Indexed OCR Text
Pages 101-120
سورة البقرة الآية - ٣٤ والثاني : أنه المانع من الفساد ، ومنه سميت حَكَمَةُ اللجام ، لأنها تمنع الفرس من الجري الشديد ، وقال جرير : إِنِّي أخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا(*) أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ أي امنعوهم . والثالث : أنه المُصِيبُ للحقِّ ، ومنه سمي القاضي حاكماً ، لأنه يصيب الحق في قضائه ، وهذا قول أبي العباس المبرد (١٤٠). قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: ﴿ مَا تُبْدُونَ ﴾ هو قولهم: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، وفي: ﴿ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ قولان : أحدهما : ما أُسرَّه إبليس من الكبر والعصيان ، وهذا قول ابن عباس ، وابن مسعود . والثاني : أن الذي كتموه : ما أضمروه في أنفسهم أن الله تعالى لا يخلق خلقاً إلَّ كانوا أكرمَ عليه منه ، وهو قول الحسن البصري . وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُ واْ لَِّدَمَ فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ اُلْكَفِرِينَ (٣٤ وقوله عز وجل : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ أَسْجُدُوا لِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ ﴾ . واختلف أهل التأويل في أمره الملائكةَ بالسجود لآدم ، على قولين : أحدهما : أنه أمرهم بالسجود له تَكْرِمَةً وَتَعْظِيماً لشأنِهِ . (١٤٠) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمر بن حسان الأزدي ، أبو العباس: أديب ، نحوي ، لغوي . ولد بالبصرة وأخذ عن أبي عثمان المازني وتصدر للاشتغال ببغداد . وأخذ عنه نفطويه . توفي ببغداد رحمه الله ٢٨٥ من آثاره: المقتضب ، إعراب القرآن ، الإشتقاق وغيرها . أنظر : - سير أعلام النبلاء (١٣٦/٩)، تاريخ بغداد (٣٨٠/٣)، وفيات الأعيان (١٢٦/١) شذرات الذهب (١٩٠/٢). ١٠١ سورة البقرة الآية - ٣٤ والثاني : أنّه جعله قِبْلَةً لهم ، فأمرهم بالسجود إلى قبلتهم ، وفيه ضرب من التعظيم(١٤١). وأصل السجود الخضوع والتطامن ، قال الشاعر : بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبَلْقُ فِي حُجُرَاتِهِ تَرَى الأَكْمَ فِيهِ سُجَّدَاً لِلْحَوافِ(*) وسمى سجود الصلاة سجوداً ، لما فيه من الخضوع والتطامن ، فسجد الملائكة لآدم طاعةً لأمر الله تعالى إلا إبليس أبى أن يسجُدَ له حَسَداً واستكباراً . واختلفوا في إبليس ، هل كان من الملائكة أم لا ؟ على قولين : أحدهما : أنه كان من الملائكة ، وهذا قول ابن عباس ، وابن مسعود ، وابن المسيب ، وابن جريج ، لأنه استثناء منهم ، فَدَلَّ على دخوله منهم . والثاني : أنه ليس من الملائكة ، وإنما هو أبو الجن ، كما أن آدم أبو . الإِنس ، وهذا قول الحسن (١٤٢) وقتادة وابن زيد، ولا يمتنع جواز الاستثناء من غير جنسه، كما قال تعالى: ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَتَّبَاعَ الظَّنِّ﴾، [النساء: ١٥٧] وهذا استثناء منقطع . وآخْتُلِفَ في تَسْمِيتِهِ بِإبليس على قولين : أحدهما : أنه اسم أعجمي وليس بمشتقِّ . والثاني : أنه اسمُ اشتقاقٍ ، اشتُقَّ من الإِبلاس وهو اليأس من الخَيْرِ ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام: ٤٤] أي آيِسُونَ من الخير، وقال العجَّاجُ: يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَساً قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ، وَأَبْلَسَا (١٤٣) فأمَّا من ذهب إلى أن إبليس كان من الملائكة ، فاختلفوا في قوله تعالى : (١٤١) الصحيح أن السجود هنا هو سجود تحية وتعظيم وليس سجود عبادة وكان هذا في الأمم السابقة وقد سجد يعقوب وأولاده ليوسف عليه الصلاة والسلام يوم جاءوه إلى مصر أما السجود للمخلوق على وجه العبارة فھو کفر صريح لا شك فيه. (١٤٢) وقول الحسن في أصل إبليس قال ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط ، وإنه أصل الجن كما أن آدم أصل الإِنس . رواه الطبري [ برقم ٦٩٦ ]. وقال الحافظ ابن كثير: وهذا إسناد صحيح عن الحسن (١ /٧٧ ). (١٤٣) ديوان العجاج (ص ٣١/١)، الكامل (٣٥٢/١). ١٠٢ سورة البقرة الآية - ٣٥ ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [٥٠ الكهف] لِمَ سماه الله تعالى بهذا الاسم، على أربعة أقاويل : أحدها : أنهم حي من الملائكة يُسَمَّوْن جنّاً كانوا من أشدِّ الملائكة اجتهاداً ، وهذا قول ابن عباس . والثاني : أنه جعل من الجنّ ، لأنه من خُزَّانِ الجنَّةِ ، فاشتق اسمه منها ، وهذا قول ابن مسعود . والثالث : أنه سمي بذلك لأنه جُنَّ عن طاعة ربِّه ، وهذا قول ابن زيدٍ . والرابع : أن الجِنِّ لكلِّ ما اجْتَنَّ فلم يظهر ، حتى إنهم سَمِّوا الملائكة جناً لاستتارهم ، وهذا قول أبي إسحاق (١٤٤)، وأنشد قول أعشى بني ثعلبة : لَكَانَ سُلَيْمَان البري مِنَ الدَّهْرِ لَوْ كَانَ حَيٍّ خَالِد أَوْ مُعَمَّراً وَمَلَّكَهُ مَا بَيْنَ نُوبًا إِلَى مِصْرٍ بَرَاهُ إِلَهِي وَاصْطَفَاهُ عِبَادُهُ قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلاَ أَجْرِ (١٤٥) وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلَائِكِ تِسْعَةً فسمَّى الملائكة جِنّاً لاستتارهم . وفي قوله تعالى : ﴿ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أَقَاوِيلَ : أحدها : أنه قد كان قبله قوم كفار ، كان إبليس منهم . والثاني : أن معناه : وصار من الكافرين : والثالث : وهو قول الحسن : أنه كان من الكافرين ، وليس قبله كافر ، كما كان من الجنِّ ، وليس قبله جِنٌّ ، وكما تقول : كان آدم من الإِنس ، وليس قبله نسيٌّ . وَقُلْنَا ◌َعَادَ مُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَاَ نَقْرَبَا (١٤٤) هو إبراهيم بن عبد الرزاق بن الحسن ، أبو إسحاق المقري . كان مقرىء الشام في زمانه معرفة وإسناداً. توفي رحمه الله في شعبان سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة. أنظر : تاريخ الاسلام (١٩٦) معرفة القرار (٢٨٧/١ ). (١٤٥) ملحق ديوان الأعشى (٢٤٣) الأضداد لابن الأنباري (٢٩٣) ووقع شطر البيت الأول فيهما .. وكذا نقله الطبري (٥٠٥/١). ((لو كان شيء خالداً أو معمراً. ١٠٣ سورة البقرة الآية - ٣٥، ٣٦ هَذِهِالشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ اْلِّلِينَ ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا ٣٦ فِيَّهِ وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَرٌ وَ مَّعُ إِلَى حِينٍ قوله عز وجل: ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمَ آسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾. إن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم الأيسر بعد أن ألقى عليه النوم ، ولذلك قيل للمرأة : ضلع أعوج . وسُمِّيت امرأةً لأنها خُلِقَتْ مِنَ المرءِ ، فأما تسميتها حواء ، ففيه قولان : أحدهما : أنها سميت بذلك لأنها خلقت من حَيٍّ ، وهذا قول ابن عباسٍ ، وابن مسعود . والثاني : أنها سميت بذلك ، لأنها أم كل حَيٍّ . واختُلِف في الوقت الذي خلقت فيه حواءُ على قولين : أحدهما : أن آدم أُدْخِلَ الجَنَّةَ وَحْدَهُ ، فَلَمَّا أستوحش خُلِقَتْ حواءُ من ضِلْعِهِ بعد دخوله في الجنة ، وهذا قول ابن عباسٍ ، وابن مسعود . والثاني : أنها خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنة ، ثم أُدْخِلا معاً إلى الجنةِ ، لقوله تعالى: ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، وهذا قول أبي إسحاق . واختلف في الجَنَّةِ التي أُسْكِنَاهَا على قولين : أحدهما : أنها جنةُ الخُلد . والثاني : أنها جنةٌ أعدها الله لهما، والله أعلم(١٤٦). قوله عز وجل: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾ في الرغدِ ثلاثةُ تأويلاتٍ : (١٤٦) القول الأصوب وما عليه أكثر العلماء أنها الجنة الحقيقة التي يدخلها المؤمنون ليس غير. ١٠٤ سورة البقرة الآية - ٣٥، ٣٦ أحدها : أنه العيش الهني ، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود ، ومنه قول امرىء القيس : بَيْنَمَا الْمَرْءُ تَرَاهُ نَاعِماً يَأْمِنُ الْأَحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ (١٤٧) والثاني : أنه العيش الواسع ، وهذا قول أبي عبيدة . والثالث : أنه أراد الحلال الذي لا حساب فيه ، وهو قول مجاهد . قوله عز وجل: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هُذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ . اختلف أهل التفسير في الشجرة التي نُهِيَا عنها ، على أربعةِ أقاويل : أحدها : أنها البُرُّ ، وهذا قول ابن عباس . والثاني : أنها الكَرْمُ ، وهذا قول السُّدِّيِّ، وجعدة(١٤٨) بن هبيرة . والثالث : أنها آلتِّين ، وهذا قول ابن جريجٍ ، ويحكيه عن بعض الصحابة . والرابع : أنها شجرة الخلد التي تأكل منها الملائكة (١٤٩) وفي قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ قولان: أحدهما : من المعتدين في أكل ما لم يُبَحْ لكما . والثاني : من الظالمين لأنفسكما في أكلكما . واختلفُوا في معصية آدم بأكله من الشجرة ، على أي وجهٍ وقعت منه ، على أربعة أقاويل : أحدها : أنه أكل منها وهو ناسٍ للنهي لقولهِ تعالى: ﴿ولقد عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] وزعم صاحب هذا القول، أن الأنبياء يلزمهم التحفظ والتيقُّظُ لكثرة معارفهم وعُلُوِّ منازلهم ما لا يلزم غيرهم، فيكون تشاغله عن تذكّر النهي تضييعاً صار به عاصياً. (١٤٧) قال صاحب تخريج الطبري. لم أجد البيت فيما جمعوا من شعر إمرىء القيس (٥١٥/١). (١٤٨) هو جعدة بن هبيرة المخزومي ، مات في ولاية معاوية بن أبي سفيان . ولا تصح له صحبة . أنظر : مشاهير علماء الأمصار ( ١٠٧ ). (١٤٩) ويلاحظ أنه لا فائدة من تعيين هذه الشجرة التي أبهمها الله تعالى وعلى هذا فذكر هذا الاختلاف لا طائل تحته فيكفينا أن الله نهاهما عن شجرة ما ولم يعينها لنا . ١٠٥ سورة البقرة الآية - ٣٥، ٣٦ والقول الثاني : أنه أكل منها وهو سكران فصار مؤاخذاً بما فعله في السُّكْرِ ، وإن كان غير قاصدٍ له ، كما يؤَاخَذُ به لو كان صاحياً، وهو قول سعيد بن المسيب . والقول الثالث : أنه أكل منها عامداً عالماً