Indexed OCR Text
Pages 101-120
سورة الأنعام الآية - ٢٢ - ٢٥ والثاني : يعرفون الكتاب الدال على صفته ، وصدقه ، وصحة نبوته ، وهذا قول من زعم أن الكتاب هو القرآن(٦٧). وعنى بقوله : ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ﴾ تثبيتاً لصحة المعرفة . وحكى الكلبي والفراء : أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام حين أسلم: ما هذه المعرفة التي تعرفون بها محمداً وَله كما تعرفون أبناءكم ؟ قال : والله لأنا به إذا رأيته أعرف مني بابني وهو يلعب مع الصبيان ، لأني لا أشك أنه محمد ، وأشهد أنه حق ، ولست أدري ما صنع النساء في الابن (٦٨). أَلَّذِينَ خَسِرُ واْ أَنْفُسَهُمْ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : أنهم خسروا بالكفر منازلهم وأزواجهم في الجنة ، لأنه ليس أحد من مؤمن ولا كافر إلا وله منازل وأزواج ، فإن أسلموا كانت لهم ، وإن كفروا كانت لمن آمن من أهلهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: ١١]، قاله الفراء. والثاني : معناه غبنوها فأهلكوها بالكفر والتكذيب ، ومنه قول الأعشى(*): ولا يُبالي خُسْرَ الخاسر لا يأخذ الرِّشْوَة في حُكْمِهِ وَيَوْمَ تَحْشُرُ هُمْ جَمِيعًا ثُمَّنَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْأَيْنَ شُرَكَا ؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْتَرْعُمُونَ ٢٢ ثُمَّلَمْتَكُنْ فِتْنَئُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّمُشْرِكِينَ () أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَّبُواْ عَلَّ ٢٤ أَنْفُسِهِمٌ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ وَمِنْهُم ◌َّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ (٦٧) وزاد ابن الجوزي في زاد المسير (١٥/٣) قولاً ثالثاً وأن الهاء في تعرفونه راجعة إلى الدين والنبي فالمعنى يعرفون الإِسلام أنه دين الله عز وجل وأن محمداً رسول الله وهذا القول قاله قتادة واختاره ابن جرير (١٦٤/٧). (٦٨) هذا الأثر رواه الثعلبي كما في الدر (٣٥٧/١) من طريق السدي الصغير وهو ضعيف جداً عن الكلبي وهو متروك عن ابن عباس .... وعلى هذا فالأثر ضعيف جداً وقد ورد من قول ابن جريج ولفظه قال : زعموا أن بعض أهل المدينة من أهل الكتاب ممن أسلم قال والله لنحن أعرف به منّا بأبنائنا من الصفة والنعت الذي نجده في كتابنا وأما أبناؤنا فلا ندري ما أحدث النساء رواه ابن جرير (١٦٥/٧) وابن المنذر كما في الدر (٣٥٦/١). (*) ديوانه : ٩٢ وفيه ولا يبالي غبن الخاسر . ١٠١ سورة الأنعام الآية - ٢٥، ٢٦ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْكُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَاْ حََّ إِذَا جَاءُ وَكَ ٠/٠/٠٠ وَهُمْ يَنْهَوَّنَ عَنْهُ ٢٥ يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ اُلْأَوَّلِينَ وَيَنْتَوْنَ عَنَّةٌ وَإِنِ يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٢٦ .. ﴾ الآية . في الفتنة هنا ثلاثة أقاويل: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْتُهُمْ . أحدها : يعني معذرتهم ، فسماها فتنة (٦٩) لحدوثها عن الفتنة ، قاله قتادة . والثاني : عاقبة فتنتهم وهو شركهم . والثالث: يعني بَلِيِّتُهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة، قاله أبو عبيد(٧٠) القاسم بن سلام . ﴿ إِلَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ تبدأوا بذلك من شركهم، فإن قيل : كيف كذبوا في الآخرة بجحود الشرك ولا يصح منهم الكذب في الآخرة لأمرين : أحدهما : أنه لا ينفعهم . والثاني : أنهم مصروفون عن القبائح ملجؤون إلى تركها لإِزالة التكليف عنهم ، ولو لم يلجؤوا إلى ترك القبيح ويصرفوا عنه مع كمال عقولهم وجب تكليفهم ليقلعوا به عن القبيح ، وفي عدم تكليفهم دليل على إلجائهم إلى تركه . قيل : عن ذلك جوابان : أحدهما : أن قولهم ﴿وَاللَّهِ رَبَِّا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ أي في الدنيا عند أنفسنا لاعتقادنا فيها أننا على صواب ، وإن ظهر لنا خطؤه الآن ، فلم يكن ذلك منهم كذباً ، قاله قطرب . والثاني : أن الآخرة مواطن ، فموطن لا يعلمون ذلك فيه ولا يضطرون إليه ، وموطن يعلمون ذلك فيه ويضطرون إليه ، فقالوا ذلك في الموطن الأول ، قاله بعض متأخري المتكلمين . (٦٩) الفتنة تستعمل في معان عدة كالعذاب والاختبار والبلية والمصيبة والكفر والإِثم والضلال والمعذرة كما حقق ذلك الراغب الأصفهاني في المفردات . (٧٠) وفي نسخة أبو عبيدة بزيادة الهاء والصواب بدون هاء كما هنا راجع التهذيب (٢٨٣/٨) وغيره . ١٠٢ سورة الأنعام الآية - ٢٥، ٢٦ وهذا ليس بصحيح لأنه يقتضي أن يكونوا في الموطن الأول مكلفين لعدم الإِلجاء والاضطرار ، وفي الموطن الثاني غير مكلفين . وقد يعتل الجواب الأول بقوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿أَنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ فأخبر عنهم بالكذب ، وهم على الجواب الأول غير كاذبين ... وقد أجِيب عن هذا الاعتراض بجواب ثالث ، وهو أنهم أنكروا بألسنتهم ، فلما نطقت جوارحهم أقروا ، وفي هذا الجواب دخل لأنهم قد كذبوا نُطْقَ الجوارح . ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : بسوء كذبهم وجحودهم . والثاني : فضلت عنهم أوثانهم التي افتروا على الله بعبادتها ، والافتراء : تحسين الكذب . قوله عز وجل: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىْ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن . يَفْقَهُوهُ﴾ قيل إنهم كانوا يستمعون في الليل قراءة النبي ◌َّر في صلاته. وفيه وجهان : أحدهما : يستمعون قراءته ليردوا عليه . والثاني : ليعلموا مكانه فيؤذوه ، فصرفهم الله عن سماعه ، بإلقاء النوم عليهم ، بأن جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه . والأكنة الأغطية واحدها كِنان ، يقال : كَنَّنْتُ الشيء إذا غطيته ، وأكننته في نفسي إذا أخفيته ، وفي قراءة علي ، وابن مسعود : على أعينهم غطاء . ﴿ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾ والوقر: الثقل، ومنه الوَقَار إذا ثقل في المجلس . ﴿ وَإِن يَرَوْ كَلَّ ءَايَةٍ لَّ يُؤْمِنُواْ بها﴾ يعني بالآية علامة الإِعجاز لما قد استحكم في أنفسهم من حسده وبغضه ، وذلك صرفهم عن سماع القرآن ، لأنهم قصدوا بسماعه الأذى والافتراء . ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَاطِيرُ ١٠٣ سورة الأنعام الآية - ٢٥، ٢٧ الأَوَّلِينَ﴾ فيما كانوا يجادلون به النبي صل طر قولان: أحدهما : أنهم كانوا يجادلونه بما ذكره الله تعالى من قوله عنهم: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴾، قاله الحسن . والثاني : هو قولهم : تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم . قاله ابن عباس . ومعنى ﴿ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أي أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها في كتبهم ، وقيل : إن الذي جادلهم بهذا النضر بن الحارث . قوله عز وجل: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها: يَنْهَون عن اتباع محمد نَّه، ويتباعدون عنه فراراً منه ، قاله محمد ابن الحنفية، والحسن ، والسدي . والثاني : يَنْهَون عن القرآن أن يُعْمَل بما فيه ، ويتباعدون من سماعه كيلا يُسبق إلى قلوبهم العلم بصحته ، قاله مجاهد ، وقتادة . والثالث: ينهون عن أذى محمد رَّ ، ويتباعدون عن اتباعه ، قال ابن عباس: نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين عن أذى محمد بَّه ، ويتباعد عما جاء به ، فلا يؤمن به مع وضوح صدقه في نفسه . واستشهد مقاتل بما دل على ذلك عن شعر أبي طالب(٧١) بقوله : فلقَدْ صَدَقْت وَكُنْتَ ثَمَّ أميناً ودعوتني وزَعَمْتَ أَنَّكَ ناصِچِي من خيْرِ أُدْيانِ البَرِيةِ دِيناً وعرضتَ ديناً قد علِمْتُ بأنه (٧١) وقد استدل بعض من لا علم عنده بهذه الأبيات التي نسبت لأبي طالب على إسلامه ولا حجة فيها حتى لو ثبت هذا الشعر المنسوب إليه فإنه نظير ما حكاه الله تعالى عن كفار قريش : ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾ سورة النمل فكان كفرهم عناداً، ومنشؤه من الأنفة والكبر ولم يأت أثر صحيح ولا حسن في كون أبي طالب أسلم وكل ما ورد من الأحاديث فهى واهية أوهى من بيت العنكبوت وقد كشف عن عوارها الحافظ ابن حجر كما في الإصابة (٢٣٥/٧ وما بعدها) وقال رحمه الله (٢٤٢/٧) ((وإنا نسلم أنه (أي أبا طالب) نصره (أبي نصر رسول الله) وبالغ في ذلك لكنه لم يتبع النور الذي أنزل معه، وهو الكتاب العزيز الداعي إلى التوحيد ولا يحصل الفلاح إلا بحصول ما رتّب عليه من الصفات كلها اهـ. ونقل الحافظ ابن حجر عن الحافظ ابن عساكر قوله: ((قيل إنه أسلم ولا يصح إسلامه)). ١٠٤ سورة الأنعام الآية - ٢٧ - ٣٠ لَوَجَدْتَنِي سَمْحاً بذالك مُبِيناً لولا الذَّمَامَةُ(٧٢) أو أُحَافِرُ سُبَّةً وابشِرْ بذاك وقَرَّ مِنْكَ عيوناً فاذهب لأمرك ما عليك غَضَاضَةٌ حتى أُوسَّدَ في التُّرابِ دَفِيناً والله لن يَصِلُوا إليك بِجَمْعِهم فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه النبي ◌َله، فقال له أبو طالب : أما أن أدخل في دينك فلا . قال ابن عباس : لسابق القضاء في اللوح المحفوظ ، وبه قال عطاء ، والقاسم(٧٣). وَلَوْتَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُوْيَلَيْنَنَا نُرَةُ وَلَا نُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُوْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوَّرُدُ واْلَعَادُواْ لِمَا نُّهُوْعَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ٢٧ وَلَوْتَرَىّ إِذْ وَقِفُواْ عَلَى ٣٩ وَقَالُوَ أْ إِنْ هِىَ إِلََّ حَيَانُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ٢٨ رَبِهِمَّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِنَا قَالَ فَذُوقُواْالْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ ومـ ٣٠ تَكْفُرُونَ قوله عز وجل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : عاينوها ، ومن عاين الشيء فقد وقف عليه . والثاني : أنها كانت من تحتهم وهم فوقها ، فصاروا وقوفاً عليها . والثالث : أنهم عرفوها بالدخول فيها ، ومن عرف الشيء فقد وقف عليه . وذكر الكلبي وجهاً رابعاً: أن معناه ولو ترى إذ حُبِسُوا على