Indexed OCR Text

Pages 141-160

سورة الأنعام الآية - ٩١، ٩٢
وَمَا قَدَرُوْاُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرِمِّنْ شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ اُلْكِتَبَ
الَّذِى جَآءَ بِهِ مُوسَى نُورًّا وَهُدَّى لِلنَّاسِِّ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا
وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْتَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
٩١
وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّةٍ، وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ
٩٢
قوله عز وجل : ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : وما عظموه حق عظمته ، قاله الحسن ، والفراء ، والزجاج .
والثاني : وما عرفوه حق معرفته ، قاله أبو عبيدة .
والثالث : وما وصفوه حق صفته ، قاله الخليل .
والرابع : وما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير ، قاله ابن عباس .
إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىْ بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ يعني من كتاب من السماء .
وفي هذا الكتاب الذي أنكروا نزوله قولان :
أحدهما : أنه التوراة ، أنكر حبر اليهود فيما أنزل منها ما روي أن النبي(١٣٨)
وَ* رأى هذا الحبر اليهودي سميناً، فقال له: ((أَمَا تَقْرَءُونَ فِي التَّورَاةِ: أَنَّ اللَّه
يَبْغَضُ الحَبْرَ السَّمِينَ))، فغضب من ذلك وقال : ما أنزل الله على بشر من شيء ،
فتبرأت منه اليهود ولعنته ، حكاه ابن بحر .
والقول الثاني : أنه القرآن أنكروه رداً لأن يكون القرآن مُنَزَّلاً .
وفي قائل ذلك قولان :
أحدهما : قريش .
والثاني : اليهود .
فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾
يعني التوراة لاعترافهم بنزولها .
(١٣٨) وهذا الأثر من مرسلات سعيد بن جبير كما رواه الطبري (٢٦٧/٧) وابن المنذر وابن أبي حاتم كما
في الدر (٣١٤/٣).
١٤١

سورة الأنعام الآية - ٩١، ٩٢
ثم قال: ﴿نُوراً وَهُدئَ لَّلنَّاسِ ﴾ لأن المنزل من السماء لا يكون إلا نوراً
وهدئً .
ثم قال : ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً ﴾ يعني أنهم يخفون ما
في كتابهم من نبوة محمد بَلّ، وصفته وصحة رسالته .
قوله عز وجل: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلَنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ يعني القرآن ، وفي
مُبَارَكٌ ﴾ ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه العظيم البركة لما فيه من الاستشهاد به .
والثاني : لما فيه من زيادة البيان لأن البركة هي الزيادة .
والثالث : أن المبارك الثابت .
مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : الكتب التي قبله من التوراة ، والإِنجيل ، وغيرهما ، قاله الحسن
البصري .
والثاني : النشأة الثانية ، قاله علي بن عيسى .
وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ يعني أهل أم القرى، فحذف ذكر الأهل إيجازاً كما
قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
و﴿ أَمَّ الْقُرَى﴾ مكة وفي تسميتها بذلك أربعة أقاويل : -
أحدها : لأنها مجتمع القرى ، كما يجتمع الأولاد إلى الأم .
والثاني : لأن أول بيت وضع بها ، فكأن القرى نشأت عنها ، قاله السدي .
والثالث : لأنها معظمة كتعظيم الأم ، قاله الزجاج .
والرابع : لأن الناس يؤمونها من كل جانب ، أي يقصدونها .
ثم قال : ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (١٣٩) قال ابن عباس: هم أهل الأرض كلها .
٠,٣
(١٣٩) وفي هذا النص الدليل القاطع على أن النبي وَل# مبعوث للعرب والعجم وأهل الأرض جميعاً خلافاً
لما ذهب إليه اليهود ومن تبعهم من أصحاب الأقلام المسمومة ممن يرشح النفاق من ألسنتهم على
صفحات الجرائد والمجلات فتباً لهم وأضل أعمالهم .
٠١٤٢

سورة الأنعام الآية - ٩٣، ٩٤
﴿ وَالَّذِينَ يَؤْمِنُونَ بِالأُخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ وفيما ترجع إليه هذه الكناية قولان :
أحدهما : إلى الكتاب ، وتقديره : والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون بهذا
الكتاب ، قاله الكلبي .
والثاني: إلى محمد رَله، وتقديره: والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون بمحمد
وَ* لِمَا قد أظهر الله تعالى من معجزته وأَبَانَه الله من صدقه، قاله الفراء .
فإن قيل : فيمن يؤمن بالآخرة من أهل الكتاب لا يؤمنون به ؟ قيل : لا اعتبار
الإِيمانهم بها لتقصيرهم في حقها ، فصاروا بمثابة من لم يؤمن بها .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَقْتَرَ عَلَى الَّهِ كَذِّبًا أَوْقَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ
سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَ اللَّهُ وَلَوْتَرَىّ إِالظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْوَتِ وَالْمَلَئِكَةُ
بَاسِطُوْ أَيْدِ يهِمْ أَخْرِ جُواْأَنْفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ
تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَلِّهِ تَسْتَكْبِرُونَ [®] وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا
فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَكْتُم ◌َّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى
مَعَكُمْ شُفَعَآءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَهُمْ فِيَكُمْ شُرَّكَوْاْ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ
٩٤
عَنكُم مَّاكُنُمْ تَزْعُمُونَ
قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ
وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيْءٌ ﴾ فیمن نزل فيه ذلك قولان :
أحدهما : أنه مسيلمة الكذاب ، قاله عكرمة .
والثاني : مسيلمة والعنسي ، قاله قتادة (١٤٠).
وقد روى معمر عن الزهري أن النبي وَ لَ قال: ((بَيْنَا(١٤١) أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ كَأَنَّ
(١٤٠) ولا ريب أن هذه الآية يدخل فيها كل مدعي النبوة من الدجالين الذين يزعمون أنهم يوحى إليهم
فكن على حذر منهم .
(١٤١) والحديث هنا مرسل لكنه موصول وصحيح الإسناد فقد رواه البخاري (٦٩/٨، ٧٠) ومسلم
(٣٤/١٥) وأما المرسل الذي ذكره المؤلف هنا فرواه الطبري برقم ١٣٥٥٩.
١٤٣

