Indexed OCR Text

Pages 381-400

سورة التوبة الآية - ٧٠ - ٧٢
،وَاُلْمُؤْمِنُونَ
٧٠
كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُّوْاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ لَ
وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, أُوْلَئِكَ
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
سَيَرْ مُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَـ
جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْنِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِ جَنَّتِ
عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِأَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ
٧٢
قوله عز وجل ﴿ .. وَمَسَاكِنَ طَيَّةً فِي جَنَّاتِ عَدْذٍ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: أن المساكن الطيبة قصور من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد
الأخضر مبنية بهذه الجواهر.
الثاني : أنها المساكن التي يطيب العيش فيها، وهو محتمل.
وأما جنات عدن فيها خمسة أوجه:
أحدها: أنها جنات خلود وإقامة ، ومنه سمي المعدن لإقامة جوهره فيه ، ومنه
قول الأعشى (٤٦٥):
تضافوا إلى راجح قد عدَن
فإن تستضيفوا إلى حِلمِه
يعني ثابت الحلم. وهذا مروي عن ابن عباس.
والثاني : أن جنات عدن هي جنات كروم وأعناب بالسريانية، وهذا مروي عن
ابن عباس أيضاً .
والثالث: أن عدن اسم لبطنان الجنة أي وسطها، قاله عبدالله بن مسعود.
والرابع: أن عدن اسم قصر في الجنة، قاله عبدالله بن عمروبن العاص
والحسن .
(٤٦٥) ديوانه: ١٧، ومجاز القرآن (٢٦٤/١) والطبري (٣٥٠/١٤) واللسان ((وزن)) وفي اللسان((قد وزن))
بدلاً من عدن.
وفي الديوان (إلى حكمه)) بدلاً من ((إلى حكمه)) وفي زاد المسير (٤٦٨/٣) ((وإن تستضيفوا)) وفي الطبري وزاد
المسير واللسان وغيرها وإن خلافاً لما هنا ((فإن)).
٣٨١

سورة التوبة الآية - ٧٣، ٧٤
والخامس: أن جنة عدن في السماء العليا لا يدخلها إلا نبيّ (٤٦٦) أو صديق أو
شهيد أو إمام عدل (٤٦٧).
وجنة المأوى في السماء الدنيا تأوي إليها أرواح المؤمنين رواه معاذ بن جبل
مرفوعاً (٤٦٨).
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّةٌ
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ فَّـ
وَكَفَرُوْبَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَمُواْبِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَانَقَمُوْ إِلَّا أَنْ أَغْنَدُهُمُ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ، فَإِنِ يَتُوبُواْيَكُ خَيْرًالَّهٌُ وَإِن يَتَوَلَّوْيُعَذِّ بْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا
أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمَالَهُمْ فِ الْأَرْضِ مِن وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ
٧٤
قوله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أما جهاد الكفار
فبالسيف وأما جهاد المنافقين ففيه ثلاثة أقاويل :
أحدها: جهادهم بيده، فإن لم يستطع فبلسانه وقلبه، فإن لم يستطع
فلیکفهر(٤٦٩) في وجوههم، قاله ابن مسعود.
والثاني : جهادهم باللسان، وجهاد الكفار بالسیف، قاله ابن عباس.
(٤٦٦) وقد روى الطبري (٣٥١/١٤، ٣٥٢) والبخاري في الكبير (٤٠٧/١/٢) والبزار كما في المجمع
(٤١٢/١٠) من حديث أبي الدرداء مرفوعاً ((إن الله يفتح الذكر في ثلاث ساعات الحديث وفيه ثم ينزل
في الساعة الثانية إلى جنة عدن وهي داره التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر ..... ولا
يسكن معه من بني آدم غير ثلاثة النبيين والصديقين والشهداء.)) وضعف الحديث الهيثمي قائلاً ((رواه
البزار وفيه زيادة بن محمد وهو ضعيف وضعفه أيضاً الذهبي في الميزان (٣٦١/١) وقال: هذه ألفاظ
منكرة لم يأت بها غير زيادة.
(٤٦٧) وقوله هنا إلى إمام عدل ثبت من قول الحسن رواه الطبري (٣٥٤/١٤).
(٤٦٨) أما حديث معاذ فلم أهتد إليه وأما الاختلاف في سبب التسمية فقد عقب ابن القيم عليه في حادي
الأرواح ص ٨٣ بقوله ((والصحيح أن [أي المأوى] اسم من أسماء الجنة)) كما قال تعالى ((وأما من خاف
مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)) وقال في النار (فإن الجحيم هي المأوى))
((ومأواكم النار)).
(٤٦٩) أي بوجه عابس منقبض لا انبساط فيه ولا بشر.
٣٨٢

