Indexed OCR Text

Pages 341-360

سورة البقرة الآية - ٢٦٦
اُلْأَنْهَاُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءٍ فَأَصَابَهَآ
إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ
٢٦٦
تَتَفَكَّرُونَ
قوله تعالى: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ﴾ وهي البستان .
﴿ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابِ ﴾ لأنه من أنفس ما يكون فيها .
﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ لأن أنفسها ما كان ماؤها جارياً .
﴿ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ لأن الكِبَر قد يُنسِي من سعى الشباب في كسبه ، فكان
أضعف أملاً وأعظم حسرة .
وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ ﴾ لأنه على الضعفاء أَحَنّ ، وإشفاقه عليهم أكثر .
فَأَصَابَهَآَ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ﴾ وفي الإِعصار قولان :
أحدهما : أنه السَّمُوم الذي يقتل ، حكاه السدي .
والثاني : الإِعصار ريح تهب من الأرض إلى السماء كالعمود تسميها العامة
الزوبعة ، قال الشاعر :
إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً
.
وإنما قيل لها إعصار لأنها تُلْتَفُّ كالتفاف الثوب المعصور .
﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما : يوضح لكم الدلائل .
والثاني : يضرب لكم الأمثال .
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : تعتبرون ، لأن المفكر معتبر .
والثاني : تهتدون ، لأن الهداية التَّفَكُّر .
واختلفوا في هذا المثل الذي ضربه الله في الحسرة لسلب النعمة ، من
المقصود به ؟ على ثلاثة أقاويل :
٣٤١

سورة البقرة الآية - ٢٦٧ - ٢٦٩
أحدها : أنه مثل للمرائي في النفقة ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليها ،
قاله السدي .
والثاني : هو مثل للمفرِّط في طاعة الله لملاذّ الدنيا يحصل في الآخرة على
الحسرة العظمى ، قاله مجاهد .
والثالث : هو مثل للذي يختم عمله بفساد ، وهو قول ابن عباس .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَاكَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ
مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ فَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ
فِيهِ وَأَعْلَمُوَأَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدُ ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم
قد
بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ
يؤتى
٢٦٨
الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرً كَثِيرَ أُوَمَا
يَذَّكَرُ إِلَّا أُوْلُواْالْأَلْبَبِ
(٢٦٩
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُوا مِن طَيَِّاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ فيه أربعة
أقاويل :
أحدها : يعني به الذهب والفضة ، وهو قول عليّ عليه السلام .
والثاني : يعني التجارة ، قاله مجاهد .
والثالث : الحلال .
والرابع : الجيد .
﴿ وَمِمَّا أُخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ﴾ من الزرع والثمار.
وفي الكسب وجهان محتملان :
أحدهما : ما حدث من المال المستفاد .
والثاني : ما استقر عليه المِلك من قديم وحادث .
واختلفوا في هذه النفقة على قولين :
أحدهما : هي الزكاة المفروضة قاله عبيدة السلماني .
٣٤٢

سورة البقرة الآية - ٢٦٧ - ٢٦٩
والثاني : هي في التطوع ، قاله بعض المتكلمين .
وَلَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾ التيمم : التعمد ، قال الخليل : تقول
أَمَمْتُه إذا قصدت أَمَامَه ، ويَمَّمْتُه إذا تعمدته من أي جهة كان ، وقال غيره : هما
سواء ، والخبيث : الرديء من كل شيء ، وفيه هنا قولان :
أحدهما : أنهم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة ، فنزلت هذه
الآية ، وهو قول عليٍّ ، والبراء بن عازب.
والثاني : أن الخبيث هو الحرام ، قاله ابن زید .
﴿وَلَسْتُم بِآَخِذِيهِ إِلَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : إلا أن تتساهلوا ، وهو قول البراء بن عازب .
والثاني : إلا أن تحطوا في الثمن ، قاله ابن عباس .
والثالث : إلا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة قاله الزجاج .
والرابع: إلا أن ترخصوا لأنفسكم فيه ، قاله السدي ، وقال الطَّرِمّاح :
ـم رجال يرضون بالإِغماض (٣٦٠)
لم یفتنا بالتر قوم وللضي
قوله عز وجل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) وهو ما خوّف من الفقر إن أنفق أو
تصدق .
وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : بالشح .
والثاني : بالمعاصي .
وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما(*) :.... لكم .
والثاني : عفواً لكم .
﴿ وَفَضْلاً ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : سعة الرزق .
(٣٦٠) ديوانه (٨٦ ).
(*) بياض في الأصل يحتمل لفظة واحدة .
٣٤٣

سورة البقرة الآية - ٢٦٧ - ٢٦٩
والثاني : مضاعفة العذاب .
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ رُوِيَ أن النبيِ نَّهِ قال: ((إِنَّ لِلشَّيطَانِ لَمَّةً مِن ابنِ
آدَم، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيطَانِ فَإِعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ
الْمَلَكِ فَإِعَادٌ بِالْخَيرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ وَلْيَحْمِدِ
اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخَرَ فَلْيَتَعَوَّذِ بِاللَّهِ))(٣٦١). ثم تلا هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يُشَاءُ﴾ في الحكمة سبعة تأويلات :
أحدها : الفقه في القرآن ، قاله ابن عباس .
والثاني : العلم بالدين ، قاله ابن زيد .
والثالث : النبوّة .
والرابع : الخشية ، قاله الربيع .
والخامس : الإِصابة ، قاله ابن أبي نجيح عن مجاهد .
والسادس : الكتابة(*) ، قاله مجاهد .
(٣٦١) رواه الترمذي (٧٧/٤ - ٧٨) وابن حبان في صحيحه (١٧١/٢) وابن جرير (٥٧١/٥)
والنسائي في التفسير في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١٣٩/٧) وابن أبي حاتم كما نقله ابن كثير
(٣٢١/١).
كلهم من حديث أبي الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة عن ابن مسعود مرفوعاً وقال الترمذي : هذا
حديث حسن غريب. وفي نسخة قال: حسن صحيح غريب وهو من حديث أبي الأحوص لا نعرفه
مرفوعاً إلا من حديث أبي الأحوص ورمز له صاحب الجامع الصغير بالصحة (٤٩٩/٢ ) فيض
القدير .
وضَعَّفَ الحديثَ الألبانيُّ بعطاء بن السائب لأنه كان قد اختلط، في المشكاة (٢٨/١) والجامعِ
الصغير (٢٨٥/٢) وقول الترمذي السابق إِعلَال منه للحديث المرفوع لأن الحديث قد ورد موقوفاً
على ابن مسعود رضي الله عنه رواه الطبري بأسانيدَ صحيحة برقم ( ٦١٧٢، ٦١٧٣، ٦١٧٤،
٦١٧٥، ٦١٧٦) وكذا أشار الحافظ ابن كثير إلى إعلال المرفوع بما ورد عن ابن مسعود موقوفاً من
طريق عطاء بن السائب كما عند الطبري وابن مردويه ونقله ابن كثير (٣٢١/١).
وأيّما كان فإن هذا الحديث مما لا يدخله الرأي ولا يعلم بالاجتهاد .
وسبيل معرفة مثل هذا الوحي فهذا الحديث من المرفوع حكماً الموقوف لفظاً، اللمة هي الهمة، والخطرة
تقع في القلب أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه فما كان من خطرات القلب فهو من الملك
وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان .
انظر النهاية لابن الأثير (٧٢/٤ )
(*) وفي نسخة: الفهم بدل الكتابة ومنسوباً إلى إبراهيم النخعي .
٣٤٤

سورة البقرة الآية - ٢٧٠ - ٢٧٢
والسابع : العقل ، قاله زيد بن أسلم .
ويحتمل ثامناً : أن تكون الحكمة هنا صلاح الدين وإصلاح الدنيا .
وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْنَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا
إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن
٧٠
صِلے
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ
تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمٌ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
٢٧
قوله عز وجل : ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمًا هِيَ ﴾ يعني أنه ليس في إبدائها
كراهية .
﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه يعود إلى صدقة التطوع ، يكون إخفاؤها أفضل ، لأنه من
الرياء أبعد ، فأما الزكاة فإبداؤها أفضل ، لأنه من التهمة أبعد ، وهو قول ابن
عباس ، وسفيان .
والثاني : أن إخفاء الصدقتين فرضاً ونفلاً أفضل ، قاله يزيد بن أبي
حبيب(*) ، والحسن ، وقتادة .
﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن ( مِنْ ) زائدة تقديرها : ويكفر عنكم سيئاتكم .
والثاني : أنها ليست زائدة وإنما دخلت للتبعيض ، لأنه إنما يكفر بالطاعة من
غير التوبة الصغائر ، وفي تكفيرها وجهان :
أحدهما : يسترها عليهم .
والثاني : يغفرها لهم .
لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءٌ وَمَا تُنفِقُواْ
مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ
(*) وفي نسخه : یزید بن أبي زيد .
٣٤٥

