Indexed OCR Text

Pages 521-540

سورة النساء الآية - ٩٥ - ١٠٠
واختلف في قاتله على خمسة أقاويل :
أحدها : أنه أسامة بن زيد ، وهو قول السدي .
والثاني : أنه المقداد ، وهو قول سعيد بن جبير .
والثالث : أبو الدرداء ، وهو قول ابن زيد .
والرابع : عامر بن الأضبط الأشجعي ، وهو قول ابن عمر .
والخامس : هو محلّم بن جامة الليثي . ويقال إن القاتل لفظته الأرض ثلاث
مراتٍ، فقال رسول الله وَله: ((إِنَّ الأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌ مِّنْهُ وَلَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ
لَكُمْ عِبْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِأَن تُلْقَى عَلَيْهِ الحِجَارَةُ)) (٤٦٨).
كَذَلِكَ كنتُم مِّن قَبْلُ ﴾ أي كفاراً مثلهم .
﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ يعني بالإِسلام.
لَا يَسْتَوِى اُلْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أَوْلِ الضَّرَدِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِبِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ
دَرَجَتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً
٩٥
اُلْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًاعَظِيمًا
وَرَحْمَةٌ وَ كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا إِ
٩٦
إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّدُهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ
قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمَّ تَكُنْ أَرْضُ اُللَّهِ وَسِعَةً
فَتُهَا جِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَتٌَّ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (٣) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ
٩٨
فَأُؤْلََّكَ
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا لِ
٩٩
وَمَن يُّهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْضُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا
يَجِدْ فِى الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ
يُدْرِكِّهُ الْمَوْتُ فَقَدٌ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمَالـ
١٠٠
(٤٦٨) رواه الطبري مرفوعاً من حديث ابن عمر (٧٢/٩) ولفظه: (( بعث النبي محلم بن جثامة مبعثاً
فلقيهم عامر بن الأطيط ... )) الحديث .
٥٢١

سورة النساء الآية - ١٠١
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً
وَسَعَةً ﴾.
في المراغم خمسة تأويلات :
أحدها : أنه المتحوَّل من أرض إلى أرض ، وهذا قول ابن عباس
والضحاك . ومنه قول نابغة بني جعدة :
كطوْدٍ يُلاذ بأركانه ... عزيز المراغم والمطلب (٤٦٩)
والثاني : مطلب المعيشة ، وهو قول السدي ، ومنه قول الشاعر :
إلى بلدٍ غير داني المحل ... بَعيد المُراغم والمطلب
والثالث : أن المراغم المهاجر ، وهو قول ابن زيد :
والرابع : يعني بالمراغم مندوحة (*) عما يكره.
والخامس : أن يجد ما يرغمهم به ، لأن كل من شخص عن قومه رغبة عنهم
فقد أرغمهم ، وهذا قول بعض البصريين . وأصل ذلك الرغم وهو الذل .
والرّغام : التراب لأنه ذليل ، والرُّغام بضم الراء ما يسيل من الأنف .
وفي قوله تعالى: ﴿ وَسَعَةً ﴾ ثلاثة تأويلات:
أحدها : سعة في الرزق وهو قول ابن عباس .
والثاني : يعني من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى ، وهو قول
قتادة .
والثالث : سعة في إظهار الدين .
وَإِذَا ضَرَبُ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُ واْ مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ خِقْتُمْ أَن يَفْئِنَكُمُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّالْكَفِرِينَ كَانُوْ لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا
١٠١
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُم فِي الْأَرْضِ ﴾ أي سرتم ، لأنه يضرب الأرض
(٤٦٩) ديوانه (٢٢) ومجاز القرآن لأبي عبيدة (١٣٨/١) واللسان مادة (رغم) وفي هذه المصادر ((عزيز
المراغم والمهرب)) بدلاً من ((والمطلب)) وقد أورده الطبري هكذا موافقاً للمصادر.
(*) هكذا بالأصول وفي تفسير ابن عطية والقرطبي المتزحزح عما يكره .
٥٢٢

