Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
تفسير سورة التكوير / الآيات: ١ - ١٤
بِسمِ الهِ الرَّحَضَ الرَّحِيِ
شُورَةُ التّكِوير
وهي مكية بإجماع من المتأولين.
٤
قوله عز وجل :
وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِلَتْ(
٣
إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ ﴿ وَإِذَا النُّجُومُ أَنكَدَرَتْ ﴿ وَ إِذَا الْجِبَالُ سُِّرَتْ
وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ ( وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ ﴿ وَإِذَا النَّفُوسُ زُوِّجَتْ (٢) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ
٨
◌ِأَّ ذَنْبٍ قُئِلَتْ ®) وَإِذَا الصُُّحُفُ نُشِرَتْ ﴿ وَ إِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ﴿﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ () وَإِذَا
اَلَْنَّةُ أَزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ فَ
هذه كلها أوصاف يوم القيامة، و((تكوير الشمس)): هو أن تدار ويذهب بها إلى حيث شاء الله كما
يدار كور العمامة، وعبر المفسرون عن ذلك بعبارات، فمنهم من قال: ذهب نورها قاله قتادة، ومنهم من
قال: رمي بها، قاله الربيع بن خيثم وغير ذلك مما هو أشياء توابع لتكويرها، و((انكدار النجوم)): هو
انقضاضها وهبوطها من مواضعها، ومنه قول الراجز [العجاج]: [الرجز]
تقضى البازي إذا البازي كسر
أبصر خربان فلاة فانكدر
وقال ابن عباس: ﴿انكدرت﴾: تغيرت، من قولهم: ماء كدر، أي متغير اللون، وتسيير الجبال هو
قبل نسفها، وإنما ذلك في صدر هول القيامة، و: ﴿العشار﴾ جمع عشراء وهي الناقة التي قد مر لحملها
عشرة أشهر، وهي أنفس ما عند العرب وتهممهم بها عظيم للرغبة في نسلها، فإنها تعطل عند أشد الأهوال،
وقرأ مضر عن اليزيدي: ((عطلت)) بتخفيف الطاء، و((حشر الوحوش)): جمعها، واختلف الناس في هذا
الجمع ما هو؟ فقال ابن عباس: ﴿حشرت﴾ بالموت لا تبعث في القيامة ولا يحضر في القيامة غير الثقلين،
وقال قتادة وجماعة: ﴿حشرت﴾ للجمع يوم القيامة، ويقتص للجماء من القرناء فجعلوا ألفاظ هذا الحديث
حقيقة لا مجازاً مثالاً في العدل. وقال أبيّ بن كعب: ﴿حشرت﴾ في الدنيا في أول هول يوم القيامة فإنها
تفر في الأرض وتجتمع إلى بني آدم تأنيساً بهم، وقرأ الحسن: ((حشّرت)) بشد الشين على المبالغة،
و ((تسجير البحار))، قال قتادة والضحاك معناه: فرغت من مائها وذهب حيث شاء اللّه وقال الحسن: يبست،
وقال الربيع بن خيثم معناه: ملئت، وفاضت وفجرت من أعاليها، وقال أبي بن كعب وابن عباس وسفيان

٤٤٢
تفسير سورة التكوير / الآيات: ١ - ١٤
ووهب وابن زيد: معناه: أضرمت ناراً كما يسجر التنور، وقال ابن عباس: جهنم في البحر الأخضر،
ويحتمل أن يكون المعنى ملكت، وقيد اضطرابها حتى لا تخرج على الأرض بسبب الهول فتكون اللفظة
مأخوذة من ساجور الكلب، وقيل: هذه مجاز في جهنم، تسجر يوم القيامة وقد تقدم نظير هذه الأقوال
منصوصة لأهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ [الطور: ٦]. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
((سجرت)) بتخفيف الجيم، وقرأ الباقون: بشدها، وهي مترجحة بكون البحار جميعاً كما قال ﴿كتاباً يلقاه
منشوراً﴾ [الإسراء: ١٣]، وكما قال: ﴿صحفاً منشرة﴾ [المدثر: ٥٢]، ومثله ﴿قصر مشيد﴾
[الحج: ٤٥] و﴿بروج مشيدة﴾ [النساء: ٧٨]، لأنها جماعة، وذهب قوم من الملحدين إلى أن هذه
الأشياء المذكورة استعارات في كل ابن آدم وأحواله عند موته، والشمس نفسه والنجوم عيناه وحواسه،
والعشار ساقاه، وهذا قول سوء وخيم غث ذاهب إلى إثبات الرموز في كتاب الله تعالى، و((تزويج
النفوس)): هو تنويعها، لأن الأزواج هي الأنواع والمعنى: جعل الكافر مع الكافر والمؤمن مع المؤمن وكل
شكل مع شكله، رواه النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله عمر بن الخطاب وابن عباس،
وقال: هذا نظير قوله تعالى: ﴿وكنتم أزواجاً ثلاثة﴾ [الواقعة: ٧] وفي الآية على هذا حض على خليل
الخبر، فقد قال عليه السلام: ((المرء مع من أحبٍ))، وقال: ((فلينظر أحدكم من يخالل))، وقال الله تعالى:
﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقال مقاتل بن سليمان: زوجت نفوس
المؤمنين بزوجاتهم من الحور وغيرهن. وقال عكرمة والضحاك والشعبي: زوجت الأرواح الأجساد، وقرأ
عاصم: ((زوجت)) غير مدغم، و﴿الموءودة﴾: اسم معناه المثقل عليها، ومنه: ﴿ولا يؤوده﴾
[البقرة: ٢٥٥] ومنه أنأد، أي توقد، وأثقل وعرف هذا الاسم في البنات اللواتي كان قوم من العرب
يدفنونهن أحياء يحفر الرجل شبه البر أو القبر ثم يسوق ابنته فيلقيها فيها، وإذا كانت صغيرة جداً خدّ لها في
الأرض ودفنها، وبعضهم: كان يفعل ذلك خشية الإملاق وعدم المال، وبعضهم: غيرة وكراهية للبنات
وجهالة. وقرأ الجمهور: ((الموءودة)) بالهمز من وأد في حرف ابن مسعود: ((وإذا الماودة))، وقرأ البزي:
((الموودة)) بضم الواو الأولى وتسهيل الهمزة، وقرأ الأعمش: ((المودة)) بسكون الواو على وزن: الفعلة، وقرأ
بعض السلف: ((الموَدّة)) بفتح الواو والدال المشددة، جعل البنت مودة، وقرأ جمهور الناس: ((سئلت))،
وهذا على جهة التوبيخ للعرب الفاعلين ذلك، لأنها تسأل ليصير الأمر إلى سؤال الفاعل، ويحتمل أن تكون
مسؤولة عنها مطلوباً الجواب منهم. كما قال تعالى: ﴿إِن العهد كان مسؤولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكما يسأل
التراث والحقوق.
وقرأ ابن عباس وأبيّ بن كعب وجابر بن زيد وأبو الضحى ومجاهد وجماعة كثيرة منهم ابن مسعود
والربيع بن خيثم: ((سألت))، ثم اختلف هؤلاء فقرأ أكثرهم: ((قتَلْتَ)) بفتح التاء وسكون اللام، وقرأ أبو
جعفر: (قتلت)) بشد التاء على المبالغة، وقرأ ابن عباس وجابر وأبو الضحى ومجاهد:
((قتلْتُ)) بسكون اللام وضم التاء، وقرأ الأعرج والحسن: ((سيلت)) بكسر السين وفتح اللام دون
همز، واستدل ابن عباس بهذه الآية في أن أولاد المشركين في الجنة لأن الله تعالى قد انتصر لهم من
ظلمهم، و((الصحف المنشورة)): قيل هي صحف الأعمال تنشر ليقرأ كل امرىء كتابه، وقيل هي

٤٤٣
تفسير سورة التكوير / الآیات: ١٥ - ٢٩
الصحف التي تتطاير بالأيمان، والشمائل بالجزاء، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج
والحسن وأبو رجاء وقتادة: ((نشِرت)) بتخفيف الشين المكسورة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي:
((نشّرت)) بشد الشين على المبالغة، و((الكشط)): التقشير، وذلك كما يكشط جلد الشاة حين تسلخ،
و((كشط السماء)): هو طيها كلي السجل، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ((قشطت)) بالقاف وهما
بمعنى واحد، و﴿سعرت﴾ معناه: أضرمت نارها، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: ((سعّرت)) بشد
العين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: بتخفيفها وهي قراءة علي بن أبي
طالب رضي الله عنه. وقال قتادة: سعرها غضب الله تعالى وذنوب بني آدم و﴿أزلفت﴾ الجنة معناه: قربت
ليدخلها المؤمنون، وقرأ عمر بن الخطاب وجماعة من المفسرين إلى هذين، انتهى الحديث وذلك أن
الغرض المقصود بقوله ﴿وإذا﴾ ﴿وإذا﴾ في جميع ما ذكر إما تم بقوله: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾، أي
ما أحضرت من شر فدخلت به جهنم أو من خير فدخلت به الجنة، و﴿نفس﴾ هنا اسم جنس، أي عملت
النفوس ووقع الإفراد لتنبيه الذهن على حقارة المرء الواحد وقلة دفاعه عن نفسه.
قوله عز وجل :
فَلَ أُقِْمُ بِالْخُنَسِ هَ الْجَوَارِالْكُنَّسِ ﴿ وَلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴿ وَالصُّنْحِ إِذَانَنَفَسَ لَهَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِ
] وَلَقَدْرَءَاهُ بِالْأَفُنِ
أَذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرَّشِ مَكِينٍ ﴿ مُطَارِعٍ ثَّأَمِينٍ (٦) وَمَا صَاحِبُّكُمْ بِمَجْنُونِ (ج)
المُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى ◌َلْغَيْبٍ بِضَنِينٍ ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَنِ رَّحِيمٍ (٥) فَأَتْنَ تَذْهَبُونَ (
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ
٢٩
لِلْعَلَمِينَ ؟ لِمَنْ شَآء مِنْكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴿ وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَّمِينَ
قوله تعالى: ﴿فلا﴾ إما أم تكون ((لا)) زائدة، وإما أن يكون رد القول قريش في تكذيبهم بنبوة محمد
عليه السلام، وقولهم إنه ساحر وكاهن ونحو ذلك، ثم أقسم الله تعالى ﴿بالخنس الجوار الكنس) فقال
جمهور المفسرين: إن ذلك الدراري السبعة: الشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ والزهرة والمشتري،
وقال علي بن أبي طالب: المراد الخمسة دون الشمس والقمر. وذلك أن هذه الكواكب تخنس في جريها
أي تتقهقر فيما ترى العين، وهو جوار في السماء، وأثبت يعقوب الياء في ((الجواري)) في الوقف وحذفها
الباقون وهي تكنس في أبراجها أي تستتر، وقال علي بن أبي طالب أيضاً والحسن وقتادة: المراد النجوم
كلها لأنها تخنس بالنهار حين تختفي، وقال عبد الله بن مسعود والنخعي وجابر بن زيد وجماعة من
المفسرين: المراد ﴿بالخنس الجوار الكنس﴾: بقر الوحش لأنها تفعل هذه الأفعال في كناسها وهي
المواضع التي تأوي إليها من الشجر والغيران ونحوه، وقال ابن عباس وابن جبير والضحاك: هي الظباء،
وذهب هؤلاء في الخنس إلى أنه من صفة الأنوف لأنها يلزمها الخنس، وكذلك هي بقر الوحش أيضاً ومن
ذلك قول الشاعر [الطويل]
أغن من الخنس المناخر توأم
سوى نار بض أو غزال صريمة

٤٤٤
تفسير سورة التكوير / الآيات: ١٥ - ٢٩
((وعسعس الليل)) في اللغة: إذا كان غير مستحكم الإظلام، وقال الحسن بن أبي الحسن: ذلك في
وقت إقباله وبه وقع القسم، وقال زيد بن أسلم وابن عباس ومجاهد وقتادة: ذلك عند إدباره وبه وقع القسم،
ويرجح هذا قوله بعد: ﴿والصبح إذا تنفس﴾، فكأنهما حالان متصلتان ويشهد له قول علقمة بن قرط:
[الرجز]
وانجاب عنها ليلها وعسعسا
حتى إذا الصبح لها تنفّسا
وقال المبرد أبو العباس: أقسم بإقباله وإدباره، قال الخليل: يقال عسعس الليل وسعسع إذا أقبل
وأدبر، و((تنفس الصبح)): استطار واتسع ضوؤه، وقال علوان بن قس: [الطويل]
لهم بعد أن خالوه لن يتنفسا
وليل دجوجي تنفس فجره
والضمير في ﴿إنه﴾ للقرآن، و((الرسول الكريم)) في قول جمهور المتأولين: جبريل عليه السلام،
وقال آخرون: هو محمد عليه السلام في الآية، والقول الأول أصح، و﴿كريم﴾ في هذه الآية يقتضي رفع
المذام، ثم وصفه بقوة منحه الله إياها، واختلف الناس في تعليق: ﴿عند ذي العرش﴾، فذهب بعض
المتأولين إلى تعلقه بقوله: ﴿ذي قوة﴾، وذهب آخرون إلى أن الكلام تم في قوله: ﴿ذي قوة﴾ وتعلق
الظرف: بـ ﴿مكين﴾، و﴿مكين﴾ معناه: له مكانة ورفعة، وقوله تعالى: ﴿مطاع ثم أمين﴾ أي مقبول
القول مصدق بقوله مؤتمن على ما يرسل به، ويؤدي من وحي وامتثال أمر، وقرأ أبو جعفر: ((ثُم أمين))
بضم الثاء، وذكر الله تعالى نفسه بالإضافة إلى عرشه تنبيهاً على عظم ملكوته، وأجمع المفسرون على أن
قوله: ﴿وما صاحبكم﴾ يراد به محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في ﴿رآه﴾: جبريل عليه السلام،
وهذه الرؤية التي كانت بعد أمر غار حراء حين رآه على كرسي بين السماءو والأرض. وقيل هذه الرؤيا التي
رآه عند سدرة المنتهى في الإسراء، وسمى ذلك الموضع أفقاً مجازاً، وقد كانت لرسول الله صلى الله عليه
وسلم رؤية ثانية بالمدينة، وليست هذه، ووصف الأفق بـ ﴿المبين﴾، لأنه كان بالشرق من حيث تطلع
الشمس، قاله قتادة، وأيضاً فكل أفق فهو في غاية البيان، وقوله تعالى: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾
بالضاد بمعنى: بخيل أي يشح به، ولا يبلغ ما قيل له، ويبخل كما يفعل الكاهن حتى يعطى حلوانه،
وبالضاد هي خطوط المصاحف كلها، فيما قاله الطبري وهي قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة
وعثمان بن عفان وابن عباس والحسن وأبي رجاء والأعرج وأبي جعفر وشيبة وجماعة وافرة. وقرأ ابن كثير
وعمرو والكسائي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وعائشة وعمر بن عبد العزيز
وابن جبير وعروة بن الزبير ومسلم وابن جندب ومجاهد وغيرهم: ((بظنين))، بالظاء أي بمتهم، وهذا في
المعنى نظير وصفه بـ ﴿أمين﴾، وقيل معناه: بضعف القوة عن التبليغ من قولهم: بئر ظنون إذا كانت قليلة
الماء، ورجح أبو عبيد قراءة: الظاء مشالة لأن قريشاً لم تبخل محمداً صلى الله عليه وسلم فيما يأتي به
وإنما كذبته، فقيل ما هو بمتهم، ثم نفى تعالى عن القرآن أن يكون كلام شيطان على ما قالت قريش: إن
محمداً كاهن ، و﴿رجيم﴾ معناه: مرجوم مبعد بالكواكب واللعنة وغير ذلك، وقوله تعالى: ﴿فأين

٤٤٥
تفسير سورة التكوير / الآيات: ١٥ - ٢٩
تذهبون﴾ توقيف وتقرير على معنى: أين المذهب لأحد عن هذه الحقائق، و((الذكر)» هنا: مصدر بمعنى
التذكرة، ثم خصص تعالى من شاء الاستقامة بالذكر تشريفاً وتنبيهاً وذكراً لتكسبهم أفعال الاستقامة، ثم بين
تعالى أن تكسب المرء على العموم في استقامة وغيرها إنما يكون مع خلق الله تعالى واختراعه الإيمان في
صدر المرء، وروي أنه نزل قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ فقال أبو جهل: هذا أمر قد وكل إلينا،
فإن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فنزلت ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ يقول الله تعالى: يا ابن آدم:
تريد وأريد فتتعب فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد.
---
.---

٤٤٦
تفسير سورة الانفطار / الآيات: ١ - ١٢
بِسْمِ الهِ الزَّحمَن الرَحِيةِ
شُورَةُ الأَنْفِطَِّ
وهي مكية بإجماع.
قوله عز وجل :
٤
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ
٣
وَإِذَاالْبِحَارُ فُچِّرَتْ
٢
وَ إِذَا الْكَوَاكِبُ آَنَثَرَتْ
إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ لـ
عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ : يَأَيُّهَا الْإِنِسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِكَ الْكَرِيِ [ْ الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ
جَ كَلَّابَلْ تُكَذِّبُونَ بِاُلِِّنِ
فَعَذَ لَكَ ﴿ فِى أَتِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكْبَكَ
١٠
١٢
كِرَامًا كَنِينَ ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ
هذه أوصاف يوم القيامة، و((انفطار السماء)): تشققها على غير نظام مقصود إنما هو انشقاق لتزول
بنيتها وانتثار الكواكب سقوطها من مواضعها التي هي فيها كنظام، و((تفجير البحار)): يحتمل أن يكون من
امتلائها فتفجر من أعاليها وتفيض على ما وليها، ويحتمل أن يكون تفجير تفريع، ويحتمل أن يكون
فيضانها، فيذهب الله ماءها حيث شاء، وقيل: فجر بعضها إلى بعض فاختلط العذب بالملح وصارت
واحداً، وهذا نحو الاختلاف في ﴿سجرت﴾ [التكوير: ٦] في السورة التي قبل، وقرأ مجاهد والربيع بن
خيثم: ((فجرت)) بتخفيف الجيم، و((بعثرة القبور)): نبشها عن الموتى الذين فيها، وقوله تعالى: ﴿علمت
نفس﴾ هو جواب ﴿إذا﴾، و﴿نفس﴾ هنا اسم الجنس وإفرادها لتبين لذهن السامع حقارتها وقلتها وضعفها
عن منفعة ذاتها إلا من رحم الله تعالى، وقال كثير من المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿ما قدمت
وأخرت﴾ إنها عبارة عن جميع الأعمال لأن هذا التقسيم يعم الطاعات المعمولة والمتروكة وكذلك
المعاصي. وقال ابن عباس والقرظي محمد بن كعب: ﴿ما قدمت﴾ في حياتها وما ﴿أخرت﴾ مما سنته
فعمل به بعد موتها، ثم خاطب تعالى جنس ابن آدم على جهة التوبيخ والتنبيه على أي شيء أوجب أن يغتر
بربه الكريم فيعصيه ويجعل له نداً وغير ذلك من أنواع الكفر وهو الخالق الموجد بعد العدم، وروي أن
النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ((جهله)) وقاله عمر وقرأ ﴿انه كان ظلوماً جهولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقال
قتادة: عدوه المسلط عليه، وقال بعض العلماء: غره ستر الله عليه، وقال غيره: غره كرم الله، ولفظة

٤٤٧
تفسير سورة الانفطار / الآيات: ١٣ - ١٩
الكريم تلقن هذا الجواب، فهذا من لطف الله تعالى لعباده العصاة من المؤمنين، وقرأ ابن جبير والأعمش:
((ما أغرك)) على وزن أفعلك، والمعنى ما دعاك إلى الاغترار أن يكون المعنى تعجباً محضاً، وقرأ
الجمهور: ((فعدّلك)) بتشديد الدال، وكان صلى الله عليه وسلم: إذا نظر إلى الهلال، قال: ((آمنت بالذي
خلقك فسواك فعدلك)) لم يختلف الرواة في شد الدال، وقرأ الكوفيون والحسن وأبو جعفر وطلحة
والأعمش وأبو رجاء وعيسى بن عبيد: ((فعدلك)) بتخفيف الدال، والمعنى عدل أعضاءك بعضها ببعض أي
وازن بينها، وقوله تعالى: ﴿في أي صورة ما شاء ركبك﴾، ذهب الجمهور إلى أن ﴿في﴾ متعلقة
بـ ﴿ركبك﴾، أي في قبيحة أو حسنة أو مشوهة أو سليمة ونحو هذا، وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى
﴿فعدلك﴾ ﴿في أي صورة﴾: بمعنى إلى أي صورة حتى قال بعضهم: المعنى: لم يجعلك في صورة
خنزير ولا حمار، وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى: الوعيد والتهديد، أي الذي إن شاء ركبك في
صورة حمار أو خنزير أو غيره، و﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما شاء﴾، زائدة فيها معنى التأكيد، والتركيب والتأليف
وجمع الشيء إلى شيء، وروى خارجة عن نافع: ((ركبك كلا)) بإدغام الكاف في الكاف، ثم رد على سائر
أقوالهم ورد عنها بقوله: ﴿كلا﴾، ثم أثبت لهم تكذيبهم بالدين، وهذا الخطاب عام ومعناه الخصوص في
الكفار، وقرأ جمهور الناس: ((تكذبون)) بالتاء من فوق، وقرأ الحسن وأبو جعفر: ((يكذبون)» بالياء،
و﴿الدين﴾ هنا يحتمل أن يريد الشرع، ويحتمل أن يريد الجزاء والحساب. و((الحافظون)): هم الملائكة
الذين يكتبون أعمال ابن آدم، وقد وصفهم بالكرم الذي هو نفي المذام. و﴿يعلمون﴾ ما يفعل ابن آدم
لمشاهدتهم حاله، وقد روي حديث ذكره سفيان: يقتضي أن العبد إذا عمل سيئة مما لا ترى ولا تسمع،
مثل الخواطر المستصحبة ونجوها أن الملك يجد ريح تلك الخطرة الخفية بإدراك قد خلقه الله لهم.
قوله عز وجل :
أَوَمَا هُ عَنْهَا بِغَيِينَ ﴿وَمَآ
١٥
بَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الِدِينِ
١٤
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَلَفِىِ ◌َحِيمٍ إ
يَوَمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِّنَفْسِ شَيْئًّاً وَالْأَمْرُ
١٨
أَدْرَنِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (٣) ثُمَّمَا أَدْرَتَكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (
١٩
﴿الأبرار﴾: جمع بر وهو الذي قد اطرد بره عموماً فيرونه في طاعته إياه، وبر أبويه وبر الناس في
دفع ضره عنهم وجلب ما استطاع الخير إليهم، وبر الحيوان وغير ذلك في أن لم يفسد شيئاً منها عبثاً ولغير
منفعة مباحة، و ﴿الفجار﴾: الكفار، و «يصلون)» معناه: يباشرون حرّها بأبدانهم، و ﴿يوم الدين﴾ هو يوم
الجزاء، وقوله تعالى: ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ قال بعض المتأولين: هذا تأكد في الإخبار عن أنهم
يصلونها، وأنهم لا يمكنهم الغيب عنها يومئذ، وقال آخرون: ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ في البرزخ، كأنه
تعالى لما أخبر عن صليهم إياها يوم الدين وذلك أنهم يرون مقاعدهم من النار غدوة وعشية فهم مشاهدون
لها، ثم عظم تعالى قدر هول يوم القيامة بقوله: ﴿وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك﴾ وقرأ ابن كثير وأبو

٤٤٨
تفسير سورة الانفطار / الآيات: ١٣ - ١٩
عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى وابن جندب: ((يومُ لا تملك)) برفع الميم من ((يومُ)) على معنى هو يوم، وقرأ
الباقون والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج: ((يوم)) بالنصب على الظرف، والمعنى: الجزاء يوم فهو ظرف
في معنى خبر الابتداء، ثم أخبر تعالى بضعف الناس يومئذ وأنه لا يغني بعضهم عن بعض وأن الأمر له
تبارك وتعالى، وقال قتادة كذلك: هو اليوم ولكنه هنالك لا ينازعه أحد ولا يمكن هو أحداً من شيء منه كما
یمکنه في الدنيا.

