Indexed OCR Text
Pages 481-500
سورة هود الآ ية - ٦٩ - ٧٣
الثاني : هلکی بالجثوم.
وفي الجثوم تأويلان:
أحدهما: أنه السقوط على الوجه.
الثاني: أنه القعود على الرُّكب.
قوله عزوجل : ﴿کأن لم يغنوا فيها﴾ فیه وجهان :
أحدهما: كأن لم يعيشوا فيها.
الثاني : كأن لم ينعموا فيها.
﴿ألا إنَّ ثمود كفروا ربهم﴾ فيه وجهان:
أحدهما: كذبوا وعيد ربهم.
الثاني : كفروا بأمر ربهم.
﴿أَلا بُعْداً لثمود﴾ فقضى عليهم بعذاب الاستئصال فهلكوا جميعاً إلا رجلًا
منهم وهو أبو رمحان(٦٠٢) كان في حرم الله تعالى فمنعه الحرم من عذاب الله
تعالى(٦٠٣).
وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَا إِبَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْسَكَمَّ قَالَ سَلَمٌ فَمَا لَِّثَ أَنْ جَآءَ
﴿ فَلَمَّارَءَآ أَيْدِ يَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً
بِعِجْلِحَنِیٍ
قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴿٢﴾ وَأَمْرَتُ قَابِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا
قَالَتْ يَوَيِلَتَءَ أَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا
٧١
بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ
vr
بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ
قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اُللَّهِ
الـ
وَبَرَكَنُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ فَمِيدٌ
قوله عز وجل: ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى﴾. أما إبراهيم ففيه
وجهان :
أحدهما: أنه اسم أعجمي، قاله الأكثرون. وقيل معناه أب رحيم.
(٦٠٢) كذا في المطبوعة وهو خطأ والصواب أبو رغال والتصويب من الطبري (٣٨٠/١٥).
(٦٠٣) وقد تقدم في سورة الأعراف نبأ هلاكهم وكيف حل عليهم غضب الله عز وجل.
٤٨١
سورة هود الآية - ٦٩ - ٧٣
الثاني : أنه عربي مشتق من البرهمة وهي إدامة النظر.
والرسل جبريل ومعه ملكان قيل إنهما ميكائيل وإسرافيل عليهم السلام وروى
أبو صالح عن ابن عباس أنه كان المرسل مع جبريل اثني عشر ملكاً.
وفي البشرى التي جاءوه بها أربعة أقاويل :
أحدها: بشروه بنبوّته، قاله عكرمة.
الثاني : بإسحاق (٦٠٤)، قاله الحسن.
الثالث: بشروه بإخراج محمد والر من صلبه وأنه خاتم الأنبياء.
الرابع : بشروه بهلاك قوم لوط، قاله قتادة.
﴿قالوا سلاماً قال سلامٌ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: تحية من الملائكة لإبراهيم عليه السلام فحياهم بمثله فدل على أن
السلام تحية الملائكة والمسلمين جميعاً.
الثاني : سلمت أنت وأهلك من هلاك قوم لوط.
وقوله ﴿سلام﴾ أي الحمد لله الذي سلّمني، فمعنى سلام: سلمت.
وقرأ (٦٠٥) حمزة والكسائي ﴿سِلم﴾ بكسر السين وإسقاط الألف.
واختلف في السلم والسلام على وجهين:
أحدهما: أن السلم من المسالمة والسلام من السلامة.
الثاني: أنهما بمعنى واحد، قال الشاعر، وقد أنشده الفراء لبعض العرب (٦٠٦):
وقفنا فقلنا إيه سِلْم فسَلّمَتْ كما اكتلَّ بالبرْقِ الغمامُ اللوائحُ
﴿فما لبث أن جاء بعجل حنيذ﴾ ظنَّ رُسُل ربه أضيافاً لأنهم جاؤُوه في صورة
الناس فعجل لهم الضيافة فجاءهم بعجل حنيذ.
وفي الحنيذ قولان:
(٦٠٤) وهذا القول أول الأقوال لدلالة سياق الآية عليه لأن الله تعالى قال في سورة الصافات ﴿وبشروه بغلام
حليم) راجع فتح القدير (٥٩/٢) وروح المعاني (٩٣/١٢).
(٦٠٥) راجع المبسوط في القراءات ص ٢٤١ وزاد المسير لابن الجوزي (١٢٧/٤).
(٦٠٦) وفي نسخه أخرى للمخطوطة نسب البيت لأبي الرمة غيلان بن عقبة. والبيت في اللسان (كلل) والطبري
(٣٨٢/١٥) وحاشية الكشاف (٢٢٤/٢) وأول البيت في هذه المصادر ((مررنا فقلنا)) وأما ما ذكره
المؤلف هنا فلعله رواية أخرى للبيت.
٤٨٢
سورة هود الآ ية - ٦٩ - ٧٣
أحدهما: أنه الحار، حكاه أبان بن تغلب عن علقمة النحوي .
الثاني : هو المشوي نضيجاً وهو المحنوذ مثل طبيخ ومطبوخ وفيه قولان:
أحدهما: هو الذي حُفر له في الأرض ثم غُمَّ فيها، قال الشاعر:
اذا ما اعتبطنا اللحم للطالب القِرى حنذناه حتى عَين اللحم آكله
الثاني: هو أن يوقد على الحجارة فإذا اشتد حرها ألقيت في جوفه ليسرع
نضجه، قال طرفة بن العبد :
لهم راحٌ وكافور ومسكٌ وعِقر الوحش شائلة حنوذ
قوله عز وجل: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم﴾ في نكرهم وأنكرهُم
وجهان :
أحدهما: أن معناهما مختلف، فنكرهم إذا لم يعرفهم وأنكرهم إذا وجدهم
على منكر.