بالنهي ، وتأول قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] أي فَزَلَّ، ليكون العَمْدُ في معصيةٍ يستحق عليها الذمَّ. والرابع : أنه أكل منها على جهة التأويل ، فصار عاصياً بإغفال الدليل ، لأن الأنبياء لا يجوز أن تقع منهم الكبائر، ولقوله تعالى في إبليس: ﴿فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ ﴾ [الأعراف: ٢٢] وهو ما صرفهما إليه من التأويل(١٥٠). واختلف من قال بهذا في تأويله الذي استجاز به الأكل ، على ثلاثةِ أقاويلَ : أحدها : أنه تأول على جهةٍ التنزيه دون التحريم . والثاني : أنه تأول النهي عن عين الشجرة دون جنسها ، وأنه إذا أكل من غيرها من الجنسِ لم يعصٍ . والثالث: أن التأويل ما حكاه الله تعالى عن إبليس في قوله: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنٍ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴾ [الأعراف: ٢٣]. قوله عز وجل : ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ . قرأ حمزة (١٥١) وحده: ﴿فَأَزَالَهُمَا﴾ بمعنى نجَّاهُما من قولك: زُلْتُ عن المكان ، إِذا تنخَّيْتَ عنه، وقرأ الباقون: ﴿فَأَزْلَّهُمَا ﴾ بالتشديد بمعنى استزلَّهما من الزلل ، وهو الخطأ ، سمي زلَلاً لأنه زوال عن الحقِّ ، وكذلك الزّلة زوال عن الحق ، وأصله الزوال . (١٥٠) والثالث من الأقوال أظهر كما رجحه ابن القيم في إغاثة اللهفان (١١٣/١). (١٥١) هو حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل أبو عمارة الكوفي . أحد القراء السبعة كان إماماً حجة ، قيماً بكتاب الله تعالى حافظاً للحديث بصيراً بالفرائض والعربية مات رحمه الله سنة ست وخمسين ومئة وقيل سنة ثمان وخمسين وهو وهم . أنظر : - طبقات ابن سعد (٣٨٥/٦)، التاريخ الكبير (٥٢/٣)، مرآة الجنان (٣٣٢/١) سير أعلام النبلاء (٩٠/٧)، العبر (٢٢٦/١). ١٠٦ سورة البقرة الآية - ٣٥، ٣٦ والشيطان الذي أزلهما هو إبليس . واختلف المفسرون ، هل خلص إليهما حتى باشرهما بالكلام وشافههما بالخطاب أم لا ؟ فقال عبد الله بن عباس ، ووهب (١٥٢) بن منبه، وأكثر المفسرين أنه خلص إليهما، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وقال محمد (١٥٣) بن إسحاق: لم يخلص إليهما، وإنما أوقع الشهوة في أنفسهما، ووسوس لهما من غير مشاهدة، لقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، والأول أظهر وأشهر. وقوله تعالى : ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ يعني إبليس ، سبب خروجهما، لأنه دعاهما إلى ما أوجب خروجهما . قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَقُلْنَا أَهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ . الهُبوط بضم الهاء النزول ، ويفتحها موضع النزول ، وقال المفضل : الهبوط الخروج من البلدة ، وهو أيضاً دُخولها ، فهو من الأضداد ، وإذا كان الهبوط في الأصل هو النزول ، كان الدخول إلى البلدة لسكناها نزولاً بها ، فصار هُبوطاً . واختلفوا في المأمور بالهبوط ، على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه آدم ، وحواء ، وإبليس ، والحيَّةُ ، وهذا قول ابن عباس . والثاني : أنه آدم وذريته ، وإبليس وذريته ، وهذا قول مجاهد . والثالث : أنه آدم ، وحواء ، والمُوَسْوِسُ . والعدو اسم يستعمل في الواحد ، والاثنين ، والجمع ، والمذكر، (١٥٢) هو وهب بن منبه بن كامل بن سيج، أبو عبد الله ، الأخباري ، القصصي غزارة علمه في الاسرائيليات ومن صحائف أهل الكتاب . كان من أبناء فارس قال العجلي : تابعي ، ثقة . كان على قضاء اليمن . توفي في سنة عشر ومئة وقيل غير ذلك. أنظر : - طبقات ابن سعد (٥٤٣/٥)، الحلية (٢٣/٤)، البداية والنهاية (٢٧٦/٩) شذرات الذهب (١٥٠/١). (١٥٣) هو محمد بن إسحاق بن يسار، مولى عبد الله بن قيس بن مخرمة ، أبو بكر ممن عني بعلم السنن وواظب على تعاهد العلم وكان من أحسن الناس سياقاً للأخبار وأحفظهم لمتونها . توفي رحمه الله سنة خمسين ومئة . أنظر : - طبقات ابن سعد (٣٢١/٧)، تذكرة الحفاظ (١٧٢/١)، الجرح والتعديل (١٩١/٧). ١٠٧ سورة البقرة الآية - ٣٧ والمؤنث ، والعداوة مأخوذة من المجاوزة من قولك : لا يَعْدوَنَّكَ هذا الأمْرُ ، أَيْ لا يُجاوِزَنَّكَ، وعداهُ كذا، أي جاوزه، فَسُمَِّ عَدُوّاً لمجاوزةِ الحدِّ في مكروه صاحبه ، ومنه العَدْوُ بالقَدَم لمجاوزة المشْيِ ، وهذا إخبار لهم بالعداوة وتحذير لهم ، وليس بأمر ، لأن الله تعالى لا يأمر بالعداوة . وَأَخْتُلِفَ في الَّذِينَ قِيلَ لهم: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾، على قولين : أحدهما : أنهم الذين قيل لهم اهبطوا ، على ما ذكرنا من اختلاف المفسرين فيه . والثاني : أنهم بنو آدم ، وبنو إبليس ، وهذا قول الحسن البصري . قوله عز وجل : ﴿وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : أن المستقر من الأرض موضع مقامهم عليها ، لقوله تعالى : جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً﴾ [غافر: ٦٤]، وهذا قول أبي العالية . والثاني : أنه موضع قبورهم منها ، وهذا قول السُّدِّيِّ . قوله عز وجلَّ : ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾: والمتاع كل ما اُسْتُمْتِعَ به من المنافع ، ومنه سُمِّيَتْ متعة النكاح ، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَمَتَّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، أي ادفعوا إليْهِنَّ ما ينتفعْنَ به، قال الشاعر : وَكُُّ غَضَارَةٍ لَكَ من حَبِيبٍ لَهَا بِكَ، أَوْ لَهَوْتَ بِهِ، مَتَاعُ (*) والحين: الوقت البعيد، فَـ ((حِينَئِذٍ) تبعيد قولِكَ: ((الآن))، وفي المراد بالحين في هذا الموضع ثلاثة أقاويل : أحدها : إلى الموت ، وهو قول ابن عباس والسُّدِّيِّ . والثاني : إلى قيام الساعة ، وهو قول مجاهد . والثالث : إلى أجلٍ ، وهو قول الربيع . قُلْنَا أَهْبِطُواْمِنْهَا (٣٧ فَتْلَقَّءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِإِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ◌َمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِى هُدِّى فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ ١٠٨ سورة البقرة الآية - ٣٧ - ٣٩ يَحْزَنُونَ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْبِـَايَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِهَا خَالِدُونَ (٣٦) قوله عزَّ وجلَّ : ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلَمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ : أما ((الكلام )) فمأخوذ من التأثير، لأن له تأثيراً في النفس بما يدلُّ عليه من المعاني ؛ ولذلك سُمَِّ الجُرْحُ كَلْماً لتَأَثِيرِه في البدن ، واللفظُ مشتق من قولك : لفظت الشيء، إذا أخْرجْتَهُ من قلبك . وأختُلِفَ في الكلماتِ التي تلقَّاها آدم من ربِّه على ثلاثة أقاويل : أحدها: قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وهذا قول الحسن، وقتادة، وابن زيد (١٥٤). والثاني : قول آدم : اللهم لا إله إلا أنت ، سبحانك وبحمدك ، ربِّ إني ظلمت نفسيٍ ، فاغفر لي ، إنك خير الغافرين ، اللهم لا إله إلا أنت ، سبحانك وبحمدك ، إنّي ظلمت نفسي ، فتُب عليَّ ، إنَّك أنت التوابُ الرحيم ، وهذا قول مجاهد . والثالث : أن آدم قال لربِّه إذ عصاه : ربِّ أرأيت إن تبت وأصلحت ؟ فقال ربُّه : إني راجعك إلى الجنَّةِ ، وكانت هي الكلمات التي تلقاها من ربه ، وهذا قول ابن عباسٍ . قوله عز وجل : ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾، أي قبل توبته ، والتوبةُ الرجوع ، فهي من العبد رجوعه عن الذنب بالندم عليه ، والإِقلاع عنه، وهي من الله تعالى على عبده ، رجوع له إلى ما كان عليه . (١٥٤) وهذا القول رجحه الطبري رحمه الله تعالى (٥٤٦/١) وقال عما سواه : وليس ما قاله من خالف قولنا هذا عليه من حجة يجب التسليم لها فيجوز لنا اضافته إلى آدم وأنه مما تلقاه من ربه عند إنابته إليه من ذنبه وهذا الخبر الذي أخبر الله عن آدم من قبله الذي لقاه إياه فقاله تائباً إليه من خطيئته تعريف منه جل ذكره جميع المخاطبين بكتابه كيفية التوبة إليه من الذنوب ... الخ. هذا ولا يصح أن نبي الله آدم توسل بالحق النبي وها كما لا يصح أنه توسل بجاه النبي داخلية. ١٠٩ سورة البقرة الآية - ٤٠، ٤١ فإن قيل : فلِمَ قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، ولم يقُلْ: فتابَ عَلَيْهِما، والتوبة قد توجهت إليهما ؟ قيل : عنه جوابان : أحدهما : لما ذكر آدم وحده بقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ﴾ ، ذكر بعده قبول توبته ، ولم يذكر توبة حوَّاء وإن كانت مقبولة التوبة ، لأنه لم يتقدم ذكرها . والثاني : أن الاثنين إذا كان معنى فعلهما واحداً ، جاز أن يذكرَ أحدهما ، ويكونَ المعنى لهما ، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً أَنْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾، [الجمعة: ١١] وكما قال عز وجل: ﴿وَآللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، أي الكثيرُ القبولِ للتوبةِ، وعقبه بالرحمة ، لئلا يخلََّ الله تعالى عباده من نِعَمِهِ . وقال الحسن : لم يخلق الله تعالى آدمَ إلا للأرض ، فلو لم يعص لخرج على غير تلك الحال ، وقال غيره : يجوز أن يكون خَلَقَهُ للأرض إن عَصَىْ ، ولغيرها إن لم يعصٍ . ولم يُخْرِجِ اللَّهُ تعالى آدمَ من الجنة ويُهِْطُهُ إلى الأرض عقوبةً ، لأمرين : أحدهما : أن ذنبه كان صغيراً .. والثاني : أنه أُهْبِطَ بعد قبول توبته . وإنما أُهْبِطَ لأحد أمرين: إِمَّا تأديباً، وإمَّا تغليظاً للمحنة . يَبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْثُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِنَّىَ فَارْهَبُونِ وَءَامِنُواْبِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًّالِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِةٍ. ٤٠ وَلَا تَشْتَرُواْ بِتَابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا وَإِنَّىَ فَاتَّقُونِ ٤١ قوله عز وجل : ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ أَذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ وإسرائيل هو يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، قال ابنُ عباس: ((إسرا)) بالعبرانية: عبد، و((إيل)) هو الله، فكان اسمه عبدالله. ١١٠ سورة البقرة الآية - ٤١،٤٠ وقوله : ﴿أَذْكُرْوا نِعْمَتِيَ﴾ والذكر اسم مشترك، فالذكر بالقلب ضد النسيان ، والذكر باللسان ضد الإنصات ، والذكر الشرف ، وقال الكسائي : ما كان بالقلب فهو مضموم الذال ، وقال غيره : هو لغتان : ذِكر وذُكر ، ومعناهما واحد . والمراد بالآية الذكر بالقلب ، وتقديره : لا تغفلوا عن نعمتي ، التي أنعَمْتُ عليكم ولا تَنَاسَوْها . وفي النعمة التي أنعمها عليهم قولان : أحدهما : عموم نِعَمِهِ الَّتي أنعم بها على خلْقِهِ ، كما قال تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. والثاني : وهو قول الحسن البصري، أنه أراد نِعَمَهُ عَلَى آبائهم ، إذ نجَّاهم من آل فرعون ، وجعل منهم الأنبياء ، وأنزل عليهم الكتب ، وفَجَّر لهم الحَجَرَ ، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى ، والنعم على الآباء ، نعم على الأبناء ، لأنهم يَشْرُفون بشرف آبائهم . وفي قوله تعالى : ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قولان: أحدهما : أوفوا بعهدي الذي أخذتُ عليكم من الميثاق ، أن تؤمنوا بي وتصدقوا رُسُلي ، أوفٍ بعهدكم على ما وعدتكم من الجنة . والثاني : قاله عبد الله بن عباس : أَوْفُوا بما أَمَرْتُكم ، أُوفِ بما وَعَدْتُكم إِيَّاهُ . وفي تسمية ذلك عهداً قولان : أحدهما : لأنه عَهْدُهُ في الكتب السالفةِ . والثاني : أنه جعله كالعهد ، الذي هو يمين لِلُزُوم الوفاءِ بهما معاً . قوله عز وجل: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ يعني من القرآن على محمد أوَّل، مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ ﴾ يعني من التوراة ، وفيه ثلاثة أقاويل : أحدها : مصدقاً لما في التوراة ، من توحيد الله وطاعته . والثاني : مصدقاً لما في التوراة ، أنها من عند الله . والثالث: مصدقاً لما في التوراة من ذكر القرآن، وبَعْثِهِ مُحمداً فَلَه نبيّاً. ١١١ سورة البقرة الآية - ٤٢، ٤٣ وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أُوَّلَ كَافِرِ بِهِ ﴾ ثلاثة أقاويل : أحدها : ولا تكونوا أول كافرٍ بالقرآن من أهل الكتاب ، وهو قول ابن جریجٍ . والثاني: ولا تكونوا أول كافر بمحمدٍ وَلَّ، وهذا قول أبي العالية. والثالث : ولا تكونوا أول كافرٍ بما في التوراة والإنجيل من ذكر محمدٍ وتصديقِ القرآن . وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ ثلاثةُ تأويلاتٍ : أحدها : لا تأخذوا عليه أجراً، وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: (( يا ابن آدم علِّم مجّاناً كما عُلِّمْتَ مجّاناً))، وهذا قول أبي العالية . والثاني : لا تأخذوا على تغييره وتبديله ثمناً ، وهذا قول الحسن البصري . والثالث: لا تأخذوا ثمناً قليلاً على كتم ما فيه من ذكر محمدٍ أَّ، وتصديق القرآن ، وهذا قول السدي . وَلَا تَلْبِسُواْالْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْنُواْ الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٦) وَأَقِيمُواْ الضَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَرْكَعُواْ مَعَ الزَّكِعِينَ ٤٣ قوله عز وجل: ﴿وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ بعني لا تخلطوا الْحَقَّ بالباطِلِ، واللبس خلط الأمور، وفيه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴾ [الأنعام: ٩] قال ابن عباسٍ : معناه: ولخلطنا عليهم ما كانوا يخلطون، ومنه قول العجاج: غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْداً مِنِّي (١٥٥) لَّمَّا لَبَسْنَ الْحَقَّ بِالتَّجَنِّي وفي قوله : ﴿ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : الصدق ، وهو قول ابن عباس . والثاني : اليهودية والنصرانية بالإِسلام ، وهو قول مجاهد . والثالث: الحقُّ : التوراةُ التي أُنْزِلَتْ على موسى، والباطلُ: الذي كتبوه بأيديهم. (١٥٥) ديوانه : (٦٥). ١١٢ سورة البقرة الآية - ٤٢، ٤٣ وقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقِّ﴾ يعني محمداً، ومعرفة نبوَّته، ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه في الكتب التي بأيديكم ، وهذا قول الجميع . قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. أما الصلاة : فقد مضى الكلام فيها . وأما الزكاة : ففي تسمية صدقة الأموال بها ، قولان : أحدهما : أنه من تثمير المال وزيادته ، ومنه قولهم : زَكًا الزرع ، إذا زاد ، ويقال : زكا الفرد إذا صار زوجاً بزيادة الزائد عليه حتى صار شفعاً كما قال الشاعِرُ : لَمْ يُخْلَقُوا وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلِجُ (١٥٦) كَانُوا خَساً أَوْ زَكاً مِنْ دُونٍ أَرْبَعَةٍ فخساً : الوتر ، وزكاً : الشفع ، وقال الراجز : فَلَ خَساً عَدِيدُهُ وَلاَ زَكاً كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا (١٥٧) السَّفَا : شوك البهمي ، والبهمي : الشوك الممدود مثل السبلى . والقول