سورة النساء الآية - ١٠١
برجله في سيره كضربه بيده ، ولذلك سُمِّيَ السفر في الأرض ضَرْباً .
﴿ فَلَيسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِن الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ
كَفَرُوا ﴾ اختلف في هذا القصر المشروط بالخوف على قولين :
أحدهما : أنه قَصَرَ أركانها إذا خاف ، مع استيفاء أعدادها فيصلي عند
المسايفة والتحام القتال كيف أمكنه قائماً وقاعداً ومومياً ، وهي مثل قوله : ﴿ فَإِنْ
خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ﴾ [البقرة: ٢٣٩] وهذا قول ابن عباس .
والثاني : أنه قصر أعدادها من أربع إلى ما دونها ، وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن هذا مشروط بالخوف من أربع إلى ركعتين ، فإن كان آمناً مقيماً
لم يقصر ، وهذا قول سعد بن أبي وقاص ، وداود بن علي .
والثاني : أنه قَصْرَان ، فقصر الأمْن من الأربع إلى ركعتين ، وقصر الخوف
من ركعتين إلى ركعة ، وهذا قول جابر بن عبد الله والحسن . وقد روى مجاهد عن
ابن عباس قال: فرض الله عز وجل على لسان نبيكم وَلّ في الحضر أربعاً وفي
السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة .
والثالث : أنه يقصر في سفر خائفاً وآمناً من أربع إلى ركعتين لا غير .
روي عن أبي أيوب عن علي عليه السلام قال (٤٧٠): سأل قوم من التجار
رسول الله وَلقر فقالوا: يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي ؟ فأنزل الله
تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنِ الصَّلَةِ﴾
ثم انقطع الوحي ، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي وسر فصلى الظهر ، فقال
المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلّ شددتم عليهم ؟ فقال
قائل منهم : إن لهم أخرى مثلها في أثرها ، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين ﴿ إِن
خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُم الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُم عَدُوَّاً مُبِيْناً﴾ إلى قوله:
﴿ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ فنزلت صلاة الخوف .
(٤٧٠) رواه ابن جرير (١٢٦/٩) وسنده ضعيف ففيه سيف بن عمر التميمي وهو متروك الحديث وفيه
أيضاً عبد الله بن هاشم قال الشيخ محمود شاكر لم أجد له ترجمة ولا ذكراً وضعف الحديث في
تخريج الطبري (١٢٦/٩) وقد ضعفه قبله الحافظ ابن كثير (٥٤٨/١) وقال هذا سياق غريب جداً
لكن لبعضه شاهد من رواية ابن عباس الزرقي واسمه زيد بن الصامت .
٥٢٣

سورة النساء الآية - ١٠٢
وَإِذَاكُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم ◌َّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ
أَسْلِحَتَهُمّ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةُ أُخْرَى
لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُ واْحِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّالَّذِينَ كَفَرُواْ
لَوْتَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِّكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَحِدَةً وَلَا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُم ◌َرْضَى أَنْ تَضَعُوْاْ
أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُ واْ حِذِّرَكُمْ إِنَّاللَّهَ أَعَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابَأُهِينًا
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ ﴾
وهذا خطاب للنبي ◌َّير أن يصلي في الخوف بأصحابه .
واختلف أهل العلم فيه هل خص به النبي ◌َّرَ؟ على قولين :
أحدهما : أنه خاص له وليس لغيره من أمته أن يصلي في الخوف كصلاته ،
لأن المشركين عزموا على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم ، فأطلع الله نبيه
على سرائرهم وأمره بالتحرز منهم ، فكان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد ،
فلذلك صار هذا خاصاً للنبي وَلير، وهذا القول محكي عن أبي يوسف .
والقول الثاني: أن ذلك عام للنبي وَله ولغيره من أمته إذا كان على مثل حاله
في خوفه ، لأن ذكر السبب الذي هو الخوف يوجب حمله عليه متى وجد كما فعل
الصحابة بعده حين خافوا وهو قول الجمهور .
وقوله تعالى: ﴿ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ يعني مع النبي ◌َّ في الصلاة ،
وطائفة بإزاء العدو .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلَحَتَهُمْ ﴾ فيه قولان :
أحدهما: أن المأمورين بأخذ السلاح هم الذين مع رسول الله وَلثر، وهذا
قول الشافعي .
والثاني : هم الذين بإزاء العدو يحرسون ، وهذا قول ابن عباس .
٥٢٤