الثاني: أنهما بمعنى واحد، قال الأعشى (٦٠٧):
وأنكَرَتْني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصّلَعا
واختلف في سبب إنكاره لهم على قولين:
أحدهما: أنهم لم يطعموا، ومن شأن العرب إذا نزل بهم ضيف فلم يطعم من
طعامهم ظنوا به سوءاً وخافوا منه شراً، فنكرهم إبراهيم لذلك، قاله قتادة.
والثاني : لأنه لم تكن لهم أيدي فنكرهم، قاله يزيد بن أبي حبيب.
وامتنعوا من طعامه لأنهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون.
﴿وَأُوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أضمر في نفسه خوفاً منهم .
والثاني: أحسّ من نفسه تخوفاً منهم، كما قال يزيد بن معاوية (٦٠٨).
جاء البريد بقرطاس يُخَبُّ به فأوجس القلبُ من قرطاسه جزعا
قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط﴾ يعني بهلاكهم.
(٦٠٧) مجاز القرآن (٢٩٣/١) وشواهد الكشاف (١٦٩) واللسان ((نكر)» والطبري (٣٨٨/١٥) والتاج ((نكر))
ديوانه: ١٠٤.
(٦٠٨) وفي فتح القدير للشوكاني (٥١٠/٢) ((جاء البريد بقرطاس يحث به)) ..
٤٨٣
سورة هود الآ ية - ٦٩ - ٧٣
وفي إعلامهم إبراهيم بذلك وجهان :
أحدهما: ليزول خوفه منهم .
والثاني: لأن إبراهيم قد كان يأتي قوم لوط فيقول: ويحكم أينهاكم عن الله أن
تتعرضوا لعقوبته فلا يطيعونه.
﴿وَآمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِگتْ﴾ وفي قيامها ثلاثة أقاويل:
٠
أحدها: أنها كانت قائمة من وراء الستر تسمع كلامهم، قاله وهب.
الثاني : أنها كانت قائمة تخدمهم، قاله مجاهد.
الثالث: أنها كانت قائمة تُصلّي، قاله محمد بن إسحاق.
﴿فَضَحِكَتْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: يعني حاضت، قاله مجاهد والعرب تقول ضحكت المرأة إذا حاضت،
والضحك الحيض في كلامهم، قال الشاعر(٦٠٩):
وضحك الأرانب فوق الصفا كمثل دم الخوف يوم اللّقا
والثاني: أن معنى ضحكت: تعجبت، وقد يسمى التعجب ضحكاً لحدوث
الضحك عنه، ومنه قول أبي ذؤيب(٦١٠):
هو الضحك إلّ انه عمل النحل
فجاء بمزجٍ لم ير الناس مثله
الثالث: أنه الضحك المعروف في الوجه، وهو قول الجمهور.
فإن حمل تأويله على الحيض ففي سبب حيضها وجهان :
أحدهما: أنه وافق وقت عادتها فخافت ظهور دمها وأرادت شداده فتحیرت مع
حضور الرسل.
والقول الثاني: ذعرت وخافت فتعجل حيضها قبل وقته، وقد تتغير عادة الحيض
باختلاف الأحوال وتغير الطباع.
ويحتمل قولاً ثالثاً: أن يكون الحيض بشيراً بالولادة لأن من لم تحض لا تلد.
وإن حمل تأويله على التعجب ففيما تعجبت منه أربعة أقاويل:
(٦٠٩) اللسان ضحك والطبري (٣٩٣/١٥) وفتح القدير للشوكاني (٥١٠/٢).
(٦١٠) ديوانه (٤٢/١) واللسان (ضحك) والطبري (٣٩٣/١٥).
٤٨٤
سورة هود الآ ية - ٦٩ - ٧٣
أحدها: أنها تعجبت من أنها وزوجها يخدمان الأضياف تكرمة لهم وهم لا
یأکلون، قاله السدي .
الثاني: تعجبت من أن قوم لوط قد أتاهم العذاب وهم(٦١١) غافلون، قاله قتادة.
الثالث: أنها تعجبت من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها، قاله
وهب بن منبه .
الرابع: أنها تعجبت من إحياء العجل الحنيذ لأن جبريل عليه السلام مسحه
بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار، قاله عون بن أبي شداد.
وإن حمل تأويله على ضحك الوجه ففيما ضحكت منه أربعة أقاويل :
أحدها: ضحكت سروراً بالسلامة.
الثاني : سروراً بالولد.
الثالث: لما رأت ما بزوجها من الورع، قاله الكلبي.
الرابع: أنها ضحكت ظناً بأن الرسل يعملون عمل قوم لوط(٦١٢)، قاله محمد بن
عیسى .
﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ وفي ﴿وراء) ها هنا قولان:
أحدهما: أن الوراء ولد الولد، قاله ابن عباس والشعبي.
الثاني: أنه بمعنى بعد، قاله مقاتل، وقال النابغة الذبياني (٦١٣):
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراءَ اللهِ للمرءِ مذهبُ
فعجلوا لها البشرى بالولدين مظاهرة للنعمة ومبالغة في التعجب، فاحتمل أن
يكون البشارة بهما باسميهما فيكون الله تعالى هو المسمى لهما، واحتمل أن تكون
البشارة بهما وسماها أبوهما.
فإن قيل: فلم خصت سارة بالبشرى من دون إبراهيم؟ قيل عن هذا ثلاثة
أجوبة :
أحدها: أنها لما اختصت بالضحك خصت بالبشرى.
(٦١١) ورجحه الطبري (٣٩٤/١٥).
(٦١٢) واين الدليل على ما قاله محمد هنا.
(٦١٣) ديوانه: ٧٢ .
٤٨٥
سورة هود الآية - ٧٤ - ٧٦
الثاني: أنهم كافاوها بالبشرى مقابلة على استعظام خدمتها.
٤
الثالث: لأن النساء في البشرى بالولد أعظم سروراً وأكثر فرحاً.
قال ابن عباس : سمي إسحاق لأن سارة سحقت بالضحك حین بشرت به.
