Indexed OCR Text
Pages 81-100
سورة البقرة الآية - ٢٠،١٩ قوله تعالى: ﴿صَمِّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ وهذا جمع : أصم ، وأبكم ، وأعمى ، وأصل الصَّمَمُ الانسداد ، يقال قناة صماء ، إذا لم تكن مجوفة ، وصممت القارورة، إذا سددتها ، فالأصم : من آنسدَّتْ خروق مسامعه . أما البَكَمُ ، ففيه أربعة أقاويل : أحدها : أنه آفة في اللسان ، لا يتمكن معها من أن يعتمد على مواضع الحروف . والثاني : أنه الذي يولد أخرس. والثالث : أنه المسلوب الفؤاد ، الذي لا يعي شيئاً ولا يفهمه . والرابع : أنه الذي يجمع بين الخَرَس وذهاب الفؤاد . ومعنى الكلام ، أنهم صمُّ عن استماع الحق ، بكم عن التكلم به ، عُمْيٌ عن الإِبصار له ، رَوَىْ ذلك قتادة ، ﴿فَهُمْ لَ يَرْجِعُونَ﴾ يعني إلى الإِسلام. أَوْكَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِفِيهِ ظُلُمَتُ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِىّءَاذَانِهِمْ مِنَ الضَّوْعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِّ وَاَللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ ﴿ يَكَادُ الْبَّقُ تَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلِّمَا أَضَآءَلَهُم مَّشَوْافِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ٢٠ قوله عز وجل : ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وبَرْقٌ ﴾ في الصيِّبِ تأويلان : أحدهما : أنه المطر ، وهو قول ابن عباس وابن مسعود . والثاني : أنه السحاب ، قال علقمة بن عبدة : كَأَنَّهَّمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِ هِنَّ دَبِيبُ سُقِيتِ غَوَادِي الْمُزنِ حِينَ تَصُوبُ(١١٣) فَلاَ تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمِّرٍ (١١٣) شعر علقمة في ديوانه (٣٤) لكن الشطر الأخير من البيت الثاني : (( سقتك روايا المزن حين تصوب)) وكذا هو في المفضليات ( ٧٨٤ ) ، ٧٦٩ ) ٨١ سورة البقرة الآية - ٢٠،١٩ وفي الرعد ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مَلَكٌ ينعق بالغيث ، كما ينعق الراعي بغنمه ، فَسُمَِّ الصوتُ رعداً باسم ذلك المَلك ، وبه قال الخليل : والثاني : أنه ريح تختنق تحت السحاب فَتُصَوِّبُ ذلك الصوت ، وهو قول ابن عباس . والثالث : أنه صوت اصطكاك الأجرام . وفي البرق ثلاثة أوجه : أحدها : أنه ضرب (١١٤) الملك الذي هو الرعد للسحاب بمخراق من حديد ، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه . والثاني : أنه ضربه بسوطٍ من نور ، وهذا قول ابن عباس . والثالث : أنه ما ينفدح من اصطكاك الأجرام . والصواعق جمع صاعقة ، وهو الشديد من صوت الرعد تقع معه قطعة نار ، تحرق ما أتت عليه . وفي تشبيه المثل في هذه الآية أقاويل : أحدها : أنه مَثَلٌ للقرآن ، شُبِّهَ المطرُ المُنَزَّلُ من السماء بالقرآن ، وما فيه من الظلمات بما في القرآن من الابتلاء ، وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر ، وما فيه من البرق بما في القرآن من البيان ، وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد الآجل ، والدعاء إلى الجهاد في العاجل ، وهذا المعنى عن ابن عباس . والثاني : أنه مَثَلُ ، لما يخافونه من وعيد الآخرة لشكهم في دينهم ، وما فيه من البرق بما في إظهار الإِسلام من حقن دمائهم ومناكحهم ومواريثهم ، وما فيه من الصواعق بما في الإِسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل . والثالث : أنه ضَرَبَ الصّيِّب مَثَلًا بظاهر إيمان المنافق ، ومثل ما فيه من (١١٤) وأرجح الأقوال في ذلك ما أيده الحديث الصحيح وهو القول الأول: قول علي بن أبي طالب لما رواه أحمد رقم (٢٤٨٣) وغيره في حديث طويل أجاب فيه النبي # على أسئلة اليهود ومنها سؤاله عن الرعد. ٨٢ سورة البقرة الآية - ٢٢،٢١ الظلمات بصلابته ، وما فيه من البرق بنور إيمانه ، وما فيه من الصواعق بهلاك نفاقه . قوله عز وجل : ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ معناه يستلبها بسرعة . ◌ِكُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ﴾ وهذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للمنافقين ، وفيه تأويلان : أحدهما : معناه كلما أضاء لهم الحق اتبعوه ، وإذا أظلم عليهم بالهوى ترکوه . والثاني : معناه كلما غنموا وأصابوا من الإِسلام خيراً ، اتبعوا المسلمين ، وإذا أظلم عليهم فلم يصيبوا خيراً ، قعدوا عن الجهاد . قوله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ فالمراد الجمع وإن كان بلفظ الواحد . كما قال الشاعر : كُلُوا فِي نِصْفِ بَطْنِكُمُ تَعِيشُوا فَإِنَّ زَمَانَكُمْ زَمَنْ خَمِيصُ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ وارَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقَالَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوْلَّهِأَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (® قوله عز وجل: ﴿ فَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهِ أَنْدَاداً ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : أنَّ الانداد الأكْفَاءُ ، وهذا قول ابن مسعود . والثاني : الأشباه ، وهو قول ابن عباس . والثالث : الأضداد ، وهو قول المفضل (١١٥). (١١٥) هو المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر بن سالم الضبي ، أبو العباس: أديب، نحوي ، لغوي ، عالم بالشعر وأيام العرب . له : المفضليات ، معاني الشعر، الأمثال وغيرها . توفي سنة ١٦٨ هـ . أنظر : - الفهرست (٩٨/١)، معجم الأدباء (١٦٤/١٩)، معجم المؤلفين (٣١٦/١٢) ٨٣ سورة البقرة الآية - ٢٣، ٢٤ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : وأنتم تعلمون أن الله خلقكم ، وهذا قول ابن عباس وقتادة . والثاني : معناه وأنتم تعلمون أنه لا ندَّ له ولا ضد ، وهذا قول مجاهد . والثالث : معناه وأنتم تعْقلون فعبر عن العقل بالعلم . وَإِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّانَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَ كُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ صى فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ ٢٤ قوله عز وجل : ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾ يعني في القرآن ، على عبدنا: يعني محمداً وَّر، والعبد مأخوذ من التعبد ، وهو التذلل ، وسُمي المملوك من جنس ما يعقل عبداً ، لتذلله لمولاه . فَأُتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ فیه تأويلان : أحدهما : يعني من مثله من القرآن وهذا قول مجاهد وقتادة . والثاني: فأتوا بسورة من مثل محمد وَ ل# من البشر، لأن محمداً بشر مثلهم . وَأَدْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : يعني أعوانكم ، وهذا قول ابن عباس . والثاني : آلهتكم ، لأنهم كانوا يعتقدون أنها تشهد لهم ، وهذا قول الفراء . والثالث : ناساً یشهدون لکم ، وهذا قول مجاهد . قوله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ الوقود بالفتح الحطب ، والوُقود بالضم التوقُّد ، والحجارة(*) من كبريتٍ أسود(١١٦)، وفيها قولان : (١١٦) قال العلامة الألوسي في روح المعاني (١٩٨/١) والمراد بها [ أي بالحجارة ] على ما صح عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم ولمثل ذلك حكم الرفع حجارة الكبريت وفيها من شدة الحر وكثرة الالتهاب وسرعة الايقاد ومزيد الالتصاق بالأبدان وأعداد أهل النار أن يكونوا حطباً مع نتن ريح وكثرة دخان ووفور كثافة ما نعوذ بالله منه . ٨٤ سورة البقرة الآية - ٢٥ أحدهما : أنهم يعذبون فيها بالحجارة مع النار ، التي وقودها الناس ، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس . والثاني : أن الحجارة وقود النار مع الناس ، ذكر ذلك تعظيماً للنار ، كأنها تحرق الحجارة مع إحراقها الناس . وفي قوله : ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِينَ ﴾ قولان: الأول : أنها وإن أعدت للكافرين ، فهي معدة لغيرهم من مستحقي العذاب من غير الكافرين ، وهي نار واحدة ، وإنما يتفاوت عقابهم فيها . والثاني : أن هذه النار معدة للكافرين خاصة ، ولغيرهم من مستحقي العذاب نارٌ غيرها . وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَذِّ كُلَّمَارُ زِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ رِزْقًّا قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأُتُواْبِهِ مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِهَا أَزْوٌَ مُطَهَرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ٢٥ قوله عز وجل: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ بشر من البشارة ، أو خبر يرد عليك بمايَسُرُ، وقيل بما يُسرُّ ويُغِمُّ(١١٧) ، وإنما كثر استعماله فيما يَسُرُّ، حتى عُدِلَ به عما يُغِمُّ ، وهو مأخوذ من البَشْرَةِ وهي ظاهر الجلد لتغيرها بأول خبر [ يرد عليه ](*). والجنات جمع جنة ، وهي البستان ذو الشجر ، وسمي جنة لأن ما فيه من الشجر يستره ، وقال المفضل : الجنة كل بستان فيه نخل ، وإن لم يكن فيه شجر غيره ، فإن كان فيه كَرْمٌ فهو فردوس ، كان فيه شجر غير الكرم أو لم يكن . (١١٧) وشاهد الذي قاله الامام أبو الحسن رحمه الله في التنزيل حيث قال الله تعالى لنبيه و له في سورة النساء آية . ﴿ بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً﴾. (*) ما بين المعكوفين زيادة . ٨٥ سورة البقرة الآية - ٢٥ ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ يعني من تحت الشجر ، وقيل: إن أنهار الجنة تجري من غير أخدود . قوله عز وجل : ﴿ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، يعني بقوله: ﴿رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرةٍ رِزْقاً﴾ أي من ثمار شجرها . قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : أن معناه : أن هذا الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الجنة ، مثلُ الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الدنيا ، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة . والثاني : أن ثمار الجنة إذا جنيت من أشجارها ، استخلف مكانها مثلها ، فإذا رأوا ما استخلف بعد الذي جُنِي، اشتُبِهِ عليهم، فقالوا: ﴿هذَا الَّذِيْ رُزِقْنَا مِنْ قَبْل﴾، وهو قول أبي عبيد ويحيى بن أبي كثير(١١٨). قوله عز وجل: ﴿وَأَتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً ﴾ فيه أربعة تأويلات : أحدها : أن معنى التشابه أن کله خیار یشبه بعضه بعضاً وليس كثمار الدنيا ، التي لا تتشابه لأن فيها خياراً وغير خيار ، وهذا قول الحسن وقتادة وابن جريج . والثاني : أن التشابه في اللون دون الطعم(١١٩) فكأن ثمار الجنة في ألوان ثمار الدنيا ، وإن خالفتها في الطعم ، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود والربيع بن أنس . والثالث : أن التشابه في الأسماء دون الألوان والطعوم ، فلا تشبه ثمار الجنة شيئاً من ثمار الدنيا في لون ولا طعم ، وهذا قول ابن الأشجعي (١٢٠) وليس بشيء. (١١٨) هو يحيى بن أبي كثير اليمامي ، أبو نصر، من أهل البصرة . سكن اليمامة لا يصح له سماع عن أنس ولا غيره من الصحابة. توفي سنة ١٢٩. أنظر : - التهذيب (٢٦٨/١١)، تذكرة الحفاظ للسيوطي (١٨٨/١). (١١٩) قال العلامة ابن الجوزي في زاد المسير (٥٣/١) فإن قال قائل ما وجه الإمتنان بمتشابهه . وكلما تنوعت المطاعم واختلفت ألوانها كان أحسن فإنك لو رأيت تفاحة فيها طعم سائر الفاكهة كان نهاية العجب وإن قلنا أنه متشابه في الجودة جاز اختلافه في الألوان والطعوم وإن قلنا انه يشبه صوره ثمار الدنيا مع اختلاف المعاني كان أطرف وأعجب وكل مطالب مؤثرة. اهـ. (١٢٠) هو أبو مالك الأشجعي ، سعد بن طارق بن أشيم. كوفي صدوق. أنظر : - التاريخ الكبير (٥٨/٤)، الجرح والتعديل (٨٦/٤)، سير أعلام النبلاء (١٨٤/٦). ٨٦ سورة البقرة الآية - ٢٧،٢٦ قوله عز وجل : ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْ وَاجٌ مُطَهَّرَةً ﴾ في الأبدان ، والأخلاق ، والأفعال، فلا يَحِضْن، ولا يلدْن، ولا يذهَبْن إلى غائطٍ ولا بولٍ، وهذا قول جميع أهل التفسير . إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِى: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيَأْ وَمَا يُضِلُّ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ بِهِةٍ إِلَّا الْفَسِقِينَ ثَّـ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهَِأَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِّ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ (9) قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَة فما فوقها ﴾. في قوله : ﴿لَا يَسْتَحْيِي ﴾ ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها : معناه لا يترك (١٢١). والثاني : [ يريد ](*) لا يخشى . والثالث : لا يمتنع ، وهذا قول المفضل . وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفاً من موَاقَعَةِ القبح . والبعوضة : من صغار البقِّ سُميت بعوضة، لأنها كبعض البقَّة لصِغَرِها . وفي قوله : ﴿ مَا بَعُوضَةً ﴾ ثلاثةُ أوجُهٍ : (١٢١) إن ما عليه السلف الصالح بالنسبة لصفات الله تعالى أنهم يؤمنون بها كما وردت من غير تعطيل ولا تشبيه ولا تجسيم وما كانوا ليتوسعوا بالتأويل فقد ثبت التأويل عن البخاري في باب التفسير في قوله تعالى ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ فقال البخاري أي ملكه وكذلك أُوَّل صفة الضحك بالرحمة وكذلك أُوَّل أحمد قوله تعالى وجاء ربك فقال أي أَمْرُهُ، وأَوَّل الحديث يوم تأتي البقرة، فقال أي ثوابها وكذلك أول الشافعي ومالك وغيرهم. (٥) ما بين المعكوفين زيادة . ٨٧ سورة البقرة الآية - ٢٧،٢٦ أحدها: أن ((ما)) بمعنى الذي ، وتقديره : الذي هو بعوضة . والثاني : أن معناه : ما بين بعوضة إلى ما فَوْقها . والثالث: أن ((ما )) صلةٌ زائدةٌ ، كما قال النابغة: قَالَتْ أَلَا لَيْتُمَا هَذَا أَلْحَمَامُ لَنَا إِلَى حَمَامَتِنَا وَنِصْفُهُ فَقَدٍ ﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : فما فوقها في الكبر ، وهذا قول قتادة وآبنِ جُريجٍ . والثاني : فما فوقها في الصغر ، لأن الغرض المقصود هو الصغر . وفي المثل ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه وارد في المنافقين ، حيث ضَرَبَ لهم المَثَلَيْنِ المتقدِّمين : مثَلَّهُمْ كمثل الذي استوقد ناراً ، وقوله : أو كصيِّب من السماء ، فقال المنافقون : إن الله أعلى مِنْ أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ ، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس . والثاني : أن هذا مثلٌ مبتدأ ضَرَبَهُ الله تعالى مثلاً للدنيا وأهلها ، وهو أن البعوضة تحيا ما جاعت ، وإذا شبعت ماتت ، كذلك مثل أهل الدنيا ، إذا امتلأوا من الدنيا ، أخذهم الله تعالى عند ذلك ، وهذا قول الربيع بن أنس . والثالث : أن الله عز وجل حين ذكر في كتابه العنكبوت والذباب وضربهما مثلاً ، قال أهل الضلالة : ما بال العنكبوت والذباب يذكران ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وهذا قول قتادةَ ، وتأويل الربيع أحسن ، والأولُ أَشبَهُ . قوله عز وجل: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ﴾ فيه ثلاثةُ تأويلات: أحدها : معناه بالتكذيب بأمثاله ، التي ضربها لهم كثيراً ، ويهدي بالتصديق بها كثيراً . والثاني : أنه آمتحنهم بأمثاله، فَضَلَّ قوم فجعل ذلك إضلالاً لهم ، واهتدى قوم فجعله هدايةً لهم . والثالث : أنه إخبار عمَّنْ ضلَّ ومن اهتدى . قوله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَاقِهِ ﴾. ٨٨ سورة البقرة الآية - ٢٧،٢٦ أما النقض ، فهو ضد الإِبرام ، وفي العهد قولان : أحدهما : الوصيّة . والثاني : الموثق . والميثاق ما وَقَعَ التوثق به . وفيما تضمنه عهده وميثاقه أربعة أقاويل : أحدها : أن العهد وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعة ، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصية في كتبه ، وعلى لسان رسله ، ونقضهم ذلك بترك العمل به . والثاني : أن عهده ما خلقه في عقولهم من الحجة على توحيده وصدق رسله بالمعجزات الدالة على صدقهم . والثالث : أن عهده ما أنزله على أهل الكتاب [ من ]، على صفة النبي وصل* ، والوصية المؤكدة باتباعه ، فذلك العهد الذي نقضوه بجحودهم له بعد إعطائهم الله تعالى الميثاق من أنفسهم ، ليبينه للناس ولا يكتمونه ، فأخبر سبحانه ، أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً . والرابع : أن العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم ، الذي وصفه في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِ هِمْ ذُرِّيَتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وفي هذه الكتابة التي في ميثاقه قولان : أحدهما : أنها كناية ترجع إلى آسم الله وتقديره من بعد ميثاق الله . والثاني : أنها كناية ترجع إلى العهد وتقديره من بعد ميثاق العهد . وفيمن عَنَاهُ الله تعالى بهذا الخطاب ، ثلاثة أقاويل : أحدها : المنافقون : والثاني : أهل الكتاب . والثالث : جميع الكفار . قوله عز وجل: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أُمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : ٨٩ سورة البقرة الآية - ٢٨ أحدها : أن الذي أمر الله تعالى به أن يوصل ، هو رسوله ، فقطعوه بالتكذيب والعصيان ، وهو قول الحسن البصري . والثاني : أنَّه الرحمُ والقرابةُ ، وهو قول قتادة . والثالث : أنه على العموم في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل . قوله عز وجلَّ: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ﴾ وفي إفسادهم في الأرض قولان : أحدهما : هو استدعاؤهم إلى الكفر . والثاني : أنه إخافتهم السُّبُلَ وقطعهم الطريق . وفي قوله : ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ قولان : أحدهما : أن الخسران هو النقصان ، ومنه قول جرير : إِنَّ سليطاً فِي الْخَسَارِ إِنَّهُ أَوْلَدُ قَوْمٍ حلفوا افنه (١٢٢) يعني بالخَسَار ، ما ينقُصُ حظوظهم وشرفهم . والثاني : أن الخسران ها هنا الهلاك ، ومعناه : أولئك هم الهالكون . ومنهم من قال : كل ما نسبه الله تعالى من الخسران إلى غير المسلمين فإنما يعني الكفر ، وما نسبه إلى المسلمين ، فإنما يعني به الذنب . كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمِّ ثُمَّيُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٨ قوله عز وجل: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ . في قوله : ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ ﴾ قولان : أحدهما : أنه خارج مخرج التوبيخ . والثاني : أنه خارج مخرج التعجب ، وتقديره : اعجبوا لهم ، كيف يكفرون ! (١٢٢) دیوان جرير ( ٥٩٨). ٩٠ سورة البقرة الآية - ٢٨ وفي قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ ستة تأويلات: أحدها: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ أي لم تكونوا شيئاً، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي خلقكم ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم، ﴿ ثُمَّ يُحِْيكُمْ﴾ يوم القيامة ، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود . والثاني : أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ يعني في القبور ﴿فَأَحْيَاكُمْ للمساءلة ، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في قبوركم بعد مساءلتكم ، ثم يحييكم عند نفخ الصور للنشور ، لأن حقيقة الموت ما كان عن حياةٍ ، وهذا قول أبي صالح . والثالث : أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً ﴾ يعني في أصلاب آبائكم ، فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي أخرجكم من بطون أمهاتكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتَكُمْ ﴾ الموتة التي لا بد منها ، ﴿ ثُم يُخْبِيكُمْ ﴾ للبعث يوم القيامة ، وهذا قول قتادة . والرابع: أن