سورة الأنعام الآية - ٩٣، ٩٤
فِي يَدِيَّ سُوَارَينٍ مِن ذَهَبٍ ، فَكَبُرَ عليَّ، فَأُوحِي إِلَيَّ أَنْ أَنْفُخَهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارًا ،
فَأَوَّلْتُ ذَلِكَ كَذَّابَ اليَمَامَةِ وَكَذَّابَ صَنْعَاءَ العَنَسِي )).
﴿ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلَ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : من تقدم ذكره من مدعي الوحي والنبوة .
والثاني : أنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، قاله السدي ، قال الفراء :
كان يكتب للنبي ◌َ ﴿ فإذا قال النبي: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كتب ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
و﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فيقول له النبيِ بَّهَ: ((هُمَا سَوَاء)) حتى أملى عليه ﴿وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿خَلْقاً أُخَرَ﴾ فقال ابن أبي
السرح: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ تعجباً من تفصيل خلق الإِنسان ، فقال
النبي ◌َّ: ((هَكَذَا نَزَلَتْ))، فشك وارتد(١٤٢).
والثالث : ما حكاه الحكم عن عكرمة : أنها نزلت في النضر بن الحارث ،
لأنه عارض القرآن ، لأنه قال : والطاحنات طحناً ، والعاجنات عجناً ، والخابزات
خبزاً ، فاللاقمات لقماً .
وفي قوله : ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ ﴾ قولان:
أحدهما : باسطو أيديهم بالعذاب ، قاله الحسن ، والضحاك .
والثاني : باسطو أيديهم لقبض الأرواح من الأجساد ، قاله الفراء .
ويحتمل ثالثاً : باسطو أيديهم بصحائف الأعمال .
أُخْرِ جُوَاْ أَنْفُسَكُمُ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : من أجسادكم عند معاينة الموت إرهاقاً لهم وتغليظاً عليهم ، وإن
كان إخراجها من فعل غيرهم (١٤٣).
(١٤٢) رواه الطبري (١١ /٥٣٤) بسنده عن السدي مطولاً ومن قول عكرمة أيضاً رقم (٣٥٥٥) بنحوه.
(١٤٣) قال الزمخشري في كشافه (٢٨/٢) ((وهذه كناية عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في
الإرهاق من غير تنفيس وإمهال وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف
عليه في المطالبة ولا يمهله ويقول له أخرج إليّ ما لي عليك الساعة ولا أريم مكاني حتى أنزعه من
أحداقك ».
١٤٤

سورة الأنعام الآية - ٩٣، ٩٤
والثاني : أخرجوا أنفسكم من العذاب إن قدرتم ، تقريعاً لهم وتوبيخاً بظلم
أنفسهم ، قاله الحسن .
ويحتمل ثالثاً : أن يكون معناه خلصوا أنفسكم بالاحتجاج عنها فيما فعلتم .
﴿أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ والهون بالضم الهوان ، قاله ذو الأصبع
العدواني :
أذهب إليك أمي براعية ترعى المخاض ولا أغضي على الهون
وأما الهَوْن بالفتح فهو الرفق ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوناً ﴾ يعني برفق وسكينة ، قال الراجز (١٤٤):
هونکما لا یرد الدهر ما فاتا لا تھلکن أسی في أثر من ماتا
قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىْ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ الفرادى
الوحدان ، ويحتمل وجهين :
أحدهما : فرادى من الأعوان .
والثاني : فرادى من الأموال (١٤٥).
﴿ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ يعني ما ملكناكم من الأموال ،
والتخويل تمليك المال ، قال أبو النجم (١٤٦):
کوم الذری من خول المخول
أعطی فلم یبخل ولم يبخل
﴿ وَمَا نَرَىْ مَعَكُم شُفعاءَكُمُ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : آلهتهم التي كانوا يعبدونها ، قاله الكلبي .
والثاني : الملائكة الذين كانوا يعتقدون شفاعتهم ، قاله مقاتل .
(١٤٤) الشاعر هو ذو وجدن الحميري والبيت هنا في سيرة ابن هشام ٣٩/١ وتاريخ الطبري (١٠٧/٢)
ومعجم ما استعجم ١٣٩٨ واللسان هون والأغاني (٧٠/١٦) والطبري (٥٤١/١١) والبيت في
الطبري الشطر الثاني فيه لا تهلكا أسفاً في أثر من فاتا وهو الصواب وما هنا خطأ .
(١٤٥) ولا تنافي بين القولين فإنهم يأتون يوم القيامة مجردين من المال والخدم والأعوان وهذا توبيخ لهم
لأنهم شغلوا بهذه الأشياء عن الآخرة في الدنيا .
(١٤٦) الطبري (٥٤٥/١١) والبيت من قصيدة لامية لأبي النجم في كتاب الطرائف كما قال الشيخ أحمد
شاكر .
١٤٥