قوله عز وجل: ﴿قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوزٌ وهذا بَعْلي شيخا﴾ لم تقصد
بقولها يا ويلتا الدعاء على نفسها بالويل ولكنها كلمة تخفُّ على أفواه النساء إذا طرأ
عليهن ما يعجبن منه، وعجبت من ولادتها وهي عجوز وكون بعلها شيخاً لخروجه عن
العادة، وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر.
واختلف في سنها وسن إبراهيم حينئذ، فقال مجاهد: كان لسارة تسع وتسعون
سنة وكان لإبراهيم مائة سنة .
وقال محمد بن إسحاق: كانت سارة بنت تسعين سنة وكان إبراهيم ابن مائة
وعشرين سنة .
وقال قتادة: كان كل واحد منهما ابن تسعين سنة .
وقيل انها عرّضت بقولها ﴿وهذا بعلي شيخاً﴾ عن ترك غشيانه لها. والبعل هو
الزوج في هذا الموضع، ومنه قوله تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردّهن في ذلك﴾.
[ البقرة: ٢٢٨ ]
والبعل: المعبود، ومنه قوله تعالى ﴿أتدعون بعلاً﴾ [الصافات: ١٢٥] أي اليها
معبوداً .
والبعل السيد، ومنه قول لبيد :
حاسري الديباج عن أذرعهم عند بعل حازم الرأي بطل
فسمي الزوج بعلا لتطاوله على الزوجة كتطاول السيد على المسود.
﴿إن هذا لشيء عجيب﴾ أي منكر، ومنه قوله تعالى ﴿بل عجبوا أن جاءهم
منذر منهم﴾ [ق: ٢] أي أنكروا. ولم يكن ذلك منها تكذيباً ولكن استغراباً له.
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إَِّهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتَّهُ الْبُشْرَى يُجَدِ لْنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ ﴿َ إِنَّ إِبْرَهِيَمَ
لَحَلِيمٌ أَوَّهُ مُنِيبٌ ﴿ّ ◌َإِنْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَُّ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ
عَذَابٌ غَيْرُ مَنْ دُودٍ!
٧٦
٤٨٦
سورة هود الآية - ٧٧ - ٧٩
قوله عز وجل: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الرّوع﴾ يعني الفزع، والرُّوع بضم الراء
النفس، ومنه قولهم ألقى في رُوعي أي في نفْسي .
﴿وجاءتْهُ البشرى﴾ أي بإسحاق ويعقوب.
﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه جادل الملائكة بقوله ﴿إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها
لننجینه وأهله﴾ [العنكبوت: ٣٢] قاله الحسن.
الثاني: أنه سألهم أتعذبونهم إن كان فيها خمسون من المؤمنين؟ قالوا:لا ،
قال: فإن كان فيها أربعون؟ قالوا: لا، إلى أن أنزلهم إلى عشرة، فقالوا لا، قاله قتادة.
الثالث: أنه سألهم عن عذابهم هل هو عذاب الاستئصال فيقع بهم لا محالة
على سبيل التخويف ليؤمنوا، فكان هذا هو جداله لهم وإن كان سؤالاً لأنه خرج
مخرج الكشف عن أمر غامض.
قال أبو مالك: ولم يؤمن بلوط إلا ابنتاه رقية وهي الكبرى وعروبة وهي
الصغرى.
وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلْنَا لُوَ طَّاسِىّءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ
◌َ وَجَآءَّهُ قَوْمُ يُّهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ
VV
هَؤُلاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىٌ أَلَيْسَ مِنْكُمْ
٧٩
رَجُلٌ رَشِيدٌ [٨َّقَالُوْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا تُرِيدُ
قوله عز وجل: ﴿ولما جاءَتِ رُسُلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً﴾ قال ابن
عباس : ساء ظنه بقومه وضاق ذرعاً بأضيافه.
ويحتمل وجهاً آخر أنه ساء ظنه برسل ربه، وضاق ذرعاً بخلاص نفسه لأنه
نكرهم قبل معرفتهم.
﴿وقال هذا يومٌ عصيب﴾ أي شديد لأنه خاف على الرسل من قومه أن
يفضحوهم على قول ابن عباس. وعلى الاحتمال الذي ذكرته خافهم على نفسه
فوصف يومه بالعصيب وهو الشديد، قال الشاعر(٦١٤):
(٦١٤) مجاز القرآن (٢٩٤/١) والطبري (٤١٠/١٥).
٤٨٧
سورة هود الآ ية - ٧٧ - ٧٩
وإنك إلّ ترض بكربن وائل يكن لك يومٌ بالعراق عصيب
قال أبو عبيدة: وإنما قيل له عصيب لأنه يعصب الناس بالشر، قال الكلبي :
كان بين قرية إبراهيم وقوم لوط أربعة فراسخ.
قوله عزوجل: ﴿وجاءه قومُه يهرعون إليه﴾ أي يسرعون، والإهراع بين الهرولة
والحجزى. قال الكسائي والفراء: لا يكون الإهراع إلا سراعاً مع رعدة.
وكان سبب إسراعهم إليه أن أمرأة لوط أعلمتهم بأضيافه وجَمالهم فأسرعوا
إليهم طلباً للفاحشة منهم.
﴿ومن قبل كانوا يعملون السيئات﴾ فيه وجهان:
أحدهما: من قبل إسراعهم اليه كانوا ينكحون الذكور، قاله السدي.
الثاني: أنه كانت اللوطية في قوم لوط في النساء قبل الرجال بأربعين سنة، قاله
عمر بن أبي زائدة.
﴿قال يا قوم هؤلاء بناتي هُنَّ أطهر لكم﴾ قال لهم لوط ذلك ليفتدي أضيافه
منهم.