٤٤٩
تفسير سورة المطففين / الآيات : ١ - ٦
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الزَحِيِ
◌ُورَةُ الْمُطْفِفِيْ
وهي مكية في قول جماعة من المفسرين، واحتجوا لذكر الأساطير، وهذا على أن هذا تطفيف الكيل
والوزن كان بمكة حسبما هو في كل أمة لا سيما مع كفرهم، وقال ابن عباس والسدي والنقاش وغيره:
السورة مدنية، قال السدي: كان بالمدينة رجل يكنى أبا جهينة له مكيالان يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص،
فنزلت السورة فيه، يقال إنها أول سورة نزلت بالمدينة، وقال ابن عباس أيضاً فيما روي عنه: نزل بعضها
بمكة ونزل أمر التطفيف بالمدينة، لأنهم كانوا أشد الناس فساداً في هذا المعنى فأصلحهم الله تعالى بهذه
السورة، وقال آخرون: نزلت السورة بين مكة والمدينة ، وذلك ليصلح الله تعالى أمرهم قبل ورود رسوله
عليهم .
قال القاضي أبو محمد: وأمر الكيل والوزن وكيد جداً، وتصرفه في المدن ضروري في الأموال التي
هي حرام بغير حق والفساد فيه كبير لا تنفع فيما وقع منه التوبة، ولا يخلص إلا رد المظلمة إلى صاحبها،
وقال مالك بن دينار: احتضر جار لي فجعل يقول: جبلان من نار، فقلت له ما هذا؟ فقال لي: يا أخي،
كان لي مكيالان، آخذ بالوافي وأعطي بالناقص، وقال عكرمة: أشهد على كل كيال أو وزان أنه في النار،
وقال بعض العرب: لا تلتمسوا المروءة ممن مروءته فى رؤوس المكاييل والسنة الموازين.
قوله عز وجل :
٣
وَإِذَا كَالُوُهُمْ أَوْ وَزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ
٢
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْعَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُمْ قَبْعُونُونَ (بَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٢٥ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
﴿ويل﴾ معناه: الثبور والحزن والشقاء الأدوم، وقد روي عن ابن مسعود وغيره أن وادياً في جهنم
يسمى ((ويلاً)»، ورفع ﴿ويل﴾ على الابتداء، ورفع على معنى ثبت لهم واستقر وما كان في حيز الدعاء
والترقب فهو منصوب نحو قولهم: رعياً وسقياً، و((المطفف)): الذي ينقص الناس حقوقهم، والتطفيف:
النقصان أصله في الشىء الطفيف وهو النزر، والمطفف إنما يأخذ بالميزان شيئاً طفيفاً، وقال سلمان:
الصلاة مكيال، فمن أوفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال اللّه في المطففين، وقال بعض العلماء:
يدخل التطفيف في كل قول وعمل، ومنه قول عمر طففت، ومعناه: نقصت الأجر والعمل وكذا قال مالك
رحمه الله: يقال لكل شيء وفاء وتطفيف فقد جاء بالنقيضين، وقد ذهب بعض الناس إلى أن التطفيف هو
۔

٤٥٠
تفسير سورة المطففين / الآيات : ١ -٦
تجاوز الحد في وفاء ونقصان، والمعنى والقرائن بحسب قول قول تبين المراد وهذا عندي جد صحيح،
وقد بين تعالى أن التطفيف إنما أراد به أمر الوزن والكيل، و﴿اكتالوا على الناس﴾ معناه: قبضوا منهم
و﴿كالوهم﴾ معناه: قبضوهم، يقال: كلت منك واكتلت عليك، ويقال: وكلت لك فلما حذفت اللام
تعدى الفعل، قال الفراء والأخفش.
وأنشد أبو زيد: [الكامل]
ولقد جنتك أكمؤاً وعساقلاً ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
وعلى هذا المعنى هي قراءة الجمهور، وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين ويقف على ((كالوا)»
و ((وزنوا)) بمعنى: هم يخسرون إذا كالوا ووزنوا. ورويت عن حمزة، فقوله: ((هم)) تأكيد للضمير، وظاهر
هذه الآية يقتضي أن الكيل والوزن على البائع وليس ذلك بالجلي، وصدر الآية هو في المشترين، فذمهم
بأنهم ﴿يستوفون﴾ ويشاحون في ذلك، إذ لا تمكنهم الزيادة على الاستيفاء لأن البائع يحفظ نفسه، فهذا
مبلغ قدرتهم في ترك الفضيلة والسماحة المندوب إليها، ثم ذكر أنه إذا باعوا أمكنهم من الظلم والتطفيف
أن يخسروا لأنهم يتولون الكيل للمشتري منهم وذلك بحالة من يخسر البائع إن قدر، و﴿يخسرون﴾
معدى بالهمزة يقال: خسر الرجل وأخسره غيره، والمفعول لـ ﴿كالوهم﴾ محذوف، ثم وقفهم تعالى على
أمر القيامة وذكرهم بها وهذا مما يؤيد أنها نزلت بالمدينة في قوم من المؤمنين وأريد بها مع ذلك من غبر من
الأمة، و﴿يظن﴾ هنا بمعنى: يعلم ويتحقق، و((اليوم العظيم)): يوم القيامة، و﴿يوم﴾ ظرف عمل فيه فعل
مقدر يبعثون ونحوه، وقال الفراء: هو بدل من ﴿ليوم عظيم﴾، لكنه بني ويأبى ذلك البصريون، لأنه مضاف
إلى معرب، وقام الناس فيه ﴿لرب العالمين﴾ يختلف الناس فيه بحسب منازلهم، فروى عبد الله بن عمر
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقام فيه خمسين ألف سنة)). وهذا بتقدير شدته، وقيل: ثلاثمائة
سنة، قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عمر: مائة سنة وقيل ثمانون سنة، وقال ابن مسعود:
أربعون سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يؤمرون ولا يكلمون، وقيل غير هذا، ومن هذا كله آثار مروية
ومعناها: إن لكل قوم مدة ما تقتضي حالهم وشدة أمرهم ذلك. وروي أن القيام فيه على المؤمن على قدر
ما بين الظهر إلى العصر، وروي عن بعض الناس: على قدر صلاة، وفي هذا القيام هو إلجام العرق
للناس، وهو أيضاً مختلف، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عقبة بن عامر: ((أنه يلجم
الكافر إلجاماً))، ويروى أن بعض الناس يكون فيه إلى أنصاف ساقيه وبعضهم إلى فوق، وبعضهم إلى
أسفل.
قوله عز وجل :
كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِلَفِى سِّينِ ؟ وَمَا أَذْرَنكَ مَاسِمِينٌ (٦) كِتَبٌ قَرْقُومٌ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿ الَّذِينَ
يُكَذِّبُونَ بَوْمِ الدِّينِ ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِإِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِمٍ (١) إِذَا تُنْلَى عَلَيْهِمَايَنَاقَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ (بَ كَلََّ بَلَّ