سورة الأنعام الآية - ٩٥ - ٩٧
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ ﴾ فیه وجهان :
أحدهما : يعني شفعاء ، قاله الكلبي .
والثاني : أي متحملين عنكم تحمل الشركاء عن الشركاء .
لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنگُمْ ﴾ فیه وجهان :
أحدهما : تفرق جمعكم في الآخرة .
والثاني : ذهب تواصلكم في الدنيا ، قاله مجاهد .
ومن قرأ ﴿ بَيْنَكُمْ﴾ بالفتح ، فمعناه تقطع الأمر بينكم .
وَضَلَّ عَنكُم مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : من عدم البعث والجزاء .
والثاني : من شفعائكم عند الله .
فإن قيل: فقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ خبر عن ماض، والمقصود منه
الاستقبال ؟
فعن ذلك جوابان :
أحدهما : أنه يقال لهم ذلك في الآخرة فهو على الظاهر إخبار .
والثاني : أنه لتحققه بمنزلة ما كان، فجاز، وإن كان مستقبلاً أن يعبر عنه
بالماضي .
(إِنَّ اللَّهَ فَالِقُّ أُلْحَبِّ وَالنَّوَّ يُخْرِجُ الْحَ مِنَ الْمَيْتِ وَمُخْرِجُ الْمَيْتِ مِنَ الْحَيِّ
فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اُلَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ
ذَلِكُمُ اللَّهُ فَنَّى تُؤْفَكُونَ هَّ
وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿وَهُوَالَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ
لِنَّهْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُّمَتِ الْبَرِّوَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا اُلْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
قوله عز وجل: ﴿ ... فَالِقُ الْحَبِّ وَالْنَّوَى ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها : يعني فالق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة ، قاله الحسن ،
وقتادة ، والسدي ، وابن زيد .
١٤٦

سورة الأنعام الآية - ٩٥ - ٩٧
والثاني : أن الفلق الشق الذي فيهما ، قاله مجاهد .
والثالث : أنه يعني خالق الحب والنوى ، قاله ابن عباس .
وذكر بعض أصحاب الغوامض قولاً رابعاً: أنه مُظْهِرُ ما في حبة القلب من
الإِخلاص ، والرياء (١٤٧).
﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة ، والنخلة الحية من النواة
الميتة ، ويعني بإخراج الميت من الحي أن يخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية ،
والنواة الميتة من النخلة الحية ، قاله السدي .
والثاني : أن يخرج الإِنسان من النطفة ، والنطفة من الإِنسان ، قاله ابن
عباس .
والثالث : يخرج المؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن ، قاله الحسن .
وقد ذكرنا فيه احتمالاً ، أنه يخرج الفَطِن الجَلْد من البليد العاجز ، ويخرج
البليد العاجز من الفَطِنِ الجَلْد .
ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ أي تصرفون عن الحق.
فَالِقُ الإِصْبَاحِ ﴾ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : فالق الإِصباح ، قاله قتادة (١٤٨).
والثاني : أنه إضاءة الفجر ، قاله مجاهد .
والثالث : أن معناه خالق نور النهار ، وهذا قول الضحاك .
والرابع : أن الإِصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل ، قاله ابن
عباس .
: وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً ﴾ فيه قولان :
(١٤٧) ولا وجه لهذا الذي قاله بعض أرباب الغوامض وكان ينبغي أن يتعقب المؤلف قبل هذا التفسير كما
تعقب غيره .
(١٤٨) والذي في الطبري عن قتادة (٥٥٥/١١) فالق الصبح وكذا هو في الدر (٣٢٥/٣) من رواية
عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر .
١٤٧