مے
﴿هؤلاء بناتي﴾ فیهن قولان:
أحدهما: أنه أراد نساء أمته ولم يرد بنات نفسه. قال مجاهد وكل نبي أبو أمّته
وهم أولاده. وقال سعيد بن جبير: كان في بعض القرآن: النبي أولى بالمؤمنين من
أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم.
الثاني: أنه أراذ بنات نفسه وأولاد صلبه لأن أمره فيهن أنفذ من أمره في
غيرهن، وهو معنى قول حذيفة بن اليمان.
فإن قيل: كيف يزوجهم ببناته مع كفر قومه وإيمان بناته؟
قيل عن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه كان في شريعة لوط يجوز تزويج الكافر بالمؤمنة، وكان هذا في
صدر الإسلام جائزاً حتى نسخ، قاله الحسن.
الثاني: أنه يزوجهم على شرط الإيمان كما هو مشروط بعقد النكاح.
الثالث: أنه قال ذلك ترغيباً في الحلال وتنبيهاً على المباح ودفعاً للبادرة من غير
بذل نكاحهن ولا تعريض بخطبتهن، قاله ابن أبي نجيح .
٤٨٨
سورة هود الآ ية - ٧٧ - ٧٩
﴿هن أطهرلكم﴾ أي أحل لكم بالنكاح الصحيح.،
(فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تذلوني بعار الفضيحة، ويكون الخزي بمعنى الذل.
الثاني : لا تهلكوني بعواقب فسادكم، ويكون الخزي بمعنى الهلاك.
الثالث: أن معنى الخزي ها هنا الاستحياء، يقال خزي الرجل إذا استحى،
قال الشاعر(٦١٥):
من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت بها مِرطها أو زايل الحلي جيدها
والضيف: الزائر المسترقد، ينطلق على الواحد والجماعة، قال الشاعر(٦١٦):
لا تعدمي الدهر شفار الجازر للضيف والضيف أحق زائر
﴿أليس منكم رجل رشيد﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أي مؤمن، قاله ابن عباس.
الثاني : آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر، قاله أبو مالك.
ويعني: رجل رشيد ليدفع عن أضيافه، وقال ذلك تعجباً من اجتماعهم على
المنكر.
قوله عز وجل: ﴿قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ما لنا فيهن حاجة، قاله الكلبي .
الثاني: (٦١٧) ليس لنا بأزواج، قاله محمد بن إسحق.
{وإنك لتعلم ما نريد﴾ فيه وجهان:
أحدهما: تعلم أننا لا نتزوج إلا بامرأة واحدة وليس منا رجل إلا له امرأة، قاله
الكلبي .
الثاني : أننا نريد الرجال.
(٦١٥) انظر زاد المسير (١٣٨/٤).
(٦١٦) انظر فتح القدير (٥١٤/٢).
(٦١٧) كذا وفي المطبوعة والصواب لست لنا بأزواج والتصحيح من زاد المسير (١٣٩/٤) حيث نقل هذا القول
بتمامه وزاد نسبته لابن قتيبة ولا يفوتن الى انين الى أن محقق المطبوعة قد نبه على ذلك فجزاه الله
خيراً.
٤٨٩
سورة هود الآية - ٨١،٨٠
قَالَ لَوْ أَنَّلِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْءَاوِى إِلَى رَكْنِ شَدِ يدٍ ﴿ قَالُواْ يَدِلُوطُ إِنَّارُسُلُ رَبِّكَ لَنْ
يَصِلُواْ إِلَيْكٌ فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَتْلِ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُ إِلَّا
أُمْرَ أَنَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمَّإِنَّ مَوْعِدَ هُمُ الصُّبْحُ أَيْسَ الصُبْحُ بِقَرِيبٍ
٨١
قوله عز وجل: ﴿قال لو أن لي بكم قوة﴾ يعني أنصاراً. وقال ابن عباس: أراد
الولد .
﴿أو آوي إلى رُكنٍ شديد﴾ يعني إلى عشيرة مانعة. وروى أبو سلمة عن أبي
هريرة (٦١٨) أن رسول الله وسلم قال ((يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد)).
يعني الله تعالى قال رسول الله وَير: ((فما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه)).
قال وهب بن منبه: لقد وجدت الرسل على لوط وقالوا: إن ركنك لشدید.
قوله عز وجل: ﴿قالوا يا لوط إنا رُسُل رَبِّك لن يصلوا إليك﴾ وفي اسمه
وجهان :
أحدهما: أنه اسم أعجمي وهو قول الأكثرين.
الثاني: أنه اسم عربي مأخوذ من قولهم: لطتُ الحوض إذا ملسته بالطين.
وقيل إن لوطاً كان قائماً على بابه يمنع قومه من أضيافه، فلما أعلموه أنهم رسل ربه
مكّن قومه من الدخول فطمس جبريل عليه السلام على أعينهم فعميت، وعلى أيديهم
فجفت.
﴿فَأَسْرِ بأهلك﴾ أي فسِرْ بأهلك ليلاً، والسُرى سير الليل، قال عبد الله بن
رواحة :
وتنجلي عنهم غيابات الكرى
عند الصباح يحمد القوم السُرَى
يقال وأسرى وفيهما وجهان :
أحدهما : أن معناهما في سیر الليل واحد.
الثاني : أن معناهما مختلف، فأسری إذا سار من أول الليل، وسرى إذا سار في
آخره، ولا يقال في النهار إلا سار، قال لبيد:
(٦١٨) رواه الطبري (٤١٦/١٥ - ٤٢٠) واللفظ له والترمذي (١٣٩/٢) وحسنه والحاكم (٥٦١/٢) وصححه
على شرط مسلم ورواه البخاري (٢٩٧/٦) إلا قوله ((وما بعث الله نبياً .. )) الخ.
٤٩٠
سورة هود الآية - ٨١،٨٠
إذا المرءُ أسرى ليلة ظن أنه قضى عملاً، والمرءُ ما عاش عامِلُ
﴿بقطعٍ من الليل﴾ فيه أربعة تأويلات:
أحدها: معناه سواد الليل، قاله قتادة.
