ومشاهدته له بحيث يصير الى مرتبة عين اليقين وعلى هذا فإن البرهان
علم ما أحل الله مما حرم الله كما هو قول محمد بن كعب القرظي قال ابن الجوزي رحمه الله ((وهذا هو
القول الصحيح وما تقدم فليس بشيء إنما هي أحاديث من أعمال القصاص)) أهـ زاد المسير (٢٠٩/٤)
وروح المعاني (٢١٣/١٢).
(*) وفي نسخه للمخطوطة قول بأن البرهان هو الملك قاله ابن إسحاق.
(٤٦) قال العلامة الألوسي رحمه الله في روح المعاني (٢١٧/١٢): ولا يخفى ما في التعبير بالجملة =
٢٦

سورة یوسف الآية - ٢٥ - ٢٩
وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَهَا الْبَابِ قَالَتْ مَا
جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِمٌ ®قَالَ هِىَ رَوَدَتْنِ
عَن نَفْسِى وَشَهِدَ شَاهِدٌمِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قَدَّمِن قَبُلٍ
فَضَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُلَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ
مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ فَلَمَّارَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ
(٢٨
كَيْدَكَنَّ عَظِيمٌ
◌َ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ
مِنَ الْخَاطِئِينَ
قوله عزوجل: ﴿واستبقا الباب﴾ أي أسرعا إليه، أما يوسف فأسرع إليه هرباً،
وأما امرأة العزيز فأسرعت إليه طلباً.
﴿وقَدت قميصه من دبر﴾ لأنها أدركته وقد فتح بعض الأغلاق فجذبته من ورائه
فشقت قميصه إلی ساقه، قال ابن عباس: وسقط عنه وتبعته.
﴿وألفيا سيدها لَدى الباب﴾ أي وجدا زوجها عند الباب. قال أبو صالح:
والسيد هو الزوج بلسان القبط.
﴿وقالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلّ أن يسجن أو عذابٌ أليم﴾ هذا قولها
لزوجها لتدفع الريبة عن نفسها بإلقائها على يوسف، ولو صدق حبها لم تفعل ذلك به
ولآثرته على نفسها، ولكنها شهوة نزعت ومحبة لم تصف. وذلك أنه لما اقترن شدة
حبها بالشهوة طلبت دفع الضرر بالتكذيب عليه، ولو خلص من الشهوة لطلبت دفع
الضرر عنه بالصدق.
﴿قال هي راودتني عن نفسي﴾ لأنها لما برأت نفسها بالكذب عليه احتاج أن
يبرىء نفسه بالصدق عليها، ولو كفت عن الكذب عليه لكف عن الصدق عليها.
وشهد شاهد من أهلها﴾ لأنهما لما تعارضا في القول احتاج الملك الى
= الاسمية من الدلالة على انتظامه عليه السلام في أولئك العباد الذين هم من أولي الأمر لا أنه حدث
له ذلك بعد أن لم یکن وفي هذاعندذوي الألباب ما ينقطع معه عذر أولئك المتشبثين بأذيال هاتيك
الأخبار التي ما أنزل الله تعالى بها من كتاب أ. هـ.
٢٧

سورة يوسف الآ ية - ٢٥ - ٢٩
شاهد يعلم به صدق الصادق منهما من الكاذب، فشهد شاهد (٤٧) من أهلها، أي
حكم حاكم من أهلها لأنه حكم منه وليس شهادة.
وفيه أربعة أقاويل:
أحدها: أنه صبي أنطقه الله تعالى في مهده، قاله ابن عباس وأبو هريرة
والحسن وسعيد بن جبير والضحاك.
الثاني : أنه خلق من خلق الله تعالى ليس بإنس ولا جن (٤٨) ، قاله مجاهد.
الثالث: أنه رجل حكيم من أهلها، قاله قتادة. قال السدي وكان ابن عمها.
الرابع: أنه عنى شهادة القميص المقدود، قاله مجاهد أيضاً(٤٩).
﴿إِن کان قميصه قد مِن قُبل فصدقت وهو من الكاذبين﴾
﴿وإن كان قميصه قد من حُهر فكذبت وهو من الصادقين﴾ لأن الرجل إذا طلب
المرأة كان مقبلاً عليها فيكون شق قميصه من قبله دليلاً على طلبه. وإذا هرب من
المرأة کان مدبراً عنها فیکون شق قميصه من دبره دليلاً علی هربه.