سورة البقرة الآية - ٢٧٢ - ٢٧٤
مِنْ خَيْرِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [َ لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِلَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ
إِلْحَافَأْوَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيُ الََّالَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ وَالتَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا
خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
(٢٧٤
قوله عز وجل: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قيل هم فقراء
المهاجرين ، وفي أحصروا أربعة أقاويل :
أحدها : أنهم منعوا أنفسهم من التصرف للمعاش خوف العدو من الكفار ،
قاله قتادة ، وابن زید .
والثاني : منعهم الكفار بالخوف منهم ، قاله السدي .
والثالث : منعهم الفقر من الجهاد .
والرابع : منعهم التشاغل بالجهاد عن طلب المعاش .
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعني تصرفاً ، قاله ابن زيد .
والثاني : يعني تجارة ، قاله قتادة ، والسدي .
﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفَّفِ ﴾ يعني من قلة خبرته بهم، ومن
التعفف : يعني من التقنع والعفة والقناعة .
◌ِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ السمة: العلامة، وفي المراد بِهَا هُنَّا قولان:
أحدهما : الخشوع ، قاله مجاهد .
والثاني : الفقر ، قاله السدي .
﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ فيه وجهان:
أحدهما : أن يسأل وله كفاية .
٣٤٦

سورة البقرة الآية - ٢٧٥
والثاني : أنه الاشتمال بالمسألة ، ومنه اشتق اسم اللحاف . فإن قيل : فهل
كانوا يسألون غير إلحاف ؟ قيل : لا؛ لأنهم كانوا أغنياء من التعفف ، وإنما تقدير
الكلام لا يسألون فيكون سؤالهم إلحافاً .
قال ابن عباس في أهل الصُفَّة من المهاجرين : لم يكن لهم بالمدينة منازل
ولا عشائر وكانوا نحو أربعمائة .
قوله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَنِيَةً فَلَّهُمْ
أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ اختلفوا في سبب نزولها على
ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في عليٍّ كرم الله وجهه ، كانت معه أربعة دراهم فأنفقها
على أهل الصفّة ، أنفق في سواد الليل درهماً، وفي وضح النهار درهماً ، وسراً
درهماً ، وعلانية درهماً ، قاله ابن عباس ..
والثاني : أنها نزلت في النفقة على الخيل في سبيل الله لأنهم ينفقون بالليّل
والنهار سِرًّا وعلانية ، قاله أبو ذر ، والأوزاعي .
والثالث : أنها نزلت في كل مَنْ أنفق ماله في طاعة الله .
ويحتمل رابعاً : أنها خاصة في إباحة الارتفاق بالزروع والثمار ، لأنه يرتفق
بها كل مار في ليل أو نهار ، في سر وعلانية ، فكانت أعم لأنها تؤخذ عن الإِرادة
وتوافق قدر الحاجة .
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرّبَوْلَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسِنَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوَ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِبَوَأْ وَأَحَلَّ الَهُالْبَيْعَ وَحَزَّمَ
الْرّبَوْ فَمَن جَاءَ هُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَ مَنْ
عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٢٧٥
قوله عز وجل : ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ آلرِّبَا﴾ يعني يأخذون الربا فعبر عن الأخذ
بالأكل لأن الأخذ إنما يراد للأكل ، والربا : هو الزيادة من قولهم : ربا السويق يربو
إذا زاد ، وهو الزيادة على مقدار الدَّيْنِ لمكان الأجل .
٣٤٧

سورة البقرة الآية - ٢٧٥
﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يعني من
قبورهم يوم القيامة ، وفيه قولان :
أحدهما : كالسكران من الخمر يقطع(*) ظهراً لبطن ، ونسب إلى الشيطان
لأنه مطيع له في سكره .
والثاني : قاله ابن عباس ، وابن جبير ، ومجاهد ، والحسن : لا يقومون يوم
القيامة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ ، يعني الذي
يخنقه الشيطان في الدنيا من المس ، يعني الجنون ، فيكون ذلك في القيامة علامة
لأكل الربا في الدنيا .
واختلفوا في مس الجنون ، هل هو بفعل الشيطان ؟
فقال بعضهم : هذا من فعل الله بما يحدثه من غلبة السوداء فيصرعه ، ينسب
إلى الشيطان مجازاً تشبيهاً بما يفعله من إغوائه الذي يصرعه .
وقال آخرون : بل هو من فعل الشيطان بتمكين الله له من ذلك في بعض
الناس دون بعض ، لأنه ظاهر القرآن وليس في العقل ما يمنعه .
﴿ ذَلِكَ بَأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ قيل إنه يعني ثقيفاً لأنهم كانوا أكثر
العرب رباً، فلمّا نهوا عنه قالوا : كيف ننهى عن الربا وهو مثل البيع فحكى الله
تعالى ذلك عنهم ، ثم أبطل ما ذكروه من التشبيه بالبيع فقال تعالى :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرُّبَا﴾ وللشافعي في قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
وَحَرَّمَ آلرِّبَا ﴾ ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها من العامِّ الذي يجري على عمومه في إباحة كل بيع وتحريم
كل ربا إلا ما خصهما دليل من تحريم بعض البيع وإحلال بعض الربا ، فعلى
هذا اختلف في قوله ، هل هو من العموم الذي أريد به العموم ، أو من العموم
الذي أريد به الخصوص على قولين :
أحدهما : أنه عموم أريد به العموم وإن دخله دليل التخصيص .
والثاني : أنه عموم أريد به الخصوص .
(٥) كذا في الأصل ولعله يقع .
٣٤٨