الثاني : أنه نصف الليل مأخوذ من قطعه نصفين، ومنه قول الشاعر(٦١٩):
ونائحةٍ تنوح بقطع ليل على رجلٍ بقارعة الصّعيد
الثالث: أنه الفجر الأول، قاله حميد بن زياد.
الرابع: أنه قطعة من الليل، قاله ابن عباس.
﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: لا ينظر وراءه منكم أحد، قاله مجاهد.
الثاني : يعني لا یتخلف منکم أحد، قاله ابن عباس:
الثالث: يعني لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو امتناع، حكاه علي بن
عيسى .
﴿إلا امر أتك إنّه مُصيبها ما أصابهم﴾ فيه وجهان :
أحدهما: أن قوله ﴿إلا امرأتك﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل
الا امرأتك﴾ وهذا قول من قرأ ﴿إلا امرأتك) بالنصب.
الثاني: أنه استثناء من قوله ﴿ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك﴾ وهو على معنى
البدل إذا قرىء (٦٢٠) بالرفع.
﴿إنه مصيبها ما أصابهم﴾ فذكر قتادة أنها خرجت مع لوط من القرية فسمعت
الصوت فالتفتت، فأرسل الله عليها حجراً فأهلكها.
﴿إِنّ موعدهم الصبح أليْسَ الصُّبحُ بقريبٍ﴾ فروى(٦٢١) عن النبي ◌َّ أنه قال ((إن
لوطاً لما علم أنهم رسل ربه قال: فالآن إذن فقال له جبريل عليه السلام ﴿إن
موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾ ويجوز أن يكون قد جعل الصبح ميقاتاً
(٦١٩) هو مالك بن كنانة والبيت أورده صاحب روح المعاني (١٠٩/١٢) والشطر الثاني فيه على رجل أهانته
شعوب .
(٦٢٠) وهي قراءة ابن كثير وابن عمرو المبسوط ص ٢٤١ .
(٦٢١) وقد رواه الطبري (٤٢٥/١٥، ٤٢٦) عن حذيفة موقوفاً مطولاً وبنحوه رواه (١٥ /٤٢٤) عن سعيد بن
جبير وتصدير المؤلف للخبر بروى يشعر بضعفه والله أعلم.
٤٩١
سورة هود الآية - ٨٣،٨٢
لهلاکهم لأن النفوس فیه أودع والناس فیه أجمع .
فَمَّا جَآءَ أَمْرُ نَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلِ
مُسَوَّمَةً عِندَرَبّكَ وَمَا هِىَ مِنَ الظُّلِمِينَ بِبَعِيدٍ
(٨٣
٨٢
مَنضُودٍ
قوله عز وجل : ﴿فلما جاء أمرنا﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه أمر الله تعالى للملائكة .
الثاني : أنه وقوع العذاب بهم.
الثالث: أنه القضاء بعذابهم.
﴿جعلنا عاليها سافلها﴾ قال محمد بن كعب القرظي إن الله تعالى بعث جبريل
إلى مؤتفكات قوم لوط فاحتملها بجناحه ثم صعد بها حتى إن أهل السماء يسمعون
نباح كلابهم وأصوات دجاجهم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها وأتبعها بحجارة من
سجّيل حتى أهلكها وما حولها، وكن خمساً: صبغة ومقرة وعمرة ودوما وسدوم وهي
القرية العظمى (٨٢٢).
وقال قتادة: كانوا في ثلاث قرى يقال لها سدوم بين المدينة والشام وكان فيها
أربعة آلاف ألف(٦٢٣).
﴿وأمطرنا عليها حجارة من سجّيل﴾ فيه ثمانية تأويلات:
أحدها: أنه فارسي معرب وهو ((سنك وكيل)) فالسنك: الحجر، والكيل الطين،
قاله ابن عباس.
الثاني : أنه طين قد طبخ حتى صار كالأرحاء، ذكره ابن عيسى.
الثالث: أنه الحجارة الصلبة الشديدة، قاله أبو عبيدة وأنشد قول ابن مقبل (٦٢٤):
(٨٢٢) قال الشوكاني في فتح القدير (٥١٧/٢) وقد ذكر المفسرون روايات وقصصاً في كيفية هلاك قوم لوط
طويلة متخالفة وليس في ذكرها فائدة لا سيما وبين من قال بشيء من ذلك وبين هلاك قوم لوط دهر
طويل ولا يتيسر له في مثله إسناد صحيح وغالب ذلك مأخوذ عن أهل الكتاب وحالهم في الرواية
معروف وقد أمرنا بأن لا نصدقهم ولا نكذبهم .. اهـ.
(٦٢٣) وقيل في كل قرية مائة ألف وهو قول قتادة أيضاً وقد حدث اختلاف كبير في أسماء القرى الخمس راجع
الطبري (٤٢٦/١٥).
(٦٢٤) مجاز القرآن (٢٩٦/١) والطبري (٤٣٤/١٥) واللسان ((سجن)) وجمهرة أشعار العرب ١٦٢، منتهى
الطلب ٤٤ والمعاني الكبير، واللسان ((سجيل)) وروى الشطر الثاني ضرباً تواصى به الأبطال سجيلاً.
٤٩٢
سورة هود الآية - ٨٣،٨٢
ضربا تواصى به الأبطال سجّينا
ورحلة يضربون البيض عن عَرَضٍ
إلا أن النون قلبت لاماً.
الرابع: من سجيل يعني من سماء اسمها سجيل، قاله ابن زيد(٦٢٥).
الخامس: من سجيل من جهنم واسمها سجين فقلبت النون لاماً.
السادس: أن السجيل من السجل وهو الكتاب وتقديره من مكتوب الحجارة
التي كتب الله تعالى أن يعذب بها أو كتب عليها، وفي التنزيل ﴿كلا إن كتاب الفجار
لفي سجين. وما أدراك ما سجين. كتاب مرقوم﴾ [المطففين: ٧ - ٩].
السابع: أنه فِعِّيل من السجل وهو الإرسال، يقال أسجلته أي أرسلته، ومنه
سمي الدلو سجلاً لإرساله فكان السجيل هو المرسل عليهم.
الثامن: أنه مأخوذ من السجل الذي هو العطاء، يقال سجلت له سجلاً من
العطاء، فكأنه قال سُجلوا البلاء أي أعطوه.
﴿منضود﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: قد نُضِّد بعضه على بعض، قاله الربيع.
الثاني : مصفوف، قالة قتادة.
قوله عزوجل: ﴿مسومة عند ربك﴾ والمسومة: المعلّمة، مأخوذ من السيماء
وهي العلامة، قال الشاعر (٦٢٦):
غُلامٌ رماه الله بالحُسْن يافعا له سيمياءٌ لا تشقُّ على البصر
وفي علامنها قولان:
أحدهما: أنها كانت مختمة، على كل حجر منها اسم صاحبه.
الثاني: معلمة ببياض في حمرة، على قول ابن عباس، وقال قتادة: مطوقة
بسواد في حمرة.
عند ربك﴾ فيه وجهان :
(٦٢٥) وقد تعقب هذا القول والذي يليه أبو حيان كما نقله عنه الألوسي في روح المعاني (١١٣/١٢) قال: قال
أبو حيان: وهو ضعيف لوصفه بقوله سبحانه منضود أي نضد ووضع بعضه على بعض معداً لعذابهم أو
نضد في الارسال يرسل بعضه إثر بعض كقطار الأمطار ولا يخفى أن هذه المعاني كما تأبى ما قال أبو
العالية وابن زيد تأبى بحسب الظاهر ما قيل إن المراد بها جهنم)».
(٦٢٦) هو أسيد بن عنقاء الفزاري والبيت في اللسان ((سام)).
٤٩٣
سورة هود الآية - ٨٤
أحدهما: في علم ربك، قاله ابن بحر.
الثاني : في خزائن ربك لا يملكها غيره ولا يتصرف فيها أحد إلا بأمره.
﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه ذكر ذلك وعيداً لظالمي قريش، قاله مجاهد.
الثاني : وعيد لظالمي العرب، قاله عكرمة.
الثالث: وعيد لظالمي هذه الأمة، قاله قتادة.
الرابع: وعيد لكل ظالم (٦٢٧)، قاله الربيع.
وفي الحجارة التي أمطرت قولان:
أحدهما: أنها أمطرت على المدن حين رفعها .
الثاني: أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجاً عنها.
مِے
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُرْ شُعَيْبَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَالَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
وَلَ نَنْقُصُوْ اَلْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنَّىَ أَرَنِكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ
عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ
٨٤
قوله عزوجل: ﴿وإلى مَدْين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلّه
غيره﴾ ومدین هم قوم شعيب، وفي تسميتهم بذلك قولان:
أحدهما: لأنهم بنو مدين بن إبراهيم، فقيل مدين والمراد بنو مدين، كما يقال
مضر والمراد بنو مضر.
الثاني : أن مدين اسم مدينتهم فنسبوا إليها ثم اقتصر على اسم المدينة تخفيفاً.
ثم فيه وجهان:
أحدهما: أنه اسم أعجمي .
الثاني : أنه اسم عربي وفي اشتقاقه وجهان :
أحدهما: أنه من قولهم مدن بالمكان إذا أقام فيه، والياء زائدة، وهذا قول من
زعم أنه اسم مدينة .
(٦٢٧) وفي الطبري (٤٣٩/١٥) أن هذا قول قتادة وكذا نسبه اليه ابن الجوزي في زاد المسير (١٤٦/٤).
٤ ٤٩
سورة هود الآية - ٨٦،٨٥
الثاني : أنه مشتق من قولهم دَيَنْت أي ملكت والميم زائدة، وهذا قول من زعم
أنه اسم رجل.
وأما شعیب فتصغیر شعب وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الطريق في الجبل.
الثاني : أنه القبيلة العظيمة.
الثالث: أنه مأخوذ من شَعْب الإناء المکسور.
﴿ولا تنقصوا المكيال والميزان﴾ كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف فأمروا
بالإيمان إقلاعاً عن الشرك، وبالوفاء نهياً عن التطفيف.
﴿إني أراكم بخير﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: أنه رخص السعر، قاله ابن عباس والحسن.
الثاني : أنه المال وزينة الدنيا، قاله قتادة وابن زيد.
ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أنه الخصب والكسب.
﴿إني أخافُ عليكم عذاب يومٍ محيط﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: غلاء السعر، وهو مقتضى قول ابن عباس والحسن.
الثاني : عذاب الاستصال في الدنيا.
الثالث: عذاب النار في الآخرة.
وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
٨٥
أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
كُنتُمْ مُؤْمِنَّ وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
٨٦
قوله عزوجل: ﴿بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) فيها ستة أقاويل:
أحدها: يعني طاعة الله تعالى خير لكم، قاله مجاهد.
الثاني : وصیة من الله، قاله الربیع.
الثالث: رحمة الله، قاله ابن زید.
الرابع: حظكم من ربكم خير لكم، قاله قتادة.
الخامس: رزق الله خیر لکم، قاله ابن عباس.
٤٩٥
سورة هود الآية - ٨٧
السادس: ما أبقاه الله لكم بعد أن توفوا الناس حقوقهم بالمكيال والميزان خير
لكم، قاله ابن جرير الطبري (٦٢٨).
﴿وما أنا عليكم بحفيظ) يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: حفيظ من عذاب الله تعالى أن ينالكم.
الثاني : حفيظ لنعم الله تعالى أن تزول عنكم.
الثالث: حفيظ من البخس والتطفيف إن لم تطيعوا فيه ربكم.
قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَـ أَنْ تَقْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّا أَوْأَنْ نَّفْعَلَ
فِي أَمْوَلِنَا مَا نَشَوْاْ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
٨٧
قوله عزوجل: ﴿قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا﴾ في
﴿صلاتك﴾ ثلاثة أوجه :
أحدها: قراءتك، قاله الأعمش.
الثاني: صلاتك التي تصليها للّه تعبّداً.
الثالث: دينك الذي تدين به وأمرت باتباعه لأن أصل الصلاة الاتباع، ومنه أخذ
المصلي في الخيل.
﴿تأمرك﴾ فیه وجهان:
أحدهما: تدعوك إلى أمرنا.
الثاني : فيها أن تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا يعني من الأوثان والأصنام.
﴿أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: ما كانوا عليه من البخس والتطفيف.
الثاني: الزكاة، كان يأمرهم بها فيمتنعون منها، قاله زيد بن أسلم وسفيان
الثوري .
الثالث: قطع الدراهم والدنانیر لأنه کان ینهاهم عنه، قاله زيد بن أسلم.
﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم قالوا ذلك استهزاء به، قاله قتادة.
(٦٢٨) جامع البيان (٤٤٧/١٥).
٤٩٦
سورة هود الآية - ٨٨
الثاني: معناه أنك لست بحليم ولا رشيد على وجه النفي، قاله ابن عباس.
الثالث: أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد على وجه الحقيقة وقالوا أنت حليم
رشيد فلم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ والحلم والرشد لا يقتضي منع المالك
من فعل ما يشاء في ماله، قال ابن بحر.
قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَا وَمَا أُرِيدُ
أَنْ أُخَالِفَكُمْإِلَى مَآ أَنْهَدُكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا
تَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِلّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ
٨٨
قوله عزوجل : ﴿قال یا قوم أرایتُم إن كُنتُ علی بِّنٍ من ربي﴾ قد ذكرنا تأويله.
﴿ورزقني منه رزقاً حسناً﴾ فیه تأويلان:
أحدهما: أنه المال الحلال، قاله الضحاك.
قال ابن عباس وکان شعیب کثیر المال.
الثاني: أنه النبوة، ذكره ابن عيسى، وفي الكلام محذوف وتقديره: أفأعدل مع
ذلك عن عبادته .
ثم قال ﴿وما أريدُ أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ أي لا أفعل ما نهيتكم عنه
کما لا أترك ما أمرتكم به .
﴿إِنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعت﴾ ومعناه ما أريد إلا فعل الصلاح ما
استطعت، لأن الاستطاعة من شرط الفعل دون الإرادة.
﴿وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾(٦٢٩) فيه وجهان:
أحدهما: أنّ الإنابة الرجوع ومعناه وإليه أرجع، قاله مجاهد.
الثاني: أن الإنابة الدعاء، ومعناه وإليه أدعو، قاله عبيد الله بن يعلى.
(٦٢٩) فائدة: قال البيضاوي في انوار التنزيل ص ((إن لأجويته عليه السلام الثلاثة يعني ﴿يا قوم أرأيتم .. ﴾ الخ.
﴿وما أريد أن أحالفكم﴾ الخ ﴿وإن أريد إلا الاصلاح﴾ على هذا النسق شأناً وهو التنبيه على أن العاقل يجب
أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره ثلاثة حقوق أهمها وأعلاها حق الله تعالى فإن الجواب الأول متضمن
بيان حق الله تعالى من شكر نعمته والاجتهاد في خدمته وثانيها حق النفس فإن الجواب الثاني قد ضمن
بيان حق نفسه في كفها عما ينبغي أن ينتهي عنه غيره وثالثها حق الناس فإن الجواب الثالث متضمن
للاشارة إلى أن حق الغير عليه اصلاحه وإرشاده .. ونقله الألوسي في روح المعاني (١٢١/١٢).
٤٩٧
سورة هود الآية - ٨٩ - ٩٢
وَقَوْمِ لَايَجْرِ مَنَّكُمْ شِقَافِى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوُجٍ أَوْقَوْمَ هُودٍ
أَوَ قَوْمَ صَلِْ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾
وَأَسْتَغْفِرُ واْرَبَّكُمْ ثُمَّ
تُوبُواْإِلَيْهِ إِنَّ رَتِ رَحِيمٌ وَدُودٌ
قوله عزوجل: ﴿ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي﴾
في ﴿يجرمنكم﴾ تأويلان:
أحدهما: معناه لا يحملنكم، قاله الحسن وقتادة.
والثاني : معناه لا يكسبنكم، قاله الزجاج.
وفي قوله ﴿شقاقي﴾ ثلاثة تأويلات:
أحدها : إضراري، قاله الحسن.
الثاني: عداوتي، قاله السدي ومنه قول الأخطل (٦٣٠):
ألا من مبلغ قيساً رسولاً . فكيف وجدتم طعمَ الشقاق
الثالث: فراقي، قاله قتادة.
﴿أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوحٍ﴾ وهم أول أمة أهلكوا بالعذاب.
﴿أو قوم هودٍ أو قوم صالحٍ وما قوم لوط منكم بعيدٍ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: يعني بعد الدار لقربهم منهم، قاله قتادة.
الثاني : بعد العهد لقرب الزمان .
ويحتمل أن يكون مراداً به قرب الدار وقرب العهد.
وقد أهلك قوم هود بالريح العاصف، وقوم صالح بالرجفة والصيحة، وقوم لوط
بالرجم .
قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَانَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَتَرَتَكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ
قَالَ يَقَوْمِ أَرَّهُطِيَّ أَعَزَّ عَلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ
لَرَجَمْنَكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ
وَأَّخَذْ تُمُوهُ وَرَآءَ كُمْ ظِهْرِنَّا إِنَّ رَبِ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيدٌ
٩٢
(٦٣٠) وذكره الشوكاني في فتح القدير (٥٢٠/٢) والشطر الأول فيه ألا من مبلغ عني رسولاً.
٤٩٨
سورة هود الآية - ٨٩ - ٩٢
قوله عز وجل : ﴿قالوا يا شعيبُ ما نفقهُ كثيراً مما تقول﴾ أي ما نفهم، ومنه سمي
عِلم الدين فقهاً لأنه مفهوم، وفيه وجهان:
أحدهما: ما نفقه صحة ما تقول من البعث والجزاء.
الثاني : أنهم قالوا ذلك إعراضاً عن سماعه واحتقاراً لكلامه.
أوإنا لنراك فينا ضعيفاً﴾ فيه سبعة تأويلات:
أحدها: ضعيف البصر، قاله سفيان.
الثاني : ضعیف البدن، حكاه ابن عيسى.
الثالث: أعمى (٦٣١)، قاله سعيد بن جبير وقتادة.
الرابع: قليل المعرفة وحيداً، قاله السدي.
الخامس: ذليلاً مهيناً، قاله الحسن.
السادس: قليل العقل.
السابع: قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها.
﴿ولولا رهطك﴾ فیه وجهان:
أحدهما: عشيرتك، وهو قول الجمهور.
الثاني : لولا شيعتك، حكاه النقاش.
﴿لرجمناك﴾ فیه وجهان:
أحدهما: لقتلناك بالرجم.
الثاني : لشتمناك بالكلام، ومنه قول الجعدي (٦٣٢).
(٦٣١) ولكن نقل الإمام الآلوسي (١٢٣/١٢) عن بعض أهل العلم قوله ((جوز بعض أصحابنا العمى على
الأنبياء عليهم السلام لكن لا يحسن الحمل عليه هنا وأنت تعلم أن المصحح عند أهل السنة أن الأنبياء
عليهم السلام ليس منهم أعمى وما حكاه الله تعالى عن يعقوب عليه السلام كان أمراً عارضاً وذهب
اهـ والأخبار المروية عمن ذكرنا في شعيب [أي من كونه ضعيف البصر وأعمى] لم نقف على
تصحيح لها سوى ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما فإن الحاكم صحح بعض طرقه لكن تصحيح
الحاكم كتضعيف ابن الجوزي غير معول عليه وربما يقال فيه ما قيل في يعقوب اهـ.
قلت: ومن هنا نعلم أن القول الأول والثاني متعقبان والقول الأول تفسيره بلغة اليمن الأعمى والصواب في
قوله تعالى ﴿إن لنراك فينا ضعيفاً﴾ أي لا قوة لك ولا قدرة على شيء من الضر والنفع والإيقاع والدفع)»
راجع فتح القدير (٥٢٠/٢) وروح المعاني (١٢٣/١٢) والكشاف (٢٣٣/٢).
(٦٣٢) فتح القدير (٥٢٠/٢).
٤٩٩
سورة هود الآ ية - ٨٩ - ٩٢
نصير كأننا فَرسَا رِهان
تراجمنا بمُرِّ القول حتى
﴿وما أنت علينا بعزيز﴾ فيه وجهان:
أحدهما: بکریم.
الثاني : بممتنع لولا رهطك.
قوله عز وجل: ﴿قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله﴾ أي تراعون رهطي فيّ
ولا تراعون الله فيّ (٦٣٣).
﴿واتخذتموه وراءَكم ظهرياً﴾ فيه أربعة تأويلات:
أحدها: اطرحتم أمره وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تعملون به، قاله
السدي، ومنه قول الشاعر (٦٣٤):
وجَدْنا بني البرصاءِ من وَلَدِ الظَّهْرِ
...
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
٠٠.
أي ممن لا يلتفت إليهم ولا يعتد بهم.
الثاني: يعني أنكم حملتم أوزار مخالفته على ظهوركم، قاله السدي، من
قولهم حملت فلاناً على ظهري اذا أظهرت عناده.
الثالث: يعني أنكم جعلتم الله ظهرياً إن احتجتم استعنتم به، وإن اكتفيتم
تركتموه. كالذي يتخذه الجمّال من جماله ظهرياً إن احتاج إليها حمل عليها وإن
استغنى عنها ترکها، قاله عبد الرحمن بن زید.
الرابع: إن الله تعالى جعلهم وراء ظهورهم ظهرياً، قاله مجاهد (٦٣٥).
﴿إِنّ ربي بما تعملون محيط﴾ فيه ثلاثة أوجه:
(٦٣٣) فائدة: قال الإمام الشوكاني رحمه الله في فتح القدير (٥٢٠/٢) ((انما قال أعز عليكم من الله ولم يقل
أعز عليكم مني لأن نفي العزة عنه واثباتها لقومه كما يدل عليه ايلاء الضمير حرف النفي استهانة
به والاستهانة بأنبياء الله استهانة بالله عز وجل فقد تضمن كلامهم أن رهطه أعزّ عليه من الله فاستنكر
ذلك عليهم وتعجب منهم وألزمهم ما لا مخلص لهم عنه ولا مخرج لهم منه بصورة الاستفهام وفي هذا
من قوة المحاجة ووضوح المجادلة والقام الخصم الحجر مالا يخفى ولأمر ما سمي شعيب خطيب الأنبياء
اهـ.
(٦٣٤) هو أرطأة بن سمية المري وما قائه هنا شطر من بيت صدره: فمن مبلغ أبناء مرة أننا
والبيت في مجاز القرآن (٢٩٨/١) واللسان ظهر والطبري (٤٥٩/١٥).
(٦٣٥) وقول مجاهد في الطبري (٤٦١/١٥) .. ((تركتم ما جاء به شعيب وفي قول آخر نبذوا أمره وفي ثالث هم رهط
شعيب بتركهم ما جاء به وراء ظهورهم ظهرياً اهـ. ولا أدري هنا ما معنى القول الذي أورده المؤلف لمجاهد.
٥٠٠