النار (٧٤) . فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَاَ نُكَذِّبَ بِنَايَاتِ رَبِّنَا وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ تمنوا الرد إلى الدنيا التي هي دار التكليف ليؤمنوا ويصدقوا ، والتمني لا يدخله صدق ولا کذب ، لأنه ليس بخبر (٧٥) . (٧٢) وفي زاد المسير (٢١/٣) (( لولا الملامة أو حذاري سبة)). .. (٧٣) هو أبو عروة القاسم بن مخيمرة الهمداني الكوفي نزيل دمشق ثقة فاضل مترجم له في التهذيب (٣٠٢/٨). (٧٤) زاد ابن الجوزي في زاد المسير (٢٢/٣) وجهين آخرين فانظرهما هناك . (٧٥) وهو قول الزجاج كما في زاد المسير (٢٤/٣). ١٠٥ سورة الأنعام الآية - ٣٢،٣١ ثم قال تعالى: ﴿بَلْ بَدَالَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : بدا لهم وبال ما كانوا يخفون . والثاني : بدا لهم ما كان يخفيه بعضهم عن بعض ، قاله الحسن . والثالث : بدا للأتباع ما كان يخفيه الرؤساء . وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ يعني ولو ردوا إلى ما تمنوا من الدنيا لعادوا إلى ما نهوا عنه من الكفر . وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنه خبر مستأنف أخبر الله به عن كذبهم(٧٦) لا أنه عائد إلى ما تقدم من تمنّهم ، لعدم الصدق والكذب في التمنّي . والثاني : ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبونَ﴾ يعني في الإِخبار عن أنفسهم بالإِيمان إن رُدُّوا . قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَآءَتَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْيَحَسْرَ نَّنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيَهَاوَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمّ ◌َلَاسَآءَ مَا يَزِرُونَ (*) وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاِلَّا لَعِبٌ وَلَهُوٌّ وَ لَّارُالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٢) قوله عز وجل: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآَ إِلَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : وما أمر الدنيا والعمل لها إلا لعب (٧٧) ولهو، فأما عمل الصالحات فيها فهو من عمل الآخرة ، فخرج من أن يكون لعباً ولهواً . (٧٦) وفي نسخة ((لأنه)) بدلاً من لا والصواب ما هنا . (٧٧) وقد أبدى بعض المفسرين سراً بديعاً في تقديم اللعب على اللهو كما هنا وتأخيره عنه في سورة العنكبوت بأنه لما كان هذا الكلام مسوقاً للرد على الكفرة فيما يزعمونه من إنكار الآخرة والحصر السابق وليس في اعتقادهم لجهلهم إلا ما عجل من المسرة بزخرف الدنيا الفانية قدم اللعب الدال على الباطل في أكثر أقوالهم وأفعالهم . قدم ما يدل على ذلك أو لما كان التقديم مقدماً على الترك والنسيان قدم اللعب على اللهو رعاية للترتيب الخارجي وأما في العنكبوت فالمقام لذكر قصر مدة الحياة الدنيا بالقياس إلى الآخرة وتحقيرها بالنسبة إليها ولذا ذكر اسم الإشارة المشعر بالتحقير وعقب ذلك بقوله سبحانه : ﴿إن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ راجع روح المعاني (١٣٤/٧). ١٠٦ سورة الأنعام الآية - ٣٣ - ٣٦ والثاني : وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو لاشتغالهم بها عما هو أولى منها ، قاله الحسن . والثالث : أنهم كأهل اللعب واللهو لانقطاع لذاتهم وقصور مدتهم ، وأهل الآخرة بخلافهم لبقاء مدتهم واتصال لذتهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الأخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ لأنه قَدْ دام لهم فيها ما كان منقطعاً في غيرها . ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أن ذلك خير لكم . وذكر بعض الخاطرية قولاً رابعاً : أنها لعب لمن جمعها ، لهو لمن يرثها . قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْرُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَّ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِعَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿ وَلَقَدْكُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَاكُذِّبُواْ وَأُوْذُواْ حَتَّىَ أَنَّهُمْ نَصْرَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْجَاءَكَ مِن ◌َبَإِى الْمُرْسَلِينَ ٣٤ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعَرَاضُهُمْ فَإِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِى الْأَرْضِ أَوْسُلَّمَا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِتَابَّةٍ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ فَلَاتَكُونَنَّ مِنَ :إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ ٣٥ اُلْجَهِلِينَ ٣٦ يُرْجَعُونَ قوله عز وجل : ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ يعني من التكذيب لك ، والكفر بي . فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ فيه أربعة أوجه : أحدها : فإنهم لا يكذبونك بحجة ، وإنما هو تكذيب بهت وعناد ، فلا يحزنك ، فإنه لا يضرك ، قاله أبو صالح ، وقتادة ، والسدي . والثاني : فإنهم لا يكذبون قولك لعلمهم بصدقك ، ولكن يكذبون ما جئت به ، قاله