وهذه إحدى الآيات الثلاث في قميصه: إن كان قُدَّ من دبر فكان فيه دليل على
صدقه، وحين جاءوا على قميصه بدم كذب، وحين ألقي على وجه أبيه فارتدّ
بصيراً (٥٠).
﴿فلما رأى قميصه قُدَّ من دُبُرٍ قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ علم بذلك
صدق یوسف فصدّقه وقال إنه من کیدکن (٥١).
وفي الکید هنا وجهان:
أحدهما : یعني به كذبها عليه.
(٤٧) قال العلامة الألوسي رحمه الله (٢٢١/١٢) .. وجعل الله تعالى انشاهد من أهلها قيل ليكون أدل
على نزاهته عليه السلام وأنفى للتهمة وألزم لها أ. هـ.
(٤٨) وقد عقب الشوكاني على هذا القول في فتح القدير (٢٠/٣) بقوله: ((لعله لم يستحضر قوله تعالى ﴿من
أهلها﴾ .
(٤٩) وعقب على قول مجاهد هذا العلامة الألوسي في روح المعاني (٢٢١/١٢) بقوله ((ليس بشيء كما لا
یخفی».
(٥٠) راجع التعليق رقم ٢٩ .
(٥١) يعني كأنه قال أنت التي راودتيه فلم يفعل وفر فاجتذبتيه فشققت قميصه فهو الصادق في إسناد المراودة
إليك وأنت الكاذبة في نسبة السوء إليه روح المعاني (٢٢٤/١٢).
٢٨

سورة يوسف الآية - ٣٠ - ٣٢
الثاني : أنه أراد السوء الذي دعته إليه .
وفي قائل ذلك قولان:
أحدهما: أنه الزوج، قاله محمد بن إسحاق.
الثاني : أنه الشاهد، حكاه علي بن عيسى .
قوله عز وجل : ﴿یوسف أعرض عن هذا﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أعرض عن هذا الأمر، قال قتادة: على وجه التسلية له في ارتفاع الإثم.
الثاني: أعرض عن هذا القول، قاله ابن زيد على وجه التصديق له في البراءة
من الذنب.
﴿واستغفري لذنبك﴾ هذا قول الملك لزوجه وهو القائل ليوسف أعرض عن
هذا. وفيه قولان :
أحدهما: أنه لم يكن غيوراً فلذلك كان ساكتاً .
الثاني : أن الله تعالى سلبه الغيرة وكان فيه لطف بیوسف حتى کفی بادرته وحلم
عنها فأمرها بالاستغفار من ذنبها توبة منه وإقلاعاً عنه.
﴿إنك كنت من الخاطئين﴾ يعني من المذنبين، يقال لمن قصد الذنب خَطِىءَ،
ولمن لم يقصده أخطأ، وكذلك في الصوب والصواب، قال الشاعر (٥٢):
لعمرك إنما خطئي وصوبي عليّ وإنما أهلكت مالي
وقال من الخاطئين ولم يقل من الخاطئات لتغليب المذكر على المؤنث.
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ آمْرَأَتُّ الْعَزِيزِتُرَوِدُ فَتَنِهَا عَن نَّفْسِهِ، قَدْ شَغَفَهَا
فَمَا سَمِعَتْ بِمَكْرِ هِنَّأَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ
٣
◌ُّ إِنَّا لَرَنِهَا فِ ضَلِمُّبِينٍ
◌َنَّمُنَّكَا وَءَاتَتْ كُلّ ◌َحِدَةٍ مِنْهُنَ سِكِينًا وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَلَتِهِنَّ فَلَمَّارَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ
وَقَطَّعْنَ أَبْدِ يَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِمَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلََّ مَلَكٌ كَرِيِّمُ ﴿قَالَتْ
فَذَلِكُنَّالَّذِىِ لُمْتُنَِّ فِيَّةٍ وَلَقَدْ رَوَدِّتُ عَنْ نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمَ وَلَيِنِ لَّمْ يَفْعَلْ
(٥٢) هو أوس بن غلفاء والبيت في اللسان (صوب)، ونوادر ابن زيد، وطبقات فحول الشعراء ١٤٠ ومجاز
القرآن (٢٤١/١) ورواية اللسان دعيني انما خطئي وصوبي وفي رواية أخرى ذريني إنما خطئي وصوبي.