٤٥١
تفسير سورة المطففين / الآيات: ٧ - ١٧
رَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّاكَانُوايَكْسِبُونَ ﴿ كَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِهِمْ يَوْمَئِذٍ لََّحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّإِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾
ثُمَ بْقَالُ
هَذَا الَّذِى كُم بِ تُكَذِّبُونَ
-
:
هذه الآية وما بعدها يظهر أنها من نمط المكي، وهذا أحد الأقوال التي ذكرناها قبل، و﴿كلّ﴾ يجوز
أن يكون ردّاً لأقوال قريش، ويحتمل أن يكون استفتاحاً بمنزلة ((ألا))، وهذا قول أبي حاتم واختياره،
و﴿الفجار﴾ الكفار، وكتابهم يراد فيه الذي فيه تحصيل أمرهم وأفعالهم، ويحتمل عندي أن يكون المعنى
وعدادهم وكتاب كونهم هو في سجين، أي هنالك كتبوا في الأزل، وقرأ أبو عمرو والأعرج وعيسى :
﴿الفجار﴾ بالإمالة و﴿الأبرار﴾ [المطففين: ١٨] بالفتح قاله أبو حاتم، واختلف الناس في: ﴿سجّين﴾ ما
هو؟ فقال الجمهور: هو فعيل من السجن كسكير وشريب أي في موضع ساجن، فجاء بناء مبالغة، قال
مجاهد: وذلك في صخرة تحت الأرض السابعة، وقال كعب حاكياً عن التوراة وأبيّ بن كعب: هو في شجرة
سوداء هنالك، وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: في بر: هنالك وقيل تحت خد إبليس، وقال عطاء
الخراساني: هي الأرض السفلى، وقاله البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال عكرمة:
﴿سجين﴾، عبارة عن الخسران والهوان، كما نقول: بلغ فلان الحضيض إذا صار في غاية الخمول، وقال
قوم من اللغويين: ﴿سجين﴾ نونه بدل من لام هو بدل من ((السجيل)). وقوله تعالى: ﴿وما أدراك ما
سجين﴾ تعظيم لأمر هذا السجين وتعجب منه، ويحتمل أن يكون تقرير استفهام، أي هذا مما لم يكن
يعرفه قبل الوحي. وقوله تعالى: ﴿كتاب مرقوم﴾ من قال بالقول الأول في ﴿سجين﴾ فـ ﴿كتاب﴾ مرتفع
عنده على خبر ﴿إن﴾، والظرف الذي هو: ﴿لفي سجين﴾ ملغى، ومن قال في ﴿سجين﴾ بالقول الثاني
فـ ﴿كتاب﴾ مرتفع على خبر ابتداء مضمر، والتقدير هو كتاب مرقوم، ويكون هذا الكلام مفسر في السجين
ما هو؟ و﴿مرقوم﴾ معناه: مكتوب، رقم لهم بشر، ثم أثبته تعالى ﴿للمكذبين﴾ بيوم الحساب والدين
بالويل، وقوله: ﴿يومئذ﴾، إشارة إلى ما يتضمنه المعنى في قوله ﴿كتاب مرقوم﴾، وذلك أنه يتضمن أنه
يرتفع ليوم عرض وجزاء، وبهذا يتم الوعيد ويتجه معناه و((المتعدي)): الذي يتجاوز حدود الأشياء،
و((الأثيم)): بناء مبالغة في آثم، وقرأ الجمهور: ((تتلى))، بالتاء، وقرأ أبو حيوة: ((يتلى))، بالياء من تحت،
و((الأساطير)): جمع أسطورة وهي الحكايات التي سطرت قديماً، وقيل هو جمع: أسطار، وأسطار: جمع
سطر، ويروى أن هذه الآية نزلت بمكة في النضر بن الحارث بن كلدة وهو الذي كان يقول: ﴿أساطير
الأولين﴾، وكان هو قد كتب بالحيرة أحاديث رستم واسبنذباذ، وكان يحدث بها أهل مكة، ويقول أنا أحسن
حديثاً من محمد، فإنما يحدثكم بـ ﴿أساطير الأولين﴾، وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ زجر ورد لقولهم: ﴿أساطير
الأولين﴾، ثم أوجب أن ما كسبوا من الكفر والطغيان والعتو، قد ﴿ران على قلوبهم﴾، أي غطى عليها
وغلب فهم مع ذلك لا يبصرون رشداً ولا يخلص إلى قلوبهم خير، ويقال: رانت الخمر على عقل شاربها
وران الغش على قلب المريض، وكذلك الموت، ومنه قول الشاعر: [الخفيف]
ثم لما رآه رانت به الخمر وإن لا يرينه باتقاء

٤٥٢٠
تفسير سورة المطففين / الآيات: ١٨ - ٢٩
والبيت لأبي زيد، وقال الحسن وقتادة: الرين الذنب على الذنب حتى يموت القلب، ويروى عن
أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الرجل إذا أذنب صارت نقطة سوداء على قلبه ثم
كذلك حتى يتغطى)) فذلك الرين الذي قال الله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾. وقرأ
ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: ﴿بل ران﴾ بإدغام في الراء، وقرأ نافع: ﴿بل ران﴾ غير مدغمة، وقرأ
عاصم: ﴿بل﴾ ويقف ثم يبتدىء ﴿ران)، وقرأ حمزة والكسائي: بالإدغام وبالإمالة في ﴿ران﴾، وقرأ نافع
أيضاً: بالإدغام والإمالة، قال أبو حاتم: القراءة بالفتح والإدغام، وعلق اللوم بهم فيما كسبوه وإن كان ذلك
بخلق منه واختراع لأن الثواب والعقاب متعلق بكسب العبد، و﴿كلا﴾ في قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن
ربهم﴾ يصلح فيها الوجهان اللذان تقدم ذكرهما، والضمير في قوله: ﴿إنهم عن ربهم) هو للكفار، قال
بالرؤية وهو قول أهل السنة، قال إن هؤلاء لا يرون ربهم فهم محجوبون عنه، واحتج بهذه الآية مالك بن
أنس عن مسألة الرؤية من جهة دليل الخطاب وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصص، وقال
الشافعي: لما حجب قوم بالسخط دل على أن قوماً يرونه بالرضى، ومن قال بأن لا رؤية وهو قول المعتزلة،
قال في هذه الآية: إنهم محجوبون عن رحمة ربهم وغفرانه، وصلي الجحيم مباشرة حر النار دون حائل،
وقوله تعالى: ﴿ثم يقال هذا الذي﴾، على معنى التوبيخ لهم والتقريع، وقوله تعالى: ﴿هذا الذي كنتم به
تكذبون﴾، مفعول لم يسم فاعله لأنه قول بني له الفعل الذي يقال، وقوله: ﴿هذا﴾، إشارة إلى تعذيبهم
وكونهم في الجحيم.
قوله عز وجل :
ه إِنَ
يَشْهَدُهُ اٌلْمُقْرَبُونَ
٢٠
◌َ وَمَآ أَدْرَتِكَ مَا عِلْيُونَ كِنَبُ مَّرْقُومٌ لـ
١٨
كَلَّ إِنَّ كِنَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّينَ
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ
٢٤
آلْأَبْرَارَلَفِى نَعِيمِ [®]َ عَلَى الْأَرْآَبِكِ يَظُرُونَ (٦ ◌َتَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ(
مَخْتُومٍ [® خِتَمُ مِسٌْ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ (٦) وَمِنَ الجُهُم مِن تَسْذِيمٍ (٦) عَيِّنًا يَشْرَبُ
◌ِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُوْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ
٢٩
لما ذكر تعالى أمر ﴿كتاب الفجار﴾ [المطففين: ٧]، عقب بذكر كتاب ضدهم ليبين الفرق،
و﴿الأبرار﴾ جمع بر، وقرأ ابن عامر: ((الأبرار)) بكسر الراء، وقرأ نافع وابن كثير بفتحها، وقرأ أبو عمرو
وحمزة والكسائي: بإمالتها، و﴿عليون﴾ قيل هو جمع على وزن فعل بناء مبالغة يريد بذلك الملائكة،
فلذلك أعرب بالواو والنون، وقيل يريد المواضع العلية لأنه علو فوق علو، فلما كان هذا الاسم على هذا
الوزن لا واحد له أشبه عشرين فأعرب بإعراب الجموع إذ أشبهها، وهذا أيضاً كقنسرين فإنك تقول طابت
قنسرين ودخلت قنسرين، واختلف الناس في الموضع المعروف، بـ ﴿عليين﴾ ما هو؟ فقال قتادة: قائمة
العرش اليمنى، وقال ابن عباس: السماء السابعة تحت العرش، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الضحاك: هو عند سدرة المنتهى، وقال ابن عباس: ﴿عليون﴾: الجنة، وقال مكي: هو في السماء

٤٥٣
تفسير سورة المطففين / الآيات: ١٨ - ٢٩
الرابعة، وقال الفراء عن بعض العلماء: في السماء الدنيا، والمعنى أن كتابهم الذي فيه أعمالهم هنالك
تهمماً بها وترفيعاً لها، وأعمال الفجار في سجين في أسفل سافلين، لأنه روي عن أبيّ بن كعب وابن
عباس: أن أعمالهم يصعد بها إلى السماء فتأباها، ثم ترد إلى الأرض فتأباها أرض بعد أرض حتى تستقر
في سجن تحت الأرض السابعة، و﴿كتاب مرقوم﴾ في هذه الآية خبر ﴿إن﴾ والظرف ملغى،
و﴿المقربون﴾ في هذه الآية: الملائكة المقربون عند الله تعالى أهل كل سماء، قاله ابن عباس وغيره،
و﴿الأرائك﴾: جمع أريكة وهي السرر في الحجال، و﴿ينظرون﴾ معناه إلى ما عندهم من النعيم،
ويحتمل أن يريد ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ينظرون إلى أعدائهم في
النار كيف يعذبون))، وقرأ جمهور الناس ((تَعرِف)) على مخاطبة محمد صلى الله عليه وسلم بفتح التاء وكسر
الراء، ((نضرةً)) نصباً. وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق وطلحة ويعقوب: ((تُعرَف)) بضم التاء وفتح الراء،
((نضرةُ)) رفعاً، وقرأ ((يعرف)) بالياء، لأن تأنيث النضرة ليس بحقيقي والنضرة النعمة والرونق و ((الرحيق)):
الخمر الصافية، ومنه قول حسان : [الكامل]
يسقون من ورد البريص عليهم
بردى يصفق بالرحيق السلسل
و﴿مختوم﴾، يحتمل أن يختم على كؤوسه التي يشرب بها تهمماً وتنظيفاً، والأظهر أنه مختوم
شرابه بالرائحة المسكية حسبما فسر قوله تعالى: ﴿ختامه مسك﴾، واختلف المتأولون في قوله: ﴿ختامه
مسك﴾ فقال علقمة وابن مسعود معناه: خلطه ومزاجه، فقال ابن عباس والحسن وابن جبير معناه: خاتمته
أن يجد الرائحة عند خاتمته. الشرب رائحة المسك، وقال أبو علي: المراد لذاذة المقطع وذكاء الرائحة مع
طيب الطعم، وكذلك قوله: ﴿كان مزاجها كافوراً﴾ [الإنسان: ٥]، وقوله تعالى: ﴿زنجبيلًا﴾
[الإنسان: ١٧] أي يحذي اللسان، وقد قال ابن مقبل: [البسيط]
مما يفتق في الحانوت ناطقها بالفلفل الجوز والرمان .
قال مجاهد معناه: طينه الذي يختم به مسك بدل الطين الذي في الدنيا، وهذا إنما يكون في
الكؤوس لأن خمر الآخرة ليست في دنان إنما هي في أنهار، وقرأ الجمهور: ((ختامه))، وقرأ الكسائي
وعلي بن أبي طالب والضحاك والنخعي: ((خاتمه))، وهذه بينة المعنى: أنه يراد بها الطبع على الرحيق،
وروي عنهم أيضاً كسر التاء، ثم حرض تعالى على الجنة بقوله: ﴿وفي ذلك فليتنافس
المتنافسون﴾، والتنافس في الشيء المغالاة فيه وأن يتبعه كل واحد نفسه، فكأن نفسيهما
يتباريان فيه، وقيل هو من قولك شيء نفسي، فكان هذا يعظمه ثم يعظمه الآخر ويستبقان إليه،
و((المزاج)): الخلط، والضمير عائد على الرحيق، واختلف الناس في ﴿تسنيم﴾، فقال ابن عباس وابن
مسعود: ﴿تسنيم﴾ أشرف شراب في الجنة وهو اسم مذكر لماء عين في الجنة وهي عين يشربها المقربون
صرفاً. ويمزج رحيق الأبرار بها، قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن وأبو صالح وغيرهم، وقال مجاهد ما
معناه : إن تسنيماً مصدر من سنمت إذا عليت ومنه السنام، فكأنها عين قد عليت على أهل الجنة فهي تنحدر،
٠٠

٤٥٤
تفسير سورة المطففين/ الآيات: ٣٠ - ٣٦
وذهب قوم إلى أن ﴿الأبرار﴾ و((المقربين)) في هذه الآية لمعنى واحد، يقال: لكل من نعم في الجنة،
وذهب الجمهور من المتأولين إلى أن منزلة الأبرار دون المقربين، وأن ﴿الأبرار﴾: هم أصحاب اليمين وأن
المقربين هم السابقون، و﴿عيناً﴾ منصوب إما على المدح، وإما أن يعمل فيه ﴿تسنيم﴾ على رأي من رآه
مصدراً، أو ينتصب على الحال من ﴿تسنيم﴾ أو ﴿يسقون﴾، قاله الأخفش وفيه بعد، وقوله تعالى:
﴿يشرب بها﴾ معناه: يشربها كقول الشاعر [أبو ذؤيب الهذلي]: [الطويل]
شربن بماء البحر ثم تصعدت متى لجج خضر لهن نئيج
ثم ذكر تعالى أن الأمر الذي ﴿أجرموا﴾ بالكفر أي كسبوه كانوا في دنياهم ﴿يضحكون﴾ من
المؤمنين ويستخفون بهم ويتخذونهم هزؤاً، وروي أن هذه الآية نزلت في صناديد قريش وضعفة المؤمنين،
وروي أنها نزلت بسبب أن علي بن أبي طالب وجمعاً معه مروا بجمع من كفار مكة، فضحكوا منهم
واستخفوا بهم عبثاً ونقصان عقل، فنزلت الآية في ذلك.
قوله عز وجل :
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ
وَإِذَا أَنْقَلَبُوْ إلَى أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْفَكِهِينَ
٣٠
وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَثَغَامَنُونَ
هَؤُلَاءٍ لَضَاَلُّونَ ﴿٢َ وَمَآ أُزْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ ﴿ فَلْيَوْمَ الَّذِينَءَامَنُواْمِنَ الْكُفَارِ يَضْحَكُونَ ()
٣٦
هَلْ تُوِّبَ اُلْكُفَارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
٣٥
عَلَى الْأَرَابِكِ يَنْظُرُونَ (
الضمير في ﴿مروا﴾ للمؤمنين، ويحتمل أن يكون للكفار، وأما الضمير في ﴿يتغامزون﴾ فهو للكفار
لا يحتمل غير ذلك، وكذلك في قوله: ﴿انقلبوا فاكهين﴾ معناه: أصحاب فاكهة ومزج ونشاط وسرور
باستخفافهم بالمؤمنين يقال: رجل فاكه كلابن وتامر هكذا بألف، وهي قراءة الجمهور، ويقال: رجل فكه
من هذا المعنى. وقرأ عاصم في رواية حفص: ((فكهين)) بغير ألف، وهي قراءة أبي جعفر
وأبي رجاء والحسن وعكرمة، وأما الضمير في: ﴿رأوا﴾ وفي ﴿قالوا﴾: قال الطبري وغيره: هو
للكفار، والمعنى أنهم يرمون المؤمنين بالضلال، والكفار لم يرسلوا على المؤمنين حفظة لهم، وقال بعض
علماء التأويل: بل المعنى بالعكس، وإن معنى الآية: وإذا رأى المؤمنون الكفار قالوا إنهم لضالون وهو
الحق فيهم، ولكن ذلك يثير الكلام بينهم، فكأن في الآية حضاً على الموادعة، أي أن المؤمنين لم يرسلوا
حافظين على الكفار، وهذا كله منسوخ على هذا التأويل بآية السيف، ولما كانت الآيات المتقدمة قد
نطقت بيوم القيامة، وأن الويل يومئذ للمكذبين ساغ أن يقول: ﴿فاليوم﴾ على حكاية ما يقال يومئذ وما
يكون، و﴿الذين﴾ رفع بالابتداء، وقوله تعالى: ﴿على الأرائك ينظرون﴾ معناه: إلى عذابهم في النار،
قال كعب: لأهل الجنة كوى ينظرون منها، وقال غيره بينهم جسم عظيم شفاف يرون معه حالهم، و﴿هل

٤٥٥
تفسير سورة المطففين / الآيات: ٣٠ - ٣٦
ثُوِّب الكفار﴾؟ تقرير وتوقيف لمحمد عليه السلام وأمته، ويحتمل أن يريد: ﴿ينظرون هل ثوب﴾،
والمعنى هل جوزي، ويحتمل أن يكون المعنى يقول بعضهم لبعض، وقرأ ابن محيصن وأبو عمرو وحمزة
والكسائي: ((هثوب)) بإدغام اللام في الثاء، قال سيبويه: وذلك حسن وإن كان دون إدغام في الراء لتقاربهما
في المخرج، وقرأ الباقون: ((هل ثوب)) لا يدغمون، وفي قوله تعالى: ﴿ما كانوا﴾، حذف تقديره جزاء ما
كانوا أو عقاب ما كانوا يفعلون .
نجز تفسير سورة ﴿المطففين﴾ بحمد الله.