سورة النساء الآية - ١٠٢
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا سَجَدُواْ ﴾ يعني فإذا سجدت الطائفة التي معك في
الصلاة .
فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ ﴾ يعني بإزاء العدو .
واختلفوا في قوله تعالى: ﴿مِن وَرَآئِكُمْ ﴾ هل ذلك بعد فراغهم من الصلاة
وتمامها بالركعة التي أدركوها معه ؟ على قولين :
أحدهما : قد تمت بالركعة حتى يصلوا معها بعد فراغ الإِمام ركعة أخرى ،
وهذا قول من أوجب عليه الخوف ركعتين .
ومن قال بهذا اختلفوا هل يتمون الركعة الباقية عليهم قبل وقوفهم بإزاء العدو
أو بعده ؟ على قولين :
أحدهما : قبل وقوفهم بإزاء العدو ، وهو قول الشافعي .
والثاني : بعده وهو قول أبي حنيفة .
ثم قال تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ يريد
الطائفة التي بإزاء العدو تأتي فتصلي مع رسول الله وهر الركعة التي بقيت عليه ،
وتمضي الطائفة التي صلّت فتقف موضعها بإزاء العدو. وإذا صلت مع النبي تشملر
الركعة الباقية عليه ففيه قولان :
أحدهما : أن ذلك فرضها وتسلم بسلامه ، وهذا قول من جعل فرضه في
الخوف ركعة .
والقول الثاني : أن عليها ركعة أخرى ، وهذا قول من جعل فرضه في الخوف
ركعتين كالأمن ، فعلى هذا متى تفارقه ؟ فعلى قولين :
أحدهما : قبل تشهده .
والثاني : بعده ، وقد روى القولين معاً سهل بن أبي حَثمة عن النبي
رَ الَ: (٤٧١) .
(٤٧١) رواه البخاري (٣٢٩/٧ فتح) ومسلم (١٢٨/٦) وأحمد برقم (٤٤٨/٤) والبيهقي في السنن
(٢٥٣/٣، ٢٥٤) والطبري رقم (١٠٣٤٦٠) وللحديث روايات أخرى عند سهل بن أبي حثمة
أنظرها في الطبري (١٤٥/٩).
٥٢٥

سورة النساء الآية - ١٠٣، ١٠٤
وهل تتم ركعتها الباقية قبل وقوفها بإزاء العدو ؟ على قولين :
أحدهما : تتمها قبل الوقوف بإزائه ، وهو قول الشافعي .
والثاني : تقف بإزائه قبل إتمامها حتى إذا أتمت الطائفة الأولى ركعتها عادت
فوقفت بإزاء العدو ، ثم خرجت هذه فأتمت ركعتها ، وهذا قول أبي حنيفة .
وهذه الصلاة هي نحو صلاة النبي ◌َّر بذات الرقاع.
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا
أُطْمَأْ تَتُمْ فَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَوْقُوتًا
وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ الْقَوْمِّ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا
١٠٣
تَأْلَمُونٌَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونٌَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
١٠٤
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَةَ فَأَذْكُرُ واْ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً ﴾ يعني ذكر الله
بالتعظيم والتسبيح والتقديس بعد صلاته في خوفٍ وغيره : قال ابن عباس : لم يعذر
أحد في تركه إلا مغلوباً على عقله .
فَإِذَا أَطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَةَ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : يعني فإذا أقمتم بعد السفر فأتموا الصلاة من غير قصر ، وهذا قول
الحسن ، وقتادة ، ومجاهد .
والثاني : معناه فإذا أمِنْتم بعد خوفكم فأتموا الركوع والسجود من غير إيماء
ولا مشي ، وهذا قول السدي .
﴿إِنَّ الصَّلَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما : أي فرضاً واجباً ، وهو قول ابن عباس ، والحسن .
والثاني : يعني مؤقتة في أوقاتها ونجومها ، كلما مضى نجم جاء نجم ، وهو
قول ابن مسعود ، وزيد بن أسلم .
﴿ وَلَا تَهِنُواْ فِي أَبْتِغَاءِ الْقَومِ ﴾ أي لا تضعفواً في طلبهم لحربهم .
٥٢٦

سورة النساء الآية - ١٠٥ - ١١٣
إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ﴾ أي ما أصابهم منكم فإنهم
يألمون به كما تألمون بما أصابكم منهم .
ثم قال تعالى: ﴿ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَ يَرْجُونَ ﴾ أي هذه زيادة لكم عليهم
وفضيلة خُصِصْتُم بها دونهم مع التساوي في الألم .
وفي هذا الرجاء اثنان من التأويلات :
أحدهما: معناه أنكم ترجون من نصر الله ما لا يرجون(*).
والثاني : تخافون من الله ما لا يخافون، ومنه قوله تعالى: ﴿ مَا لَكُمْ لَا
تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح: ٣١] أي لا تخافون لله عظمة . ومنه قول الشاعر :
لا ترتجي حين تلاقي الذائدا أسبعةً لاقت معاً أم واحداً (٤٧٢)
إِنَّا أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن.
لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا (٣٥) وَأَسْتَغْفِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (أَ وَلَا
تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَانًا أَثِمًا
١٠٧
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا
لَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطَا لَ هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَ لْتُمْ
عَنْهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَن يَكُونُ
عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٤) وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِ اللَّهَ يَجِدِ
اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا [﴿ وَ مَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللَّهُ
عَلِيمًا حَكِيمًا (٨)وَ مَن يَكْسِبُ خَطِيّئَةً أَوْإِئِمَا تُمَّيَرْمِ بِهِ، بَرِيّنًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ
١١٢
وَلَوْلَا فَضْلُ اُللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَمَّتْ طَّابِفَةَ
بُهْتَنَا وَ إِثْمًا مُّبِينًا
(*) هكذا في الأصول ولم يذكر التأويل الثاني .
(٤٧٢) أنظر اللسان مادة [رجا ] ومعاني القرآن للفراء (٢٨٦/١).
والأضداد لابن الأنباري (٩).
٥٢٧