٢٩

سورة يوسف الآية - ٣٢ - ٣٤
] قَالَ رَبٍّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَ مِمَّا
٣٢
مَآءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّغِرِينَ
ووو،د. //
يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ وَإِلَّ تَصْرِفْ عَنِى كَيْدَ هُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنُ مِنَ الْجَهِنَ
٣٣
فَأَسْتَجَابَ لَهُرَبّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ لَيْدَ هُنَّإِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيِمُ لـ
قوله تعالى: ﴿وقال نسوة في المدينة﴾ قال جويبر: كن أربعاً: امرأة الحاجب
وامرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة القهرمان. قال مقاتل: وامرأة صاحب السجن وفي
هذه المدينة قولان :
أحدهما: مصر.
الثاني : عین شمس.
﴿امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه﴾ قلن ذلك ذماً لها وطعناً فيها وتحقيقاً لبراءة
یوسف وإنكاراً لذنبه.
والعزيز اسم الملك مأخوذ من عزته، ومنه قول أبي دؤاد (٥٣):
جلبت عند عزيز يوم طل
غاص عليها تاجر
درة
﴿قد شغفها حبّاً﴾ أي قد دخل حبه من شغاف قلبها. وفي شغاف القلب خمسة
أقاويل :
أحدها: أنه حجاب القلب، قاله ابن عباس.
الثاني: أنه غلاف القلب وهو جلدة رقيقة بيضاء تكون على القلب وربما
سميت لباس القلب، قاله السدي وسفيان .
الثالث: أنه باطن القلب، قاله الحسن، وقيل هو حبة القلب.
الرابع: أنه ما يكون في الجوف، قاله الأصمعي .
الخامس: هو الذعر والفزع الحادث عن شدة الحب، قاله إبراهيم.
وقد قرىء في الشواذ عن ابن محيصن: قد شعفها حباً (بالعين غير معجمة)
واختلف في الفرق بينهما على قولين:
(٥٣) البيت أورده الطبري (٦٢/١٦).
٣٠

سورة يوسف الآية - ٣٢ - ٣٤
أحدهما: أن الشغف بالغين معجمة هو الجنون(*) وبالعين غير معجمة هو
الحب، قاله الشعبي .
والثاني: أن الشغف بالإعجام الحب القاتل، والشعف بغير إعجام دونه، قاله
ابن عباس وقال أبو ذؤيب:
فلا وجْدَ إلا دُون وجْدٍ وجَدته أصاب شغافَ القلب والقلبُ يشغف
﴿إنا لنراها في ضلال مبين﴾ فيه وجهان:
أحدهما: في ضلال عن الرشد وعدول عن الحق.
الثاني: معناه في محبة شديدة. ولما اقترن شدة حبها بالشهوة طلبت دفع
الضرر عن نفسها بالكذب عليه، ولو خلص من الشهوة طلبت دفع الضرر عنه بالصدق
على نفسها .
قوله عزوجل : ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه ذمهن لها وإنكارهن عليها .
الثاني: أنها أسرت إليهن بحبها له فأشعْن ذلك عنها.
﴿أرسلت الیهن وأعتدت لهن متكأ﴾ وفي ﴿أعتدت﴾ وجهان:
أحدهما: أنه من الإعداد.
الثاني : أنه من العدوان .
وفي (المُتْكَأ) ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه المجلس، قاله ابن عباس والحسن.
والثاني : أنه النمارق والوسائد يتكأ عليها، قاله أبو عبيدة والسدي.
الثالث: أنه الطعام مأخوذ من قول العرب اتكأنا عند فلان أي طعمنا عنده،
وأصله أن من دعي إلى طعام أعد له متكأ فسمي الطعام بذلك متكأ على الاستعارة.
فعلى هذا أي الطعام هو؟
فيه أربعة أقاويل:
أحدها: أنه الزُّماورد (٥٤) ، قاله الضحاك وابن زيد.
(*) وفي نسخة للمخطوطة الحيوان وهو خطأ والصواب ما أثبتناه.
(٥٤) هو الرقاق الملفوف باللحم وغيره أو هو شيء يشبه الأترج وفي الطبري (١٦ / ٧٠) البزماورد بدلاً من
الزماورد.