سورة الأنعام الآية - ٩٨، ٩٩
أحدهما : أنه سُمِّي سكناً لأن كل متحرك بالنهار يسكن فيه .
والثاني : لأن كل حي یأوي فيه إلى مسكنه .
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : معناه يجريان في منازلهما بحساب وبرهان فيه بدء ورد إلى زيادة
ونقصان ، قاله ابن عباس والسدي .
والثاني : أي جعلهما سبباً لمعرفة حساب الشهور والأعوام .
والثالث : أي جعل الشمس والقمر ضياء ، قاله قتادة ، وكأنه أخذه من قوله
تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ ﴾ [الكهف: ٤٠] قال : ناراً .
وَهُوَالَّذِىّ أَنشَأَكُمْ مِن نَّفْسِ وَحِدَةٍ فَمُسْتَقَرُّوُمُسْتَوَعُ قَدْ فَصَّلْنَا اُلْآَيَتِ لِقَوْمِ
وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَابِهِ، نَبَاتَ كَلِ شَىْءٍ
يَفْقَهُونَ
فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا أُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلِهَا قِنْوَانٌ
دَانِيَةٌ وَجَتَّتٍ مِنْ أَعْتَبِ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّقَانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَبِّةٍ أَنْطُرُواْ إِلَى
ثَمَرِهٍإِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِةٍ إِنَّ فِ ذَلِكُمْلَيَتِ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٩٩
قوله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأْكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ يعني آدم عليه
السلام .
: فَمُسْتَقَرِّ وَمُسْتَودَعٌ﴾ فيه ستة تأويلات(١٤٩):
أحدها : فمستقر في الأرض ومستودع في الأصلاب ، قاله ابن عباس .
والثاني : فمستقر في الرحم ومستودع في القبر ، قاله ابن مسعود .
والثالث : فمستقر في أرحام النساء ومستودع في أصلاب الرجال ، قاله
عطاء ، وقتادة (١٥٠).
(١٤٩) وأوصلها ابن الجوزي في زاد المسير إلى تسعة أقوال (٩٢/٣).
(١٥٠) وهو قول لابن عباس ومجاهد والضحاك والنخعي والسدي وابن زيد وسعيد بن جبير راجع زاد
المسير (٩٢/٣).
١٤٨

سورة الأنعام الآية - ٩٨، ٩٩
والرابع : فمستقر في الدنيا ومستودع في الآخرة ، قاله مجاهد .
والخامس : فمستقر في الأرض ومستودع في القبر ، قاله الحسن .
والسادس : أن المستقر ما خُلِقٍ ، والمستودع ما لم يُخلق ، وهو مروي عن
ابن عباس أيضاً .
قوله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ
شَيْءٍ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : معناه رزق كل شيء من الحيوان .
والثاني : نبات كل شيء من الثمار .
فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً ﴾ يعني زرعاً أخضر رطباً بخلاف صفته عند بذره .
نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً ﴾ يعني السنبل الذي قد تراكب حبه .
﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيةٌ ﴾ القنوان جمع قنو وفيه ثلاثة
تأويلات :
أحدها : أنه الطلع ، قاله الضحاك .
والثاني : أنه الجمار .
والثالث : هي الأعذاق ، قال امرؤ القيس (١٥١)
أثت أعاليه وآدت أصوله
ومال بقنوان من البسر أحمرا
دَانِيَةٌ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : دانية من المجتني لقصر نخلها وقرب تناولها ، قاله ابن عباس .
والثاني : دانية بعضها من بعض لتقاربها ، قاله الحسن (١٥٢).
وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابِ ﴾ يعني بساتين من أعناب .
﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيرَ مُتَشَابِهٍ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : مشتبهاً ورقه مختلفاً ثمره ، قاله قتادة .
(١٥١) ديوانه ٦٧ واللسان ( قنا ).
(١٥٢) وهذا القول يكاد يكون مثل الأول فإنه بمعناه .
١٤٩

سورة الأنعام الآية - ١٠٠
والثاني : مشتبهاً لونه مختلفاً طعمه ، قاله الكلبي .
انظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالضم(١٥٣)، وقرأ الباقون
بالفتح ، وفي اختلافه بالضم والفتح قولان :
أحدهما : أن الثُّمُر بالضم جمع ثمار، وبالفتح جمع ثمرة ، قاله علي بن
عيسى .
والثاني : أن الثَّمُر بالضم : المال ، وبالفتح : ثمر النخل ، قاله مجاهد ،
وأبو جعفر الطبري (١٥٤).
وَيَنْعِهِ ﴾ يعني نضجه وبلوغه .
وَجَعَلُوْلِلَّهِ شُرَّكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمَّ وَخَرَقُوْلَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلٍَّ سُبْحَانَهُ
وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ
قوله عز وجل: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن المجوس نسبت الشر إلى إبليس ، وتجعله بذلك شريكاً لله .
والثاني : أن مشركي العرب جعلوا الملائكة بنات الله وشركاء له ، قاله
قتادة ، والسدي ، وابن زيد كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ
عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ فَسَمَّى الملائكة لاختفائهم عن العيون جنة .
والثالث : أنهم أطاعوا الشيطان في عبادة الأوثان حتى جعلوها شركاء لله في
العبادة ، قاله الحسن ، والزجاج .
وَخَلَقَهُمْ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه خلقهم بلا شريك [ له ]، فَلِمَ جعلوا له في العبادة شريكاً ؟.
والثاني : أنه خلق من جعلوه شريكاً فكيف صار في العبادة شريكاً .
(١٥٣) وهي قراءة خلف أيضا راجع المبسوط في القراءات العشر ص ١٩٩.
(١٥٤) وقد اختار قراءة الضم وقال (٥٧٩/١١) وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ
((أنظروا إلى ثُمُرٍهٍ) بضم الثاء والميم ، ثم شرع يؤيد ما ذهب إليه فراجعه .
١٥٠