الثاني : أنَّها مأخوذة من التطهير ، ومنه قوله تعالى: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفَسأَ زَاكِيَةً﴾ (١٥٨) [الكهف: ٧٤] أي طاهرة من الذنوب. وفيما يُطهّر قولان : أحدهما : أنه تطهير المال حتى صار بأداء الحقِّ منه حلالاً ولولاه لخَبُثَ . الثاني : تطهير نفس المزكي ، فكأن المزكي طهّر نفسه من الشُحِّ والبخل . قوله تعالى: ﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنه أراد جملة الصلاة ، فعبر عنها بالركوع ، كما يقول الإِنسان : فَرَغْتُ من ركوعي ، أي من صلاتي . والثاني : أنه أراد الركوع الذي في الصلاة ، لأنه لم يكن في صلاة أهل (١٥٦) أنظر اللسان مادة [ خسا ] وفيه قال الفراء: أنشدتني الديبويه ... ثم أنشد البيت السابق : كانوا خساً ... (١٥٧) هذا البيت لرجل من بني سعد. أنظر: [ معجم الشعراء ص ٤٩٠ ] [ طبقات فحول الشعراء ٥٧٢ ]. (١٥٨) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو. أنظر: [ السبعة في القراءات لابن مجاهد ٣٩٥]. ١١٣ سورة البقرة الآية - ٤٤ - ٤٧ الكتاب ركوعٌ ، فَأُمَرَهُم بما لا يفعلونه في صلاتهم . وفي أصل الركوع قولان : أحدهما : أنه مأخوذ من التطامن والانحناء ، وهو قول الخليل ، وابن زيدٍ ، قال لبيد بن ربيعة : أخبّر أخبار القرون التي مضت أدِبُّ كَأَنِّي كُلَّمَا قُمْتُ رَاكِعُ والثاني : أنه مأخوذ من المذلّة والخضوع ، وهو قول الأصمعي والمفضل ، قال الأضبطُ بنُ قريع السَّعْدِيُّ : لَا تُذِلَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ كَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ أَتَأْمُرُ ونَ النَّاسَ بِلْبِرِ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ 33 قوله عز وجلَّ: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِآلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله ، وهم يَعْصُونَهُ ، وهو قولُ السدي ، وقتادة ، لأنه قد يعبر بالبر عن الطاعة ، قال الشاعِرُ : لَهُمَّ إِنَّ آلَ بَكْرِ دُونَكَا يَبِرُّكَ النَّاسُ وَيَفْجُرُونَكَا أي يُطِيعونك . والثاني : أنهم كانوا يأمرون الناس بالتمسك بكتاب ربهم ويتركونه بجحود ما فيه من نبوّة محمدٍ وَّهِ ، وهو قول ابن عباس . والثالث : أنهم كانوا يأمرون بالصدقة ويضنون بها . وَأَسْتَعِينُوْبِالصَّبْرِوَالصَّلَوَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّ عَلَ اْخَشِعِينَ اُلَّذِينَ يَظُنُّونَ ٤٥ يَبَنِيّ إِسْرَءِ يَ اذْكُرُواْنِعْمَتِىَ الَِّى أَنْعُمْتُ ٤٦ أَنَّهُم مُّلَقُواْرَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ ! عَلَيْكُمْ وَأَنِي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ٤٧ قوله عز وجل: ﴿وَأَسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾: ١١٤ سورة البقرة الآية - ٤٤ - ٤٧ أما الصبر : فهو حبس النفس عما تُنازِع إليه ، ومنه صبر صاحب المصيبة ، أن يحبس نفسه عن الجزع ، وسُمِّي الصوم صبراً لحبس النفس عن الطعام والشراب ، ولذلك سُمِّ شهرُ رمضانَ شهر الصبرِ، وجاء في الحديث: ﴿ أَقْتُلُوا الْقَاتِلَ، وَأَصْبِرُوا الصَّابِرَ))(١٥٩)، وذلك فيمن أمسك رجلاً حتى قتله آخر، فأمر بقتل القاتل ، وحبس الممسك . وفي الصبرِ المأمور به ، قولان :. أحدهما : أنه الصبرُ على طاعته ، والكف عن معصيته . والثاني: أنه الصوم، وقد كان النبيُّ وَلِ﴿ إذا حَزَبَهُ أمرٌ استعان بالصلاة(١٦٠) والصيام ، ورُوِيَ أنه رأى سلمان منبطحاً على وجهه ، فقال له : أشكو من بردٍ . قال: ((قم فصلِّ الصلاة تُشْفَ))(١٦١). وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ ففيه ثلاثة أقاويلَ: أحدها : يعني : وإن الصلاة لثقيلة إلا على المؤمنين ، لعود الكناية إلى مؤنثِ اللفظ ٠ (١٥٩) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (٢٥٤/١) والبيهقي في السنن (٥٠/٨) من حديث اسماعيل بن أمية. قال الإمام السيوطي في الجامع الكبير (١٣٣/١) بعد نسبته للبيهقي وأبي عبيد ((عن اسماعيل بن أمية مرسلاً)). قلت : بل هو معضل فإن إسماعيل من أتباع التابعين. (١٦٠) ورد من حديث حذيفة رضي الله عنه بلفظ ((كان رسول الله ﴿ إذا حزبه أمر صلى)) رواه أحمد في المسند (٣٨٨/٥) وأبو داود (١٣١٩) والطبري (١٢/٢) برقم (٨٥٠) وصححه الشيخ أحمد شاكر وأما ماذكره المؤلف هنا من زيادة والصيام فلم أهتدٍ إليها ولعله ذكر ذلك من نصوص القرآن العامة التي تحث على الطاعة عند نزول البلاء . (١٦١) هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ورد لكن الذي قال له النبي ذلك هو أبا هريرة رضي الله عنه وقد رواه الطبري معلقاً (١٣/٢) وأحمد برقم (٩٠٥٤، ٩٢٢٩) وابن ماجه برقم (٣٤٥٨) وفي سنده عند الكل ذواد أبي المنذر وضعفه ابن معين فقال ليس بشيء وقال البخاري فيه: يخالف في بعض حديثه ونقل البخاري في التاريخ الصغير (ص ٢١٤ ) عن ابن الأصبهاني أنه قال ورفعه ذواد [ أي الحديث ] وليس له أصل وأبو هريرة لم يكن فارسياً إنما مجاهد فارسي. قال الشيخ أحمد شاكر : فهذا تعليل دقيق من ابن الأصبهاني ثم من البخاري يقضي بضعف