٤٥٦
تفسير سورة الانشقاق / الآيات: ١ - ١٥
٠٠٠٠
بِسْمِ اللهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ
شُورَةُ الأَنْشِقَقلِ
وهي مكية بلا خلاف بين المتأولين.
قوله عز وجل :
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَتِهَا وَحُقَتْ ﴿ وَإِذَاْأَرْضُ مُدَّتْ ﴿ وَأَلْقَتْ مَافِيهَا وَتَخَلَّتْ (أَ وَأَذِينَتْ لِرَبِهَا
وَحُقَّتْ ﴿﴿ يَأَيُّهَا الْإِنِسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِكَ كَدْ حَا فَمَلَقِيهِ ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِةِ.
٧
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٥) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [®] وَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِتَبَهُوَرَآءَ ظَهْرِهِ ﴿ فَسَوْفَ
يَدْعُو ◌ْ تُرُالْهَ وَيَصْلَى سَعِيرًا ﴿لَإِنَُّ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴿ إِنَّهُ ظَنَّأَنْ لَّنْ يَحُورَ [® بَ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ،
بَصِيرًا@
هذه أوصاف يوم القيامة، و((انشقاق السماء)): هو تفطيرها لهول يوم القيامة، كما قال: ﴿وانشقت
السماء فهي يومئذ واهية﴾ [الحاقة: ١٦]، وقال الفراء والزجاج وغيره: هو تشققها بالغمام، وقال قوم:
تشققها تفتيحها أبواباً لنزول الملائكة وصعودهم في هول يوم القيامة، وقرأ أبو عمرو: ((انشقت)) يقف على
التاء كأنه يشمها شيئاً من الجر، وكذلك في أخواتها، قال أبو حاتم: سمعت إعراباً فصيحاً في بلاد قيس
بكسر هذه التاءات، وهي لغة، ﴿وأذنت) معناه: استمتعت، وسمعت، أي أمره ونهيه، ومنه قول النبي
صلى الله عليه وسلم: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن))، ومنه قول الشاعر [قعنب بن أم
صاحب]: [البسيط]
وإن ذُكِرْتُ بشرٍ عندهم أذنوا
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به
وقوله تعالى: ﴿وحقت﴾، قال ابن عباس وابن جبير معناه: وحق لها أن تسمع وتطيع، ويحتمل أن
يريد: وحق لها أن تنشق لشدة الهول وخوف الله تعالى، و((مد الأرض)): هو إزالة جبالها حتى لا يبقى فيها
وج ولا أمت فذلك مدها، وفي الحديث: ((إن الله تعالى يمد الأرض يوم القيامة مد الأديم العكاظي)).
﴿وألقت ما فيها﴾: يريد الموتى قاله الجمهور، وقال الزجاج: ومن الكنوز، وهذا ضعيف لأن ذلك يكون
وقت خروج الدجال، وإنما تلقي يوم القيامة الموتى، ﴿وتخلت﴾ معناه: خلت عما كان فيها أي لم تتمسك
منهم بشيء، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان﴾ مخاطبة للجنس، و((الكادح)): العامل بشدة وسرعة واجتهاد
.

٤٥٧
تفسير سورة الانشقاق / الآيات: ١ - ١٥
مؤثر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سأل وله ما يغنيه حاءت مسألته خدوشاً أو كدوحاً في وجهه
يوم القيامة))، والمعنى أنك عامل خيراً أو شراً وأنت لا محالة في ذلك سائر إلى ربك، لأن الزمن يطير بعمر
الإنسان، فإنما هو مدة عمره في سير حثيث إلى ربه، وهذه آية وعظ وتذكير، أي فكر على حذر من هذه
الحال واعمل عملاً صالحاً تجده، وقرأ طلحة: بإدغام كاف كادح ومن هذه اللفظة قول الشاعر: [الوافر]
وما الإنسان إلا ذو اغترار طوال الدهر يكدح في سفال
وقال قتادة: من استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، وقوله تعالى: ﴿فملاقيه﴾ معناه:
فملاقي عذابه أو تنعيمه، واختلف النحاة في العامل: في ﴿إذا﴾، فقال بعض النحاة العامل: ﴿انشقت﴾،
وأبى ذلك كثير من أئمتهم، لأن ﴿إذا﴾: مضافة إلى ﴿انشقت﴾ ومن يجز ذلك تضعف عنده الإضافة،
ويقوى معنى الجزاء، وقال آخرون منهم: العامل ﴿فملاقيه﴾، وقال بعض حذاقهم: العامل فعل مضمر،
وكذلك اختلفوا في جواب ﴿إذا﴾، فقال كثير من النحاة: هو محذوف لعلم السامع به، وقال أبو العباس
المبرد والأخفش: هو في قوله: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾، إذا انشقت السماء،
انشقت فأنت ملاقي الله، وقيل التقدير فيا أيها الإنسان، وجواب ﴿إذا﴾ في الفاء المقدرة، وقال الفراء عن
بعض النحاة: هو ﴿أذنت) على زيادة تقدير الواو، وأما الضمير ﴿فملاقيه﴾، فقال جمهور المتأولين هو
عائد على الرب، فالفاء على هذا عاطفة ملاق على كادح، وقال بعض الناس: هو عائد على الكدح، فالفاء
على هذا عاطفة جملة على التي قبلها، والتقدير فأنت ملاقيه، والمعنى ملاقي جزائه خيراً كان أو شراً، ثم
قسم تعالى الناس إلى: المؤمن والكافر، فالمؤمنون يعطون كتبهم بأيمانهم ومن ينفذ عليه الوعيد من
عصاتهم فإنه يعطى كتابه عند خروجه من النار، وقد جوز قوم أن يعطاه أولاً قبل دخوله النار، وهذه الآية ترد
على هذا القول، و((الحساب اليسير)): هو العرض: وأما من نوقش الحساب، فإنه يهلك ويعذب، كذلك
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(من حوسب عذب)) فقالت عائشة: ألم يقل الله ﴿فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾ الآية، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((إنما ذلك العرض، وأما من نوقش الحساب فيهلك)) وفي الحديث من طريق ابن
عمر: ((إن الله تعالى يدني العبد حتى يضع عليه كنفه، فيقول: ألم أفعل بك كذا وكذا يعدد عليه نعمه ثم
يقول له: فلم فعلت كذا وكذا لمعاصيه، فيقف العبد حزيناً فيقول الله تعالى: سترتها عليك في الدنيا، وأنا
أغفرها لك اليوم))، وقالت عائشة: سمعت رسول النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم حاسبني حساباً
يسيراً)). قلت يا رسول الله؛ وما هو؟ فقال: ((أن يتجاوز عن السيئات))، وروي عن عمر، أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((من حاسب نفسه في الدنيا، هون الله تعالى حسابه يوم القيامة))، وقوله تعالى: ﴿إلى
أهله﴾ أي الذين أعد الله له فى الجنة، إما من نساء الدنيا، وإما من الحور العين وإما من الجميع، والكافر
يؤتى كتابه من ورائه لأن يديه مغلولتان، وروي أن يده تدخل من صدره حتى تخرج من وراء ظهره، فيأخذ
كتابه بها، ويقال إن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة بن عبد الأسد، وكان أبو سلمة من أفضل المؤمنين،
وأخوه من عتاة الكافرين، ﴿ويدعو ثبوراً﴾ معناه: يصيح منتحباً، واثبوراه، واخزياه، ونحو هذا مما معناه:
هذا وقتك، وزمانك أي احضرني، والثبور، اسم جامع للمكاره كالويل، وقرأ ابن كثير ونافع، وابن عامر

٤٥٨
تفسير سورة الانشقاق / الآيات: ١٦ - ٢٥
والكسائي والحسن وعمر بن عبد العزيز والجحدري وأبو السناء والأعرج: ((ويُصلّى)) بشد اللام وضم الياء
على المبالغة، وقرأ نافع أيضاً وعاصم في رواية أبان؛ بضم الياء وتخفيف اللام، وهي قراء أبي الأشهب
وعيسى وهارون عن أبي عمرو، وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر وقتادة وعيسى وطلحة والأعمش:
بفتح الياء على بناء الفعل للفاعل، وفي مصحف ابن مسعود: ((وسيصلى))، وقوله تعالى: ﴿في أهله﴾،
يريد في الدنيا أي تملكه ذلك لا يدري إلا السرور بأهله دون معرفة الله والمؤمن إن سر بأهله لا حرج عليه،
وقوله تعالى: ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾، معناه: لن يرجع إلى الله تعالى مبعوثاً محشوراً، قال ابن عباس:
لم أعلم ما معنى ﴿ويحور﴾، حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها: حوري، أي ارجعي، والظن هنا على بابه،
و﴿أن﴾ وما بعدها تسد مسد مفعولي ظن وهي ﴿أن﴾ المخففة من الثقيلة، والحور: الرجوع على
الأدراج، ومنه: اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور. ثم رد تعالى على ظن هذا الكافر بقوله:
﴿بلى﴾، أي يحور ويرجع، ثم أعلمهم أن الله تعالى لم يزل ﴿بصيراً﴾ بهم لا تخفى عليه أفعال أحد
منهم، وفي هذا وعيد.
قوله عز وجل :
١٩
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًّا عَنْ طَبَقِ
١٨
جَ وَالْقَمَرِ إِذَا أَنََّقَ
} وَأَلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ !
فَلَآَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
فَمَالَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُ واْيُكَذِّبُونَ
٢٢
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ثَّ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ
أَجْرُ غيّرُ مَمْنُونٍ
٢٥
(لا)) زائدة، والتقدير فأقسم، وقيل: ((لا)) راد على أقوال الكفار وابتداء القول ﴿أقسم﴾، وقسم الله
تعالى بمخلوقاته هو على جهة التشريف لها، وتعريضها للعبرة، إذ القسم بها منبه منها، و ﴿الشفق﴾:
الحمرة التي تعقب غيبوبة الشمس مع البياض التابع لها في الأغلب، وقيل ﴿الشفق﴾ هنا النهار كله قاله
مجاهد، وهذا قول ضعيف، وقال أبو هريرة وعمر بن عبد العزيز: ﴿الشفق﴾: البياض الذي تتلوه
الحمرة، و﴿وسق﴾: معناه جمع وضم، ومنه الوسق أي الأصوع المجموعة، والليل يسق الحيوان جملة
أي يجمعها في نفسه ويضمها، وكذلك جميع المخلوقات التي في أرض والهواء من البحار والجبال والرياح
وغير ذلك، و((اتساق القمر)): كماله وتمامه بدراً، فالمعنى امتلأ من النور، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر
وعاصم وابن عباس وعمر بخلاف عنهما، وأبو جعفر والحسن والأعمش وقتادة وابن جبير: ((لتركبن)) بضم
الباء على مخاطبة الناس، والمعنى ((لتركبن)) الشدائد: الموت والبعث والحساب حالاً بعد حال أو تكون
من النطفة إلى الهرم كما تقول طبقة بعد طبقة و﴿عن﴾ تجيء في معنى بعد كما يقال: ورث المجد كابراً
عن كابر وقيل المعنى ((لتركبن)) هذه الأحوال أمة بعد أمة، ومنه قول العباس بن عبد المطلب عن النبي عليه
السلام :