سورة الأنعام الآية - ١٠١ - ١٠٣
وقرأ يحيى بن يعمر ﴿وَخَلْقَهُمْ﴾ بتسكين اللام ، ومعناه أنهم جعلوا خلقهم
الذي صنعوه بأيديهم من الأصنام الله شريكاً .
٠
﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَّاتٍ بِغَيْرٍ عِلْمٍ ﴾ في خرقوا قراءتان بالتخفيف
والتشديد(١٥٥)، وفيه قولان :
أحدهما : أن معنى خرقوا كذبوا ، قاله مجاهد ، وقتادة ، وابن جريج ، وابن
زید .
والثاني : معناه وخلقوا له بنين وبنات ، والخلق والخرق واحد ، قاله الفراء .
والقول الثاني : أن معنى القراءتين مختلف ، وفي اختلافهما قولان :
أحدهما : أنها بالتشديد على التكثير .
والثاني : أن معناها بالتخفيف كذبوا ، وبالتشديد اختلفوا .
والبنون قول النصارى في المسيح أنه ابن الله ، وقول اليهود أن عزيراً ابن
الله .
والبنات قول مشركي العرب في الملائكة أنهم بنات الله .
بغير علم
يحتمل وجهين :
أحدهما : بغير علم منهم أن له بنين وبنات .
والثاني : بغير حجة تدلهم على أن له بنين وبنات .
بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْتَكُنْ لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلّ شَىْءٍ وَهُوَ
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْلَا إِلَهَ إِلََّّ هُوَ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ !
فَأَعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴿َلَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ
اُلْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
٣
قوله عز وجل : ﴿لَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾ فيه لأهل التأويل
خمسة أقاويل :
(١٥٥) هي قراءة أبي جعفر ونافع كما في المبسوط. ص ١٩٩ .
١٥١

سورة الأنعام الآية - ١٠١ - ١٠٣
أحدها : معناه لا تحيط به الأبصار ، وهو يحيط بالأبصار، واعتل قائل هذا
بقوله: ﴿ فَلَمَّآ أُدْرَكَهُ الْغَرَقُ ﴾ فوصف الله الغرق بأنه أدرك فرعون ، وليس الغرق
موصوفاً بالرؤية ، كذلك الإدراك هنا ، وليس ذلك بمانع من الرؤية (١٥٦) بالإِبصار ،
غير أن هذا اللفظ لا يقتضيه وإن دل عليه قوله: ﴿وُجُوهُ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا
نَاظِرَةٌ ﴾ .
والقول الثاني : معناه لا تراه الأبصار وهو يرى الأبصار (١٥٧)، واعتل قائلو
ذلك بأمرین :
أحدهما : أن الأبصار ترى ما بينها ولا ترى ما لاصقها، وما بين البصر فلا بد
أن يكون بينهما فضاء، فلو رأته الأبصار لكان محدوداً ولخلا منه مكان (١٥٨)، وهذه
صفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان .
والثاني : أن الأبصار تدرك الألوان كما أن السمع يدرك الأصوات ، فلما
امتنع أن يكون ذا لون امتنع أن يكون مرئياً ، كما أن ما امتنع أن يكون ذا صوت
أمتنع أن يكون مسموعاً .
والقول الثالث: لا تدركه أبصار الخلق في الدنيا بدليل قوله: ﴿لَا تَدْرِكُهُ
الأَبْصَارُ﴾ وتدركه في الآخرة بدليل قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٣] وهو
يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة.
والرابع : لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة ، وتدركه أبصار
المؤمنين ، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة ، لأن الإِدراك له كرامة تنتفي عن
أهل المعاصي .
(١٥٦) والأولى أن يقال إن الإدراك هو الرؤيا على جهة الإحاطة فهذه هي التي نفاها الرب تبارك وتعالى
هنا فهو سبحانه يُرى ولكن لا يحاط به بصر كما أن العباد يعلمونه ولا يحيطون به علماً وقد فرق الله
تعالى بين الإدراك والرؤية فقال ((فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون)) راجع تفسير
الطبري (١٤/١٢، ١٠).
(١٥٧) وهذا القول كله منقول من الطبري (١٦/١٢، ١٧).
(١٥٨) وهذه في الحقيقة فلسفة عقيمة ولولوات لا طائل تحتها وكلها طريقة أهل الكلام المذمومة الذين
أعرضوا عن الأدلة النقلية وركنوا إلى العقول واعتمدوا عليها كأصول يأخذون منها العقيدة وردوا كثيراً
من الأحاديث بسبب هذا الأصل الذي اعتمدوه .
١٥٢