سورة البقرة الآ ية - ٢٧٥
وفي الفرق بينهما وجهان :
أحدهما : أن العموم الذي أريد به العموم : أن يكون الباقي من العموم من
بعد التخصيص أكثر من المخصوص ، والعموم الذي أريد به الخصوص أن يكون
الباقي منه بعد التخصيص أقل من المخصوص .
والفرق الثاني : أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدِّم على اللفظ ، وأن ما
أريد به العموم متأخر عن اللفظ ومقترن به ، [هذا] أحد أقاويله :
والقول الثاني : أنه المجمل الذي لا يمكن [ أن ] يستعمل في إحلال بيع أو
تحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنّة الرسول ، وإن دل على إباحة البيوع في
الجملة دون التفصيل .
وهذا فرق ما بين العموم والمجمل ، أن العموم يدل على إباحة البيوع في
الجملة ولا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان .
فعلى هذا القول أنها مجملة اختلف في إجمالها ، هل هو لتعارض فيها أو
المعارضة غيرها لها على وجهين :
أحدهما : أنه لمّا تعارض ما في الآية من إحلال البيع وتحريم الربا وهو بيع
صارت بهذا التعارض مجملة وكان إجمالها منها .
والثاني : أن إجمالها بغيرها لأن السنّة منعت من بيوع وأجازت بيوعاً فصارت
بالسنة مجملة .
وإذا صح إجمالها فقد اختلف فيه : -
هل هو إجمال في المعنى دون اللفظ ، لأن لفظ البيع معلوم في اللغة وإنما
الشرع أجمل المعنى والحكم حين أحل بيعاً وحرّم بيعاً .
والوجه الثاني : أن الإِجمال في لفظها ومعناها ، لأنه لما عدل بالبيع عن
إطلاقه على ما استقر عليه في الشرع فاللفظ والمعنى محتملان معاً ، فهذا شرح
القول الثاني .
والقول الثالث : أنها داخلة في العموم والمجمل ، فيكون عموماً دخله
التخصيص ، ومجملاً لحقه التفسير ، لاحتمال عمومها في اللفظ وإجمالها في
٣٤٩

سورة البقرة الآية - ٢٧٦، ٢٧٧
المعنى ، فيكون اللفظ عموماً دخله التخصيص ، والمعنى مجملاً لحقه التفسير .
والوجه الثاني: أن عمومها في أول الآية من قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
آلرِّبًا﴾، وإجمالها في آخرها من قوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فيكون أولها عاماً دخله
التخصيص ، وآخرها مجملاً لحقه التفسير .
والوجه الثالث : أن اللفظ كان مجملاً، فلما بَيِّنَهُ الرسول صار عاماً ، فيكون
داخلاً في المجمل قبل البيان ، في العموم بعد البيان .
ثم قال تعالى : ﴿ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّه فَانتَهَىْ ﴾ في الموعظة وجهان :
أحدهما : التحريم .
والثاني : الوعيد .
فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ قاله السدي : يعني ما أکل من الربا لا يلزمه رَدُّه .
◌ٍ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما : في المحاسبة والجزاء .
والثاني : في العفو والعقوبة .
وقيل فيه وجه ثالث : في العصمة والتوفيق .
وقيل فيه وجه رابع : فأمره إلى الله والمستقل في تثبيته على التحريم أو انتقاله
إلى الاستباحة .
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَواْ وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيٍ [٣٦) إِنَّالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِندَ رَبِّهِمْ وَلَخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ
٢٧٧
قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ أي ينقصه شيئاً بعد شيء، مأخوذ من
محاق الشهر لنقصان الهلال فيه ، وفيه وجهان :
أحدهما : يبطله يوم القيامة إذا تصدق به في الدنيا .
والثاني : يرفع البركة منه في الدنيا مع تعذيبه عليه في الآخرة .
٣٥٠

سورة البقرة الآية - ٢٧٨ - ٢٨١
وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : يثمر المال الذي خرجت منه الصدقة .
والثاني : يضاعف أجر الصدقة ويزيدها ، وتكون هذه الزيادة واجبة بالوعد لا
بالعمل .
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كَلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ في الكَفَّار وجهان :
أحدهما : الذي يستر نعم الله ويجحدها .
والثاني : هو الذي يكثر فعل ما يكفر به .
وفي الأثيم وجهان :
أحدهما : أنه من بَيَّت الإِثم .
والثاني : الذي يكثر فعل ما يأثم به .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُ واْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوَأْ إِن كُنْتُمْ مُؤْ مِنِينَ
٢٧٨
فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَهُ
٢١
أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ
إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌلَكُمٌ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (*) وَأَتَّقُواْيَوْمًا
تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَلَى كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَهُونَ
٢٨١
قوله عز وجل: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : يأيها الذين أمنوا بألسنتهم اتقوا الله بقلوبكم .
والثاني : يأيها الذين أمنوا بقلوبهم اتقوا الله في أفعالكم .
وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ آلرِّبَا﴾ فيمن نزلت هذه الآية قولان:
أحدهما : أنها نزلت في ثقيف وكان بينهم وبين عامر وبني مخزوم ،
فتحاكموا فيه إلى عتاب بن أسيد بمكة وكان قاضياً عليها من قِبَل رسول الله وَل
فقالوا : دخلنا في الإِسلام على أن ما كان لنا من الربا فهو باق ، وما كان علينا فهو
موضوع ، فنزل ذلك فيهم وكتب به رسول الله وَ لقر إليهم .
٣٥١

سورة البقرة الآية - ٢٧٨ - ٢٨١
والثاني أنها نزلت في بقية من الربا كانت للعباس ومسعود وعبد ياليل وحبيب
ابن ربيعة عند بني المغيرة.
قوله عز وجل: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ آلرِّبَا﴾ محمول على أن مَنْ أربى قبل
إسلامه ، وقبض بعضه في كُفْرِه وأسلم وقد بقي بعضه ، فما قبضه قبل إسلامه معفو
عنه لا يجب عليه رد ، وما بقي منه بعد إسلامه ، حرام عليه لا يجوز له أخذه ،
فأما المراباة بعد الإِسلام فيجب رَدُّه فيما قبض وبقي ، فيرد ما قبض ويسقط ما
بقي ، بخلاف المقبوض في الكفر ، لأن الإِسلام يجبُّ ما قبله .
وفي قوله تعالى : ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ قولان :
أحدهما : يعني أن من كان مؤمناً فهذا حكمه .
والثاني : معناه إذا كنتم مؤمنين .
قوله عز وجل : ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا ﴾ يعني ترك ما بقي من الربا .
◌ِ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر
فآذنوا بالمد ، بمعنى : فأعلِموا غيركم ، وقرأ الباقون بالقَصْر بمعنى فاعلموا أنتم ،
وفيه وجهان :
أحدهما : إن لم تنتهوا عن الربا أمرت النبي بحربكم .
والثاني : إن لم تنتهوا عنه فأنتم حرب الله ورسوله ، يعني أعداءه .
◌ٍ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ ﴾ يغني التي دفعتم ﴿لَا تَظْلِمُونَ ﴾ بأن
تأخذوا الزيادة على رؤوس أموالكم ، ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ بأن تُمْنَعُوا رؤوس
أموالكم .
قوله عز وجل: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَتَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ قيل إن في قراءة
أَبَيِّ ﴿ ذَا عُسْرَةٍ ﴾ وهو جائز في العربية .
وفيه قولان :
أحدهما : أن الإِنظار بالعسرة واجب في دَيْن الربا خاصّة ، قاله ابن عباس ،
والثاني : أنه عام يجب إنظاره بالعسرة في كل دَيْن ، لظاهر الآية ، وهو قول
وشريح .
٣٥٢

سورة البقرة الآية - ٢٧٨ - ٢٨١
عطاء ، والضحاك ، وقيل إن الإِنظار بالعسرة في دَيْن الربا بالنص ، وفي غيره من
الدیون بالقياس .
وفي قوله : ﴿ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ قولان:
أحدهما : مفعلة من اليسر ، وهو أن يوسر ، وهو قول الأكثرين .
والثاني : إلى الموت ، قاله إبراهيم النخعي .
﴿وَأَن تَصْدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ يعني وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدَيْن
خير لكم من أن تُنظروه ، روى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال : كان
آخر ما نزل من القرآن آية الربا(٣٦٢)، فدعوا الربا والرُّبْية، وإن نبي الله وَّ قبض
قبل أن يفسرها .
قوله عز وجل: ﴿وَأَتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ أي اتقوا بالطاعة فيما
أمرتم به من ترك الربا وما بقي منه .
و﴿ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ فيه قولان:
أحدهما : يعني إلى جزاء الله .
والثاني : إلى ملك الله .
ثُمَّ تُوَقَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : جزاء ما كسبت من الأعمال .
والثاني : ما كسبت من الثواب والعقاب .
﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ يعني بنقصان ما يستحقونه من الثواب ، ولا بالزيادة
على ما يستحقونه من العقاب .
(٣٦٢) رواه الطبري عن الشعبي عن عمر (٣٨/٦) وسنده منقطع بين الشعبي وعمر فإن الشعبي لم يلق عمر
وقد رواه البخاري (٢٠٥/٨) فتح عن الشعبي عن ابن عباس بلفظ: ((آخر آية نزلت على النبي صَلّ آية
الربا)) قال الحافظ رحمه الله المراد بالآخرية في الربا تأخر نزول الآيات المتعلقة به من سورة البقرة وأما
حكم تحريم الربا فنزوله سابق لذلك بمدة طويلة على ما يدل عليه قوله تعالى في آل عمران في أثناء
قصة أحد: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة﴾ ... الآية أ. هـ. (٢٠٥/٨) فتح
قلت: والرواية التي ذكرها المؤلف هنا رواها الطبري (٣٧/٦) وسندها منقطع لأن سعيداً بن المسيب
لم يلق عمر كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص ٢٦ - ٢٧ وقد روى الحديث غير الطبري كَثِيرٌ فانظره
في الدر (١ : ٣٦٥).
٣٥٣

سورة البقرة الآية - ٢٨٢
روى ابن عباس أن آخر آية نزلت على النبي وَلٍ (٣٦٣) هذه الآية . قال ابن
عباس : مكث بعدها سبع ليال .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ
وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِلْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ
فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ
شَيْئًا فَإِنِ كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهَا أَوْضَعِيفًا أَوْلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِّ وَاسْتَشْهِدُ واْ شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمِّ فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا
رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا
فَتُذَكِّرَ إِحْدَنهُمَا الْأُخْرَىُّ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَادُعُواْ وَلَا تَسْحَمُواْ أَنْ
تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْكَبِيرًا إِلَ أَجَلِّهِ ذَالِكُمْ أَفْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ
وَأَدْنَّ أَلَّا تَرْتَابُواْإِلَّ أَن تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَلَّاتَكْفُبُوهَاً وَأَشْهِدُ وَ أْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَ كَاتِبٌ وَلَا
شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقُ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَاْ تَدَايَتُم بِدَيْنٍ﴾ إلى آخر الآية . في
تداینتم ﴾ تأويلان :
أحدهما : تجازيتم .
والثاني : تعاملتم .
وفي ﴿ فَاكْتُبُوهُ ﴾ قولان :
أحدهما : أنه ندب ، وهو قول أبي سعيد الخدري ، والحسن ، والشعبي .
(٣٦٣) تقدم تخريجه في الأثر الذي قبله .
٣٥٤

سورة البقرة الآية - ٢٨٢
والثاني : أنه فرض ، قاله الربيع ، وكعب .
﴿ وَلْيَكْتُبِ بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾ وعَدْل الكاتب ألّ يزيد [فيه ] إضراراً بمن
هو عليه ، ولا ينقص منه ، إضراراً بمن هو له.
وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ﴾ وفيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه فرض على الكفاية كالجهاد ، قاله عامر .
والثاني : أنه واجب عليه في حال فراغه ، قاله الشعبي أيضاً .
والثالث : أنه ندب ، قاله مجاهد .
والرابع : أن ذلك منسوخ بقوله تعالى : ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾،
قاله الضحاك .
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ﴾ يعني على الكاتب ، ويقرُّ به عند الشاهد .
وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ أي لا ينقص منه شيئاً .
فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أنه الجاهل بالصواب فيما عليه أن يملّه على الكاتب ، وهو قول
مجاهد .
والثاني : أنه الصبي والمرأة ، قاله الحسن :
والثالث : أنه المبذر لماله ، المُفْسِد في دينه ، وهو معنى قول الشافعي . .
والرابع : الذي يجهل قدر المال ، ولا يمتنع من تبذيره ولا يرغب في
تثميره .
﴿ أَوْ ضَعِيفاً ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أنه الأحمق ، قاله مجاهد ، والشعبي .
والثاني : أنه العاجز عن الإِملاء إما بِعِيٍّ أو خُرْسٍ ، قاله الطبري .
﴿ أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها : أنه العبيّ الأخرس ، قاله ابن عباس .
والثاني : أنه الممنوع عن الإِملاء إما بحبس أو عيبة .
٣٥٥

سورة البقرة الآية - ٢٨٢
والثالث : أنه المجنون .
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : وليّ مَنْ عليه الحق ، وهو قول الضحاك ، وابن زيد .
والثاني : وليّ الحق ، وهو صاحبه ، قاله ابن عباس ، والربيع .
وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : من أهل دينكم .
والثاني : من أحراركم ، قاله مجاهد .
فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ﴾ یعني فإن لم تكن البينة برجلین ،
فبرجل وامرأتين ﴿ مِّمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنهم الأحرار المسلمون العدول ، وهو قول الجمهور .
والثاني : أنهم عدول المسلمين وإن كانوا عبيداً ، وهو قول شريح ، وعثمان
البتّ ، وأبي ثور .
﴿ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : لئلا تضل ، قاله أهل الكوفة .
والثاني : كراهة أن تضل ، قاله أهل البصرة .
وفي المراد به وجهان :
أحدهما : أن تخطىء .
والثاني : أن تَنْسَى ، قاله سيبويه .
فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أنها تجعلها كَذَكَرٍ (*) من الرجال ، قاله سفيان بن عيينة .
والثاني : أنها تذكرها إن نسيت ، قاله قتادة ، والسدي ، والضحاك ، وابن
زيد .
◌ٍ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
(*) وهذا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو زاد المسير (
) الحجة في القراءات ()
٣٥٦

سورة البقرة الآية - ٢٨٢
أحدها : لتحَمُّلها وإثباتها في الكتاب ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والربيع .
والثاني : لإِقامتها وأدائها عند الحاكم ، قاله مجاهد ، والشعبي ، وعطاء .
والثالث : أنها للتحمل والأداء جميعاً ، قاله الحسن .
واختلفوا فيه على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه ندب وليس بفرض ، قاله عطاء ، وعطية العوفي .
والثاني : أنه فرض على الكفاية ، قاله الشعبي .
والثالث : أنه فرض على الأعيان ، قاله قتادة ، والربيع .
وَلَا تَسْأَّمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَىْ أَجْلِهِ ﴾ وليس يريد بالصغير ما
كان تافهاً حقيراً كالقيراط والدانق لخروج ذلك عن العرف المعهود .
ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ﴾ أي أعدل، يقال: أَقْسَطَ إذا عَدَلَ فهو مُقْسِط ،
قال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] وقَسَطَ إذا جار،
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٤].
وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أصحُّ لها ، مأخوذ من الاستقامة .
والثاني : أحفظ لها ، مأخوذ من القيام ، بمعنى الحفظ .
﴿ وَأَدْنَىْ أَلَّ تَرْتَابُواْ﴾ يحتمل وجهين(*):
أحدهما : ألا ترتابوا بِمَنْ عليه حق أن ينكره .
والثاني : ألّ ترتابوا بالشاهد أن يضل .
إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الحاضرة ما تعجّل ولم يداخله أجل في مبيع ولا ثمن .
والثاني : أنها ما يحوزه المشتري من العروض المنقولة.
﴿ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : تتناقلونها من ید إلی ید .
(*) وفي نسخة أمرين.
٣٥٧

سورة البقرة الآية - ٢٨٣
والثاني : تكثرون تبايعها في كل وقت .
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّ تَكْتُبُوهَا﴾ يعني أنه غير مأمور بكتْبِه وإن كان
مباحاً .
﴿ وَأَشْهِدُوَآَ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ فيه قولان:
أحدهما : أنه فرض ، وهو قول الضحاك ، وداود بن علي .
والثاني : أنه ندب ، وهو قول الحسن ، والشعبي ، ومالك ، والشافعي .
﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن المضارة هو أن يكتب الكاتب ما لم يُمْل عليه ، ويشهد الشاهد
بما لم يُستشهد ، قاله طاووس، والحسن، وقتادة.
والثاني : أن المضارّة أن يمنع الكاتب أن يكتب ، ويمنع الشاهد أن يشهد ،
قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء .
والثالث : أن المضارّة أن يدعى الكاتب والشاهد وهما مشغولان معذوران ،
قاله عكرمة ، والضحاك ، والسدي ، والربيع .
ويحتمل تأويلاً رابعاً : أن تكون المضارّة في الكتابة والشهادة .
﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أن الفسوق المعصية ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك .
والثاني : أنه الكذب ، قاله ابن زيد .
ويحتمل ثالثاً : أن الفسوق المأثم.
وَإِنَ كُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُ واْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم
بَعْضًا فَلْيُوَّةِ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَرَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةً وَمَن
يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: ءَاثٌِّ قَلْبُهُ, وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
قوله عز وجل: ﴿ وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ﴾ قرأ
ابن كثير ، وأبو عمرو : فرُهُن ، وقرأ الباقون فرِهَانٌ ,
٣٥٨

سورة البقرة الآية - ٢٨٤
وفيها قولان :
أحدهما : أن الرُّهُن في الأموال، والرِّهَان في الخيل .
والثاني : أن الرِّهَان جمع، والرُهُن جمع الجمع مثل ثمار وثمر، قاله
الكسائي ، والفراء .
وفي قوله : ﴿ مَّقْبُوضَةٌ ﴾ وجهان :
أحدهما : أن القبض من تمام الرهن ، وهو قبل القبض غير تام ، قاله
الشافعي ، وأبو حنيفة .
والثاني : لأنه من لوازم الرهن ، وهو قبل القبض تام ، قاله مالك .
وليس السفر شرطاً في جواز الرهن ، لأن النبي ◌َّ رَهَنَ دِرْعَه عند أبي
الشحم اليهودي (٣٦٤) بالمدينة وهي حَضَرٌ ، ولا عَدَمُ الكاتب والشاهد شرطاً فيه لأنه
زيادة وثيقة .
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً ﴾ يعني بغير كاتب ولا شاهد ولا رهن .
فَلْيُؤَدِّ الَّذِي أَؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ يعني في أداء الحق وترك المُطْل به .
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ في ألا يكتم من الحق شيئاً .
وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : معناه فاجر قلبه ، قاله السدي .
والثاني : مكتسب لإِثم الشهادة .
لِلَهِّمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُوا مَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ
يُحَاسِبِكُمْ بِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
(٣٦٤) رواه البخاري (١٠٠/٥) ومسلم (رقم ١٦٠٣) والنسائي (٢٨٨/٧) كلهم من حديث أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها . ولفظه .
((اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل، ورهنه درعاً له من حديد)). وللحديث روايات أخرى وألفاظ
أخرى وقد عقد العلامة ابن قتيبة في كتابه تأويل مختلف الحديث بحثاً حول هذا الحديث فانظره
عنه .
٣٥٩

سورة البقرة الآية - ٢٨٤، ٢٨٥
ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّءَا مَنَ بِاللَّهِ
قَدِيُ
(٢٨٤
وَمَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَاتُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
٢٨٥
قوله عز وجل: ﴿لَلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾ في إضافة ذلك
إلى الله تعالى قولان :
أحدهما : أنه إضافة تمليك تقديره : الله يملك ما في السموات وما في
الأرض .
والثاني : معناه تدبير ما في السموات وما في الأرض .
﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ﴾ إبداءُ ما في النفس
هو العمل بما أضمروه ، وهو مُؤَاخَذ به ومُحَاسَب عليه ، وأما إخفاؤه فهو ما أضمره
وحدّث به نفسه ولم يعمل به .
وفيما أراد به قولان :
أحدهما : أن المراد به كتمان الشهادة خاصة ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ،
والشعبي .
والثاني : أنه عام في جميع ما حدَّث به نفسه من سوء، أو أضمر من
معصية ، وهو قول الجمهور .
واختلف في هذه الآية ، هل حكمها ثابت في المؤاخذة بما أضمره وحدَّث به
نفسه ؟ أو منسوخ ؟ على قولين :
أحدهما : أن حكمها ثابت في المؤاخذة بما أضمره ، واختلف فيه من قال
بثبوته على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن حكمها ثابت على العموم فيما أضمره الإِنسان فیؤاخِذ به من
يشاء ، ويغفر لمن يشاء ، قاله ابن عمر ، والحسن .
والثاني : حكمها ثابت في مؤاخذة الإِنسان بما أضمره وإن لم يفعله ، إلا أنَّ
الله يغفره للمسلمين ويؤاخذ به الكافرين والمنافقين ، قاله الضحاك ، والربيع ،
٣٦٠