سورة النساء الآية - ١١٣ - ١١٥
مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَايُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمّ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ
وَأَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمّ وَكَانَ
لَّاخَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ
١١٣
فَضْلُ اُللَّهِ عَلَیََ عَظِيمًا
أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَجِ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ
أَوَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ
١١٤)
مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًّاً عَظِيمًا
مَانَبَيَّنَ لَهُ أُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ.
(١١٥)
جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أُنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الكتاب حق .
والثاني : أن فيه ذكر الحق .
والثالث : أنك به أحق .
﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : بما أعلمك الله أنه حق .
والثاني : بما يؤديك اجتهادك إليه أنه حق .
وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِبِينَ خَصِيماً﴾ أي مخاصماً عنهم ، وهذه الآية نزلت في
طعمة بن أبيرق ، واختلف في سبب نزولها فيه ، فقال السدي : كان قد أودع درعاً
وطعاماً فجحده ولم تقم عليه بينه ، فهم رسول اللّه ◌َّر بالدفع عنه، فبين الله تعالى
أمره .
وقال الحسن : إنه كان سرق درعاً وطعاماً فأنكره واتهم غيره وألقاه في منزله ،
وأعانه قوم من الأنصار ، وخاصم النبي ◌ََّ عنه أو هَمّ بذلك، فأنزل الله تعالى فيهم
هذه الآية إلى قوله: ﴿ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ يعني الذي اتهمه السارق وألقى عليه
السرقة .
وقيل : إنه كان رجلاً من اليهود يقال له يزيد بن السمق .
٥٢٨

سورة النساء الآية - ١١٦ - ١٢٢
وقيل : بل كان رجلاً من الأنصار يُقَال له لبيد بن سهل .
وقيل : طعمة(*) بن أبيرق فارتد فنزلت فيه هذه الآية .
ولحق بمشركي أهل مكة فأنزل الله تعالى فيه : ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ
بَعْدِ مَا تَبَيِّنَ لَهُ الْهُدَىْ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية [النساء: ١١٥].
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِْ
◌ِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَأَ بَعِيدًا (٣٦) إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَاثًّا وَ إِن
لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ
١١٧
يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَّا قَرِيدًا!
عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا [٣] وَلَأُضِلَّنَهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَا مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ
ءَذَانَ الْأَنْعَمِ وَلَمُنَّهُمْ فَيُغَيِّرْنَ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَنَ
یَعِدُهُمْ
(١١٩
وَلِيًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا
وَيُمَّنِّيِهِمٌّ وَمَايَعِدُ هُمُ الشَّيْطَانُ إِلََّغُرُورًا (١٤) أُوْ لَكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّهُ
وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَنُدْـ
خِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّاً
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اُللَّهِقِيلًا
٢٢
قوله تعالى: ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَاثاً ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أن الإِناث اللات والعزى ومَناة ، وهو قول السدي وابن زيد وأبي
مالك .
والثاني : أنها الأوثان، وكان في مصحف عائشة: ﴿إِن تَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ
إِنَاثاً ﴾ .
والثالث : الملائكة ، لأنهم كانوا يزعمون أنهم بنات الله ، وهذا قول
الضحاك .
(*) هكذا في الأصول وفي سيرة ابن هشام (١٧١/٢) والقرطبي (٣٧٥/٥، ٣٧٦) أبو طعمة.
٥٢٩

سورة النساء الآية - ١٢٣ - ١٢٦
والرابع : الموات الذي لا روح فيه ، لأن إناث كل شيء أرذله ، وهو قول
ابن عباس ، وقتادة .
قوله تعالى: ﴿وَلَُّضِلَّهُمْ﴾ يعني الإِيمان .
﴿ وَلُأَمَنِيِّنَّهُمْ﴾ يعني بطول الأمل في الدنيا ليؤثروها على الآخرة .
وَلَأَمُرَنَّهُمْ فَيُبِّكُنَّ ءَاذَانَ آلْأَنْعَامِ ﴾ أي لَيُقَطِّعُنَّهَا نسُكاً لأوثانهم كالبحيرة
والسائبة .
وَلَأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ آللَّهِ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني دين الله ، وهذا قول الحسن ، وقتادة ، ومجاهد ، وإبراهيم .
والثاني : أنه أراد به خصاء البهائم ، وهذا قول ابن عباس ، وأنس ،
وعكرمة .
والثالث : أنه الوشم ، وهو قول ابن مسعود ، والحسن .
قال ابن مسعود: ((لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ والْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالنَّامِصَاتِ
والمتنمِّصَاتِ والمُتَفَلِّجَاتِ للحسُنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ)) (٤٧٣).
لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَبِهِ، وَلَا
يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَتِ
مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَأُوْ لَكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةً
١٢٤
إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (٣) وَلِلَّهِمَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطًا
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ في الكلام مضمر
(٤٧٣) قول ابن مسعود هذا مرفوعاً رواه البخاري (٣١٣/١٠، ٣١٤) ومسلم رقم (٣١٢٥) وأبو داود
رقم (٤١٦٩) والترمذي رقم (٢٧٨٣) والنسائي (١٤٦/٨ - ١٤٨).
٥٣٠