٣١

سورة يوسف الآية - ٣٢ - ٣٤
الثاني: أنه الأترج، قاله ابن عباس ومجاهد وهو وتأويل من قرأها مخففة غير
مهموزة، والمتّك في كلامهم الأترج، قال الشاعر (٥٥) :
وترى المتك بيننا مستعارا
نشرب الإثم بالصُّواع جهارا
والإثم: الخمر، والمتك: الأترج.
الثالث: أنه كل ما يجز بالسكين وهو قول عكرمة لأنه في الغالب يؤكل على
متکا .
الرابع: أنه كل الطعام والشراب على عمومه، وهو قول سعيد بن جبير وقتادة.
﴿وآتت كلَّ واحدة منهن سكيناً وقالت اخرج عليهن﴾ وإنما دفعت ذلك إليهن
في الظاهر معونة على الأكل، وفي الباطن ليظهر من دهشتهن ما يكون شاهداً عليهن.
قال الزجاج: كان كالعبد لها فلم تمكنه أن يخرج إلا بأمرها.
﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ وفيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: معناه أعظمنه، قاله ابن عباس.
الثاني : معناه وجدن شأنه في الحسن والجمال كبيراً، قال ابن بحر.
الثالث: معناه حضن عند رؤيته (٥٦) ، وهو قول رواه عبد الصمد بن علي
الهاشمي عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس.
وقيل: إن المرأة اذا جزعت او خافت حاضت، وقد يسمى الحيض إكباراً، قال
الشاعر (٥٧) :
نأتي النساء على أطهارهن ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا
(٥٥) اللسان ((أثم)) والتاج ((متك)) والقرطبي (١٧٨/١٢).
(٥٦) رواه الطبري (٧٦/١٦) وسنده ضعيف من أجل عبد الصمد هذا وقد ترجم له الذهبي في الميزان
(٦٢٠/٢) وذكر حديثا من منكراته وقال: فيه عبد الصمد وليس بحجة. وزاد السيوطي نسبته في الدر
(٥٣١/٤) لابن المنذر وابن أبي حاتم وفيه زيادة بيت الشعر الآتي مباشرة.
(٥٧) اللسان ((كبر)) والقرطبي (١٢ /١٨٠) والطبري (٧٧/١٦) وقال العلامة ابن جرير (٧٧/١٦) ((وقد زعم
بعض الرواة أن بعض الناس أنشده في أكبرن بمعنى حضن بيناً لا أحسب أن له أصلاً لأنه ليس بالمعروف
عند الرواة ... ثم ساق البيت السابق.
قلت: وقد نقل الشوكاني في فتح القدير (٢٢/٣) إنكار أبي عبيدة وغيره الإكبار بمعنى الحيض راجع
ايضاً روح المعاني (٢٣٠/١٢).
٣٢

سورة يوسف الآية - ٣٢ - ٣٤
﴿وقطعن أيديهن﴾ دهشاً ليكون شاهداً عليهن على ما أضمرته امرأة العزيز
فیھن .
وفي قطع أیدیھن وجهان:
أحدهما: أنهن قطعن أيديهن حتى بانت.
الثاني : أنهن جرحن أیدیھن حتی دمیت، من قولهم قطع فلان یدہ إذا جرحها.
٠
﴿وقلن حاش لله﴾ بالألف في قراءة أبي عمرو ونافع في رواية الأصمعي وقرأ
الباقون حاش لله بإسقاط الألف، ومعناهما واحد.
وفي تأويل ذلك وجهان:
أحدهما: معاذ الله، قاله مجاهد.
الثاني : معناه سبحان الله، قاله ابن شجرة.
وفي أصله وجهان :
أحدهما: أنه مأخوذ من قولهم کنت في حشا فلان اي في ناحیته.
والثاني : أنه مأخوذ من قولهم حاش فلاناً أي اعزله في حشا يعني في ناحية.
﴿ما هذا بشراً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ما هذا أهلاً للمباشرة.
الثاني : ما هذا من جملة البشر (٥٨) . وفيه وجهان:
أحدهما: لما علمن من عفته وأنه لو كان من البشر لأطاعها.
الثاني : لما شاهدن من حسنه البارع وجماله البديع .
﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ وقرىء ما هذا بشراً (٥٩) (بكسر الباء والشين) أي ما
هذا عبداً مشترى إن هذا إلا ملك كريم ، مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة (٦٠)
تعظيماً لشأنه.
قوله عز وجل ﴿قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه﴾ وهذا يدل على
أنها دعته إلى نفسها ثانية بعد ظهور حالهما، فقال: ﴿رب السجن أحب إليَّ﴾ يعني
(٥٨) والقول الثاني هو الصواب كما لا يخفى.
(٥٩) وهي قراءة ابن الحويرث الحنفي كما في الطبري (٨٤/١٦) وفيها قراءة أخرى وهي قراءة لابن
مسعود هکذا بشراءٍ كما في زاد المسير (٢١٩/٤).
(٦٠) وليس في الآية ما يدل على تفضيل الملك على البشر كما ذهب إلى ذلك المعتزلة وأيدهم بعض
المفسرين كالفخر الرازي راجع روح المعاني (٢٣١/١٢).
٣٣

سورة يوسف الآية - ٣٥
الحبس في السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه.
ويحتمل وجهين :
أحدهما: أنه أراد امرأة العزيز فيما دعته إليه من الفاحشة وكنى عنها بخطاب
الجمع إما تعظيماً لشأنها في الخطاب وإما ليعدل عن التصريح إلى التعريض.
الثاني: أنه أراد بذلك جماعة النسوة اللاتي قطعن أيديهن حين شاهدنه
لاستحسانهن له واستمالتهن لقلبه.
﴿وإلّ تصرف عني كيدهن﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: ما دعي إليه من الفاحشة إذا أضيف ذلك إلى امرأة العزيز.
الثاني : استمالة قلبه اذا أضيف ذلك إلى النسوة.
﴿أُضْبُ إلیھن﴾ فیه وجهان :
أحدهما: أتابعهن، قاله قتادة.
الثاني: أمل إليهن، ومنه قول الشاعر (٦١):
الى هند صبا قلبي
وهند مثلها يصـبي
ثُمَّبَدَالَمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا ◌ٌلْآَيَتِ لَيَسْجُنُتَّهُ, حَتَّىحِينٍ
٣٥
قوله تعالى: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات﴾ في الآيات التي رأوها
وجهان :
أحدهما: قدُّ القميص وحز الأيدي .
الثاني: ما ظهر لهم من عفته وجماله حتى قلن ﴿ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك
کریم﴾ .
﴿ليسجننه حتى حين﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الحين ها هنا ستة أشهر، قاله سعيد بن جبير.
الثاني : أنه سبع سنين، قاله عكرمة.
(٦١) هو يزيد بن ضبة الثقفي والبيت في الأغاني (١٠٢/٧) ومجاز القرآن لأبي عبيدة (٣١١/١) والطبري
(٨٩/١٦).
٣٤

سورة يوسف الآية - ٣٦
الثالث: أنه زمان غير محدود، قاله كثير من المفسرين (٦٢).
وسبب حبسه بعد ظهور صِدْقه ما حكى السدي أن المرأة قالت لزوجها: إن هذا
العبد العبراني قد فضحني وقال إني راودته عن نفسه، فإما أن تطلقني حتى أعتذر وإما
أن تحبسه مثل ما حبستني، فحبسه (٦٣).
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُ هُمَا إِنَّ أَرَضِىَ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ اْلْآَخَرُّ
إِّ أَرَدِّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنَّهُ نَبِثْنَا بِتَأْوِيِ إِنَّا نَرَكَ
مِنَ الْمُحْسِنِينَ
٣٦
قوله عز وجل : ﴿ودخَلَ معه السجن فتیان﴾ قال ابن عباس:
كان أحدهما خازن الملك على طعامه، وكان الآخر ساقي الملك على شرابه،
وكان الملك وهو الملك الأكبر الوليد بن الرّيان قد اتهمهما بسمّه فحبسهما، فحكى
مجاهد أنهما قالا ليوسف لما حُبسا معه: والله لقد أحببناك حين رأيناك، فقال يوسف:
أنشدكما بالله أن أحببتماني فما أحبّني أحد إلا دخل عليّ من حبه بلاء (٦٤)، لقد
أحبتني عمتي فدخل عليّ من حبها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل عليّ من حبه
(٦٢) وهو قول قتادة قال العلامة الشوكاني في فتح القدير (٢٧/٣) ((إن كان المراد بالآيات الدالة على براءته
فلا يصح عد قطع أيدي النسوة منها لأنه وقع منهن ذلك لما حصل من الدهشة عند ظهوره لهن على
ما ألبسه الله سبحانه من الجمال الذي تنقطع عند مشاهدته عرى الصبر وتضعف عند رؤيته قوى التجلد
وإن كان المراد الآيات الدالة على أنه قد أعطي من الحسن ما يسلب عقول المبصرين ويذهب بإدراك
الناظرين فنعم يصح عد قطع الأيدي من جملة الآيات ولكن ليس هذه الآيات هي المرادة هنا)).