قوله : ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ يعني: أن الله عز وجل حين أخذ الميثاق على آدم وذريته ، أحياهم في صلبه وأكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق ، ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم ، ثم أحياهم وأخرجهم من بطون أمهاتهم ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَخْلُقْكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّنْ بَعْدٍ خَلْقٍ﴾، [الزمر: ٦] فقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ يعني بعد أخذ الميثاق، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بأن خلقكم في بطون أمهاتكم ثم أخرجكم أحياء ، ﴿ثم يُمِيتُكُمْ﴾ بعد أن تنقضي آجالكم في الدنيا ، ثُمَّ يُحْبِيكُمْ ﴾ بالنشور للبعث يوم القيامة ، [وهذا] قول ابن زيدٍ . والخامس : أن الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة ، فهي مَيِّتَةٌ من حين فراقها من جسده إلى أن ينفخ الروح فيها ، ثم يحييها بنفخ الروح فيها، فيجعلها بشراً سويًّا، ثم يميته الموتة الثانية بقبض الروح منه، فهو ميت إلى يوم ينفخ في الصور، فيُرُد في جسده روحه، فيعود حياً لبعث القيامة، فذلك موتتان وحياتان(*). والسادس: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ خاملي الذكر دارسي الأثر، فَأَحْيَاكُمْ﴾ بالظهور والذكر، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجَالكم، ﴿ ثُمَّ يُحيِيكُمْ﴾ للبعث، واستشهد من قال هذا التأويل بقول أبي بُجَيْلَةَ السَّعْدِيِّ: ٩١ سورة البقرة الآية - ٢٩ وَلْكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أنْبَهُ مِنْ بَعْضٍ (١٢٣) وَأُحْبَيْتَ مِنْ ذِكْرِي وَمَا كَانَ خَامِلًا وفي قوله : ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ تأويلان: أحدهما : إلى الموضع الذي يتولى الله الحكم بينكم . والثاني : إلى المجازاة على الأعمال . هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّنُهُنَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَبِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ٢٩ قوله عز وجل: ﴿ ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ فيه ستة أقاويل : أحدها : أن معنى قوله : ﴿أَسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي أقبل عليها ، وهذا قول الفراء . والثاني : معناه : عمد إليها ، وقصد إلى خلقها . والثالث : أنّ فِعْل الله تحوَّل إلى السماء ، وهو قول المفضل . والرابع : معناه : ثم استوى أمره وصنعه الذي صَنَعَ به الأشياء إلى السماء ، وهذا قول الحسن البصري . والخامس : معناه ثم استوت به السماء . السادس : أن الاستواء والارتفاع والعلوّ (١٢٤)، وممن قال بذلك: الربيع بن أنس ، ثم اختلف قائلو هذا التأويل في الذي استوى إلى السماء فعلا عليها على قولين(١٢٥): أحدهما : أنه خالقها ومنشئها . والثاني : أنه الدخان ، الذي جعله الله للأرض سماءً . (١٢٣) الأغاني (١٤٠/١٨)، المؤتلف والمختلف للآمدي ( ١٩٣). (١٢٤) اعلم أيها القارىء أن الاستواء صفة من صفات الله تعالى الفعلية نثبتها كما أثبتها الله لنفسه وكما أثبتها له رسوله وَلفز على الوجه اللائق به ولا نخوض فيها بضرب من التأويل أو التعطيل وما ذكره المؤلف هنا من الأقوال أولاها وأصحها القول الثالث . (١٢٥) والصواب من القولين الأول لأن سياق الآيات يدل عليه. ٩٢ سورة البقرة الآية - ٣٠ وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِنِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِفَةً قَالُواْأَ تَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِلُكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِّ أَعْلَمُ ٣٠ مَا لَا تَعْلَمُونَ قوله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، في قوله : ﴿ وَإِذْ ﴾ وجهان : أحدهما : أنه صلة زائدة ، وتقدير الكلام : وقال ربك للملائكة ، وهذا قول أبي عبيدة ، واستشهد بقول الأسود بن يعفر : فَإِذَا وَذُلِكَ لَ مَهَاةَ لِذِكْرِهِ وَالدَّهْرُ يَعْقُبُ صَالِحاً بِفَسَادٍ (١٢٦) والوجه الثاني: أن ((إذا)) كلمة مقصورة ، وليست بصلة زائدة ، وفيها لأهل التأويل قولان : أحدهما : أن الله تعالى لما ذَكَّر خلقه نِعَمَهُ عليهم بما خلقه لهم في الأرض ، ذكّرهم نِعَمَهُ على أبيهم آدَمَ ﴿ إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾، وهذا قول المفضَّل .. والثاني : أن الله تعالى ذكر ابتداء الخلق فكأنه قال: وابتدأ خلقكم ﴿ إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ، وهذا من المحذوف الذي دَلَّ عليه الكلام ، كما قال النمر بن تَوْلَبَ (١٢٧): فَسَوفَ تُصَادِفُهُ أَيْنَمَا فَإِنَّ الْمَنَّةَ مَنْ يَخْشَهَا يريد : أينما ذهب . فأما الملائكة فجمع مَلَكِ ، وهو مأخوذ من الرسالة ، يقال : ألِكِني إليها أي أرسلني إليها ، قال الهذلي : ألِكْنِي وَخَيْرُ الرَّسُو لِ أَعْلَمُهُمْ بنواحِي الخَبَرْ (١٢٦) أنظر المفضليات قصيدة رقم (٤٤). (*) وفي المطبوعة وأذكرهم .. (١٢٧) انظر الخزانة (٤: ٤٣٨) وشرح شواهد المغني [٦٥]. ٩٣ سورة البقرة الآية - ٣٠ والألوك الرِّسالة ، قال لبيد بن ربيعة : وَغُلَامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَألْ(١٢٨) وإنما سميت الرسالة ألوكاً لأنها تُؤلك في الفم ، والفرس يألك اللجام ويعلكه، بمعنى يمضغ الحديد بفمه . والملائكة أفضل الحيوان وأعقل الخلق (١٢٩)، إلا أنهم لا يأكلون ، ولا يشربون ، ولا ينكحون ، ولا يتناسلون ، وهم رسل الله ، لا يعصونه في صغير ولا كبير ، ولهم أجسام لطيفة لا يُرَوْنَ إلا إذا قوّى الله أبصارنا على رؤيتهم . وقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ اختلف في معنى جاعل ﴾ على وجهين : أحدهما : أنه بمعنى خالق . والثاني : بمعنى جاعل ، لأن حقيقة الجَعْلِ فِعْلُ الشيء إِلى صفةٍ ، وحقيقة الإحداث إيجاد الشيء بعد العدم . و﴿الأرض﴾ قيل: إنها مكة، وروى ابن سابط (١٣٠)، أن النبي ◌ِّر قال: (دُحِيَت الأرضُ مِنْ مكةَ))(١٣١) ولذلك سميت أم القرى، قال: وقبر نوح، وهود، (١٢٨) ديوان لبيد قصيدة رقم (٣٧). (١٢٩) وهذه المسألة طويلة الذيول وفيها تفصيل دقيق راجعه في مجموع الفتاوى فقد توسع شيخ الإسلام فيها وفصّل فيها من (ص ٣٥٠ إلى ص ٣٩٢ جـ ٤) والخلاصة في ذلك أن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية والملائكة أفضل باعتبار كمال البداية فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بني آدم ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالحو البشر أكمل من حال الملائكة (٣٤٣/٤). (١٣٠) هو عبد الرحمن بن سابط ويقال عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط. تابعي أرسل عن النبي الإله وروى عن عمر، معاذ، جاء وغيرهم وقيل لم يدرك منهم أحداً ، وعنه ابن جريج وليث بن أبي سليم ، وأبو خيثمة وغيرهم أجمعوا على أن وفاته سنة ثمان عشر ومائة وكان ثقة كثير الحديث . أنظر : - تهذيب التهذيب (١٨٠/٦)، مشاهير علماء (٨٥). (١٣١) رواه ابن جرير في التفسير (٤٤٨/١) وابن أبي حاتم في تفسيره ونقله ابن كثير (١٢٧/١) وزاد السيوطي في الدر (٤٦/١) نسبته لابن عساكر والحديث مرسل ضعيف وقال الحافظ ابن كثير (١٢٧/١) وهذا مرسل وفي سنده ضعف وفيه مدرج وهو أن المراد بالأرض مكة فالله أعلم . فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك . ٩٤ سورة البقرة الآية - ٣٠ وصالح، وشعيب بن زمزم، والركن، والمقام. وأما ((الخليفة)) فهو القائم مقام غيره، من قولهم: خَلَفَ فلانٌ فلاناً، والخَلَفُ بتحريك اللام من الصالحين، والخَلْفُ بتسكينها من الطالحين، وفي التنزيل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: ٥٩]، وفي الحديث: ((ينقل هذا العِلْمَ من كل خَلَفٍ عُدُولُهُ))(١٣٢). وفي خلافة آدم وذريته ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه كان في الأرض الجِنُّ ، فأفسدوا فيها ، سفكوا الدماء ، فأُهْلِكوا ، فَجُعِل آدم وذريته بدلهم ، وهذا قول ابن عباس . والثاني : أنه أراد قوماً يَخْلُفُ بعضهم بعضاً من ولد آدم ، الذين يخلفون أباهم آدم في إقامة الحق وعمارة الأرض ، وهذا قول الحسن البصري . والثالث : أنه أراد : جاعل في الأرض خليفةً يخْلُفُني(١٣٣) في الحكم بين خلقي ، وهو آدم ، ومن قام مقامه من ولده ، وهذا قول ابن مسعود . قوله عز وجل: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مِنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ، وهذا جواب من الملائكة حين أخبرهم ، أنه جاعل في الأرض خليفةً ، واختلفوا في (١٣٢) رواه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (ص ٢٨) والعلائي في بغية الملتمس (ص ٣٤) من حديث أسامة بن زيد مرفوعاً . وقال العلائي هذا حديث حسن غريب صحيح . وقد صححه الإمام أحمد رحمه الله فروى الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث ( ص ٢٨ ) بسنده إلى قال سألت أحمد بن حنبل عن حديث معان بن رفاعة يحمل هذا العلم من كل خلق عدوله .... الحديث فقلت لأحمد كأنه كلام موضوع قال لا هو صحيح قلت: ممن سمعته أنت؟ قال: من غير واحد قلت : من هم؟ قال حدثني به . إلا أنه يقول معان عن القاسم بن عبد الرحمن قال أحمد ومعان بن رفاعة لا بأس به وللحديث طرق عند ابن عدي في الكامل (١٩٠/١، ٢٣٣، ٣٣٤) والبيهقي (٢٠٩/١٠) وابن عبد البر في التمهيد (٥٩/١) والخطيب في شرف أصحاب (ص ٢٩) فراجعها إن شئت وقد عقد الإِمام ابن القيم بحثاً مستفيضاً عن هذا الحديث في ((مفتاح دار السعادة » فراجعه فإنه مهم . (١٣٣) وليس معنى ذلك أنه ينوب عن الله تعالى في خلقه وإنما الحاكم هو قائم بما أوجبه الله عليه من إقامة شريعته في الأرض فبالله تعالى يخلُّف ولا يُخْلَف ولذلك كان النبي # يقول في سفره ((اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في المال والأهل)) ... الحديث ومن هذا يتبين خطأ من يقول: فلان خليفة الله في الأرض فتنبه . ٩٥ سورة البقرة الآية - ٣٠ جوابهم هذا ، هل هو على طريق الاستفهام أو على طريق الإِيجاب ؟ على وجهين : أحدهما : أنهم قالوه استفهاماً واستخباراً حين قال لهم : إني جاعلٌ في الأرض خليفة ، فقالوا : يا ربنا أَعْلِمْنَا ، أجاعل أنت في الأرض من يُفْسِدُ فيها ويسفك الدماء ؟ فأجابهم : إني أعلم ما لا تعلمون ، ولم يخبرهم (١٣٤). والثاني : أنه إيجاب ، وإن خرجت الألف مَخْرج الاستفهام ، كما قال جرير : أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحٍ وعلى هذا الوجه في جوابهم بذلك قولان : أحدهما : أنهم قالوه ظناً وتوهُّماً، لأنهم رأوا الجن من قبلهم ، قد أفسدوا في الأرض ، وسفكوا الدماء ، فتصوروا أنه إن استخلف استخلف في الأرض مَنْ يُفْسِدُ فيها ويَسْفِكُ الدماء . وفي جوابهم بهذا وجهان : أحدهما : أنهم قالوه استعظاماً لفعلهم ، أي كيف يفسدون فيها ، ويسفكون الدماء ، وقد أنعمت عليهم واستخلفتهم فيها فقال : إني أعلم ما لا تعلمون . والثاني : أنهم قالوه تعجباً من استخلافه لهم أي كيف تستخلفهم في الأرض وقد علمت أنهم يفسدون فيها ويسفكون الدماء فقال : ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾. وقوله : ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ السفك صب الدم خاصةً دون غَيْرِهِ من الماء والمائع ، والسفح مثله ، إلا أنه مستعمل في كل مائع على وجه التضييع ، ولذلك قالوا في الزنى : إنه سفاح لتضييع مائه فيه . قوله عز وجل : ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ . والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على جهة التعظيم ، ومنه قول أعشى بني ثعلبة : (١٣٤) وهذا القول استعناه ابن جرير ورجحه على غيره (٤٦٩/١، ٤٧٠). ٩٦ سورة البقرة الآية - ٣٠ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاجِرِ(١٣٥) أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ أي براءةً من علقمة . ولا يجوز أن يسبَّحَ غَيْرُ اللهِ ، وإن كان منزهاً، لأنه صار عَلَماً في الدين على أعلى مراتب التعظيم الَّتي لا يستحقها إلا اللّهُ تعالى. وفي المراد بقولهم : ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ أربعة أقاويل : أحدها : معناه نصلي لك، وفي التنزيل: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴾ [الصافات: ٧٤٣]، أي من المصلين، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود. والثاني : معناه نعظُّمك ، وهذا قول مجاهد . والثالث : أنه التسبيح المعروف ، وهذا قول المفضل ، واستشهد بقول جرير : قَبَّحَ الإِلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّمَا سَبَّحَ الْحَجِيجُ وَكَبَّرُوا إِهْلَالاً وأما قوله : ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فأصل التقديس التطهير ، ومنه قوله تعالى: الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ﴾ أي المطهّرة ، وقال الشاعر(١٣٦): فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسَّاقِ وَالَّسَا كَمَا شَبْرَقَ الْوِلْدَانُ ثَوْبَ الْمُقَدَّسِ أي المطهّر . وفي المراد بقولهم : ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ ثلاثةُ أقاويلَ : أحدها : أنه الصلاة . والثاني : تطهيره من الأدناس . والثالث : التقديس المعروف . وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ثلاثةُ أقاويلَ : أحدها : أراد ما أضمره إبليس من الاستكبار والمعصية فيما أُمِرُوا به من السجود لآدم ، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود . (١٣٥) ديوان الأعشى ص (١٠٦). (١٣٦) الشاعر هو امرؤ القيس والبيت في ديوانه : ١٠٤. ٩٧ سورة البقرة الآية - ٣٣،٣١ والثاني : مَنْ في ذرية آدم من الأنبياء والرُّسُلِ الذين يُصْلِحُونَ في الأرض ولا يفسدون ، وهذا قول قتادة . والثالث : ما اختص بعلمه من تدبير المصالح . وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِ بِأَسْمَآءِ هَؤُلَاءٍ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿ قَالُواسُبْحَنَكَ لَ عِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَّ إِنَّكَ أَنْتَ اُلْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿َّ قَالَ يَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَاءِهِمْ فَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَاءِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَاكُنتُمْ د وم ٣٣ تَكْتُمُونَ قوله عز وجل : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ في تسميته بآدم قولان : أحدهما : أنه سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض ، وأديمها هو وجهها الظاهر ، وهذا قول ابن عباس ، وقد رَوَى أبو موسى الأشعري (١٣٧) قال: قال رسول الله وَلِّ: ((إِنَّ اللَّهَ تعالى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ، قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ ، فَجَاءَ بُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ ، جَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ ، وَالأَسوَدُ ، وَالأَبْيَضُ ، وَالسَهْلُ، وَالخَبْثُ، وَالطَّيِّبُ)) (١٣٨). (١٣٧) هو عبد الله بن قيس بن سليم . أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ، الصحابي الكوفي . رضي الله عنه أسلم ثم هاجر إلى الحبشة ثم هاجر إلى المدينة بعد فتح خيبر استعمله عمر بن الخطاب على الكوفة روى له ثلثمائة وستون حديثاً توفي بمكة وقيل بالكوفة سنة (٥٠) وقيل قبلها وقيل بعدها وورد في مناقبه الأحاديث المرفوعة والآثار المروية . أنظر : - سير أعلام النبلاء (٣٨٠/٢)، الاصابة (١٩٤/٦)، أسد الغابة (٣٦٧/٣) الجرح والتعديل (١٣٨/٥)، الاستيعاب (٩٧٩/٣). (١٣٨) رواه أبو داود (٤٦٩٣)، الترمذي (٢٩٤٨)، ابن حبان (١١/٨)، أحمد (٤ /٤٠٠، ٤٠٦ حلبي ) ابن خزيمة في التوحيد (ص ٤٤)، أبو نعيم في الحلية (١٠٤/٣، ١٣٥/٨)، البيهقي في الأسماء والصفات (ص ٣٢٨، ٣٨٥)، ابن سعد في الطبقات (٦:٥/١)، الحاكم في المستدرك (٢٦١/٢)، الطبري في التفسير (٤٨١/١، ٦٤٥)، الطبري في التاريخ (١ : ٤٦)، ابن الجوزي في التبصرة (٢٤/١) وزاد السيوطي في الدر (١١٥/١) نسبته لعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه كلهم عن عوف الأعرابي = ٩٨ سورة البقرة الآية - ٣٣،٣١ والثاني : أنه مأخوذ من الأدمة ، وهي اللون . وفي الأسماء التي علَّمها الله تعالى آدَمَ ، ثلاثة أقْوَالٍ : أحدها : أسماء الملائكة . والثاني : أسماء ذريته . والثالث : أسماء جميع الأشياء ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة ، ومجاهد . ثم فيه وجهان : أحدهما : أن التعليم إنما كان مقصوراً على الاسم دون المعنى . والثاني : أنه علمه الأسماء ومعانِيّهَا ، إذ لا فائدة في علم الأسماء بلا معاني ، فتكون المعاني هي المقصودة ، والأسماءُ دلائلَ عليها . وإذا قِيلَ بالوجه الأول ، أن التعليم إنما كان مقصوراً على ألفاظ الأسماء دون معانيها ، ففيه وجهان : أحدهما : أنه علمه إياها باللغة ، التي كان يتكلم بها . والثاني : أنه علمه بجميع اللغات ، وعلمها آدمُ ولَدَه ، فلما تفرقوا تكلم كل قوم منهم بلسان استسهلوه منها وأُلِفُوه ، ثم نسوا غيره فتطاول الزمن ، وزعم قوم أنهم أصبحوا وكل منهم يتكلمون بلغةٍ قد نسوا غيرها في ليلة واحِدةٍ ، ومثل هذا في العُرْفِ ممتنع . قوله عز وجلَّ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ﴾ وفيما عرضه عليهم قولان : أحدهما : أنه عرض عليهم الأسماء دون المسميات . والثاني : أنه عرض عليهم المُسَمَّيْنَ بها . وفي حرف ابن مسعود : ﴿وَعَرَضَهُنَّ﴾ وفي حرف أَبَيِّ (١٣٩): ﴿وَعَرَضَهَا ﴾ فكان الأصح توجه العرضِ إلى المُسَمَّيْنَ . قال سمعت أبا موسى الأشعري يقول قال رسول الله بصير ... فذكره وقال الترمذي = عن حسن صحيح وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه وصححه ابن حبان ورمز له صاحب الجامع الصغير بالصحة (٢٣٢/٢) فيض القدير. وصححه الشيخ الألباني في السلسلة (١٧٢/٤) والشيخ شاكر في تخريج الطبري (١ /٤٨٠)، وعبد القادر الأرناؤوط (٣٢/٤) جامع الأصول. (١٣٩) هو أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية أبو منذر. شهد العقبة وبدراً وجمع القرآن = ٩٩ سورة البقرة الآية - ٣١ - ٣٣ ثم في زمان عَرْضِهِم قولان : أحدهما : أنه عرضهم بعد أن خلقهم . والثاني : أنه صورهم لقلوب الملائكة ، ثم عرضهم قبل خلقهم . فَقَالَ أَنْبِثُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ومعنى أنبئوني خبروني مأخوذ من الإِنباء ، وفي الإِنباء قولان : أَظْهَرُهُمَا : أنه الإِخبار ، والنبأ الخبر ، والنبيء بالهمز مشتق من هذا . والثاني : أن الإِنباء الإِعلام ، وإنما يستعمل في الإِخبار مجازاً . وقوله : ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ ﴾ يعني الأسماءَ الَّتي علمها آدم . وفي قوله تعالى : ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ستة أقاويل : أحدها : إن كنتم صادقين أني لا أخلق خَلْقاً إلا كنتم أعلم منه ؛ لأنه هجس في نفوسهم أنهم أعلم من غيرهم . والثاني : إن كنتم صادقين فيما زعمتم أن خُلَفَائِي يفسدون في الأرض . والثالث : إن كنتم صادقين أني إن استخلفتكم فيها سبَّحْتموني وقَدَّسْتُمُوني، فإن استخلفت غيركم فيها عصاني. والرابع : إن كنتم صادقين فيما وقع في نفوسكم ، أني لا أخلق خلقاً إلا کنتم أفضل منه . والخامس : معنى قوله : ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي عالمين . والسادس : أن معناه إن كنتم صادقين . قوله عز وجل: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ العليم : هو العالم من غير تعلیم ، وفي (( الحكيم )) ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه المُحْكِمُ لأفعاله . وكان رأساً في العلم والعمل رضي الله عنه مات رضي الله عنه سنة اثنتين وعشرين . أنظر : - حلية الأولياء (٢٥٠/١)، تذكرة الحفاظ (١٦/١)، شذرات الذهب (٣٢/١) الإستيعاب (١٢٦/١)، أسد الغابة (٦١/١). ١٠٠