إسناد الحديث مرفوعاً ثم هذه اللفظة الموجودة في الحديث وردت بألفاظ مختلفة : ففي رواية : اشكنب درد يعني تشتكي بطنك ووردت بألفاظ أخرى أنظرها في الطبري (١٣/٢، ١٤). ١١٥ سورة البقرة الآية - ٤٨ والثاني : يعني الصبر والصلاة ، فأرادهما ، وإن عادت الكناية إلى الصلاة ؛ لأنها أقرب مذكور ، كما قال الشاعرُ : فَإِنِّي وَقَيَّارُ بِهَا لَغَرِيبُ فَمَنْ يَكُ أَمْسَىْ فِي الْمَدِينَةِ رَحْلُهُ والثالث: وإن إجابة محمد بَله الشديدة إلا على الخاشعين. والخشوع في الله : التواضع ، ونظيره الخضوع ، وقيل : إن الخضوع في البدن ، والخشوعَ في الصوت ، والبصر . قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو ربِّهِمْ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم ، لإِشفاقهم من المعاصي التي كانت منهم . والثاني : وهو قول الجمهور : أن الظن ها هنا اليقين ، فكأنه قال : الذين يَتَّقِّنُون أنهم ملاقو ربهم(١٦٢)، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حسَابِيَهْ ﴾ أي تيقّنت ، قال أبو داود : وَغُيوبٍ كَشَفْتَهَا بِظُنُونٍ رُبَّ هَمِّ فَرَّجْتَهُ بِغَرِیمٍ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : أنه أراد بالرجوع الموت . والثاني : أنهم راجعون بالإِعادة في الآخرة ، وهو قول أبي العالية . والثالث : راجعون إليه ، أي لا يملك أحد لهم ضرّاً ولا نفعاً غيره كما كانوا في بدء الخلق . وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَاهُمْ يُنْصَرُونَ( (٤٨ قوله عز وجل : ﴿ وَأَتَّقُوا يَوْماً لَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ فيه تأويلان: (١٦٢) قال أبو جعفر الطبري (١٧/٢) إن قال لنا قائل وكيف أخبر الله جل ثناؤه عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة أن يظن أنه ملاقيه والظن شك والشاك في لقاء الله عندك في الله كافر؟ قيل له إن العرب قد تسمي اليقين ظناً والشك ظناً . = ١١٦ ٠ سورة البقرة الآية - ٥٠،٤٩ أحدهما : معناه : لا تُغْنِي ، كما يقال : البقرة تَجْزِي عن سبعةٍ أي تُغِنِي، وهو قول السدي . والثاني : معناه لا تقضي ، ومنه قولهم جزى الله فلاناً عني خيراً ، أي قضاه ، وهو قول المفضل . وَلَ يُقْبِلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ﴾ قال الحسن : معناه لا يجِيءُ بشفيعٍ تقبل شفاعته لعجزه عنه ، وقال غيره : بل معناه ، أن الشفيع لا يجيبه إلى الشفاعة له ، وأنَّه لو شُفِّعَ لشَفَعَ . قوله عز وجل: ﴿وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: العَدْلُ بفتحِ العَيْنِ : الفِذْيَةُ ، وبكسرِ العَيْنِ : المِثلُ . فأما قولهم : لا قَبل الله منه صرفاً ، ولا عدلاً ، ففيه أربعة أقاويل : أحدها : أن الصرف العمل ، والعدل الفدية ، وهذا قول الحسن البصري . والثاني : أن الصرف الدية ، والعدل رجل مكانه ، وهذا قول الكلبي . والثالث : أن الصرف التطوع ، والعدل الفريضة ، وهذا قول الأصمعي . والرابع : أن الصرف الحِيلَةُ ، والعدل الفدية ، وهذا قول أبي عبيدة . وَإِذْ نَّنَكُمْ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُوُمُونَّكُمْ سُوْءَ الْعَذَابِ يَُّ تِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِ ذَلِكُمْ بَلٌَّ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (*) وَإِذْفَرَقْنَابِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنِيَّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ٥٠ قوله عز وجل: ﴿وَإِذْ نَجَينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يعني من قوم فرعون ، وآل الرَّجُلِ: هم الذين تؤول أمورهم إليه، إما في نسب ، أو في صحبة ، وَاختُلِف في الآل والأهل على قولين : أحدهما : أنهما سواء . والثاني : وهو قول الكسائي : أنه يقال : آل الرجل، إذا ذكر اسمهُ ، فإن = نظير تسميتهم الظلمة سدفة والضياء سدفة والمغيث صارخاً والمستغيث صارخاً وما أشبه ذلك من الأسماء التي تسمي بها الشيء وضده ... الخ . ١١٧ سورة البقرة الآية - ٥٠،٤٩ كُنِّيَ عنه قيل أهله ، ولم يُقَلْ آله ، كما يقال: أهل العلم ، وأهل البصرة ، ولا يقال : آل العلم ، وآل البصرة . وفِرْعَوْنُ : قيل إنه ذلك الرجل بعينه ، وقيل إنه اسمُ كلُّ ملكٍ من ملوك العمالقة ، مثل قيصر للروم ، وكسرى للفرس ، وأن أَسْمَ فِرْعَوْنِ مُوسَى : الوليدُ بنُ مُصْعَبٍ . وفي قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴾ ثلاثةُ تأويلاتٍ : أحدها : معناه يولونكم ، مِنْ قولهم: سَامَهُ خطة خَسْفٍ ، إذا أولاه . والثاني : يُجَشِّمُونَكُمُ الأعمال الشَّاقَّة. والثالث : يزيدونكم على سوء العذاب ، ومنه مساومة البيع ، إنما هو أن يزيد البائعُ المشتريَ على ثمنٍ ، ويزيد المشتري على ثمنٍ ، وهذا قول المفضل . قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ أي يستبقون ، وهو استفعال من الحياة ، لأنهم كانوا يُذَبِّحُونَ الذكور، ويستبقون الإِناث . وأما أسم النساء ، فقد قيل : إنه ينطلق على الصغار ، والكبار ، وقيل : بل ينطلق على الكبار، وإنما سَمَّى الصغار نساءً، على معنى أنهُنَّ يبقِين ، حتّى يصِرْنَ نساءً . وإنما كان إستبقاءُ النساء من سوء العذاب ، لأنهم كانوا يستبقونهن للاسترقاق والخدمة ، فصار ذلك هو سُوءَ العذاب ، لا الاستبقاء . وفي قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ تأويلان: أحدهما : أن فيما كانوا يفعلونه بهم : مِنْ سوء العذاب ، وذبح الأبناء ، واستحياء النساءِ شدةً وجهداً عظيماً . والثاني : أن في إنجائهم من آل فرعونَ ، الذين كانوا يفعلون ذلك بهم نعمةٌ من ربِّهم عظيمةٌ ، وهو قول ابن عباسٍ ، ومجاهدٍ ، والسدي . وأصل البلاء الاختبار في الخير والشر ، كما قال عز وجل : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] لأن الاختبار قد يكون بالخير كما ١١٨ سورة البقرة الآية - ٥١ - ٥٣ يكون بالشر، غير أن الأكثر في الشر أن يقال: بَلَوْتُه أَبْلُوهُ بلاءً، وفي الخير: أَبْلَيْتُهُ أُبْلِیهِ إبلاءً، ومن ذلك قولُ زُهَیْرٍ: فَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلاَءِ الَّذِي يَبْلُو(١٦٣) جَزَى اللَّهُ بِآلْإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ فجمع بين اللُّغَتين . قوله عز وجل : ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : وإِذْ فصلنا بكم البحر ، لأن الفَرْقَ : الفصل بين الشيئين ، فَفَرَقَ البحر آثني عشر طريقاً ، وكان عددهم ستمائة ألفٍ وعشرين ألفاً ، لا يُعَدُّ فيهم ابن عشرين لصغره ولا ابن ستين لكبره ، وكان على مقدمةِ فرعونَ هامانُ في أَلْفِ أَلْفٍ ، وسبعمائة حصانٍ ، وذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْ ذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤،٥٣] وهذا قول السدي. والثاني : أن معناه : وإذ فرقنا بينكم وبين البحر ، أي ميزنا ، فأصل الفرق التمييز بين الشيئين ، والفِرْقَةٌ من الناس : الطائفة المتميزة من غيرهم . والبحر سُمِّيَ بحراً لسعته وانبساطه ، ومنه قولهم : تبخّر في العلم ، إذا أتَّسع فيه ، والبَحِيرَةُ : الناقةُ تُشَقُّ أَذُنُها شَقّاً واسعاً. قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ﴾ فحذف ذِكْرَ فِرْعَوْنَ وإن غَرِقَ معهم ، لأنه قد عُلِمَ دخوله فيهم . قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ يعني إلى فَرْقِ البحر، حتى سلكوا فيه ، وآنطباقه على آل فرعون ، حتى غرقوا فيه . وَإِذْ وَ عَدْنَامُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَلِّمُونَ ٥١ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ () وَإِذْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ ٥٣ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَامُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾: (١٦٣) ديوان زهير (ص ١٠٩) وفيه: ((الله بدلاً من جزى الله)). ١١٩ سورة البقرة الآية - ٥١ - ٥٣ أما مُوسَىْ، فَآسم يَجْمَعُ بين كلمتين بالقبطية وهما: ماء وشجر ، فـ: مُوهو الماء، و((سا)) هو الشجر، وإنما سُمِّيَ بهذا الاسم الجامع لهاتين الكلمتين ، لما ذكره السدي من أنَّ أمه لما خافت عليه جعلته في التابوت ، وألقته في اليم ، كما أوحِيَ إليها، فألقاه بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرجت حَواريُّ آسيةَ آمرأةٍ فرعون يغتسلن ، فوجدنه ، فسُمَِّ باسم المكان . قال ابن إسحاق : وهو موسى بنُ عمرانَ بنِ يصهر بنٍ فاهت بنٍ لاوى بن يعقوب ( إسرائيل ) بن إسحاق بن إبراهيم . وقوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قال ابنُ الكلبي : لما جاوز موسى بيني إسرائيل البحر ، قال له بنو إسرائيل : أليس وعدتنا أن تأتينا بكتابٍ من الله تعالى ؟ فوعده الله أربعين ليلة ، ووعدها بني إسرائيل ، قال أبو العالية : هي ذو القِعْدةِ وعَشْرٌ من ذي الحِجَّة ، ثم اقتصر على ذكر الليالي دون الأيام ، وإن كانت الأيام تبعاً معها ، لأن أوَّلَ الشهورِ الليالي ، فصارت الأيامُ لها تبعاً . قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ يعني اتخذتموه إلهاً من بعد خروج موسى إلى الميقات ، واستخلافِهِ هارونَ عليهم . وسببُ ذلك فيما ذكر ابن عباسٍ ، أنَّ السامِرِيَّ كان من قومٍ يعبدون البقر ، فكان حبُّ ذلك في نفسه بعْدَ إظهاره الإِسلام ، وكان قد عَرَفَ جبريل لأن أمه حین خافت عليه أن يُذْبَحَ خَلَّفَتْهُ في غار ، وأطبقت عليه ، وكان جبريل يأتيه ، فيغذوه بأصابعه ، فلمَّا رآه حين عبر البحر عرفه ، فقبض قبضةً من أثر فرسه ، وكان آبن مسعودٍ يقرأ : ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ ﴾ ولم تزل القبضة في يده ، حتى فصل موسى إلى ربه ، وخلّف هارون في بني إسرائيل ، فقال لهم هارون : قد تحمُّلْتُمْ أوزاراً من زينة القوم ، يعني أمتعةً وحُلِيّاً، فَتَطَهَّرُوا منها فإنها نَجَسٌ ، فأوقد لهم ناراً ، وأمرهم بقذف ما كان معهم ففعلوا ، فأقبل السامِرِيُّ إلى النار وقال : يا نبيَّ الله الْقِي ما في يدي؟ قال: نعم، وهو يظن أنّهُ حُلِيٍّ ، فقذفه ، وقال : كن عجلاً جسداً له خوار . واختلفوا : هل صار حيواناً لحماً ودماً أم لا ؟ ١٢٠