سورة النساء الآية - ١٢٧
محذوف وتقديره ليس الثواب بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، على قولين :
أحدهما : أنهم عبدة الأوثان ، وهو قول مجاهد .
والثاني : أنهم أهل الإِسلام ، وهو قول مسروق ، والسدي .
﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ السوء ما يسوء من القبائح ، وفيه ها هنا ثلاثة
أقاويل :
أحدها : أنه الشرك بالله تعالى ، وهو قول ابن عباس .
الثاني : أنه الكبائر ، وهذا قول أُبَيِّ بن كعب .
والثالث : أنه ما يلقاه الإِنسان في الدنيا من الأحزان والمصائب جزاءً عن
سيئاته كما روى محمد بن قيس بن مخرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما
نزلت هذه الآية: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شقت على المسلمين وبلغت بهم ما
شاء الله أن تبلغ فَشَكوا ذلك إلى رسول الله وَ﴿ فقال: ((قَارِبُوا وَسَدِّدُواْ فَفِي كُلِّ مَا
يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةُ يُنْكَبُهَا أَوْ الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا)) (٤٧٤).
وروى الأعمش عن مسلم قال : قال أبو بكر : يا رسول الله ما أشَدَّ هذه الآية
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوْءاً يُجْزَ بِهِ﴾ فقال: ((يَا أَبَا بَكْرِ إِنَّ المُصِيْبَةَ فِي الدُّنْيَا جَزَاءٌ))(٤٧٥).
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى
اُلْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَاكُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ
تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوْلِلْيَتَمَى بِالْقِسْطِ
وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا
٨٠
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَقْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ الآية. اختلف
في سبب نزول هذه الآية على قولين :
أحدهما : هو أن سبب نزولها أنهم في الجاهلية كانواْ لا يورثون النساء ولا
(٤٧٤) رواه الطبري (٢٤٠/٩) وأحمد في مسنده رقم (٧٣٨٠) والبيهقي في سننه رقم (٣٧٣/٣).
(٤٧٥) رواه الطبري (٢٤٣/٩).
٥٣١

سورة النساء الآية - ١٢٨ - ١٣٠
الأطفال ، فلما فرض الله تعالى المواريث في هذه السورة شق ذلك على الناس ،
فسألوا رسول الله وَليقول عن ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية(*).
قوله تعالى: ﴿اللَّتِي لَا تَؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعني المواريث ، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة
ومجاهد وابن زيد .
والثاني : أنهم كانوا لا يؤتون النساء صدقاتهن ويتملكها أولياؤهن ، فلما نزل
قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ سألوا رسول الله وَ لِّ، فأنزل الله
تعالى هذه الآية .
قوله تعالى: ﴿ آللَّتِي لَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ يعني ما فرض لهن من
الصداق وهو قول عائشة .
وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : ترغبون عن نكاحهن لقبحهن .
والثاني : تمسكونهن رغبة في أموالهن وجمالهن ، وهو قول عائشة .
وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا
بَيْنَهُمَا صُلْحَأْ وَالصُّلِحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَ نفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ
(﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِ لُواْ بَيْنَ
فَإِنَّ اللَّهَ كَانَبِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
النِّسَاءِ وَلَوْ خَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ اَلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةٍ
وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [®]وَ إِن يَنَفَرَّقَايُغْنِ
اُللَّهُ كُلَّاً مِّن سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا
١٣٠
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً ﴾ الآية اختلف
في سبب نزول هذه الآية على قولين :
(*) لاحظ أنه لم يذكر القول الثاني في سبب النزول .
٥٣٢

سورة النساء الآية - ١٢٨ - ١٣٠
أحدهما: أنها نزلت في رسول الله وَلل حين هم بطلاق سودة بنت زمعة
فجعلت يومها لعائشة على ألا يطلقها ، فنزلت هذه الآية فيها . وهذا قول السدي .
والقول الثاني : أنها عامة في كل امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً .
والنشوز : الترفع عنها لبغضها ، والإِعراض : أن ينصرف عن الميل إليها لمؤاخذة
أو أثرة .
﴿ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً﴾ إِمَّا من تَرْكِ مهرٍ أو إسقاط
قَسَم .
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : يعني خيراً من النشوز والإِعراض ، وهو قول بعض البصريين .
والثاني : خير من الفرقة ، وهو قول الزجاج .
﴿ وَأُحْضِرَتِ آلْأَنفُسُ الشُّحَّ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أنفس النساء أحضرت الشح عن حقوقهن من أزواجهن وأموالهن ،
وهذا قول ابن عباس ، وسعيد بن جبير .
والثاني : أحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل
صاحبه ، وهو قول الحسن .
قوله تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ﴾ يعني بقلوبكم
ومحبتكم .
وَلَوْ حَرَضْتُمْ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : ولو حرصتم أن تعدلوا في المحبة ، وهو قول مجاهد .
والثاني : ولو حرصتم في الجماع ، وهو قول ابن عباس .
فَلَ تَمِيلُواْ كَلَّ الْمَيْلِ﴾ أي فلا تميلواْ بأفعالكم فتْبِعُوهَا أهواءَكم .
فَتَذَرُ وهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾ يعني لا أَيِّماً ولا ذات زوْجِ .
قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّ مِّن سَعَتِهِ﴾ يعني الزوجين إن تفرقا
بالطلاق .
٥٣٣

سورة النساء الآية - ١٣١ - ١٣٥
﴿ يُغْنِ اللَّهُ كُلَّا مِّن سَعَتِهِ ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : يغني الله كل واحد منهما بالقناعة والصبر عن صاحبه ، ومعنى
قوله : ﴿ من سعته﴾ أي من رحمته ، لأنه واسع الرحمة .
والثاني : يغني الله كل واحد منهما عن صاحبه بمن هو خير منه ، ومعنى
قوله : ﴿ من سعته﴾ أي من قدرته لأنه واسع القدرة .
والثالث : يغني الله كل واحد منهما بمال يكون أنفع له من صاحبه . ومعنى
قوله : ﴿ من سعته﴾ أي من غناه لأنه واسع الغنى.
وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِنَبَ مِن
قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ أَتَّقُواْ اللَّهُ وَ إِن تَكْفُرُوا فَإِنَِّلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدً ا لأ
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَكَفَى
بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣٦) إِن يَشَأْيُذْ هِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِثَاخَرِيِنْ وَكَانَ اللَّهُ
مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَّوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الذُّنْيَا
٣٣
عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًالـ
وَالْآَخِرَةِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا فـ
١٣٤
قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بأَخَرِينَ ﴾ روی سهل بن
أبي صالح عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ أنه لما نزلت ضرب
بيده على ظهر سلمان وقال: ((هُمْ قَوْمُ هَذَا)»(٤٧٦) يعني عجم الفرس .
قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ ﴾
ثواب الدنيا النعمة ، وثواب الآخرة الجنة .
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْكُونُواْ قَوَِّينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ
(٤٧٦) رواه الطبري (٢٩٩/٩، ٤٢/٢٦) ونسبه السيوطي في الدر (٥٠٦/٧) من حديث أبي هريرة
لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والذي في الدر من رواية هؤلاء لما نزلت
(((وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم)) قيل من هؤلاء وسلمان رضي الله عنه إلى جنب النبي وَ الّ فقال هم
الفرس وهذا وقومه .
٥٣٤

سورة النساء الآية - ١٣٥
أَوِ الْوَ لِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا قَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ
الْمَوَىَ أَنْ تَعْدِ لُواْ وَإِن تَلْوُ: أَوْتُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا!
١٣٥
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ يعني بالعدل
شُهَدَآءَ لِلَّهِ ﴾ يعني بالحق .
﴿وَلَوْ عَلَىْ أَنْفُسِكُمْ﴾ وشهادة الإِنسان على نفسه هي إقراره بما عليه من
الحق لخصمه .
أَوِ الْوَالِدَينِ وَالأَقْرَبِينَ ﴾ أن يشهد عليهم لا لهم .
﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَآللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُواْ الْهَوَىْ أَن تَعْدِلُواْ ﴾ قال
السدي : نزلت في النبي وَله وقد اختصم إليه رجلان : غني وفقير، فكان ميله مع
الفقير ، يرى أن الفقير لا يظلم الغني ، فأمره الله عز وجل أن يقوم بالقسط في
الغنى والفقير فقال: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَىّ أن
تَعْدِلُواْ﴾.
وقال ابن عباس : نزلت في الشهادة لهم وعليهم .
وَإِن تَلوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ قرأ ابن عباس وحمزة بواو واحدة ، وهي من
الولاية أي تلوا أمور الناس أو تتركوا ، وهذا للولاة والحكام .
وقرأ الباقون : ﴿ تَلْوُواْ﴾ بواوين . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : هو أن
يلوي الإِنسان لسانه بالشهادة كما يلوي الرجل ديْن الرجل إذا مطله ، ومنه قول
النبي ◌ََّ((وَلَيُّ الْوَاجِدِ يُبْحُ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ)) (٤٧٧) وقال الأعشى:
ديني اذا وقذ النعاس الرُّقدا
یلوونني ديني النهار وأقتضي
وتكون على هذه القراءة والتأويل هذا خطاب الشهود .
(٤٧٧) رواه أبو داود برقم (٣٦٢٨) وابن ماجة برقم ( ٢٤٢٧).
وابن حبان وصححه (ص ٢٨٣ موارد) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (١٠٢/٤) والبغوي في
شرح السنة (١٩٥/٨) وحسنه في المصابيح (٣٤٥/٢) وأحمد في المسند (٢٢٢/٤، ٣٨٨،
٣٨٩) من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه الشريد بن سويد الثقفي .
٥٣٥

سورة النساء الآية - ١٣٦ - ١٤٠
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْءَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ.
وَاُلْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِوَمَلَئِكَتِهِ،وَكُتُبِهِ،وَرُسُلِهِ،
وَالْيَوْمِ الْآَخِ فَقَدْضَلَّ ضَلَلا بَعِيدًا
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ فإن قيل فكيف قيل
لهم ﴿ ءَامِنُواْ﴾ وحُكِي عنهم أنهم آمنواً؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة :
أحدها : يا أيها الذين آمنوا بمن قبل محمد من الأنبياء آمنوا بالله ورسوله
ويكون ذلك خطاباً لليهود والنصارى .
الثاني : معناه يا أيها الذين آمنوا بأفواههم آمنوا بقلوبكم ، وتكون خطاباً
للمنافقين .
والثالث : معناه يا أيها الذين آمنوا داوموا على إيمانكم ، ويكون هذا خطاباً
للمؤمنين ، وهذا قول الحسن .
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْثُمَّ كَفَرُواْثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّكَفَرُواْثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ
لِيَغْفِرَلَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (٣٦) بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ◌ِ
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ
فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (٣) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَيَتِ الَّهِ
يُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَفْعُدُ واْمَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِ هِنَّكُمـ
إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّاللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِ جَهَنَّمَ جَمِيعًا
١٤٠
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ فيه ثلاثة
أقاويل :
أحدها : أنهم آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادة العجل ، ثم آمنوا بموسى بعد
عوده ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد وَله، وهذا قول قتادة .
٥٣٦

سورة النساء الآية - ١٤١
والثاني : أنهم المنافقون آمنوا ثم ارتدوا ، ثم آمنوا ثم ارتدواْ ، ثم ماتوا على
کفرهم ، وهذا قول مجاهد .
والثالث : أنهم قوم من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المؤمنين فكانوا يظهرون
الإِيمان ثم الكفر ثم ازدادوا كفراً بثبوتهم عليه ، وهذا قول الحسن . واختلف
لمكان هذه الآية في استتابة المرتد على قولين :
أحدهما : أن المرتد يستتاب ثلاث مرات بدلالة الآية ، فإن ارتد بعد الثلاث
قتل من غير استتابة ، وهذا قول علي .
والثاني : يستتاب كلما ارتد ، وهو قول الشافعي والجمهور .
الَّذِينَ يَتَرَّبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالْوَلْأَلَمْ تَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن
كَانَ لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُمْ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَّ
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
(١٤١
سَبِيلًا
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتْرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ يعني المنافقين .
﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوَاْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ أي فأعطونا من
الغنيمة .
وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِ ينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها : معناه ألم نستول عليكم بالمعونة والنصرة ونمنعكم من المؤمنين
بالتخذيل عنكم .
والثاني : معناه ألم نبين لكم أننا على دينكم ، وهذا قول ابن جريج .
والثالث : معناه ألم نغلب عليكم ، وهو قول السدي . وأصل الاستحواذ
الغلبة ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهُمُ الشَّيْطَانُ ﴾ يعني غلب عليهم .
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيْلاً﴾ فيه
قولان :
٥٣٧

سورة النساء الآية - ١٤٢، ١٤٣
أحدهما : يعني حُجّة ، وهذا قول السدي .
والثاني : سبيلاً في الآخرة ، وهذا قول عليّ ، وابن عباس .
إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ
﴿ ◌ُذَبِّذَ بِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ
كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَّهُ سَبِيلًا
١٤٣
قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ معنى
﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ أي يخادعون نبي الله بما يظهرونه من الإِيمان ويبطنونه من
الكفر، فصار خداعهم لرسول الله وَلتر خداعاً لله عز وجل .
وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ يعني الله تعالى ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني يعاقبهم على خداعهم ، فسمى الجزاء على الفعل
باسمه (٤٧٨).
والثاني : أنه أمر فيهم بأمر المُخْتَدِعِ لهم بما أمر به من قبول إيمانهم وإن
علم ما يبطنون من كفرهم .
والثالث : ما يعطيهم في الآخرة من النور الذي يمشون به مع المؤمنين ، فإذا
جاؤوا إلى الصراط طفىء نورهم ، فتلك خديعة الله إياهم .
وَإِذَا قَاموا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ يحتمل قولين:
أحدهما : متثاقلين .
والثاني : مقصّرين.
﴿ يُرَآؤُونَ النَّاسَ﴾ يعني أنهم يقصدون بما يفعلونه من البر رياء الناس دون
طاعة الله تعالى .
وَلَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّ قَلِيلاً﴾ فيه قولان :
أحدهما : الرياء ، لأنه لا يكون إلا ذكراً حقيراً ، وهو قول قتادة .
(٤٧٨) أنظر التعليق الذي سبق عند قوله تعالى في سورة البقرة :
﴿ الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾.
٥٣٨

سورة النساء الآية - ١٤٤ - ١٥٢
والثاني : يعني يسيراً لاقتصاره على ما يظهر من التكبير دون ما يخفي من
القراءة والتسبيح ، وإنما قَلّ من أجل اعتقادهم لا من قلة ذكرهم . قال الحسن :
لأنه كان لغير الله تعالى .
يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُ واْالْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ أَثْرِيدُونَ
إِنَّ الْمُفِقِينَ فِ الدَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ
١٤٤
أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا
مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُوا وَأُعْتَصَمُواْ
بِلَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ
الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ
وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا
(١٤٧
إِلَّا يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلٍِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا
١٤٨
إِن تُبْدُ واخَيْرً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (٣٦) إِنَّ
الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اْللَّهِ وَرُسُلِهِ،
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُ ونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ
سَبِيلًاٌ ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
١٥١
وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ
يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
١٥٢
قوله عز وجل: ﴿لَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوْءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّ مَنْ ظُلِمَ ﴾ فيه
أربعة تأويلات :
أحدها : يعني إلا أن يكون مظلوماً فيدعو على من ظلمه ، وهذا قول ابن
عباس .
٥٣٩

سورة النساء الآية - ١٥٣، ١٥٤
والثاني : إلا أن يكون مظلوماً فيجهر بظلم من ظلمه ، وهذا قول مجاهد .
والثالث : إلا من ظلم فانتصر من ظالمه ، وهذا قول الحسن ، والسدي .
والرابع : إلا أن يكون ضيفاً ، فينزل على رجل فلا يحسن ضيافته ، فلا بأس
أن يجهر بذمه ، وهذه رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد .
ثم قال بعد أن أباح الجهر بالسوء من القول لمن كان مظلوماً: ﴿إِن تُبْدُواْ
خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ ﴾ يعني خيراً بدلاً من السوء ، أو تخفوا السوء ،
وإن لم تبدوا خيراً اعفوا عن السوء ، كان أولى وأزكى ، وإن كان غير العفو مباحاً .
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى
أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْأَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَةُ بِظُلْمِهِمَّ ثُمَّ
أَتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تْهُمُ الْبَغِنَتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكٌ وَءَاتَيْنَا مُوسَى
وَرَفَعْنَافَوْقَهُمُ الُْوَرَ بِمِثَقِهِمْ وَقُلْنَالَهُمُ أَدْ خُلُوْ الْبَابَ سَُّدًا
١٥٣
سُلْطَانًّا مُبِينًا
وَقُلْنَالَمْ لَا تَعْدُواْ فِ السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَقًّا غَلًِّا
١٥٤)
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنْ السَّمَاءِ ﴾ فيه
ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن اليهود سألوا محمداً وَله ، أن ينزل عليهم كتاباً من السماء
مكتوباً ، كما نزل على موسى الألواح ، والتوراة مكتوبة من السماء ، وهذا قول
السدي ، ومحمد بن كعب .
والثاني : أنهم سألوه نزول ذلك عليهم خاصة ، تحكماً في طلب الآيات ،
وهذا قول الحسن ، وقتادة .
والثالث : أنهم سألوه أن ينزِّل على طائفة من رؤسائهم كتاباً من السماء
بتصديقه ، وهذا قول ابن جريج .
﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةٌ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الله تعالى بيَّن بذلك أن سؤالهم للإِعْنَاتِ لا للاستبصار كما
٥٤٠