ناجية بن كعب . والثالث : لا يكذبونك في السر لعلمهم بصدقك ، ولكنهم يكذبونك في العلانية لعداوتهم لك ، قاله الكلبي . ١٠٧ سورة الأنعام الآية - ٣٣ - ٣٦ والرابع : معناه أن تكذيبهم لقولك ليس بتكذيب لك ، لأنك رسول مُبَلّغ ، وإنما هو تكذيب لآياتي الدالة على صدقك والموجبة لقبول قولك ، وقد بين ذلك بقوله تعالى : ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بَّايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أي يكذبون . وقرأ نافع والكسائي: ﴿لَا يُكَذَّبُونَكَ﴾ وهي قراءة عن النبي و10َ(٧٨) وتأويلها : لا يجدونك كاذباً . قوله عز وجل: ﴿ ... وَلَا مُنَّدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ﴾ يحتمل أربعة تأويلات : أحدها : معناه لا مُبطِل لحُجَّتِهِ ولا دافع لبرهانه . والثاني : معناه لا رَادَّ لأمره فيما قضاه من نصر أوليائه ، وأوجبه من هلاك أعدائه . والثالث : معناه لا تكذيب لخبره فيما حكاه من نصر مَنْ نُصِرَ وهلاك مَنْ أُهْلِكَ . والرابع : معناه لا يشتبه ما تخرّصه الكاذبون عليه بما بلَّغه الأنبياء عنه . ﴿وَلَقْدْ جَاءَ مِن نَّبَإِىْ الْمُرْسَلِينَ﴾ فيما صبروا عليه من الأذى ، وقُوبلوا عليه من النصر . قوله عز وجل : ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ فيه قولان : أحدهما : [إعراضهم ] عن سماع القرآن. والثاني : عن استماعك . فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ ﴾ أي سرباً، وهو المسلك فيها ، مأخوذ من نافقاء(٧٩) اليربوع . ﴿ أَوْ سُلَّمَاً فِي السَّمَآءِ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : (٧٨) وهي قراءة مخففة وضبطها ((لا يُكْذِبُونك)) وقرأ الباقون بالتشديد المبسوط في القراءات العشر ص ١٩٢. (٧٩) ونافقاء اليربوع إحدى حجرات بيته وهي سبعة حجرات فإذا أتاه العدو من قبل القاصعاء وهو باب آخر خرج من هذا الباب وقد سمي المنافق منافقاً لأنه يدخل الإِسلام من وجه ويخرج من وجه آخر فأشبه اليربوع في صنيعه . ١٠٨ سورة الأنعام الآية - ٣٣ - ٣٦ أحدها : مصعداً ، قاله السدي . والثاني : دَرَجاً ، قاله قتادة . والثالث : سبباً ، قاله الكلبي وقد تضمن ذلك قول كعب بن زهير . ولا لَكُمَا مَنْجِىَّ عَلَى الأرْضِ فَابْغِيَا بِه نَفَقاً أَوْ فِي السَّمَوْآَت سُلَّماً فَتَأْتِّيَّهُم بَايَةٍ ﴾ يعني أفضل من آيتك ولن تستطيع ذلك ، لم يؤمنوا لك ، فلا يحزنك تكذيبهم وكفرهم ، قال الفراء : وفي الكلام مضمر محذوف وتقديره : فتأتيهم بآية فافعل . وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ قيل: يعني(٨٠) بالإلجاء والاضطرار . قال ابن عباس : كل موضع قال الله فيه: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ ﴾ فإنه لم يشأ . ﴿ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني فلا تجزع في مواطن الصبر، فتصير بالأسف والتحسر مقارباً لأحوال الجاهلين . قوله عز وجل : ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ الاستجابة هي القبول، والفرق بينها وبين الجواب : أن الجواب قد يكون قبولاً وغير قبول . وقوله : ﴿ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : يعني الذين يعقلون ، قاله الكلبي . والثاني : الذين يسمعون طلباً للحق ، لأن الاستجابة قد تكون من الذين يسمعون طلباً للحق ، فأما من لا يسمع ، أو يسمع لكن لا بقصد طلب الحق ، فلا يكون منه استجابة . وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾ فيه قولان: أحدهما : أن المراد بالموتى هنا الكفار ، قاله الحسن ، وقتادة ومجاهد ، (٨٠) وهذا القول قول المعتزلة والصواب أي لو شاء الله تعالى لجمعهم على الهدى كما أنتم على الهدى وذلك بأن يوفقهم للإيمان فيؤمنوا ولكن لم يشأ ذلك سبحانه لسوء اختيارهم حسبما علمه الله تعالى منهم في الأزل ولله تعالى الحكمة البالغة في ذلك وهذا قول أهل السنة وكان على المؤلف رحمه الله أن يأتي بقول أهل السنة لكنه لم يفعل . ١٠٩ سورة الأنعام الآية - ٣٧ - ٣٩ ويكون معنى الكلام : إنما يستجيب المؤمنون الذين يسمعون ، والكفار لا يسمعون إلا عند معاينة الحق اضطراراً (٨١) حين لا ينفعهم حتى يبعثهم الله كفاراً ثم يحشرون كفاراً . والقول الثاني : أنهم الموتى الذين فقدوا الحياة ، وهو مثل ضربه الله تعالى لنبيه وَ ل*، ويكون معنى الكلام : كما أن الموتى لا يستجيبون حتى يبعثهم الله فكذلك الذين لا يسمعون . وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَّةٌ مِّن رَّيِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَىَ أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَكِنَّ أَكْْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (*) وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَ طٍَّ يَطِيرٌ بِجَنَا حَيْهِ إِلَّاَ ٠۵٠٠ أُمَّمّ ◌َمَّثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِىِ الْكِتَبِ مِنْ شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْبِعَايَئِنَاصٌُ وَبُكْمٌ فِ الظُّلُمَتِّ مَن يَشَلِاللَّهُ يُضْلِلَهُ وَ مَن يَشَأَ يَجْعَلَهُ عَلَى ٣٩ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ قوله عز وجل: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ يعني آية تكون دليلاً على صدقه وصحة نبوته . قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىْ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً ﴾ يعني آية يجابون بها إلى ما سألوا . وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : لا يعلمون المصلحة في نزول الآية . الثاني : لا يعلمون أن زيادة الآيات إذا لم يؤمنوا بها ، توجب الزيادة من عذابهم ، لكثرة تكذيبهم . فإن قيل : فهذه الآية لا تدل على أن الله لم ينزل عليهم آية تقودهم إلى التصديق فلم يلزمهم الإِيمان ، قيل : هذا خطأ ، لأن ما أظهره الله من الآيات (٨١) لعله يقصد أن الكفار يؤمنون عند وقوع آية العذاب بهم كما حكاه الله تعالى عنهم . فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا )) سورة غافر فهذه الآية تدل على أن إيمان المضطر عند معاينة العذاب لا يفيد ولا ينفع أشبه حال فرعون . ١١٠ سورة الأنعام الآية - ٣٧ - ٣٩ الدالة على صدق رسوله وصحة نبوته ، أظهر من أن يُخْفَى ، وأكثر من أن ينكر ، وأن القرآن مع عجز من تحداهم الله من الآيات بمثله ، وما تضمنه من أخبار الغيوب وصدق خبره عما كان ويكون أبلغ الآيات وأظهر المعجزات . وإنما اقترحوا آية سألوها إعناتاً ، فلم يجابوا مع قدرة الله تعالى على إنزالها ، لأنه لو أجابهم إليها لاقترحوا غيرها إلى ما لا نهاية له ، حتى ينقطع الرسول بإظهار الآيات عن تبليغ الرسالة . وإنما يلزمه إظهار الآيات في موضعين : أحدهما : عند بعثه رسولاً لیکون مع استدعائه لهم دليل على صدقه . والثاني: أن يسألها من يعلم الله منه أنه إن أظهرها له آمن به، وليس يلزمه إظهارها في غير هذين الموضعين. قوله عز وجل : ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ دابة بمعنى ما يدب على الأرض من حيوان كله . ﴿ وَلَ طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاخَيْهِ ﴾ يعني في الهواء ، جمع بين ما هو على الأرض وفيها وما ارتفع عنها . ﴿إِلَّ أَمَمْ أَمْثَالُكُم ﴾ في الأمم تأويلان: أحدهما : أنها الجماعات . والثاني : أنها الأجناس ، قاله الفراء . وليس يريد بقوله : ﴿ أَمْثَالُكُم﴾ في التكليف كما جعل قوم اشتبه الظاهر عليهم وتعلقوا مع اشتباه الظاهر برواية أبي ذر(٨٢)، قال : انتطحت شاتان عند النبي وَ*، فقال: يا أبا ذر أتدري فيم انتطحتا؟ قلت: لا، قال: ((لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا)) قال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله وَّ وما يقلب طائر بجناحيه في السماء إلا ذكّرنا منه علماً، لأنه إذا كان العقل سبباً للتكليف كان عدمه لارتفاع التكليف . (٨٢) رواه ابن جرير (٣٤٨/١١) وأحمد (١٦٢/٥) والطيالسي (٤٨٠) وصحح سند الطيالسي الألباني في السلسلة الصحيحة ( ١١٧/٤ ). ١١١ سورة الأنعام الآية - ٣٧-٣٩ والمراد بقوله : ﴿أَمْثَالُكُم﴾ وجهان: أحدهما : أنها أجناس وتتميز في الصور والأسماء . والثاني : أنها مخلوقة لا تُظْلَم ، ومرزوقة لا تُحْرَم . ثم قال تعالى : ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : ما تركنا خلقاً إلا أوجبنا له أجلاً، والكتاب هنا هو إيجاب الأجل كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ [ الرعد: ٣٨ ] قاله ابن بحر وأنشد لنابغة بني جعدة : بلغوا الملوك وأدركوا الـ ـكتاب وانتهى الأجل والتأويل الثاني : وهو قول الجمهور : أن الكتاب هو القرآن الكريم الذي أنزله ، ما أخل فيه بشيء من أمور الدين ، إما مُفَصَّلَا يَسْتَغْنِي عن التفسير ، أو مُجْمَلًا جعل إلى تفسيره سبيلاً. يحتمل تأويلاً ثالثاً: ما فرطنا فيه بدخول خلل عليه ، أو وجود نقص (٨٣) فيه ، فكتاب الله سليم من النقص والخلل . ﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : أن المراد بالحشر الموت ، قاله ابن عباس . والثاني : أن الحشر الجمع لبعث الساعة (٨٤). فإن قيل : فإذا كانت غير مُكَلَّفَةٍ فلماذا تبعث يوم القيامة ؟ قيل : ليس التكليف علة البعث ، لأن الأطفال والمجانين يبعثون وإن كانوا في الدنيا غير مكلفين ، وإنما يبعثها(٨٥) ليعوض ما استحق العوض منها بإيلام أو ظلم ، ثم (٨٣) وفي تفسير الكتاب هنا قول آخر وهو أن المراد به اللوح المحفوظ وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس قال ابن القيم في شفاء العليل ص ٤٠ ((وهو أظهر القولين في الآية والسياق يدل عليه)). (٨٤) ولا تنافي بين القولين فهي تجمع يوم القيامة وثم يقتص بعضها من بعض ثم يقال لها كوني تراباً وقد ورد بذلك الأثر فالقول بحشر البهائم والقصاص بينها هو قول جمهور المفسرين والعلماء المحققين كابن جرير والشوكاني والنووي والقاري وابن كثير وغيرهم . (٨٥) قال العلماء. والحكمة في بعثها أن هذا البعث دال على كمال العدالة بين كافة المكلفين فإنه إذا كان هذا حال الحيوانات الخارجة عن التكليف فكيف بذوي العقول من الوضيع والشريف والقوي والضعيف . ١١٢ سورة الأنعام الآية - ٤٠ - ٤٥ يجعل ما يشاء منها تراباً، وما شاء من دواب الجنة (٨٦) يتمتع المؤمنون بركوبه ورؤيته . قُلْ أَرَءَ يْنَكُمْ إِنْ أَتَنَكُمْ عَذَابٌ اَللَّهِ أَوْأَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُمْ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنْسَوْنَ مَا ٤٠ صَدِقِينَ أَوَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَ أُمَعِ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ تُشْرِكُونَ ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَآءَ هُمْ بَأَسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ◌َضَرَّعُونَ الشَّيْطَنُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣) فَلَمَّا نَسُواْمَا ذُكِّرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْبِمَا أُوتُواْ أَخَذْ نَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَاهُم تُبْلِسُونَ ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ ٤٥ قوله عز وجل: ﴿فَلَّمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ معنى ذلك أنهم تركوا ما ذَكَّرَهُم الله من آياته الدالة على توحيده وصدق رسوله . فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يعني من نِعَمِ الدنيا وسَعَة الرزق. وفي إنعامه علیهم مع كفرهم وجهان : أحدهما : ليكون إنعامه عليهم داعياً إلى إيمانهم . والثاني: ليكون استدراجاً وبلوى (٨٧)، وقد روى ابن لهيعة بإسناده عن عقبة ابن عامر أن النبي ◌َّ قال (٨٨): ((إِذَا رَأَيْتَ اللَّهُ يُعطِي العِبَادَ مَا يَشَاءُونَ عَلَى (٨٦) لا نعلم لذلك أثراً صحيحاً يدل على ما قال المؤلف . (٨٧) والقول الثاني أظهر وأوجه لأن الحديث يؤيده وإنما فعل الله تعالى ذلك بهم ليزداود في الطغيان ليزيد لهم في العقوبة . (٨٨) رواه الطبري ١٣٢٤٠، ١٣٢٤١ وأحمد برقم (١٧٣٨٢) من حديث عقبة بن عامر وفي إسناد الطبري ابن لهيعة وهو سيء الحفظ لكنه لم ينفرد به بل توبع في إسناد أحمد بحرملة بن عمران وفي . سند أحمد رشدين بن سعد لكن الإِسنادين يقوي أحدهما الآخر وزاد السيوطي في الدر (١٢/٣ ) نسبة الحديث لابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب . ١١٣ سورة الأنعام الآية - ٤٦، ٤٧ مَعَاصِيهِمْ إِيَّاهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنْهُ)) ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .. ◌ْ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُوَأْ ﴾ يعني من النِّعَمِ فلم يؤمنوا . ﴿ أَخَذَتَاهُم بَغْنَةً ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أنه تعجيل العذاب المُهْلِك جزاء لأمرين : أحدهما : لكفرهم به . والثاني : لكفرهم بنِعَمِهِ . والوجه الثاني : هو سرعة الموت عند الغفلة عنه بالنِّعَمِ قَطْعاً للذة ، وتعذيباً للحسرة . ثم قال تعالى : ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾ وفيه خمسة تأويلات : أحدها : أن الإِبلاس : الإِیاس قال عدي بن زيد : ملك إذا حل العفاة ببابه غبطوا وأنجح منهم المستبلس يعني الآيس . والثاني : أنه الحزن والندم . والثالث : الخشوع . والرابع : الخذلان (٨٩). والخامس : السكوت وانقطاع الحجة ، ومنه قول العجاج(٩٠): يا صاح هل تعرف رسماً مكرساً قال نعم أعرفه وأبلسا قُلْ أَرَ يْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ وَخَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهُ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِّهِ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآَيَتِ ثُمَّهُمْ يَصْدِفُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنَّ أَنَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَّةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧ (٨٩) وفي نسخة المخطوطة الجذلان والصواب ما أثبتناه هنا . (٩٠) تقدم تخريج هذا البيت عند قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس﴾ .... الآية . ١١٤ سورة الأنعام الآية - ٤٨ - ٥٤ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِيِنٌ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَخَوْفٌ عَلَيْهِمْ ـتَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْبِكَايَتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿قُلُ لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكُ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَىَ إِلَىَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيدُ أَفَلَا تَنَفَكَّرُونَ ٥٠ وَأَنْذِرُ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَدِهِمٌ لَيْسَ لَهُمِن دُونِهِ، وَلِىٌّوَلَا شَفِيعُ لَعَلَّهُمْ يَثَّقُونَ (٨) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَمُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّنْ شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنََّبَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْأَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ ٥٣ وَإِذَا جَآءَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَئِنَا فَقُلْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّتَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (® قوله عز وجل : ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : الرزق ، أي لا أقدر على إغناء فقير، ولا إفقار غني ، قاله الكلبي . والثاني : مفاتيح خزائن العذاب لأنه خَوَّفَهُم منه ، فقالوا متى يكون هذا؟ ، قاله مقاتل . ◌ٍ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : علم الغيب في نزول العذاب عليهم متى يكون ؟، قاله مقاتل . والثاني: علم جميع ما غاب من ماض ومستقبل(٩١)، إلا أن المستقبل لا (٩١) ولا شك أن القول الثاني أحق وأولى ورحم الله المؤلف فقد فصّل فيه تفصيلاً رائعاً. ١١٥ سورة الأنعام الآية - ٤٨ - ٥٤ يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله تعالى على علمه من أنبيائه ، وأما الماضي فقد يعلمه المخلوقون من أحد الوجهين : إما من معاينة أو خبر ، فإن كان الإِخبار عن مستقبل ، فهو من آيات الله المعجزة ، وإن كان عن ماض فإن علم به غير المخبر والمخبّر لم يكن معجزاً ، وإن لم يعلم به أحد وعلم به المخبر وحده كان معجزاً ، فنفى رسول الله وَلقر عن نفسه علم الغيب، لأنه لا يعلمه غير الله تعالى، وإن ما أخبر به من غيب فهو عن الله ووحيه . وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : أنه يريد أنه لا يقدر على ما يعجز عنه العباد ، وإن قدرت عليه الملائكة . والثاني : أنه يريد بذلك أنه من جملة البشر وليس بمَلَك ، لينفي عن نفسه غُلُوَّ النصارى في المسيح وقولهم : إنه ابن الله . ثم في نفيه أن يكون ملكاً وجهان : أحدهما : أنه بَيَّنَ بذلك فضل الملائكة على الأنبياء (٩٢)، لأنه دفع عن نفسه منزلة ليست له . والثاني : أنه أراد إني لست ملكاً في السماء ، فأعلم غيب السماء الذي تشاهده الملائكة ويغيب عن البشر ، وإن كان الأنبياء أفضل من الملائكة مع غيبهم عما تشاهده الملائكة . ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أن أخبركم إلا بما أخبرني الله به (٩٣). (٩٢) قال الإمام الألوسي رحمه الله في كتابه روح المعاني (١٥٥/٧). (تأويل وتقرير أن الملائكة أفضل من النبي ﴿ فهذا كلام لا يسوغ شرعاً أبداً، وهذا فهم خاطىء مستنبط من الآية فالرسول محمد ولاذ أفضل الخلق على الإطلاق بما فيهم الملائكة المقربون وهذا لا ينكره عالم فبيان التفضيل أي تفضيل الأنبياء على الملائكة واحد). (٩٣) فلا يجوز أن نضع الرسول عليه الصلاة والسلام دون المنزلة التي حباه الله إياها وكذلك لا يجوز أن نبالغ بأمور تجاوز حدود الشرع كبعض المتصوفة الذين يقولون إن الرسول هو أول خلق الله أو الذين يقولون خلق من نور معتمدين على أحاديث واهية وموضوعة . ١١٦ سورة الأنعام الآية - ٤٨ - ٥٤ والثاني : أن أفعل إلا ما أمرني الله به . ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : الجاهل والعالم . والثاني : الكافر والمؤمن . أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ یحتمل وجھین : أحدهما : فيما ضربه الله من مثل الأعمى والبصير . الثاني : فيما بينه من آياته الدالة على توحيده وصدق رسوله . قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ . روي أن سبب نزول هذه الآية أن الملأ من قريش (٩٤) أتوا النبي وَلير وعنده جماعة من ضعفاء المسلمين مثل بلال ، وعمار ، وصهيب ، وخباب بن الأرت ، وابن مسعود ، فقالوا : يا محمد اطرد عنا موالينا وحلفاءنا فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا(٩٥)، فلعلك إن طردتهم نتبعك ، فقال عمر : لو فعلت ذلك حتى نعلم ما الذي يريدون وإِلَّمَ يصيرون، فَهَمَّ رسول الله وَلاَل بذلك حتى نزلت هذه الآية ، ونزل في الملأ من قريش ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ الآية. فأقبل عمر فاعتذر من مقالته فأنزل الله فيه : ﴿وَإِذَا جَاءَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بَّايَاتِنْا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الآية . وفي قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ أربعة تأويلات : أحدها : أنها الصلوات الخمس ، قاله ابن عباس ، ومجاهد . والثاني : أنه ذكر الله ، قاله إبراهيم النخعي . والثالث : تعظيم (٩٦) القرآن، قاله أبو جعفر . (٩٤) وقد ورد سبب نزول الآية من قول عكرمة بأطول من هذا رواه الطبري (٣٧٩/١١، ٣٨٠) وقد ورد من حديث خباب بن الأرت رواه أحمد (٣٩٨٥) والطبري (٣٧٤/١١، ٣٧٥) وصحح سند أحمد الشيخ أحمد شاكر . (٩٥) هذا خطأ والصواب وعسفاؤنا كما في الطبري (٣٧٩/١١) وهو جمع عسيف وهو الأجير المستهان به . (٩٦) قوله تعظيم خطأ والصواب تعليم والدليل على ذلك أن هذا القول أورده ابن جرير (٣٨٥/١١) ١١٧ سورة الأنعام الآية - ٤٨ - ٥٤ والرابع : أنه عبادة الله ، قاله الضحاك . ومعنى قوله : ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ فيه قولان : أحدهما : يريدون بدعائهم ، لأن العرب تذكر وجه الشيء إرادة له مثل قولهم : هذا وجه الصواب تفخيماً للأمر وتعظيماً . والثاني : معناه يريدون طاعته لقصدهم الوجه الذي وجَّهَهُم (٩٧) إليه . مَا عَلَيكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ فيه ثلاثة أقوال : أحدها : يعني ما عليك من حساب عملهم من شيء من ثواب أو عقاب . وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ يعني وما من حساب عملك عليهم من شيء ، لأن كل أحد مؤاخذ بحساب عمله دون غير ، قاله الحسن . والثاني : معناه ما عليك من حساب رزقهم وفقرهم من شيء ... والثالث : ما عليك كفايتهم ولا عليهم كفايتك ، والحساب الكفاية كقوله تعالى: ﴿عَطَاءَ حِسَاباً ﴾ [النبأ: ٣٦] أي تاماً كافياً ، قاله ابن بحر . قوله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ ﴾ يعني لاختلافهم في الأرزاق ، والأخلاق ، والأحوال . وفي إفتان الله تعالى لهم قولان : أحدهما : أنه ابتلاؤهم واختبارهم ليختبر به شكر الأغنياء وصبر الفقراء ، قاله الحسن ، وقتادة . والثاني : تكليف ما يشق على النفس مع قدرتها عليه . ◌ٍ لِّيَقُولُوْاْ (٩٨) أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْتِنَا﴾ وهذا قول الملأ من قريش بسنده عن ابن جعفر قال كان يقرئهم القرآن من الذي يقص على النبي #؟ قلت فأراد أبو جعفر رحمه الله تعلمهم القرآن وقراءته ويؤيد ما ذهبت إليه أن ابن الجوزي رحمه الله أورد هذا القول في زاد المسير (٤٦/٣) وقال: ((الرابع: أنه تعلم القرآن غدوة وعشية قال أبو جعفر اهـ. ولعل هذا سبق قلم من الناسخ والله أعلم. (٩٧) أما مذهب السلف في هذه الآية فإنهم يمرونها كما نزلت ويؤولونها تأويلاً إجمالياً أي يؤمنون بالنص إيماناً يتناسب مع قوله تعالى ليس كمثله شيء. (٩٨) واللام في قوله ﴿ليقولوا﴾ للتعليل وليس للعاقبة فإن لام العاقبة تكون في حق من هو جاهل أو ١١٨ سورة الأنعام الآية - ٤٨ - ٥٤ للضعفاء من المؤمنين ، وفيما مَنَّ الله تعالى به عليهم قولان : أحدهما : ما تفضل الله به عليهم من اللطف في إيمانهم . والثاني : ما ذكره من شكرهم على طاعته . قوله عز وجل : ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بَّايَاتِنَا﴾ يعني به ضعفاء المسلمین وما كان من شأن عمر . فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنه أمر بالسلام عليهم من الله تعالى ، قاله الحسن . والثاني : أنه أمر بالسلام عليهم من نفسه تكرمة لهم ، قاله بعض المتأخرين . وفي السلام قولان : أحدهما : أنه جمع السلامة . والثاني : أنه السلام هو الله ومعناه ذو السلام . كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ فيه قولان : أحدهما : معناه (٩٩) أوجب الله على نفسه . والثاني : كتب في اللوح المحفوظ على نفسه . و﴿ الرَّحْمَةَ﴾ يحتمل المراد بها هنا وجهين: أحدهما : المعونة . والثاني : العفو (١٠٠) . أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوَءَاً بِجَهَالَةٍ ﴾ في الجهالة تأويلان : عاجز عن دفعها ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في شفاء العليل ص ١٩١ عنه هذه الآية .. ولا ريب أن هذا تعليل لفعله المذكور ((أي فعل الرب)) وهو امتحان بعض خلقه ببعض كما امتحن السادات والأشراف بالعبيد والضعفاء والموالي فإذا نظر الشريف والسيد إلى العبد والضعيف والمسكين قد أسلم أنف وحمى أن يسلم معه أو بعده .. .. الخ وراجع أيضاً روح المعاني (١٦٢/٧). (٩٩) تقدم الكلام على هذا الكتب في الآيات السابقة . (١٠٠) والصواب إثبات صفة الرحمة للرب تبارك وتعالى على ما ذكر في الاية . ١١٩ سورة الأنعام الآية - ٥٥ - ٥٩ أحدهما : الخطيئة ، قاله الحسن ، ومجاهد ، والضحاك . والثاني : ما جهل كراهية عاقبته ، قاله الزجاج . ويحتمل ثالثاً : أن الجهالة هنا ارتكاب الشبهة بسوء التأويل(١٠١). ﴿ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ يعني تاب من عمله الماضي وأصلح في المستقبل . وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ اَلَيَتِ وَلِتَسْتَّبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴿ قُلْإِنِى ◌ُّهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ اُلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَِّقُل لَّا أَنَّعُ أَهْوَاءَ كُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَّا وَمَآ أَنَا مِنَ اٌلْمُهْتَدِينَ ﴾ قُلْ إِ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَكَذَّبْتُم بِهِ، مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بٍِّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا يَّهِيَقُصُ اُلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٥٨ بِالظَّالِمِينَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ ظُلُّمَتِ الْأَرْضِ ٥٩ وَلَاَرَطْبٍ وَلَا يَابِسِ إِلَّافِكِنَبُِِّينِ قوله عز وجل: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَىْ بَيِّئَةٍ مِن رَّبِي﴾ في البينة هنا قولان : أحدهما : الحق الذي بان له . والثاني : المُعْجِزُ في القرآن . وَكَذَبْتُم پِهِ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : وكذبتم بالبينة . والثاني : وكذبتم بربكم . (١٠١) قال العلامة الآلوسي قوله سبحانه ﴿بجهالة﴾ حال أيضاً على الأظهر أي من عمل ذنباً وهو جاهل أي فاعل فعل الجهلة لأنه من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل الجهل والسفه لا من أهل الحكمة والتدبير أو جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة روح المعاني (١٦٤/٧ ). ١٢٠