سورة التوبة الآية - ٧٥، ٧٦
والثالث: أن جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، قاله
الحسن وقتادة. وكانوا أكثر من يصيب الحدود.
﴿وَآغْلُظْ عَلَيْهِمُ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما: تعجيل الانتقام منهم.
والثاني: ألا يصدق لهم قولاً، ولا يبر لهم قسماً.
قوله عز وجل ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه الجلاس بن سويد بن الصامت، قال: إن كان ما جاء به محمد حقاً
فنحن شر من الحمير، ثم حلف أنه ما قال، وهذا قول عروة ومجاهد وابن إسحاق.
والثاني: أنه عبدالله بن أبي بن سلول. قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن
الأعز منها الأذل، قاله قتادة.
والثالث: أنهم جماعة من المنافقين قالوا ذلك، قاله الحسن.
﴿وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرٍ﴾ يعني ما أنكروه مما قدمنا ذكره تحقيقاً لتكذيبهم فيما
أنکروه وقيل بل هو قولهم إن محمداً ليس بنبي .
﴿وَكَفَرُ واْ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: كفروا بقلوبهم بعد أن آمنوا بأفواههم.
والثاني: جرى عليهم حكم الكفر بعد أن جرى عليهم حكم الايمان.
﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَتَالُواْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن المنافقين هموا بقتل الذي أنكر عليهم، قاله مجاهد.
والثاني: أنهم هموا بما قالوه ﴿لَئِن رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينةِ ليُخْرِ جَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا
الأَذَلَّ﴾ وهذا قول قتادة.
والثالث: أنهم هموا بقتل النبي وَلَّ، وهذا مروي عن مجاهد أيضاً وقيل إنه
كان ذلك في غزوة تبوك.
وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيْنُ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ
الصَّلِحِينَ ﴿ فَلَمَآ ءَاتَنْهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخْلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُعْرِضُونَ
٧٦
٣٨٣

سورة التوبة الآية - ٧٧ - ٧٩
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا
كَانُواْيَكْذِبُونَ ﴿ أَلَّيَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَلَهُمْ
وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ
٧٨
قوله عز وجل ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءَاتَانَا مِن فَضْلِهِ ... ) الآية والتي
بعدها نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري (٤٧٠). وفي سبب نزولها قولان:
أحدهما: أنه كان له مال بالشام خاف هلاكه فنذر أن يتصدق منه، فلما قدم
عليه بخل به، قاله الكلبي .
والثاني: أن مولى لعمر قتل رجلاً لثعلبة فوعد إن أوصل الله الدية إليه أخرج
حق الله تعالى منها، فلما وصلت إليه بخل بحق الله تعالى أن يخرجه، قاله مقاتل.
وقيل إن ثعلبة لما بلغه ما نزل فيه أتى رسول الله وسير فسأله أن يقبل منه صدقته
فقال: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَنِي أَن أَقْبَلَ مِنْكَ صَدَقَتَكَ)) فجعل يحثي على رأسه التراب.
وقبض رسول الله ێ ولم يقبل منه شيئاً.
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَاتِ
وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَكِيمُ
٧٩
قوله عز وجل ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَ
یچدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ قرىء بضم الجيم وفتحها وفيه وجهان :
أحدهما: أنهما يختلف لفظهما ويتفق معناهما، قاله البصريون.
(٤٧٠) ولم يثبت في ذلك حديث صحيح بل كل ما ورد لم يصح سنده ولا متنه عند التحقيق بعد أن ضعف هذه
الرواية كلاً من الحافظ ابن حجر والبيضاوي والسيوطي وابن حزم والهيثمي وغيرهم فالعجب من ذكر
المفسرين رحمهم الله لهذه القصة بعد عدم ثبوتها وقد جمع أحد الفضلاء ما قيل في هذه القصة وفنّد
اسانيدها في رسالة بعنوان الشهاب الثاقب في الذب عن الصحابي ثعلبة بن حاطب فراجعها فإنها مهمة
جداً.
٣٨٤

سورة التوبة الآية - ٨٠
والثاني: أن معناهما مختلف، فالجهد بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة، قاله
بعض الكوفيين.
وقيل: كان ذلك في غزاة تبوك نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعاصم بن
عدي وأبي عقيل الأراشي (٤٧١) وسبب ذلك أن رسول الله وَلي حث على الصدقة
ليتجهز للجهاد، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال هذا شطر مالي
صدقة، وجاء عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر وقال:
إني آجرت نفسي بصاعين فذهبت بأحدهما إلى عيالي وجئت بالآخر صدقة، فقال
قوم من المنافقين حضروه: أما عبد الرحمن وعاصم فما أعطيا إلا رياءً، وأما صاع أبي
عقيل(٤٧٢) فالله غني عنه، فنزلت فيهم هذه الآية.
﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما: أنهم أظهروا حمدهم واستبطنوا ذمهم.
والثاني : أنهم نسبوا إلى الرياء وأعلنوا الاستهزاء.
﴿سَخِرَ آللَّهُ مِنْهُمْ﴾ یحتمل وجھین :
أحدهما: أنه ما أوجبه (٤٧٣) عليهم من جزاء الساخرين.
والثاني : بما أمهلهم من المؤاخذة.
قال ابن عباس: وكان هذا في الخروج إلى غزاة تبوك.
أُسْتَغْفِرُلَهُمْ أَوْلَا تَسْتَغْفِرُ لَهُمْإِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ هُمْ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
٨٠
قوله عز وجل ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أُوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ
(٤٧١) كذا في المطبوعة وهو خطأ والصواب أبو عقيل الإراش واسمه عبد الرحمن الإراش الأنيفي ولم
يذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (٣٣١/٨) أنه صاحب الصاع ولا فيمن ذكرهم هناك وقد ترجم ابن
سعد في الطبقات (٤١/٢/٣) ولم يذكر أنه صاحب الصاع.
(٤٧٢) وقد ذكر الحافظ ابن حجر الاختلاف في تعيين صاحب الصاع وذكر الاختلاف في اسمه في الفتح
وقال (٣٣١/٨): وهذا يدل على تعدد من جاء بالصاع.
(٤٧٣) والصواب من القول في ذلك إثبات ذلك على ما يليق بالله تعالى على جهة العدل من غير اشتقاق اسم
منها فلا يقال ساخر أو كائد أو مخادع أو ما شابه ذلك والله أعلم.
٣٨٥