سورة الأنعام الآية - ١٠٤، ١٠٥
والقول الخامس : أن الأبصار لا تدركه في الدنيا والآخرة ، ولكن الله يحدث
لأوليائه حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس يرونه بها ، اعتِلَالاً بأن الله أخبر
برؤيته ، فلو جاز أن يُرَىْ في الآخرة بهذه الأبصار وإن زِيْدَ في قواها جاز أن يرى بها
في الدنيا وإن ضعفت قواها بأضعف من رؤية الآخرة ، لأن ما خُلِقَ لإِدراك شيء لا
يُعْدَمُ إدراكه ، وإنما يختلف الإِدراك بحسب اختلاف القوة والضعف ، فلما كان
هذا مانعاً من الإِدراك - وقد أخبر الله تعالى بإدراكه - اقتضى أن يكون ما أخبر به حقاً
لا يدفع بالشبه ، وذلك بخلق حاسة أخرى يقع بها الإِدراك .
ثم قال: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فاحتمل وجهين من التأويل :
أحدهما : لطيف بعباده في الإِنعام عليهم ، خبير بمصالحهم .
والثاني : لطيف في التدبير خبير بالحكمة .
قَدْ جَاءَ كُم بَصَابِرُ مِن رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةٍ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَأَ وَمَآ أَنَّا
صِنے
٢) وَكَذَلِكَ نُصَرِفُ الْأَيَتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبِيِّنَهُ
عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (!
(١٠٥)
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
قوله عز وجل : ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يتلو بعضها بعضاً فلا ينقطع التنزيل .
والثاني : أن الآية تنصرف في معان متغايرة مبالغة في الإِعجاز ومباينة لكلام
البشر .
والثالث : أنه اختلاف ما تضمنها من الوعد والوعيد والأمر والنهي ، ليكون
أبلغ في الزجر ، وأدعى إلى الإِجابة ، وأجمع للمصلحة .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ وفي الكلام حذف ، وتقديره : ولئلا
يقولوا درست ، فحذف ذلك إيجازاً كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾
[النساء: ١٦٧] أي لئلا تضلوا.
وفي ﴿ دَرَسْتَ﴾ خمس قراءات يختلف تأويلها بحسب اختلافها :
١٥٣

سورة الأنعام الآية - ١٠٦ - ١٠٨
إحداهن: ﴿دَرَسْتَ﴾ بمعنى قرأت (١٥٩) وتعلمت ، تقول ذلك قريش للنبي
وَّ، قاله ابن عباس ، والضحاك ، وهي قراءة حمزة ، والكسائي .
والثانية: ﴿دَارَسْتَ﴾ بمعنى ذاكرت وقارأت ، قاله مجاهد ، وسعيد بن
جبير ، ومروي عن ابن عباس ، وهي قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو .
وفيها على هذه القراءة تأويل ثانٍ : أنها بمعنى خاصمت وجادلت .
والثالثة: ﴿دَرَسَتْ﴾ بتسكين التاء (١٦٠) بمعنى انمحت وتقادمت ، قاله ابن
الزبير ، والحسن ، وهي قراءة ابن عامر .
والرابعة: ﴿ دُرِسَتْ﴾ بضم الدال(١٦١) لما لم يسم فاعله تليت وقرئت،
قاله قتادة .
والخامسة: ﴿دَرَسَ﴾ بمعنى قرأ(١٦٢) النبي ◌َّ وتلا ، وهذا حرف أبي بن
كعب ، وابن مسعود (١٦٣).
وَلِنُبَِّهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : لقوم يعقلون .
والثاني : يعلمون وجوه البيان وإن لم يعلموا المبين .
الشَعْ مَآ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكٌَ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٦) وَلَوْ
شَآءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بَوَكِيلٍ
وَلَا
٧
تَسُبُّواْلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْاللَّهَ عَدُوا بِغَيْرِ عِلَّمٍ كَذَلِكَ زَيَّنًا
(١٥٩) وهي قراءة نافع وابن جعفر وعاصم وخلف بجزم السين وفتح التاء المبسوطة ص ٢٠٠.
(١٦٠) وهي قراءة يعقوب ص ٢٠٠ .
(١٦١) وهي قراءة ابن يعمر كما في زاد المسير (١٠١/٣).
(١٦٢) وفيها قراءة اخرى برفع الدال وكسر الراء وتشديدها ساكنة السين هكذا دُرِّسْت وهي قراءة معاذ
القاري وأبي العالية زاد المسير (١٠١/٣).
(١٦٣) وزاد ابن الجوزي في زاد المسير (١٠١/٣) طلحة بن مصرف وقال وروى عصمة عن الأعمش
(( دارس )) بألف.
١٥٤

سورة الأنعام الآية - ١٠٨ - ١١٠
١٠٨
لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّإِلَى رَبِهِمْ فَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمِ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
قوله عز وجل : ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوَاْ
بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يعني اعتداء، وقرأ أهل مكة عَدُوّاً (١٦٤) بالتشديد بمعنى أنهم اتخذوه
عدوّاً . وفيه قولان :
أحدهما : لا تسبوا الأصنام فتسب عبدة الأصنام من يسبها ، قاله السدي .
والثاني : لا تسبوها فيحملهم الغيظ والجهل على أن يسبوا من تعبدون كما
سَبَيْتم ما يعبدون .
كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : كما زينا لكم فعل ما أمرناكم به من الطاعات كذلك زينا لمن تقدم
من المؤمنين فعل ما أمرناهم به من الطاعات ، قاله الحسن .
والثاني : كذلك شبهنا لكل أهل دين عملهم بالشبهات ابتلاء لهم حتى قادهم
الهوى إليها وعَمُوا عن الرشد فيها .
والثالث : كما أوضحنا لكم الحجج الدالة على الحق كذلك أوضحنا لمن
قبلكم من حجج الحق مثل ما أوضحنا لكم .
وَأَقْسَمُوْبِاللَّهِ جَهْدَ أَيِّمَنِمْ لَيِنِ جَآءَ تُهُمْ ءَيَّةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَثُ عِندَ
اَللَّهِ وَمَايُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٦) وَنُقَلِبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ
كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ مَنَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
١١٠
قوله عز وجل: ﴿﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ
بِهَا﴾ هؤلاء قوم من مشركي أهل مكة حلفوا بالله لرسوله وَلخير لئن جاءتهم آية
اقترحوها ليؤمنن بها ، قال ابن جريج : هم المستهزئون .
واختلف في الآية التي اقترحوها على ثلاثة أقاويل :
(١٦٤) وهي قراءة بضم العين والدال وتشديد الواو ((عُدُوّا)) وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة كما في
المبسوط الأصبهاني ص ٢٠٠ .
١٥٥