٤٥٩
تفسير سورة الانشقاق / الآيات : ١٦ - ٢٥
رض وضاءت بنورك الطرق
وأنت لما بعثت أشرقت الأ
إذا مضى علم بدا طبق
تنقل من صالب إلى رحم
أي قرن من الناس لأنه طبق الأرض، وقال الأقرع بن حابس : [البسيط]
إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره
وساقني طبق منه إلى طبق
أي حال بعد حال، وقيل المعنى: ((لتركبن)) الآخرة بعد الأولى، وقرأ عمر بن الخطاب أيضاً:
((ليركبن)) على أنهم غيب، والمعنى على نحو ما تقدم، وقال أبو عبيدة ومكحول: المعنى ((لتركبن)) سنن من
قبلكم .
قال القاضي أبو محمد: كما جاء في الحديث: شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، فهذا هو ﴿طبق عن
طبق﴾، ويلتئم هذا المعنى مع هذه القراءة التي ذكرنا عن عمر بن الخطاب، ويحسن مع القراءة الأولى،
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وعمرو بن مسعود ومجاهد والأسود وابن جبير ومسروق والشعبي وأبو العالية
وابن وثاب وعيسى: ((لتركبن))، بفتح الباء على معنى: أنت يا محمد، وقيل المعنى: حال بعد حال من
معالجة الكفار، وقال ابن عباس المعنى: سماء بعد سماء في الإسراء، وقيل هي عدة بالنصر، أي ((لتركبن))
العرب قبيلًا بعد قبيل، وفتحاً بعد فتح كما كان ووجد بعد ذلك، قال ابن مسعود: المعنى: ((لتركبن))
السماء في أهوال القيامة، حالاً بعد حال تكون كالمهل وكالدهان وتتفطر وتتشقق، فالسماء هي الفاعلة،
وقرأ ابن عباس أيضاً وعمر رضي الله عنهما: ((ليركبن)) بالياء على ذكر الغائب، فإما أن يراد محمد صلى الله
عليه وسلم على المعاني المتقدمة، وقاله ابن عباس يعني: نبيكم صلى الله عليه وسلم، وإما ما قال الناس
في كتاب النقاش من أن المراد: القمر، لأنه يتغير أحوالاً من سرار واستهلال وإبدار، ثم وقف تعالى نبيه،
والمراد أولئك الكفار بقوله: ﴿فما لهم لا يؤمنون﴾، أي من حجتهم مع هذه البراهين الساطعة، وقرأ
الجمهور: ((يُكذّبون)) بضم الياء وشد الذال، وقرأ الضحاك: بفتح الباء وتخفيف الذال وإسكان الكاف،
و﴿يوعون﴾ معناه: يجمعون من الأعمال والتكذيب والكفر، كأنهم يجعلونها في أوعية، تقول: وعيت
العلم وأوعيت المتاع، وجعل البشارة في العذاب لما صرح له، وإذا جاءت مطلقة، فإنما هي من الخبر،
ثم استثنى تعالى من كفار قريش القوم الذين كان سبق لهم الإيمان في قضائه، و﴿ممنون﴾ معناه: مقطوع
من قولهم: حبل منين أي مقطوع، ومنه قول الحارث بن حلّزة اليشكري : [الخفيف]
منيناً كأننى أهباء
فترى خلفهن من شدة الرجع
يريد غباراً متقطعاً، وقال ابن عباس: ﴿ممنون﴾، بمعنى: معدود عليهم محسوب منغص بالمن.
.

٤٦٠
تفسير سورة البروج / الآيات : ١ -٩
بسمِ اللهِ الرَّحْضَ الرَّحِيةِ
◌ُودَةُ الْبُوق
وهي مكية بإجماع من المتأولين لا خلاف في ذلك.
قوله عز وجل :
] وَشَاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ ﴿﴿قُئِلَ أَضْحَبُ الْأُخْدُودِ ® النَّارِذَاتِ
٢
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ جَ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ
الْوَقُودِ نْ إِذْهُرْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴿ وَهُمْ عَلَى مَايَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ
بِاللَّهِ الْعَزِيزِالْحَمِيدِ ﴾ الَّذِىِ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ!
اختلف الناس في ﴿البروج﴾، فقال الضحاك وقتادة: هي القصور، ومنه قول الأخطل: [البسيط]
لز بجص وآجر وأحجار
كأنها برج رومي يشيّده
وقال ابن عباس: ﴿البروج﴾؛ النجوم، لأنها تتبرج بنورها، والتبرج: التظاهر والتبدي، وقال
الجمهور وابن عباس أيضاً: ﴿البروج﴾ هي المنازل التي عرفتها العرب وهي اثنا عشر على ما قسمته
العرب وهي التي تقطعها الشمس في سنة، والقمر في ثمانية وعشرين يوماً، وقال قتادة معناه: ذات الرمل،
والسماء يريد أنها مبنية في السماء، وهذا قول ضعيف، ﴿واليوم الموعود﴾ هو يوم القيامة باتفاق، قاله
النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه: الموعود به، وقوله: ﴿ومشهود﴾، معناه: عليه أو له أو فيه، وهذا
يترتب بحسب الحساب في تعيين المراد بـ ((شاهد ومشاهد))، فقد اختلف الناس في المشار إليه بهما فقال
ابن عباس: الشاهد الله تعالى، والمشهود يوم القيامة، وقال ابن عباس والحسن بن علي وعكرمة: الشاهد
محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهداً﴾
[الأحزاب: ٤٥، الفتح: ٨]، وقال في يوم القيامة ﴿وذلك يوم مشهود﴾ [هود: ١٠٣]، وقال مجاهد
وعكرمة أيضاً: الشاهد آدم وجميع ذريته، والمشهود يوم القيامة، فـ ﴿شاهد﴾ اسم جنس على هذا، وقال
بعض من بسط قول مجاهد وعكرمة: ﴿شاهد﴾ أراد به رجل مفرد أو نسمة من النسم، ففي هذا تذكير
بحقارة المسكين ابن آدم، والمشهود يوم القيامة، وقال الحسن بن أبي الحسن وابن عباس أيضاً: الشاهد
يوم عرفة، ويوم الجمعة، والمشهود يوم القيامة، وقال ابن عباس وعلي وأبو هريرة والحسن وابن المسيب
وقتادة: ﴿شاهد﴾ يوم الجمعة، ﴿ومشهود﴾ يوم عرفة، وقال ابن عمر: ﴿شاهد﴾ يوم الجمعة،
﴿ومشهود﴾ يوم النحر، وقال جابر: ﴿شاهد﴾ يوم الجمعة، ﴿ومشهود﴾ الناس، وقال محمد بن كعب: