Indexed OCR Text
Pages 141-160
سورة البقرة الآية - ٧١،٧٠ ﴿ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ والإثارة تفريق الشيء ، أي ليست مما يثير الأرض للزرع ، ولا يسقى عليها الزرع(*). [ وقيل يثير فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث لها وأنها كانت تحرث ولا تسقى ]. وليس هذا الوجه بشيء ، بل نفي عنها جميع ذلك . مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ﴾ وفي ذلك أربعة تأويلات : أحدها : مُسَلَّمَةٌ من العيوب ، وهذا قول قتادة ، وأبي العالية . والثاني : مُسَلَّمَةٌ من العمل . والثالث : مُسَلَّمَةٌ من غصب وسرقة ، فتكون حلالاً. والرابع : مُسَلّمَةٌ من ..... ( ** ). وفي ﴿ شِيَّةَ ﴾ ثلاثة أوجه : أحدها : ليس فيها علامة خاصة ، حكاه السدي . والثاني : أنه ليس فيها لون ، يخالف لونها من سواد أو بياض . والثالث : أنه الوضّح وهو الجمع بين ألوان من سواد وبياض . وأصله من وشي الثوب ، وهو تحسين عيوبه بألوان مختلفة ، ومنه قيل للساعي بالرجل عند السلطان واشٍ ، لأنه يحسّن كذبه عنده ، حتى يقبله منه . .: قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : الآن بَيْنْت الحق ، وهو قول قتادة . والثاني : معناه أنه حين بيّنها لهم ، قالوا هذه بقرة فلان ، الآن جئت بالحق فيها ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد . وفي قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ تأويلان: أحدهما : أنهم كادوا ألّ يفعلوا لغلاء ثمنها، لأنهم اشتروها على ما حَكَىْ (*) ما بين المعكوفين زيادة . ( ** ) هنا كلمة مطموسة. ١٤١ سورة البقرة الآية - ٧٣،٧٢ ابن عباس ، ومحمد بن كعب : بملء مَسْكها ذهباً من مال المقتول . وقيل بوزنها عشر مرات . والثاني : أنهم كادوا ألّ يفعلوا خوفاً من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل ، وهذا قول وهب ، وقال عكرمة : ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير . وقيل : كانت البقرة وحشية . وَإِذْ قَثَلْتُمْ نَفْسًا فَأَذَّرَهْ تُمْ فِيهَا وَاَللَّهُ مُخْرِجُ مَّاكُمْ تَكْتُمُونَ( فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ ٧٢ بِبَعْضِهَأَ كَذَلِكَ يُحِىِ اللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيِكُمْءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٧٣ قوله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ﴾ يعني مَنْ قتل الإِسرائيلي ؟ الذي قتله ابن أخيه ، وفي سبب قتله قولان : أحدهما : لبنت له حسناء ، أحب أن يتزوجها . والثاني : طلباً لميراثه ، وادعى قتله على بعض الأسباط . وفي قوله تعالى: ﴿ ... فَادَّارَأْتُمْ فيها ﴾ ثلاثة أوجه : أحدها : أنّ الدَّرْءَ الاعوجاج ، ومنه قول الشاعر : وداووا بالجنون من الجنون(*) أمسكت عنهم درء الأعادي يعني اعوجاج الأعادي . والثاني : وهو المشهور ، أن الدرء المدافعة ، ومعناه أي تدافعتم في القتل ، ومنه قول رؤبة بن العجاج : أدركتها قدام كل مدره بالدفع عني درء كل منجه(١٨٧) والثالث : معناه اختلفتم وتنازعتم ، قاله السدي ، وقيل إن هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة ، فهي متقدمة في الخطاب على قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مَوسَىْ لِقَومِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُم﴾ الآية. لأنهم أَمِّرُوا بذبحها، بعد قتلهم ، واختلفوا في قاتله . (١٨٧) ديوانه ١٦٦ . ١٤٢ سورة البقرة الآية - ٧٣،٧٢ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي والله مظهر ما كنتم تُسِرّون من القتل، فعند ذلك قال النبي ◌ِّ: ((لَو أَنَّ أَحَدَكُم يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ لَهَا بَابٌ، لَأَخْرَجَ اللَّهُ عَمَلَهُ))(١٨٨). قوله تعالى : ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ اختلف العلماء في البعض الذي ضُرِبَ به القتيلُ من البقرة ، على خمسة أقاويل : أحدها : أنه ضُرِبَ بفخذ البقرة ، وهذا قول مجاهد ، وعكرمة وقتادة . والثاني : أنه ضُرِبَ بالبضعة التي بين الكتفين ، وهذا قول السدي . والثالث : أنه ضُرِبَ بعظم من عظامها ، وهذا قول أبي العالية . والرابع : أنه ضُرِب بأذنها ، وهذا قول ابن زيد . والخامس : أنه ضُرب بعجب ذنبها ، وهو الذي لا تأكله الأرض ، وهذا قول الفراء . والبعض : يَقِلُّ عن النصف . كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتَى﴾ يعني، أنه لما ضُرِبَ القتيل ببعض البقرة ، أحياه الله وكان اسمه عاميل ، فقال قتلني ابن أخي ، ثم قبض ، فقال بنو أخيه : والله ما قتلناه ، فكذّبوا بالحق بعد معاينته . قال الفراء : وفي الكلام حذف ، وتقديره : فقلنا اضربوه ببعضها ، ليحيا (١٨٨) رواه أحمد (٢٨/٣) والحاكم (٣١٤/٤) والبيهقي في الشعب كما في المشكاة (١٤٦٦/٣) وأبو يعلى كما في الدر (١٩٢/١) كلهم من رواية دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً . وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ورمز له صاحب الجامع الصغير بالصحة فيض القدير (٣٠٦/٥) وقال الهيثمي في المجمع (٢٢٥/١٠) رواه أحمد وأبو يعلى واسنادهما حسن . وعلى الكل تعقيب ، أما تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي فهذا من الأوهام كيف يصح ؟ والحديث في إسناده دراج عن أبي الهيثم وهي رواية معروفة ضعفها الإمام الذهبي نفسه أكثر من مرة في المستدرك . فدراج صاحب مناكير ضعفه أحمد وغيره وساق الذهبي في مناكيره في ترجمته أحاديث من هذه النسخة وكذا لا يصح الحكم على الحديث بأن إسناده حسن لأجل ضعف هذه النسخة والحديث ضعفه العلامة الألباني في ضعيف الجامع الصغير ( ٤٠/٥). تنبيه : - رواه وليس كذلك بل هذا خطأ مطبعي والله أعلم. ١٤٣ سورة البقرة الآية - ٧٤ فضربوه ، فَحَيِيَ . كذلك يحبي الله الموتى ، فدل بذلك على البعث والنشور ، وجعل سبب إحيائه الضرب بميت ، لا حياة فيه ، لئلا يلتبس على ذي شبهة ، أن الحياة إنما انتقلت إليه مما ضرب به ، لتزول الشبهة ، وتتأكد الحجة . وفي قوله تعالى: ﴿كَذْلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتَى﴾ وجهان : أحدهما : أنه حكاية عن قول موسى لقومه . والثاني : أنه خطاب من الله لمشركي قريش. ﴿ وَيُرِ يگم ءايَاتِهِ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : علامة قدرته .. والثاني : دلائل بعثكم بعد الموت . لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ فیه وجهان : أحدهما : تعملون . والثاني : تعتبرون . ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالِجَارَةٍ أَوْأَشَدُّ فَسْوَةٌ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَُّ مِنْهُ آلْأَنْهَرُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخُجُ مِنْهُ الْمَآءَ، وَإِنَّمِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٧٤ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم ﴾ اختلف في المُشَار إليه بالقسوة ، على قولين : أحدهما : بنو أخي الميت حين أنكروا قتله ، بعد أن سمعوه منه عند إحياء الله له ، وهو قول ابن عباس . والثاني : أنه أشار إلى بني إسرائيل كلهم ، ومن قال بهذا قال : من بعد ذلك : أي من بعد آياته كلها التي أظهرها على موسى . وفي قسوتها وجهان : أحدهما : صلابتها حتى لا تلين . ١٤٤ سورة البقرة الآية - ٧٤ والثاني : عنفها حتى لا ترأف . وفي قوله تعالى : ﴿ مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ وجهان : أحدهما : من بعد إحياء الموتى ، ويكون هذا الخطاب راجعاً إلى جماعتهم . والثاني : من بعد كلام القتيل ، ويكون الخطاب راجعاً إلى بني أخيه . وقوله تعالى : ﴿ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ يعني القلوب التي قست . واختلف العلماء في معنى ﴿ أُوْ﴾ في هذا الموضع وأشباهه كقوله تعالى : فَكَانَ قَابَ قَوسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] على خمسة أقاويل: أحدها : أنه إبهام على المخاطبين ، وإن كان الله تعالى عالماً ، أي ذلك هو ، كما قال أبو الأسود الدؤلي (١٨٩) :- أحب محمداً حباً شديداً وعباساً وحمزة أو علياً ء ولستُ بمخطىء إن كان غياً (١٩٠) فإن يك حبهم رشدا اصِبه ولا شَكَّ، أن أبا الأسود الدؤلي ، لم يكن شاكّاً في حبِّهم ، ولكن أَبْهَمَ على مَنْ خاطبه ، وقد قيل لأبي الأسود حين قال ذلك : شَكَكْتُ ، فقال كلا ، ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أُوْ إِيَّكُمْ لَعَلَى هُدِّى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وقال: أفكان شاكاً مَنْ أخبر بهذا؟ والثاني : أن ﴿ أُوْ﴾ ها هنا بمعنى الواو، وتقديره فهو كالحجارة وأشد قسوة ، ومثله قول جرير : جاءَ الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربَّه موسى على قَدَرٍ (١٩١) والثالث : أن ﴿ أُوْ﴾ في هذا الموضع ، بمعنى بل أشد قسوة ، كما قال (١٨٩) قاضي البصرة واسمه على الأصح ظالم بن عمرو، قرأ على عليّ، توفي رحمه الله سنة تسع وستين في طاعون الجارف بالبصرة . أنظر : - تاريخ الإسلام (٩٤/٣)، سير أعلام النبلاء (٨١/٤)، الإصابة (٢٤١/٢). (١٩٠) ديوانه (٣٢) والأغاني (١١: ١١٣) وإنباه الرواة (١: ١٧). (١٩١) ديوان جرير (٣٤٥) والنقائض (٩٦٩) والطبقات لابن سعد (٧٩/١/٣). والأضداد لابن الأنباري ( ٢٥٨ ). ١٤٥ سورة البقرة الآية - ٧٤ تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىْ مائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] يعني بل يزيدون. والرابع : أن معناها الإِباحة وتقديره ، فإن شبهتموها بالحجارة كانت مثلها ، وإن شبهتموها بما هو أشد ، كانت مثلها . والخامس : فهي كالحجارة ، أو أشد قسوة عندكم . ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ ﴾ يعني أن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم القاسية ، لِتَفَجِّرِ الأنهار منها . ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ فاختلفوا في ضمير الهاء في ((منها))، إلى ماذا يرجع ؟ على قولين : أحدهما : إلى القلوب لا إلى الحجارة ، فيكون معنى الكلام : وإن من القلوب لما يخضع من خشية الله ، ذكره ابن بحر . والقول الثاني : أنها ترجع إلى الحجارة ، لأنها أقرب مذكور . واختلف من قال بهذا ، في هذه الحجارة على قولين : أحدهما : أنها البرد الهابط من السَّحاب ، وهذا قول تفرد به بعض المتكلمين . والثاني : وهو قول جمهور المفسرين : أنها حجارة الجبال الصلدة ، لأنها أشد صلابة . واختلف من قال بهذا على قولين : أحدهما : أنه الجبل الذي جعله الله دَكاً، حين كلم موسى . والثاني : أنه عام في جميع الجبال . واختلف من قال بهذا ، في تأويل هبوطها ، على أربعة أقاويل : أحدها : إن هبوط ما هبط من خشية الله، نزل في ذلك القرآن . (*) ... والثاني : والثالث : أن مَنْ عَظّم مِنْ أمر الله ، یُری کأنه هابط خاشع ، کما قال جرير : (*) بياض في النسخة المخطوطة . ١٤٦ سورة البقرة الآية - ٧٥ - ٧٧ سور المدينة والجبال الخشع لما أتی خبر الزبير تواضعت والرابع : أن الله أعطى بعض الجبال المعرفة ، فعقل طاعة الله ، فأطاعه ، كالذي رُوِيَ عن الجذع (١٩٢)، الذي كان يستند إليه النبي وَلّ، فلما تحول عنه حَنَّ، رُوِيَ عن النبي أنه قال: ((إِنَّ حَجَرَأَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِنِّي لُأَعْرِفُهُ الَآَنَ))(١٩٣)، ويكون معنى الكلام ، إنَّ من الجبال ما لو نزل عليه القرآن ، لهبط من خشية الله تذللاً وخضوعاً . ﴿أَفَطَمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْلَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٥) وَ إِذَا لَقُواْلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْأَتُّحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتََحَ اللَّهُ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ (٧٦ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُوكُمْ بِهِ، عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا نَعْقِلُونَ يَعْلَمُ مَايُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ قوله تعالى: ﴿ ... وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُم يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ﴾ في ذلك قولان : أحدهما : أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حراماً والحرام حلالاً اتباعاً لأهوائهم وإعانة لراشيهم وهذا قول مجاهد والسدي . والثاني : أنهم الذين اختارهم موسى من قومه ، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا (١٩٢) حديث حنين الجذع. متواتر عند أئمة الحديث ولا يصح إنكاره وصرح بتواتره جمهرة من أهل العلم كالذهبي وابن كثير والقاضي عياض والنووي وابن حجر والسيوطي وغيرهم وساق الحافظ ابن كثير نخبة طيبة من الأحاديث (١٢٥/٦) البداية والنهاية وكذا الحافظ ابن حجر في الفتح (٤٤٣/٦) وقال الحافظ ابن كثير : ورد من حديث جماعة من الصحابة بطرق متعددة تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن وفرسان هذا الميدان . (١٩٣) رواه مسلم في صحيحه (٢٠٣/٢ - ٢٠٤) وأحمد في مسنده (٩٠/٥) وأبو بكر بن أبي شيبة (٤٦٤/١١ برقم ١١٧٥١) وعنه أبو داود الطيالسي (٤٥٠ والدارمي (١٢/١) وأبو نعيم في دلائل النبوة (١٤١/١) والترمذي في المناقب (١/٧ تحفة) وقال حسن غريب والبيهقي في الدلائل (١٥٣/٢) وابن حبان (١٣٩/٨)، والديلمي (١٦٤). ١٤٧ سورة البقرة الآية - ٧٥ - ٧٧ أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم ، وهذا قول الربيع بن أنس وابن إسحاق . وفي كلام الله الذي يسمعونه قولان : أحدهما : أنها التوراة التي عَلِمَها علماء اليهود . والثاني : الوحي الذي كانوا يسمعونه كما تسمعه الأنبياء . وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلَوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وجهان : أحدهما : من بعد ما سمعوه ، وهم يعلمون أنهم يحرفونه . والثاني : من بعد ما عقلوه ، وهم يعلمون ، ما في تحريفه من العقاب . قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىْ بَعْضٍ ﴾ فيهم قولان : أحدهما : أنهم اليهود، إذا خلوا مع المنافقين ، قال لهم المنافقون : أتحدثون المسلمين ، بما فتح الله عليكم . والثاني: أنهم اليهود، قال بعضهم لبعض: ﴿ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُم ﴾ وفيه أربعة أقاويل : أحدها : بما فتح الله عليكم ، أي مما أذكركم الله به ، رواه الضحاك عن ابن عباس . والثاني: بما أنزل الله عليكم في التوراة، من نبوة محمد و ® وبعثه ، ليُحَاجُوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم ﴾ رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وهو قول أبي العالية وقتادة . والثالث: أنهم أرادوا قول يهود بني قريظة، حين شبههم النبي ◌َّ، بأنهم إخوة القردة ، فقالوا : من حدثك بهذا ؟ وذلك حين أرسل إليهم ، علي بن أبي طالب كرم الله وجهه(١٩٤)، وهذا قول مجاهد . والرابع : أن ناساً من اليهود أسلموا ، ثم نافقوا فكانوا يحدثون المسلمين من (١٩٤) حديث معضل رواه ابن جرير (٢٥٢/٢) برقم (١٣٤٥)، (١٣٤٦)، (١٣٤٧) عن مجاهد قال: قام النبي # يوم قريظة ... الحديث وزاد السيوطي في الدر المنثور (١٩٩/١) نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم . ١٤٨ سورة البقرة الآية - ٧٩،٧٨ العرب ، بما عُذُّبَ به ( آباؤهم )، فقال بعضهم لبعض ، أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ، وهذا قول السدي . وفي ﴿ فتح الله ﴾ وجهان : أحدهما : بما علمكم الله . والثاني : بما قضاه الله ، والفتح عند العرب القضاء والحكم ، ومنه قول الشاعر : ألا أبلغ بني عُصُم رسولاً بأني عن فِتَاحِكُم غنيُّ (١٩٥) ويُقَالُ للقاضي : الفتّاح، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبِّنَا افْتَحِ بَيْنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ ﴾ [الأعراف: ٨٩]. قوله تعالى: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبَّكُمْ﴾، فَحُذِفَ ذكرُ الكتاب إيجازاً. والثاني: ﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبَّكُم) فتظهر له الحُجَّة عليكم ، فيكونوا أوْلى بالله منكم ، وهذا قول الحسن . والثالث: ﴿لِيُحَآَجُوكُم بِهِ عِنْدَ رَبَّكُم ﴾ يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُم يَومَ القِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. [الزمر: ٣١]. وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَبَ إِلَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلََّ يَظُنُّونَ VA فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُ واْبِهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَبْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا يَكْسِبُونَ قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمُِّّونَ ﴾ فيه قولان : أحدهما : أن الأمّي : الذي لا يكتب ولا يقرأ ، وهو قول مجاهد وأظهرُ تأويله . (١٩٥) الأمالي (٢٨١/٢) وفيه: بأني عن فتاحتكم غني. ١٤٩ سورة البقرة الآية - ٧٨، ٧٩ والثاني : أنَّ الأُمّيين: قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله ، ولا كتاباً أنزله الله ، وكتبوا كتاباً بأيديهم ، وقال الجهال لقومهم: هذا من عند الله ، وهذا قول ابن عباس . وفي تسمية الذي لا يكتب بالأمي قولان : أحدها : أنه مأخوذ من الأمة ، أي على أصل ما عليه الأمّة ، لأنه باق على خلقته من أنه لا يكتب ، ومنه قول الأعشى : وإنّ معاويةَ الأكرمين حسانُ الوجوه طوال الأمَمْ (*) والثاني : أنه مأخوذ من الأم ، وفي أخذه من الأم تأويلان : أحدهما : أنه مأخوذ منها ، لأنه على ما ولدته أمُّهُ من أنه لا يكتب . والثاني : أنه نُسِبَ إلى أُمّهِ ، لأن الكتاب في الرجال دون النساء ، فنسب من لا يكتب من الرجال إلى أمه ، لجهلها بالكتاب دونه أبيه . وفي قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّ أَمَانِيَّ ﴾ أربعة تأويلات: أحدها : إِلَّ أَمَانِيَّ: يعني: إلا كذباً، قاله ابن عباس ومجاهد، قال الشاعر : ولكنما ذاك الذي کان منكما أمانيّ ما لاقت سماء ولا أرضا والثاني: إِلَّ أَمَانِيَّ، يعني، أنهم يَتَمَّنَّونَ على الله ما ليس لهم ، قاله قتادة . والثالث: إِلَّ أَمَانِيَّ، يعني [إلا أماني يعني إلا تلاوة من غير فهم قاله الفراء والكسائي ومنه قوله تعالى: ﴿ إِلَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ في أَمنّتِهِ ﴾ [سورة الحج] يعني ألقى الشيطانُ في أَمنّتِهِ، وقال كعب بن مالك: تمنّى كتاب الله أول ليلهِ وآخرَه لاقي حمام المقادر والرابع : أنَّ الأمَانِيَّ : التقدير ، حكاه ابن بحر وأنشد قول الشاعر : ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله حتى تَبَّنَ ما يمني لك الماني ( وإلا ): في هذا الموضع بمعنى (لكن) وهو عندهم من الاستثناء المنقطع ١٥٠ سورة البقرة الآية - ٧٨، ٧٩ ومنه قوله تعالى: ﴿ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] قال النابغة: حلفت يميناً غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحب(١٩٦) ﴿ وَإِنْ هُم إِلَّ يَظُنُونَ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : يكذبون ، قاله مجاهد . والثاني : يحدثون ، قاله البصريون . قوله تعالى : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِم﴾ في الويل ستة أقاويل : أحدها : أنه العذاب ، قاله ابن عباس . والثاني : أنه التقبيح، وهو قول الأصمعي . ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]. وقال الشاعر : كسا اللؤم سهما خضرة في جلودها فويل لسهم من سرابيلها الخُضْرِ(*) والثالث : أنه الحزن ، قاله المفضل . والرابع : أنه الخزي والهوان . والخامس : أن الويل وادٍ في جهنم ، وهذا قول أبي سعيد الخدري . والسادس : أنه جبل في النار ، وهو قول عثمان بن عفان . ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِم﴾ أي يغيرون ما في الكتاب من نبوة محمد واله ونعته . وفي قوله تعالى : ﴿ پأُيْدِيهِم ﴾ تأويلان: أحدهما : أنه أراد بذلك تحقيق الإِضافة ، وإن كانت الكتابة لا تكون إلا باليد ، كقوله تعالى : ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ . والثاني : أن معنى ﴿بِأَيْدِيهِم﴾ أي من تلقاء أنفسهم ، قاله ابن السراج (١٩٧). (١٩٦) ديوان النابغة : (٤٢). (١٩٧) هو محمد بن أحمد بن بصخان بن عين الدولة بدر الدين بن السراج الدمشقي تصدى لإِقراء = ١٥١ ٠ سورة البقرة الآية - ٨٠ وفي قوله تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنَاً قَلِيلاً ﴾ تأويلان : أحدهما : ليأخذوا به عرض الدنيا ، لأنه قليل المدة ، كما قال تعالى : قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وهذا قول أبي العالية . والثاني : أنه قليل لأنه حرام . وَوَيْلٌ لَّهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : من تحريف كتبهم . والثاني : من أيام معاصيهم . وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُوَّةٌ قُلْ أَتَّخَذْ تُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَأَمْ نَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٨٠ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ والفرق بين اللمس والمس ، أن مع اللمس إحساساً . وفي الأيام المعدودة قولان : أحدهما : أنها أربعون يوماً ، وهذا قول قتادة ، والسدي ، وعكرمة ، وأبي العالية ، ورواه الضحاك عن ابن عباس ، ومن قال بهذا اختلفوا في تقديرهم لها بالأربعين : فقال بعضهم : لأنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل . وقال ابن عباس : أن اليهود يزعمون أنهم ، وجدوا في التوراة مكتوباً ، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة ، وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم ، فإذا انقطع المسير انقضى العذاب ، وهلكت النار، وهذا قول من قدر ((المعدودة)) بالأربعين . والقول الثاني : أن المعدودة التي تمسهم فيها النار سبعة أيام ، لأنهم = القراءات والنحو وظهرت فضائله وبهرت معارفه . أنظر : - البداية والنهاية (١٤ /٢٠٨)، الدرر الكامنة (٣٩٨/٣)، الوافي بالوفيات (١٥٩/٢). ١٥٢ سورة البقرة الآية - ٨١ - ٨٣ زعموا ، أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ، وأنهم يُعَذَّبُون عن كل ألف سنة يوماً ، وهذا قول مجاهد ، ورواية سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . بَلَ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيْنَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِّهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴿ وَالَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ٨٢ قوله تعالى : ﴿ بَلَىْ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. أما ( بلى)، فجواب النفي، وأما ( نعم ) فجواب الإِيجاب ، قال الفراء : إذا قال الرجل لصاحبه : مالك عَلَيَّ شيء ، فقال الآخر : نعم ، كان ذلك تصديقاً أن لا شيء عليه ، ولو قال بَلَى: كان رداً لقوله ، وتقديره : بَلَى لِيَ عليك . وقوله : ﴿ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ اختلفوا في السيئة ها هنا ، على قولين : أحدهما : أنها الشرك ، وهذا قول مجاهد(١٩٨). والثاني : أنها الذنوب التي وعد الله تعالى عليها النار ، وهذا قول السدي . وقوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : أنه مات عليها ، وهذا قول ابن جبير . والثاني : أنها سَدَّتْ عليه المسالك ، وهذا قول ابن السراج . وَإِذْ أَخَذْ نَا مِيثَقَ بَنِّ إِسْرَاءِيلَ لَا تَعْبُدُ ونَ إِلََّ اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَزِى اَلْقُرْبَى وَالْيَتَعَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ (١٩٨) ولمجاهد قول آخر وهو الذنوب التي تحيط بالقلب ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية عنه وقال: ((وقول مجاهد صحيح كما في الحديث الصحيح)): إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء ... الخ ... لكن تفسير السيئة بالشرك هو الأظهر لأنه سبحانه غاير بين المكسوب والمحيط فلو كان واحداً لم يغاير والمشرك له خطاباً غير الشرك أحاطت به لأنه لم يتب منها)) ثم شرع شيخ الإسلام في تأييد قوله الذي استظهره . راجعه في الدقائق (٢٠١/١). ١٥٣ سورة البقرة الآية - ٨٣ - ٨٦ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُم مُعْرِضُونَ() قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أُخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ لَ تَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ ﴾ يعني في التوراة بمجيء محمد وَلير. ويقال الميثاق الأول ( حين أخرِجوا ) من صلب آدم . وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ فمن قرأ حَسَناً (١٩٩) ، يعني قولاً صدقاً في بعث محمد رير، وبالرفع ، أي قولوا لجميع الناس حسناً، يعني خالقوا الناس بِخُلُقٍ حسن . وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَدِكُمُ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُ ونَ (٣) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِ لْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْ تُوكُمْ أُسَرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ تُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلََّ خِرِىٌ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُونَ إِلَ أَشَدِّالْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا ◌َ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوَأْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ ٨٥ تَعْمَلُونَ ٨٦ الْعَذَابُ وَلَاهُمْ يُنُصَرُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِ جُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ﴾ أما النفس فمأخوذة من النفاسة ، وهي الجلالة ، فنفس الإِنسان أنفس ما فيه ، وأما الديار فالمنزل ، الذي فيه أبنية المقام ، بخلاف منزل الارتحال ، وقال الخليل : كل موضع حَلَّهُ قوم ، فهو دار لهم، وإن لم يكن فيه أبنية . فإن قيل : فهل يسفك أحد دمه ، ويخرج نفسه من داره ؟ ففيه قولان : (١٩٩) وهي قراءة حمزة والكسائي بالفتح والتثقيل [ حسناً ]. السبعة في القراءات لابن مجاهد (١٦٣). ١٥٤ سورة البقرة الآية - ٨٧ أحدهما : معناه لا يقتل بعضكم بعضاً ، ولا يخرجه من داره ، وهذا قول قتادة ، وأبي العالية . والثاني : أنه القصاص الذي يقتص منهم بمن قتلوه . وفيه قول ثالث: أن قوله ((أنفسكم)) أي إخوانكم فهو كنفس واحدة . قوله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ ﴾ يعني تتعاونون ، والإِثم هو الفعل الذي يستحق عليه الذم ، وفي العدوان قولان : أحدهما : أنه مجاوزة الحق . والثاني : أنه في الإِفراط في الظلم . وَإِنٍ يَأْتُوَكُمْ أَسَارَىْ تُفَادُوهُم﴾ وقرأ حمزة ﴿أَسْرَىْ﴾. وفي الفرق بين أُسْرَى وأُسَارَى قولان : أحدهما : أن أُسْرَى جمع أسير ، وأُسَارَى جمع أُسْرَى . والثاني : أن الأُسْرى الذين في اليد وإنْ لم يكونوا في وَثَاق ، وهذا قول أبي عمرو(٢٠٠) بن العلاء ، والأسَارَى : الذين في وَثَاق . وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَنْيَمَ الْبَيِّنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوحِ الْقُدُبِ أَفَكُلَّمَاجَاءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىّ أَنْفُسُكُمْ أَسْتَكْبَرْ تُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ ٨٧ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ ﴾ يعني التوراة . وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ وَالتَّقْفِيَةُ: الإِتْباع، ومعناه: وأَتْبَعْنَا، يقال اسْتَقْفَيْتُهُ إِذَا جئت من خلفه ، وسميت قافية الشعر قافية لأنها خلفه . وَءَاتينا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ﴾ وفيها ثلاثة أقاويل : (٢٠٠) هو زبان أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان على الأصح. المقرىء، النحوي . توفي سنة أربع وخمسين ومئة . أنظر : - التاريخ الكبير (٥٥/٩)، سير أعلام النبلاء (٤٠٧/٦)، البداية والنهاية (١١٣/١٠). ١٥٥ سورة البقرة الآية - ٨٧ أحدها : أن البينات الحجج . والثاني : أنها الإِنجيل . والثالث : وهو قول ابن عباس ، أن البينات التي أوتيها عيسى إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير ، فيكون طيراً بإذن الله ، وإبراء الأسْقَام . ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدْسِ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : أن روح القدس الاسم الذي يحيي به عيسى الموتى ، وهذا قول ابن عباس . والثاني : أنه الإِنجيل ، سماه روحاً، كما سمى الله القرآن روحاً في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا ﴾ . والثالث : وهو الأظهر ، أنه جبريل عليه السلام ، وهذا قول الحسن وقتادة ، والربيع ، والسدي ، والضحاك . واختلفوا في تسمية جبريل بروح القدس ، على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه سُمِّيَ رُوحاً، لأنَّه بمنزلة الأرواح للأبدان ، يحيي بما يأتي به من البينات من الله عز وجل . والثاني : أنه سمي روحاً، لأن الغالب على جسمه الروحانية ، لرقته ، وكذلك سائر الملائكة ، وإنما يختص به جبريل تشريفاً . والثالث : أنه سمي روحاً ، لأنه كان بتكوين الله تعالى له روحاً من عنده من غير ولادة . والقُدُس فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : هو الله تعالى ، ولذلك سُمِّي عيسى عليه السلام روح القدس ، لأن الله تعالى كوَّنه من غير أب ، وهذا قول الحسن والربيع وابن زيد . قال ابن زيد : القدس والقدوس واحد . والثاني : هو الطهر ، كأنه دل به على التطهر من الذنوب . والثالث : أن القدس البركة ، وهو قول السدي . ١٥٦ سورة البقرة الآية - ٨٩،٨٨ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُتْ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ (٨٨ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ: قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ فيه تأويلات : أحدهما : يعني في أُغْطِيَةٍ وَأَكِنَّةٍ لا تفقه ، وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد وقتادة ، والسدي . والثاني : يعني أوعية للعلم ، وهذا قول عطية ، ورواية الضحاك عن ابن عباس . ﴿ بَّلِ لَّعَنْهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ وَاللَّعن: الطرد والإِبعاد ، ومنه قول الشماخ : ذعرتُ به القطا ونفيتُ عنه مقام الذئب - كالرجل - اللعين (٢٠١) ووجه الكلام : مقام الذئب اللعين كالرجل . في قوله تعالى : ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ تأويلان : أحدهما : معناه فقليل منهم من يؤمن ، وهذا قول قتادة ، لأن مَن آمن من أهل الشرك أكثر ممن آمن مِنْ أهل الكتاب . والثاني : معناه فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ، وهو مروي عن قتادة . ومعنى ﴿ مَا﴾ هنا الصلة للتوكيد كما قال مهلهل : لو بأبانين جاء يخطبها خُضِّب ما أنف خاضب بدم (٢٠٢) وَلَمَّا جَآءَ هُمْ كِنَبُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُـمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَمَّاجَآءَ هُم مَاعَرَفُواْ كَفَرُواْبِةٍ. فَلَعْنَةُ اُللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ ٨٩ قوله تعالى: ﴿وَلَّمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ يعني القرآن ﴿مُصَدِّقٌ لِّمَا ٥٠٠٠ فيه تأويلان : معو (٢٠١) ديوانه (٩٢)، مجاز القرآن (٤٦١) وفيهما مقام الذئب ... ونقله الطبري (٣٢٨/٢) وفيه مكان الذئب . (٢٠٢) الكامل (٦/٢)، شرح شواهد المغني (٢٤٧)، معجم ما استعجم (٩٦). ١٥٧ سورة البقرة الآية - ٩٠ أحدهما : مصدق لما في التوراة والإنجيل من الأخبار التي فيهما . والثاني : مصدق بأن التوراة والإنجيل من عند الله عز وجل . وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني يستنصرون ، قال ابن عباس: إن اليهود كانوا يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله وَ له قبل مبعثه ، فلما بعثه الله تعالى من العرب كفروا به ، فقال لهم معاذ بن جبل ، وبشر بن البراء بن معرور : أو ما كنتم تخبروننا أنه مبعوث ؟ فقال سلام بن مشكم : ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم(٢٠٣)، فأنزل الله تعالى ذلك . بِتْسَمَا اشْتَرَوْأَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًّا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَبَآءُ وبِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِيرٌ قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا أَشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ اشتروا بمعنى باعوا . ﴿ أَن يَكْفُرُ واْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً﴾ يعني حسداً، هكذا قال قتادة والسدي ، وأبو العالية ، وهم اليهود . والبغي شدة الطلب للتطاول ، وأصله الطلب ، ولذلك سميت الزانية بَغِيّاً ، لأنها تطلب الزنى . وفي قوله تعالى: ﴿ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىْ غَضَبٍ ﴾ ثلاثة أقاويل : أحدها : أن الغضب الأول لكفرهم بعيسى ، والغضب الثاني لكفرهم بمحمد وَالر، وهذا قول الحسن ، وعكرمة ، والشعبي ، وقتادة ، وأبي العالية. والثاني : أنه ما تقدم من كفرهم في قولهم عُزير ابن الله ، وقولهم يد الله مغلولة ، وتبديلهم كتاب الله ، ثم كفرهم بمحمد . (٢٠٣) رواه ابن جرير (٣٣٣/٢) وابن اسحاق في السيرة (١٩٦/٣)، أبو نعيم في الدلائل (١٩/١) وزاد السيوطي نسبته في الدر (١١٧/١ ) لابن أبي حاتم وابن المنذر . وفي سنده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت . قال الذهبي في الميزان : لا يُعرف وترجم له البخاري في التاريخ الكبير (٢٢٥/١/١) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً وذكره ابن حبان في الثقات . ١٥٨ سورة البقرة الآية - ٩٢،٩١ والثالث : أنه لما كان الغضب لازماً لهم كان ذلك توكيداً . ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ المهين : المذل . والعذاب على ضربين: فالمهين منها عذاب الكافرين لأنه لا يمحص عنهم ذنوبهم . والثاني : غير مهين وهو ما كان فيه تمحيص عن صاحبه ، كقطع يد السارق من المسلمين ، وحد الزاني . وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَ هُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اُللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿﴿ وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَتِ ٩٢ ثُمَّ أَّخَذْ تُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنتُمْ ظَلِمُونَ وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: ءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ يعني القرآن . قَالُواْ: تُؤْمِنُ بِمَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا ﴾ يعني التوراة . وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ ﴾ يعني بما بعده . ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ يعني القرآن . ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ﴾ يعني التوراة ، لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضاً . ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ معناه فلم قتلتم ، فعبر عن الفعل الماضي بالمستقبل ، وهذا يجوز، فيما كان بمنزلة الصفة ، كقوله تعالى : وَأَتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ ﴾ أي ما تلت ، وقال الشاعر: وإني لآتيكم بشكر ما مضى من الأمر واستحباب ما كان في غد (٢٠٤) يعني ما يكون في غد ، وقيل معناه : فلم ترضون بقتل أنبياء الله ، إن كنتم مؤمنين ؟ (٢٠٤) ديوانه (١٤٦)، حماسة البحتري (١٠٩) واللسان مادة كون وفيه [ واستجاز ما كان] وقد نقله الطبري (٣٥١/٢) وفيه [ واستيجاب ما كان في نمر ]. وقد صوب البيت الشيخ أحمد شاكر فانظره في الطبري (٣٥١/٢). ١٥٩ سورة البقرة الآية - ٩٣ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْتُلُوَرَ خُذُواْ مَآءَاتَّيْتَكُم بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَنُكُمْ إِن كُنتُمْ مُؤْ مِنِينَ ٩٣ قوله تعالى : ﴿ ... خُذُوامَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ ﴾ يعني بجد واجتهاد وَأَسْمَعُواْ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : يعني فاعملوا بما سمعتم . الثاني : أي اقبلوا ما سمعتم ، كما قيل سمع الله لمن حمده ، أي قبل الله حمده ، وقال الراجز : السمعُ والطاعة والتسليم خير وأعفى لبني تميم (٢٠٥) قَالُوا : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : أنهم قالوا ذلك حقيقة ، ومعناه سمعنا قولك وعصينا أمرك . والثاني : أنهم لم يقولوه ولكن فعلوا ما دل عليه ، فقام الفعل منهم مقام القول كما قال الشاعر : ١ مهلاً رويداً قد ملأت بطني امتلأ الحوض وقال قَطْني وَأَشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : أن موسى برد العجل وذرّاه في الماء ، فكان لا يشربه أحد يحب العجل إلا ظهرت نخالة الذهب على شفتيه ، وهذا قول السدي ، وابن جريج . والثاني : أنهم أشربوا حب العجل في قلوبهم ، يقال أشرِبَ قلبه حبَّ كذا ، قال زهير : فصحوتُ عنها بعد حبٍّ داخل والحبُّ تُشربه فؤادَك: داءٌ (٢٠٦) ,(٢٠٥) أنظر تاريخ الطبري (١٦٨/٦) وهذا البيت لرجل من حنبة من بني ضرار يدعى جبير بن الضحاك . (٢٠٦) ديوان زهير (٣٣٩). ١٦٠