سورة الأنعام الآية - ١١١
أحدها : أن تجعل لنا الصفا ذهباً .
والثاني: ما ذكره الله في آخر: ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ
يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ
السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾ إلى قوله : ﴿ كِتَاباً تَقْرِؤُهُ ﴾ فأمر الله نبيه حین
أقسموا له أن يقول لهم ﴿ قُلْ إِنَّمَا الأَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾.
والثالث : أنه لما نزل قوله تعالى في الشعراء : ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيهِم مِّنَ
السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُم لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ قال المشركون : أنزلها علينا حتى نؤمن
بها إن كنت من الصادقين ، فقال المؤمنون : يا رسول الله أنزلها عليهم ليؤمنوا ،
فأنزل الله تعالى هذه الآية ، قاله الكلبي :
وليس يجب على الله إجابتهم إلى اقتراحهم لا سيما إذا علم أنهم لا يؤمنون
بها ، واختلف في وجوبها عليه إذا علم إيمانهم بها على قولين (١٦٥) وقد أخبر أنهم
لا يؤمنون بقوله: ﴿وَمَا يُشْعُرِّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُم وَأَبْصَارَهُم كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾
وهذا من الله عقوبة لهم ، وفيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها عقوبة من الله في الآخرة يقلبها في النار .
والثاني : في الدنيا بالحيرة حتى يزعج النفس ويغمها .
والثالث : معناه أننا نحيط علماً بذات الصدور وخائنة الأعين منهم .
وفي قوله : ﴿ أُوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ تأويلان :
أحدهما : أول مرة جاءتهم الآيات .
والثاني : أن الأول أحوالهم في الدنيا كلها ، ثم أكد الله تعالى حال عنتهم .
، وَلَوْ أَتَّنَا نَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ الْمَوْقَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا
مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْإِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
(١٦٥) والصواب أنه لا يجب على الرب شيء إلا ما أوجبه على ذاته هو تفضلاً منه وإحساناً.
١٥٦

سورة الأنعام الآية - ١١٣،١١٢
فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا نَزَّلْنَآَ إِلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةَ وَكَلْمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ
قُبُلا﴾ فيه قراءاتان :
إحداهما: ﴿قِبَلا﴾ بكسر القاف وفتح الباء، قرأ بها نافع، وابن عامر، ومعنى
ذلك معاينة ومجاهرة، قاله ابن عباس وقتادة.
والقراءة الثانية: بضم القاف والباء وهي قراءة الباقين، وفي تأويلها ثلاثة
أقاویل:
أحدها: أن القُبُل جمع قبيل وهو الكفيل، فيكون معنى ﴿قُبُلاً﴾ أي كُفَلاء.
والثاني: أن معنى ذلك قبيلة قبيلة وصفاً صفاً، قاله مجاهد.
والثالث: معناه مقابلة، قاله ابن زید، وابن إسحاق.
ثم قال: ﴿مَّا کَانُوْا لِيُؤْمِنُواْ﴾ يعني بهذه الآيات مع ما اقترحوها من قبل.
ثم قال: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن یعینھم علیه .
والثاني: إلا أن يشاء أن يجبرهم عليه، قاله الحسن البصري.
ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: يجهلون فيما يقترحونه من الآيات.
والثاني: يجهلون أنهم لو أجيبوا إلى ما اقترحوا لم يؤمنوا طوعاً.
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍ عَدُوًّا شَيَطِيْنَ الْإِنِسِ وَالْجِنّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى
بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْشَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ
وَلِنَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرَضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوْ مَا
١٣
هُمْ مُقُّتَرِفُونَ
قوله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيَ عَدُوا﴾ أي جعلنا للأنبياء أعداء كما
جعلنا لغيرهم من الناس أعداء.
وفي ﴿جعَلْنَا﴾ وجهان:
١٥٧

سورة الأنعام الآية - ١١٢، ١١٣
أحدهما: معناه حكمنا بأنهم أعداء (١٦٦).
والثاني : معناه تركناهم على العداوة، فلم نمنعهم منها.
وفي ﴿ِشَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ ثلاثة أقاويل:
أحدها: يعني شياطين الإنس الذين مع الإنس، وشياطين الجن الذين مع
الجن، قاله عكرمة، والسدي(١٦٧).
والثاني : شياطين الإنس كفارهم، وشياطين الجن كفارهم، قاله مجاهد.
والثالث: أن شياطين الإنس والجن مردتهم، قاله الحسن، وقتادة.
﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ في يوحي ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني يوسوس بعضهم بعضاً.
والثاني: يشير بعضهم إلى بعض، فعبر عن الإشارة بالوحي كقوله:
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١].
و﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ ما زينوه لهم من الشبه في الكفر وارتكاب المعاصي.
والثالث: يأمر بعضهم بعضاً كقوله: ﴿وَأَوْحَىْ فِي كُلّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت:
١٢] أي أمر ..
ثم قال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما: ما فعلوه من الكفر.
والثاني: ما فعلوا من زخرف القول.
وفي تركهم على ذلك قولان:
أحدهما: ابتلاء لهم وتمييزاً للمؤمنين منهم.
والثاني: لا يلجئهم إلى الإيمان فيزول التكليف.
(١٦٦) وهذا القول من تأويلات المعتزله وكذا الثاني والصواب أن الآية حجة لأهل السنة في أن الله تعالى خالق
الشر كما أنه خالق الخير وأن الشر في مفعولاته لا في أفعاله إنما سمي الشر شراً لانقطاع نسبته إليه
راجع شفاء العليل ص ١٧٨ وما بعدها وروح المعاني (٥٢٤/٨).
(١٦٧) وقد تعقب هذا القول العلامة ابن جرير (٥٢/١٢) وقال ((وليس لهذا التأويل وجه مفهوم ثم شرع في الرد
عليه .
١٥٨

سورة الأنعام الآية - ١١٤، ١١٥
قوله عز وجل: ﴿وَلِتَصْغَيّ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْأُخِرَةِ﴾ أي تميل إليه
قلوبهم، والإصغاء: الميل، قال الشاعر: (١٦٨)
ترى السفيه به عن كل محكمة زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء
وتقدير الكلام: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ليغروهم
ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، وقال قوم: بل هي لام أمر ومعناها
الخبر.
﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لأن من مَالَ قلبه إلى شيء رضيه وإن لم يكن مرضياً.
﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وليكتسبوا من الشرك والمعاصي ما هم مكتسبون، قاله جوییر.
والثاني: وليكذبوا على الله ورسوله ما هم كاذبون، وهو محتمل.
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمَا وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَضَّلاً وَالَّذِينَ
ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ، وَهُوَ السَّمِيعُ
(١١٤
اُلْعَلِيمُ (
(١١٥
قوله عز وجل: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أُبْتَغِي حَگماً﴾ فيه وجهان :
أحدهما: معناه هل يجوز لأحد أن يعدل عن حكم الله حتى أعدل عنه.
والثاني: هل يجوز لأحد أن یحکم مع الله حتی أحتكم إليه.
والفرق بين الحگم والحاکِم، أن الحگم هو الذي یکون أھلا للحُكم فلا يَحْكُمُ
إلا بحق، والحاکمُ قد یکون من غير أهله فَيَحْكُمُ بغير حق، فصار الحكم من صفات
ذاته، والحاکِم من صفات فعله، فكان الحَكّم أبلغ في المدح من الحَاكِم.
(١٦٨) الطبري (٥٨/١٢) والقرطبي (٦٩/٧) واللسان (صغا) وتفسير ابن حبان (٢٠٥/٤) وفي القرطبي
واللسان ((عن كل مكرمة)) وقال محقق الطبري والصواب ما في ابن جرير.
١٥٩

سورة الأنعام الآية - ١١٦ - ١١٩
ثم قال: ﴿وُهُوَ الَّذِّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ في المفصَّل أربعة
تأويلات :
أحدها: تفصيل آياته لتبيان معانيه فلا تُشْكِل.
والثاني : تفصيل الصادق من الكاذب.
والثالث: تفصيل الحق من الباطل، والهدى من الضلال، قاله الحسن.
والرابع: تفصيل الأمر من النهي، والمستحب من المحظور، والحلال من
الحرام.
وسبب نزول هذه الآية أن مشركي قريش قالوا للنبي صلفيه: اجعل بيننا وبينك
حَكَماً إن شئت من أحبار اليهود وإن شئت من أحبار النصارى، ليخبرنا عنك بما في
كتابهم من أمرك، فنزلت عليه هذه الآية.
قوله عز وجل: ﴿وَتَمِّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا﴾ يعني القرآن، وفي تمامه
أربعة أوجه محتملة :
أحدها: تمام حُجَجِهِ ودلائله.
والثاني : تمام أحكامه وأوامره.
والثالث: تمام إنذاره بالوعد والوعيد.
والرابع: تمام كلامه واستكمال صوره.
وفي قوله: ﴿صِدْقاً وعدلاً﴾ وجهان:
أحدهما: صدقاً في وعده ووعهده، وعدلاً في أمره ونهيه، قاله ابن بحر.
والثاني: صدقاً فيما حكاه، عدلاً فيما قضاه، وهو معنى قول قتادة.
وقد مضى تفسير ﴿لَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ .
وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَِّعُونَ إِلَّا
الظَّنَّ وَإِنْهُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٣٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِةٍ.
فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الَّهِ عَيْهِ إِنَ كُنْتُمْ بِعَايَتِهِ،
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
١١٧
مُؤْمِنِينَ ﴿ وَ مَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا
١٦٠