(٦٣) وهو الصواب قال العلامة ابن الجوزي في زاد المسير (٢٢٢/٤): وهذا هو الصحيح لأنهم لم يعزموا
على حبسه مدة معلومة وانما ذكر المفسرون قدر ما لبث.
(٦٤) قال العلامة الألوسي (٢٣٧/١٢) قال ابن عباس أنه أمر به عليه السلام فحمل على حمار وضرب معه
الطبل ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني راود سيدته فهذا جزاؤه وكان ابن عباس رضي الله
عنهما كما قال أبو صالح كلما ذكر هذا بكى وأرادت بذلك تحقيق وعيدها لتلين به عريكته وتنقاد لها
قرونته لما انصرمت حبال رجائها عن استتباعه بعرض الجمال بنفسها وأعوانها أ هـ قلت: وهكذا يفعل
كثير من الظلمة يلصقون التهم بالبريء وهم أهلها وما أكثرهم في زماننا والأمثلة على هذا لا تعد ولا
تحصى وإن شئنا سميت لك منهم لا كَثِّرَهُمُ الله .
٣٥

سورة يوسف الآية - ٣٦
بلاء (٦٥) ، ثم أحبتني زوجة صاحبي العزيز فدخل عليّ من حبها بلاء، لا أريد أن
يحبني إلا ربي .
وقال ﴿فتيان﴾ لأنهما كان عبدين، والعبد يسمى فتى صغيراً كان أم كبيراً.
﴿قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر إني أراني أحملُ فوق رأسي
خُيزاً تأكل الطير منه﴾ وسبب قولهما ذلك ما حكاه ابن جرير الطبري (٦٦) أنهما سألاه
عن علمه (٦٧) فقال: إني أعبر الرؤيا، فسألاه عن رؤياهما وفيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه عنها قال مجاهد وابن إسحاق:
وكذلك صدق تأويلها. روى محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ أنه قال
«أصدقكم رؤیا أصدقكم حديثاً)) (٦٨).
الثاني: أنها كانت رؤيا كذب سألاه عنها تجربة (٦٩) ، فلما أجابهما قالا: إنما
كنا نلعب فقال ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ وهذا معنى قول ابن مسعود
والسدي .
الثالث: أن المصلوب منهما كان كاذباً، والآخر صادقاً، قاله أبو مجلز.
وقوله ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ أي عنباً. وفي تسميته خمراً وجهان:
أحدهما: لأن عصيره يصير خمراً فعبر عنه بما يؤول إليه.
الثاني: أن أهل عُمان يسمون العنب خمراً، قاله الضحاك. وقرأ ابن مسعود:
إني أراني أعصر عنباً.
﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ فيه ستة أقاويل:
أحدها: أنهم وصفوه بذلك لأنه كان يعود مريضهم ويعزي حزينهم ويوسع على
من ضاق مكانه منهم، قاله الضحاك.
الثاني : معناه لأنه كان يأمرهم بالصبر ويعدهم بالثواب والأجر.
(٦٥) ويقول أشرف الخلق # إن البلايا أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه)) رواه ابن حبان
(٢٥٥/٤) من حديث عبدالله بن مغفل. وحسنه الألباني صحيح الجامع الصغير رقم ١٥٩٢.
(٦٦) جامع البيان (١٦ /٩٥).
(٦٧) كذا هنا وفي المطبوعة وهو خطأ والصواب ((عن عمله)) والتصويب من الطبري (١٦ /٩٥).
(٦٨) جزء من حديث رواه مسلم رقم ٢٢٦٣ وأوله ((إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ....
(٦٩) أي اختباراً له.
٣٦

سورة يوسف الآية - ٣٨،٣٧
الثالث: إنا نراك ممن أحسن العلم. حكاه ابن جرير الطبري (٧٠).
الرابع: أنه كان لا يرد عذر معتذر.
الخامس: أنه كان يقضي حق غيره ولا يقضي حق نفسه.
السادس: إنا نراك من المحسنين إن أنبأتنا بتأويل رؤيانا هذه، قاله ابن
إسحاق.
قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِ إِلَّا بَأْتَكُمَا بِتَأْوِيلِ قَبْلَ أن يَأْتِيَّكُمَّا ذَلِكُمَا
مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِىّ إِى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّإِبْرَهِيمَ وَ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُشْرِكَ
٣٧
بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يَشْكُرُونَ
٣٨
قوله عز وجل ﴿قَال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نباتكما بتأويله قبل أن يأتيكما﴾
فيه ثلاثة أوجه (٧١) :
أحدها: لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما في
اليقظة قاله السدي .
الثاني: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يصلكما
لأنه کان یخبر بما غاب مثل عيسى، قاله الحسن.
الثالث: أن الملك كان من عادته إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معروفاً
وأرسل به إليه، فكره يوسف تعبير رؤيا السوء قبل الإياس من صاحبها لئلا يخوفه بها
فوعده بتأويلها عند وصول الطعام إليه، فلما ألحّ عليه عبرها، لئلا يخوفه بها فوعده
بتأويلها عند وصول الطعام إليه، فلما ألحّ عليه عبرها، قاله ابن جريج. وكذلك روى
ابن سيرين عن أبي هريرة (٧٢) قال: قال رسول الله وَله ((من رأى رؤيا فلا يقصها إلا
على حبيب أو لبيب)).
(٧٠) واختاره ابن جرير (١٠٠/١٦).
(٧١) جامع البيان (١٠٠/١٦).
(٧٢) حديث أبي هريرة رواه الترمذي (٢٢٧١) وأبو داود (٥٠١٩) ولفظه ((لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو =
٣٧

سورة يوسف الآية - ٣٩ - ٤١
﴿ذلکما مما علمني ربي﴾ يعني تأويل الرؤيا.
﴿إني تركت ملة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون﴾ وإنما عدل
عن تأويل ما سألاه عنه لما كان فيها من الكرامة، وأخبر بترك ملة قوم لا يؤمنون تنبيهاً
لهم على ثبوته وحثاً لهم على طاعة الله.
قوله عزوجل: ﴿ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس) قال ابن عباس: من فضل
الله علينا أن جعلنا أنبياء، وعلى الناس أن بعثنا إليهم رسلاً.
ويحتمل وجهاً آخر (٧٣) ذلك من فضل الله علينا في أن برأنا من الزنى، وعلى
الناس من أن خلصهم من مأثم القذف.
ثَ مَا
يَصَحِى السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّفُونَ خَيْرٌ أَمِ اَللَّهُ الْوَحِدُ اُلْقَهَّارُ
تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ أَسْمَاءَ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَّا أَنْزَلَ اللّهُ
◌ِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّ ◌ِلَّهِّ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
ج
وَلَكِنَّأَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
٤٠
قوله عز وجل : ﴿ذلك الدين القيم﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ذلك الدين المستقيم، قاله السدي .
الثاني : الحساب البیّن، قاله مقاتل بن حيان.
الثالث: يعني القضاء الحق، قاله ابن عباس.
يَصَحِتَى السّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ
فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِىَ الْأَمْرُالَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ
٤١
= ناصح)) وحسَّنَه الأرناؤوط في تخريج جامع الأصول (٥٢٣/٢) وأما هذا اللفظ الذي ذكره المؤلف فروى
نحوهأبو داود (٥٠٢٠).
والحاكم (٣٩٠/٤) وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ في الفتح (٣٧٧/١) من حديث لقيط بن
عامر بن صبرة ولفظه .. رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءاً من النبوة ... الحديث وفيه وأحسبه قال ..
ولا يحدث بها إلا لبيباً أو حبيباً.
(٧٣) زدناها ليستقيم سياق الكلام.
٣٨

سورة يوسف الآية - ٤٢
قوله عزوجل: ﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً﴾ وهو الذي
قال: إني أراني أعصر خمراً، بشره بالنجاة وعوده إلى سقي سيده خمراً لأنه كان ساقيه.
﴿وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ وهو الذي قال ﴿اني أراني أحمل
فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه﴾ فأنذره بالهلكة وكان خباز الملك، قال ابن
جرير: (٧٤) وكان اسمه مجلثاً، واسم الساقي نبواً. فلما سمع الهالك منهما تأويل رؤياه
قال: إنما كنا نلعب.
قال ﴿ قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ فيه وجهان:
أحدهما: قضي السؤال والجواب.
الثاني : سیقضی تأويله ويقع.
فإن قيل: فكيف قطع بتأويل الرؤيا وهو عنده ظن من طريق الاجتهاد الذي لا
يقطع فیه؟ ففيه وجهان :
أحدهما: يجوز أن یکون قاله عن وحي من الله تعالی.
الثاني: لأنه نبي يقطع بتحقيق ما أنطقه الله تعالى وأجراه على لسانه، بخلاف
من ليس بني .
وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا أَذْكُرْنِ عِندَرَبِّكَ فَأَنْسَنُهُ الشَّيْطَانُ
ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ يِضْعَ سِنِينَ(
٤٢
قوله عز وجل : ﴿وقال للذي ظن أنه ناجٍ منهما اذکرني عند ربك﴾ فيه قولان:
أحدهما: يعني للذي علم أنه ناج، فعبر عن العلم بالظن، قاله ابن شجرة.
الثاني : أنه ظن ذلك من غير يقين.
وفي ظنه وجهان:
أحدهما: لأن عبارة الرؤيا بالظن فلذلك لم يقطع به، قاله قتادة.
الثاني: أنه لم يتيقن صدقهما في الرؤيا فكان الظن في الجواب لشكه في
صدقهما .
(٧٤) حكاه في جامع البيان (٩٥/١٦) عن ابن إسحاق.
٣٩

سورة يوسف الآية - ٤٢
﴿اذكرني عند ربك﴾ أي عند سيدك يعني الملك الأكبر الوليد بن الريان تأميلاً
للخلاص إن ذكره عنده
﴿فأنساه الشيطان ذکر ربِّه﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن الذي نجا منهما أنساه الشيطان ذکر یوسف عند سیده حتى رأى
الملك الرؤيا قاله محمد بن إسحاق.
الثاني : أن يوسف أنساه الشيطان ذكر ربه في الاستغاثة به والتعويل عليه.
روى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلّ (٧٥) ((رحم الله يوسف
لولا الكلمة التي قال: اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث)».
﴿فلبث في السِّجن بضع سنين﴾ قال ابن عباس: عوقب يوسف بطول السجن
بضع سنين لما قال للذي نجا منهما اذكرني عند ربك، ولو ذكر يوسف ربه لخلصه.
وفي ((البضع)) أربعة أقاويل:
أحدها: من ثلاث إلى سبع، وهذا قول أبي بكر الصديق وقطرب.
الثاني : من ثلاث إلى تسع، قاله مجاهد والأصمعي .
الثالث: من ثلاث إلی عشر، قاله ابن عباس.
الرابع: ما بين الثلاث إلى الخمس، حكاه الزجاج (٧٦).
قال الفراء: والبضع لا يذكر إلا مع العشرة والعشرين إلى التسعين، ولا يذكر
بعد المائة .
وفي المدة التي لبث فيها يوسف مسجوناً ثلاثة أقاويل:
أحدها: سبع سنين، قاله ابن جريج وقتادة.
الثاني : أنه لبث اثنتي عشرة سنة، قاله ابن عباس.
الثالث: لبث أربع عشرة سنة، قاله الضحاك، وإنما البضع مدة العقوبة لا مدة
الحبس کله.
(٧٥) رواه ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة كما في الدر (٥٤١/٤).
(٧٦) والصواب أن البضع ما بين السبع إلى التسع كما ورد مرفوعاً.
رواه أحمد (١٦٨/٤) والطبري (١٧/٢١) والترمذي (١٥٠/٢) وحسنه من حديث ابن عباس وصححه
الألباني في صحيح الجامع وسيأتي في تفسير سورة الروم.
٤٠