سورة التوبة الآية - ٨٢،٨١
يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وهذا على وجه المبالغة في اليأس من المغفرة وإن كان على صيغة
الأمر، ومعناه أنك لو طلبتها لهم طلب المأمور بها أو تركتها ترك المنهي عنها لكان
سواء في أن الله تعالى لا يغفر لهم.
قوله ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ليس بحد لوقوع المغفرة بعدها، وإنما هو
على وجه المبالغة بذكر هذا العدد لأن العرب تبالغ بالسبع وبالسبعين لأن التعديل في
نصف العقد وهو خمسة إذا زيد عليه واحد كان لأدنى المبالغة، وإذا زيد عليه اثنان كان
لأقصى المبالغة، ولذلك (٤٧٤) قالوا للأسد سبع أي قد ضوعفت قوته سبع مرات،
وهذا ذكره علي بن عيسى .
وحكى (٤٧٥) مجاهد وقتادة (٤٧٦) أن النبي ◌َ ◌ّ قال «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَهُمْ أَكْثَرَ مِن
سَبْعِينَ مَرَّةً) فأنزل الله تعالى ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتُ لَهُمْ أُمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَهُمْ﴾ فکف.
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِ هِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوَ أَنْ يُجَهِدُ واْبِأَمْوَهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَنَفِرُواْ فِى الْخَرُّقُلْ نَارُجَهَنَّمَ أَشَدُّحَرًّا أَوْ كَانُواْ
/? ۔۔
٨٢
فَلْيَضُحَكُوْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُوْ كَثِيرًا جَزَآءُ بِمَا كَانُواْيَكْسِبُونَ
يَفْقَهُونَ أَّ
قوله عز وجل ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ﴾ أي المتروكون.
﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: يعني مخالفة رسول الله وَ لقر وهذا قول الأكثرين.
والثاني: معناه بعد رسول الله وَله، قاله أبو عبيدة وأنشد (٤٧٧).
(٤٧٤) قال ابن الجوزي رحمه الله في زاد المسير (٤٧٧/٣): ((فإن قيل كيف جاز أن يستغفر لهم وقد أخبر
بأنهم كفروا فالجواب أنه إنما استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير أن يتحقق خروجهم عن
الإسلام ولا يجوز أن يقال علم كفرهم ثم استغفر.
(٤٧٥) رواه الطبري (٣٩٦/١٤).
(٤٧٦) رواه عبد بن حميد كما في الفتح (٣٣٥/٨) وروى الطبري (١٤ /٣٩٥) وابن أبي حاتم كما في الفتح
(٣٣٥/٨) عن عروة بن الزبير مثله وقال الحافظ ابن حجر عن أثر مجاهد وقتادة وعروة وهذه طرق وإِن
كانت مراسيل فإن بعضها يعضد بعضاً.
(٤٧٧) هو الحارث بن خالد المخزومي.
٣٨٦
=

سورة التوبة الآية - ٨٣
عفت الديار خلافهم فكأنما
بسط الشواطب بينهن حصيراً
أي بعدهم.
﴿وَقَالُواْ لَ تَنْفِرُ واْ فِي الْحَرِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: هذا قول بعضهم لبعض حين قعدوا.
والثاني: أنهم قالوه للمؤمنين ليقعدوا معهم. وهؤلاء المخلفون عن النبي (وَلـ
في غزاة تبوك وكانوا أربعة وثمانين نفساً .
قوله عز وجل ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً﴾ هذا تهديد وإن خرج مخرج الأمر، وفي قلة
ضحکھم وجهان :
أحدهما: أن الضحك في الدنيا لكثرة حزنها وهمومها قليل، وضحكهم فيها
أقل لما يتوجه إليهم من الوعيد.
الثاني: أن الضحك في الدنيا وإن دام إلى الموت قليل، لأن الفاني قليل.
﴿وَلْيَبگوا كثيراً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: في الآخرة لأنه يوم مقداره خمسون ألف سنة، وهم فيه يبكون، فصار
بكاؤهم كثيراً، وهذا معنى قول الربيع بن خیثم.
الثاني: في النار على التأبيد لأنهم إذا مسهم العذاب بكوا من ألمه، وهذا قول
السدي .
ويحتمل أن يريد بالضحك السرور، وبالبكاء الغم.
فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَخْرُجُواْمَعِىَ
أَبَدًا وَلَن نُقَتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَفْعُدُواْ مَعَ
اْخَالِفِینَ
٨٣
= ووقع في نسخة أخرى للمخطوطة عقب الربيع وهو الصواب وقد أورده هكذا الطبري (٣٩٨/١٤)
واللسان (عقب) (خلف) ومجاز القرآن لأبي عبيدة وقد أورده صاحب الاغاني (٣٣٦/٣) بلفظ عقب
الرذاذ والرذاذ هو صغار المطر وأما قوله هنا عقب الديار فقد وقعت هذه الرواية للبيت في القرطبي
.(
)
٣٨٧

سورة التوبة الآية - ٨٤
قوله عز وجل ﴿ ... إِنَّكُم رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أُوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فيه قولان :
أحدهما: أول مرة دعیتم .
الثاني : يعني قبل استئذانكم.
﴿فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ فيهم قولان:
أحدهما: أنهم النساء والصبيان، قاله الحسن وقتادة.
الثاني: هم الرجال الذين تخلفوا بأعذار وأمراض، قاله ابن عباس.
وَلَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَانَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ،
وَمَاتُواْوَهُمْ فَسِقُونَ
٨٤
قوله عز وجل ﴿وَلاَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ لما احتضر عبدالله بن أبي بن
سلول أتى ابنُه النبي ◌ِّلّ فسأله أن يصلي عليه وأن يعطيه قميصه ليكفن فيه فأعطاه إياه
وهو عرق فكفنه فيه وحضره، فقيل إنه أدركه حياً، فقال النبي ◌َّ ((أَهْلَكَهُمُ اليَهُودُ))
فقال: يا رسول الله لا تؤنبني واستغفر لي، فلما مات ألبسه قميصه وأراد الصلاة عليه
فجذبه عمر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله أليس الله قد نهاك عن الصلاة عليهم؟
فقال: يَا عُمَرُ خَيَّرَنِي رَبِّي فَقَالَ: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ
مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ لأُزِيدَنَّ عَلَى الْسَّبْعِينَ)). فصلى عليه (٤٧٨). فنزلت ﴿وَلاَ تُصَلِّ
عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّتَ أَبَداً﴾ الآية، فما صلى بعدها على منافق، وهذا قول ابن (٤٧٩)
عباس وابن عمر (٤٨٠) وجابر (٤٨١) وقتادة.
(٤٧٨) قال الحافظ في الفتح (٣٣٦/٨): ((وقد قال بعض أهل الحديث تصحيح إسلام عبدالله بن أبي لكون
النبي ◌ّ صلى عليه وذهل عن الوارد من الآيات والأحاديث المصرحة في حقه بما ينافي ذلك ولم
يقف على جواب شاف في ذلك فأقدم على الدعوى المذكورة وهو محجوج بإجماع من قبله على
نقيض ما قال. وإطباقهم على ترك ذكره في كتب الصحابة مع شهرته وذكر من هو دونه في الشرف
والشهرة بأضعاف مضاعفة أهـ.
(٤٧٩) رواه الطبري (٤٠٨/١٤) واللفظ له والبخاري (٣٣٣/٨).
(٤٨٠) رواه البخاري (٣٣٧/٨) ومسلم (١٢١/١٧) والطبري (١٤ /٤٠٦) وابن أبي حاتم وأبو الشيخ
وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي والدلائل كما في الدر (٤ / ).
(٤٨١) رواه البزار ( ) والطبري (١٤ /٤٠٧) وفي سنده مجالد بن سعيد وهو ليس بالقوي ولکن الحدیث
له شواهد ولهذا قال الحافظ ابن کثیر. (٣٧٩/٢): «إسنادہ لا بأس به وما قبله شاهد له».
٣٨٨

سورة التوبة الآية - ٨٥ - ٨١
﴿وَلَا
وقال أنس بن مالك(٤٨٢): أراد أن يصلي عليه فأخذ جبريل بثوبه وقال
تُصَلّ عَلَىْ أَحَدٍ مِنْهُم مَّتَ أَبَداً﴾.
﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ يعني قيام زائر ومستغفر.
وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلهُمْ وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى الذُّنْيَا وَتَزْهَقَ
أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ (٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَِهِدُ واْمَعَ
٨٦
رَسُولِهِ أَسْتَخْذَنَكَ أُوْلُواْالطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَعَالْفَعِدِينَ
٨٧
رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ
قوله عز وجل ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي
الذُّنْيَا﴾ يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: يعذبهم بحفظها في الدنيا والإشفاق عليها.
والثاني : يعذبهم بما يلحقهم منها من النوائب والمصائب.
والثالث: يعذبهم في الآخرة بما صنعوا بها في الدنيا عند كسبها وعند إنفاقها.
وحكى ابن الأنباري وجهاً رابعاً: أنه على التقديم والتأخير، وتقديره: ولا
تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الآخرة.
قوله عز وجل ﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةً أَنْ ءَامِنُوا بِاللَّهِ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: استدیموا الإيمان بالله.
والثاني : افعلوا فعل من آمن بالله.
والثالث: آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بأفواهكم، ويكون خطاباً للمنافقين.
﴿وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوْا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أهل الغنى، قاله ابن عباس وقتادة.
والثاني: أهل القدرة. وقال محمد بن إسحاق. نزلت في عبدالله بن أبي بن
سلول والجد بن قیس.
قوله عز وجل ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
(٤٨٢) رواه الطبري (١٤ /٤٠٧) وفي سنده يزيد الرقاشي وهو ضعيف متروك.
٣٨٩

سورة التوبة الآية - ٨٨ - ٩٣
أحدها: مع المنافقين، قاله مقاتل.
والثاني: أنهم خساس الناس وأدناهم مأخوذ من قولهم فلان خالفه أهله إذا كان
دونهم، قاله ابن قتيبة .
والثالث: أنهم النساء، قاله قتادة والكلبي .
لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْبِأَمْوَهِمْ وَأَنفُسِهِمْ
وَأُوْ لَِّكَ لَمُ الْخَيْرَثٌّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [َأَعَدَّاللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ
٨٩
تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيَهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ
قوله عز وجل ﴿وَأَوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ وهو جمع خيرة، وفيها أربعة أوجه:
أحدها: أنها غنائم الدنيا ومنافع الجهاد.
والثاني : فواضل العطايا.
والثالث: ثواب الآخرة.
والرابع: حُور الجنان، من قوله تعالى ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن:
٢٧٠.
وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ اْلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَّنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
لَّيْسَ عَلَىَ الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى
سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
اُلْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُوْلِلَّهِ
وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وَلَ عَلَى
الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ
وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ حَزَّنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ (٨) إِنَّمَا
السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَعْذِ نُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ
الْخَوَاِفِ وَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
٩٣
قوله عز وجل ﴿وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ فيها وجهان :
٣٩٠

سورة التوبة الآية - ٨٨ - ٩٣
أحدهما: أنهم المعتذرون بحق اعتذروا به فعذروا، قاله ابن عباس وتأويل
قراءة من قرأها بالتخفيف(٤٨٣).
والثاني: هم المقصرون المعتذرون بالكذب، قاله الحسن وتأويل من قرأها
بالتشديد، لأنه إذا خفف مأخوذ من العذر، وإذا شدد مأخوذ من التعذير، والفرق
بينهما أن العذر حق والعذير كذب.
وقيل إنهم بنو أسد وغطفان.
قوله عز وجل ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَ عَلَى الْمَرْضَى﴾ الآية. وفي الضعفاء
ها هنا ثلاثة أوجه :
أحدها: أنهم الصغار لضعف أبدانهم.
الثاني : المجانين لضعف عقولهم.
الثالث: العميان لضعف بصرهم. كما قيل في تأويل قوله تعالى في شعيب
﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً﴾ [هود: ٩١] أي ضريراً.
﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: إذا برئوا من النفاق.
الثاني: إذا قاموا بحفظ المخلفين من الذراري والمنازل.
فإن قيل بالتأويل الأول كان راجعاً إلى جميع من تقدم ذكره من الضعفاء
والمرضى الذين لا يجدون ما ينفقون .
وإن قيل بالتأويل الثاني كان راجعاً إلى الذين لا يجدون ما ينفقون خاصة.
وقيل إنها نزلت في عائذ بن عمرو وعبدالله بن مُغَفّل.
﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَ أَجِدُ مَآ أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لم يجد لهم زاداً لأنهم طلبوا ما يتزودون به، قاله أنس بن مالك.
والثاني: أنه لم يجد لهم نعالاً لأنهم طلبوا النعال، قاله الحسن.
(٤٨٣) وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن يعمر ويعقوب وقرأ ابن مسعود المعتذرون وفيها قراءة أخرى
هي ((المعاذرون)) بألف وهي قراءة ابن السميفع راجع زاد المسير (٤٨٣/٣).
٣٩١

سورة التوبة الآية - ٩٤ - ٩٦
روى أبو هريرة أن النبي ◌َ ﴿ قال في هذه الغزاة وهي تبوك ((أَكْثِرُ وا(٤٨٤) مِنَ
التِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَ يَزَالُ رَاكِباً مَا كَانَ مُنْتَعِلاً)) .
وفیمن نزلت فيه خمسة أقاويل :
أحدها: في العرباض بن سارية، قاله يحيى بن أبي المطاع (٤٨٥).
والثاني: في عبدالله بن الأزرق وأبي ليلى (٤٨٦)، قاله السدي.
والثالث: في بني مقرّن من مُزينة، قاله مجاهد.
والرابع: في سبعة من قبائل شتى، قاله محمد بن كعب.
والخامس: في أبي موسى وأصحابه، قاله الحسن.
يَعْنَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمَّ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكُمْ
قَدْ نَّأَنَاللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى
عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنْتِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ ◌َسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
لَكُمْ إِذَا أُنْقَبْتُمْ إِلَيْهِمْلِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إَِهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَهُمْ
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ
٩٥
جَهَنَّمُ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
عَنْهُمَّ فَإِن تَرْضَوْعَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ!
٩٦
قوله عزوجل: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءٌ﴾ في السبيل
هاهنا وجهان :
أحدهما: الإنكار.
الثاني : الإثم .
(٤٨٤) أخرجه مسلم (١٦٦٠/٣) وأبو داود (٤١٣٣) وأحمد (٣٣٧/٣، ٣٦٠) والخطيب في التاريخ
(٤٢٥/٣).
ومعناه أنه شبيه بالراكب في خفة المشقة عليه وقله تعبه وسلامة رجله مما يعرض في الطريق من خشونة
وشوك وأذی ونحو ذلك ((هامش صحيح مسلم)).
(٤٨٥) هو يحيى بن أبي المطاع القرشي الأردني ابن أخت بلال ثقة معروف روى عن العرباض بن سارية
وغيره تهذيب التهذيب (٢٤٥/١١، ٢٤٦).
(٤٨٦) هو عبد الرحمن بن كعب كما في زاد المسير (٢٨٦/٣).
٣٩٢

سورة التوبة الآية - ٩٧ - ٩٩
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ يعني في التخلف عن الجهاد. ﴿وَهُمْ أَغْنِيَّءُ﴾ يعني
بالمال والقدرة.
﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أنهم الذراري من النساء والأطفال.
الثاني : أنهم المتخلفون بالنفاق.
الْأَعْرَابُ أَشَدُّكُفْرَا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَ لَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى
رَسُولِهٍ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [®] وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَايُنفِقُ مَغْرَمًا
وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الَّوَابِرَ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لَّ وَمِنَ
الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَخِذُ مَا يُنفِقُ قُرْبَتِ
عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولَّ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمَّ سَيُدْ خِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِّةٍ إِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٩
قوله عز وجل: ﴿اَلْأعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً﴾ فيه وجهان :
أحدهما: أن يكون الكفر والنفاق فيهم أكثر منه في غيرهم لقلة تلاوتهم القرآن
وسماعهم السنن.
الثاني: أن الكفر والنفاق فيهم أشد وأغلظ منه في غيرهم لأنهم أجفى طباعاً
وأغلظ قلوباً .
﴿وَأَجْدَرُ أَلَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ومعنى أجدر أي أقرب، مأخوذ من
الجدار الذي يكون بين مسكني المتجاورين.
وفي المراد بحدود الله ما أنزل الله وجهان:
أحدهما: فروض العبادات المشروعة.
الثاني: الوعد والوعيد في مخالفة الرسول وير والتخلف عن الجهاد.
قوله عز وجل ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً﴾ فيه وجهان :
أحدهما: ما يدفع من الصدقات.
٣٩٣

سورة التوبة الآية - ١٠٠
الثاني: ما ينفق في الجهاد مع الرسول وَلقر مغرماً، والمغرم التزام ما لا يلزم،
ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [الفرقان: ٦٥] أي لازماً، قال الشاعر:
فَمَا لَكَ مَسْلُوبَ العَزَاءِ كَأَنَّمَا تَرَى هَجْرَ لَيْلَى مَغْرَماً أَنْتَ غَارِمُهُ
﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَآئِرَ﴾ جمع دائرة وهي انقلاب النعمة إلى ضدها، مأخوذة
من الدور ويحتمل تربصهم الدوائر وجهين :
أحدهما: في إعلان الكفر والعصيان.
والثاني : في انتهاز الفرصة بالانتقام.
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرةُ السَّوْءِ﴾ رد لما أضمروا وجزاء لما مكروا.
قوله عز وجل ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤمِنُ بِالَّلهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ قال مجاهد: هم
بنو مقرن من مزينة .
﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما: أنها تقربة من طاعة الله ورضاه.
الثاني: أن ثوابها مذخور لهم عند الله تعالى فصارت قربات عند الله ﴿وَصَلَوَاتٍ
الرَّسُولِ﴾ فیها وجهان :
أحدهما: أنه استغفاره لهم، قاله ابن عباس.
الثاني : دعاؤه لهم، قاله قتادة.
﴿أَلَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون راجعاً إلى إيمانهم ونفقتهم أنها قربة لهم.
الثاني : إلى صلوات الرسول أنها قربة لهم.
وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِنَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنِ
رَضِى اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ وَأَعَذَ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ
ج
خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْرُ الْعَظِيمُ
..
قوله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِيِنَ وَالأَنصَارِ﴾ فيهم أربعة
أقاويل :
٣٩٤

سورة التوبة الآية - ١٠٠
أحدها: أنهم الذين صلّوا إلى القبلتين مع رسول الله وَّر، قاله أبو موسى
الأشعري وسعيد بن المسيب.
الثاني: أنهم الذين بايعوارسول الله وَّ بيعة الرضوان، قاله الشعبي وابن (٤٨٧)
سیرین.
الثالث: أنهم أهل بدر، قاله عطاء.
الرابع: أنهم السابقون بالموت والشهادة من المهاجرين والأنصار سبقوا إلى
ثواب الله تعالی و حسن جزائه.
ويحتمل خامساً (٤٨٨): أن يكون السابقون الأولون من المهاجرين هم الذين آمنوا
بمكة قبل هجرة رسول اللَّه و ◌ّر عنهم، والسابقون الأولون من الأنصار هم الذين آمنوا
برسول الله ورسوله قبل هجرته إليهم (٤٨٩) .
﴿وَالَّذِينَ آََّعُوهُم پإِحْسَانٍ﴾ يحتمل وجهین:
أحدهما: من الإيمان.
الثاني : من الأفعال الحسنة.
﴿رَّضِيَ الَّلهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: رضي الله عنهم بالإيمان، ورضوا عنه بالثواب، قاله ابن بحر.
الثاني: رضي الله عنهم في العبادة، ورضوا عنه بالجزاء، حكاه علي بن
عیسی .
الثالث: رضي الله عنهم بطاعة الرسول وَلّة، ورضوا عنه بالقبول.
(٤٨٧) كذا في المطبوعة والذي في الدر (٢٦٩/٤) قاله ابن سيرين هم الذين يصلون القبلتين جميعاً وهم
أهل بدر، ونسبه لابن المنذر وأبي نُعيم.
(٤٨٨) وهذا القول ذكره أبو يعلى كما في زاد المسير (٤٩١/٣).
(٤٨٩) قال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير (٣٩٨/٢). وفي الآية تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين
والأنصار وهم الذين صلوا القبلتين في قول سعيد بن المسيب وطائفة أو الذين شهدوا بيعة الرضوان
وهي بيعة الحديبية في قول الشعبي أو أهل بدر في قول محمد بن كعب وعطاء بن يسار ولا مانع من
حمل الآية على هذه الأصناف كلها قال أبو منصور البغدادي أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم
الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقون ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية اهـ.
٣٩٥

سورة التوبة الآية - ١٠١
وَمِمَّنْ حَوْلَكُ مِّنَ الْأَعْرَابِ مُتَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةُ مَرَدُواْ عَلَىَ
اُلِنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّ بُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَ يُّرَدُّونَ إِلَىعَذَابٍ
عَظِيم
١٠١
قوله عز وجل: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرابِ مُنَافِقُونَ﴾ يعني حوله المدينة: قال
ابن عباس: مزينة وجهينة وأسلم وغِفار وأشجع كان فيهم بعد إسلامهم منافقون كما
كان من الأنصار لدخول جميعهم تحت القدرة فتميزوا بالنفاق وإن عمتهم الطاعة .
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَقِ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أقاموا عليه ولم یتوبوا منه، قاله عبد الرحمن بن زید.
الثاني: مردوا عليه أي عتوا فيه، ومنه قوله عز وجل ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلَّ شَيْطَاناً
مَّرِيداً﴾ [النساء: ١١٧].
الثالث: تجردوا فيه فظاهروا به، مأخوذ منه تجرد خد (٤٩٠) الأمرد لظهوره وهو
محتمل .
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: لا تعلمهم حتى نعلمك بهم.
الثاني: لا تعلم أنت عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعملها، وهذا يمنع أن
یحکم على أحد بجنة أو نار.
﴿َسَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن أحد العذابين الفضيحة في الدنيا والجزع من المسلمين، والآخر
عذاب القبر، قاله ابن عباس (٤٩١).
(٤٩٠) قال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير (٣٩٨/٢). وأصل مرد وتمرد اللين والملاسة والتجرد فكأنهم
تجردوا للنفاق ومنه غصن أمرد لا ورق عليه وفرس أمرد لا شعر فيه وغلام أمرد لا شعر بوجهه وأرض
مرداء لا نبات فيها وصرح ممرد مجرد فالمعنى أنهم أقاموا على النفاق وثبتوا عليه ولم ينثنوا عنه.
قلت وإنما سمي الشيطان مارداً لأنه عرى عن كل خير ومعروف.
(٤٩١) وهذا الذي ذكره المؤلف هنا معنى قول ابن عباس ولم يصح عنه فقد رواه الطبري (٤٤١/١٤)
والطبراني كما في مجمع الزوائد (٣٣/٧) وقال الهيثمي. فيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي وهو =
٣٩٦

سورة التوبة الآية - ١٠٢
والثاني: أن أحدهما عذاب الدنيا والآخر عذاب الآخرة، قاله قتادة.
والثالث: أن أحدهما الأسر والآخر القتل، قاله ابن قتيبة .
والرابع: أن أحدهما الزكاة التي تؤخذ منهم والآخر الجهاد الذي يؤمرون به
لأنهم بالنفاق يرون ذلك عذاباً. قاله الحسن.
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه عذاب النار في الآخرة.
الثاني : أنه إقامة الحدود في الدنيا.
الثالث: إنه أخذ الزكاة منهم.
وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُوْبِذُنُوبِهِمْ خَطُواْعَمَلًا صَِحًا وَءَاخَرَسَيِّئًا عَسَى اللّهُأَنْ يَنُوبَ
-
عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم
١٠٢
قوله عز وجل: ﴿وَءَاخَرُ ونَ أَعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ فيهم قولان:
أحدهما: أنهم سبعة من الأنصار منهم أو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن
ثعلبة، ووديعة بن حزام، كانوا من جملة العشرة الذين تخلفوا عن رسول الله وَيطير في
غزاة تبوك، فربطوا أنفسهم لما ندموا على تأخرهم إلى سواري المسجد ليطلقهم
رسول الله ﴿ إن عفا عنهم، فلما عاد رسول الله وَلّر مر بهم وكانوا على طريقة فسأل
عنهم فأخبر بحالهم فقال: ((لَا أَعذُرُهُم وَلَا أُطْلِقُهم حَتَّى يَكونَ اللَّهُ تَعالَى هُوَ الَّذِيِ
يَعْذُرُهُم وَيُطْلِقُهُم)) فنزلت هذه الآية (٤٩٢) فيهم فأطلقهم، وهذا قول ابن عباس.
الثاني: أنه أبو لبابة وحده قال لبني قريظة حين أرادوا النزول على حكم
النبي پ# إنه ذابحکم إن نزلتم علی حکمه، قاله مجاهد.
﴿خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحاً وَءَاخَرَ سَيِّئاً﴾ فيه ثلاثة أوجه:
ضعيف)). قلت ولابن عباس قول آخر هو أن إحدى المرتين الحدود والأخرى عذاب القبر لكن الطبري
عقب على هذا القول بقوله (١٤ /١٤٤). ذكر ذلك عن ابن عباس من وجه غير مرتضى .
(٤٩٢) رواه الطبري (٤٤٧/١٤ - ٤٤٨) وزاد نسبته السيوطي في الدر (٢٧٥/٤) لابن المنذر وابن أبي حاتم
وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وفي سنده انقطاع بين علي بن أبي طلحة وابن عباس ورواه الطبري
(٤٤٨/١٤) من طريق أخرى عن ابن عباس وهي مسلسلة بالضعفاء.
٣٩٧

سورة التوبة الآية - ١٠٣ - ١٠٥
أحدها: أن الصالح: الجهاد، والسيىء: التأخر عنه، قاله السدي.
الثاني: أن السيىء: الذنب، والصالح: التوبة، قاله بعض التابعين.
الثالث: ما قاله الحسن: ذنباً وسوطاً لا ذاهباً فروطاً، ولا ساقطاً سقوطاً (٤٩٣).
خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَرٌ
أَلَمْ يَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَعَنْ عِبَادِهِ،
لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيهُ لـ
وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿ وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ
عَمَلَكُمْ وَرَسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَّ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ
بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ
١٠٥
قوله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ قال ابن عباس: لما نزل في أبي لبابة
وأصحابه ﴿وَءَاخَرُ ونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِم) الآية. ثم تاب عليهم قالوا يا رسول الله خذ
منا صدقة أموالنا لتطهرنا وتزكينا، قال: لا أفعل حتى أؤمر. فأنزل الله تعالى ﴿خُذْ مِنْ
أُمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وفيها وجهان :
أحدهما: أنها الصدقة التي بذلوها من أموالهم تطوعاً، قاله ابن زيد.
والثاني: أنها الزكاة التي أوجبها الله تعالى في أموالهم فرضاً، قاله عكرمة.
ولذلك قال: ﴿مِّنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ لأن الزكاة لا تجب في الأموال كلها وإنما تجب في
بعضها .
◌ِتُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيُهُمْ بِهَا﴾ أي تطهر ذنوبهم وتزكي أعمالهم.
﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: استغفر لهم: قاله ابن عباس.
الثاني : ادع لهم، قاله السدي .
﴿إِنَّ صَلَاتَكَسَكَنْ لَّهُمْ﴾ فیه خمسة تأويلات:
(٤٩٣) قال الحافظ ابن كثير (٣٨٥/٢) وهذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين إلا أنها عامة في كل المذنبين
الخطائين المخلطين المتلوثين.
٣٩٨

سورة التوبة الآية - ١٠٦
أحدها: قربة لهم، قاله ابن عباس في رواية الضحاك.
الثاني : رحمة لهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس أيضاً .
الثالث: وقار لهم، قاله قتادة.
الرابع: تثبت لهم، قاله ابن قتيبة.
الخامس: أمن لهم، ومنه قول الشاعر:
يَا جَارَةَ الحَيِّ كُنتِ لي سَكَناً إِذْ ليْسَ بعضُ الچِيرَانِ بِالسَّكَنِ.
وفي الصلاة عليهم والدعاء لهم عند أخذ الصدقة منهم ستة أوجه:
أحدها: يجب على الآخذ الدعاء للمعطي اعتباراً بظاهر الأمر.
الثاني : لا يجب ولكن يستحب لأن جزاءها على الله تعالى لا على الآخذ.
والثالث: إن كانت تطوعاً وجب على الآخذ الدعاء، وإن كانت فرضاً استحب
ولم يجب.
والرابع: إن كان آخذها الوالي استحب له الدعاء ولم يجب عليه، وإن كان
آخذها الفقير وجب عليه الدعاء له، لأن الحق في دفعها إلى الوالي معيّن، وإلى
الفقير غير معيّن .
والخامس: إن كان آخذها الوالي وجب، وإن كان الفقير استحب ولم يجب.
لأنه دفعها إلى الوالي إظهار طاعة فقوبل عليها بالشكر وليس كذلك الفقير.
والسادس: إن سأل الدافع الدعاء وجب، وإن لم يسأل استحب ولم يجب
روى عبدالله بن أبي أوفى (٤٩٤) قال: أتيت النبي ◌َّ بصدقات قومي فقلت يا رسول
الله صلِّ عليّ، فقال: ((اللَّهُمَّ صَلَ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَىْ)).
وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِإِمَّا يُعَذِّ بُهُـمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ
حَكِيمٌ
قوله عز وجل: ﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِمْرِ الَّلهِ﴾ وهم الثلاثة الباقون من العشرة
المتأخرين عن رسول الله وَيهر في غزاة تبوك ولم يربطوا أنفسهم مع أبي لبابة، وهم
هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك.
(٤٩٤) رواه البخاري (٢٨٦/٣) وأبو داود ١٥٩٠ والنسائي (٣١/٥) وأحمد (٣٥٢/٤).
٣٩٩

سورة التوبة الآية - ١٠٧، ١٠٨
﴿مُرْجَوْنَ لأِمْرِ اللَّهِ﴾ أي مؤخرون موقوفون لما يرد من أمر الله تعالى فيهم.
﴿إِمَّا يُعَذِبُهُمْ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: يميتهم على حالهم، قاله السدي .
الثاني : يأمر بعذابهم إذا لم يعلم صحة توبتهم.
﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما: أن يعلم صدق توبتهم فيطهر ما فيهم.
الثاني : أن يعفو عنهم ويصفح عن ذنوبهم.
﴿وَالَّلهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بما يؤول إليه حالهم، حكيم فيما فعله من
إرجائهم.
وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُّ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا الْحُسْنَىّ
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿٦) لَانَقُمُ فِيهِ أَبَدًّا لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى
مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَظَهَرُواْ وَاَللَّهُ يُحِبُّ
ج
(١٠٨
اُلْمُطَّهِرِينَ
قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً﴾ هؤلاء هم بنو
عمرو بن عوف وهم اثنا عشر رجلاً من الأنصار المنافقين، وقيل: هم خذام بن خالد
ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب، وَمُعَتَّب بن قشير، وأبو حبيبة بن
الأزعر، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وجارية بن عامر، وابناه مُجمِّع وزيد
ابنا جارية، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت، وبحرج ٤٩٥) وهو
جد عبدالله بن حنيف، وله قال النبي وَ. ((وَيْلَكَ يَا بَحْرَج (٤٩٦) مَذَا أُرَدْتَ بِمَا أَرَى؟))
(٤٩٥) كذا هنا وفي المطبوعة وهو خطأ وتحريف والصواب بحزج والتصويب من الطبري (١٤ /٤٧١) وغيره.
(٤٩٦) كذا في المطبوعة والصواب سبق في التعليق السابق .
٤٠٠