Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
تفسير سورة الحديد / الآيات: ١٢ - ١٤
مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَّصْتُمْ وَأَرْبَّدْتُمْ
١٤
وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ الَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِالْغَرُوُ
العامل في: ﴿يوم﴾ قوله ﴿وله أجر كريم﴾ [الحديد: ١١]. والرؤية في هذه الآية رؤية عين.
والنور: قال الضحاك بن مزاحم: هي استعارة، عبارة عن الهدى والرضوان الذي هم فيه. وقال الجمهور:
بل هو نور حقيقة، وروي في هذا عن ابن عباس وغيره آثار مضمنها: أن كل مؤمن ومظهر للإيمان يعطى
يوم القيامة نوراً فيطفأ نور كل منافق ويبقى نور المؤمنين. حتى أن منهم من نوره يضيء كما بين مكة
وصنعاء، رفعه قتادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من نوره كالنخلة السحوق. ومنهم من نوره
يضيء ما بين قرب من قدميه، قال ابن مسعود: ومنهم من يهم بالانطفاء مرة ويتبين مرة على قدر المنازل
في الطاعة والمعصية. وخص تعالى بين الأيدي بالذكر لأنه موضع حاجة الإنسان إلى النور.
واختلف الناس في قوله: ﴿وبأيمانهم) فقال بعض المتأولين المعنى: وعن أيمانهم، فكأنه خص
ذكر جهة اليمين تشريفاً، وناب ذلك مناب أن يقول: وفي جميع جهاتهم، وقال آخرون منهم، المعنى :
﴿وبأيمانهم) كتبهم بالرحمة. وقال جمهور المفسرين، المعنى: يسعى نورهم بين أيديهم، يريد الضوء
المنبسط من أصل النور. ﴿وبأيمانهم﴾ أصله، والشيء الذي هو متقد فيه.
قال القاضي أبو محمد: فضمن هذا القول أنهم يحملون الأنوار، وكونهم غير حاملين أكرم، ألا ترى
أن فضيلة عباد بن بشر وأسيد بن حضير إنما كانت بنور لا يحملانه. هذا في الدنيا فكيف في الآخرة، ومن
هذه الآية انتزع حمل المعتق للشمعة.
وقرأ الناس: ((بأيمانهم)) جمع يمين. وقرأ سهل بن سعد وأبو حيوة: ((بإيمانهم)) بكسر الألف، وهو
معطوف على قوله: ﴿بين أيديهم﴾ كأنه قال: كائناً بين أيديهم، وكائناً بسبب إيمانهم.
وقوله تعالى: ﴿بشراكم﴾ معناه، يقال لهم: بشراكم جنات، أي دخول جنات، فحذف المضاف
وأقام المضاف إليه مقامه.
وقوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ إلى آخر الآية، مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن مسعود:
((ذلك الفوز العظيم)» بغير هو.
وقوله تعالى: ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات﴾ قال بعض النحاة: ﴿يوم) بدل من الأول وقال
آخرون منهم العامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكر.
قال القاضي أبو محمد: ويظهر لي أن العامل فيه قوله تعالى: ﴿ذلك هو الفوز العظيم) ويجيء
معنى ﴿الفوز﴾ أفخم، كأنه يقول: إن المؤمنين يفوزون بالرحمة يوم يعتري المنافقين كذا وكذا، لأن ظهور
المرء يوم خمول عدوه ومضاده أبدع وأفخم، وقول المنافقين هذه المقالة الممكنة هو عند انطفاء أنوارهم
كما ذكرنا قبل.

٢٦٢
تفسير سورة الحديد / الآيات: ١٢ - ١٤
وقولهم: ﴿انظرونا﴾ معناه: انتظرونا، ومنه قول الحطيئة: [البسيط]
١٠
وقد نظرتكمُ أبناء عائشة للخمس طال بها حبسي وتبساسي
وقرأ حمزة وحده وابن وثاب وطلحة والأعمش: ((أنظِرونا)) بقطع الألف وكسر الظاء على وزن أكرم.
ومنه قول عمرو بن كلثوم: [الوافر]
وأنظرنا نخبّرك اليقينا
أبا هند فلا تعجل علينا
ومعناه: أخرونا، ومنه النظرة إلى الميسرة، وقول النبي عليه السلام: ((من أنظر معسراً)) الحديث،
ومعنى قولهم: أخرونا، أخروا مشيكم لنا حتى نلحق فـ ﴿نقتبس من نوركم﴾، واقتبس الرجل واستقبس
أخذ من نور غيره قبساً. وقوله تعالى: ﴿قيل ارجعوا وراءكم﴾ يحتمل أن يكون من قول المؤمنين،
ويحتمل أن يكون من قول الملائكة.
وقوله: ﴿وراءكم﴾ حكى المهدوي وغيره من المفسرين أنه لا موضع له من الإعراب، وأنه كما لو
قال ارجعوا ارجعوا، وأنه على نحو قول أبي الأسود الدؤلي للسائل: وراءك أوسع لك.
قال القاضي أبو محمد: ولست أعرف مانعاً يمنع من أن يكون العامل فيه ﴿ارجعوا﴾، والقول لهم:
﴿فالتمسوا نوراً﴾ هو على معنى التوبيخ لهم، أي أنكم لا تجدونه.
ثم أعلم عز وجل أنه يضرب بينهم في هذه الحال ﴿بسور﴾ حاجز، فيبقى المنافقون في ظلمة
ويأخذهم العذاب من الله، وحكي عن ابن زيد أن هذا السور هو الأعراف المذكور في سورة ((الأعراف)»
وقد حكاه المهدوي، وقيل هو حاجز آخر غير ذلك، وقال عبد الله بن عمر وكعب الأحبار وعبادة بن
الصامت وابن عباس: هو الجدار الشرقي في مسجد بيت المقدس. وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة
على السور الشرقي من بيت المقدس فبكى وقال: من هاهنا أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى
جهنم .
قال القاضي أبو محمد: وفيه باب يسمى باب الرحمة، سماه في تفسير هذه الآية عبادة وكعب. وفي
الشرق من الجدار المذكور واد يقال له: وادي جهنم، سماه في تفسير هذه الآية عبد الله بن عمر وابن
عباس، وهذا القول في السور بعيد، والله أعلم وقال قتادة وابن زيد، ﴿الرحمة): الجنة. و﴿العذاب﴾:
جهنم .
والسور في اللغة الحجي الذي للمدن وهو مذكور. والسور أيضاً جمع سورة، وهي القطعة من البناء
ينضاف بعضها إلى بعض حتى يتم الجدار، فهذا اسم جمع يسوغ تذكيره وتأنيثه، وهذا الجمع هو الذي
أراد جرير في قوله: [الكامل]
لما أتى خبر الزبير تضعضعت سور المدينة والجبال الخشع
وذلك أن المدينة لم يكن لها قط حجي، وأيضاً فإن وصفه أن جميع ما في المدينة من بناء تواضع
.

٢٦٣
تفسير سورة الحديد / الآيات: ١٥ - ١٧
أبلغ، ومن رأى أنه قصد قصد السور الذي هو الحجي، قال: إن ذلك إذا تواضع فغيره من المباني أحرى
بالتواضع .
قال القاضي أبو محمد: فإذا كان السور في البيت محتملاً للوجهين فليس هو في قوة مر الرياح وصدر
القناة وغير ذلك مما هو مذكر محض استفاد التأنيث مما أضيف إليه.
وقوله تعالى: ﴿باطنه فيه الرحمة﴾ أي جهة المؤمنين، ﴿وظاهره﴾ جهة المنافقين، والظاهر هنا
البادي، ومنه قول: من ظاهر مدينة كذا، وقوله تعالى: ﴿ينادونهم﴾ معناه: ينادي المنافقون المؤمنين (ألم
نكن معكم﴾ في الدنيا؟ فيرد المؤمنون عليهم: ﴿بلى﴾ كنتم معنا، ولكنكم عرضتم أنفسكم للفتنة، وهو
حب العاجل والقتال عليه، قال مجاهد: ﴿فتنتم أنفسكم﴾ بالنفاق. ﴿وتربصتم﴾ معناه هنا: بأمانكم
﴿فأبطأتم﴾ به حتى متم. وقال قتادة معناه: تربصتم بنا وبمحمد عليه السلام الدوائر وشككتم في أمر الله .
والارتياب: التشكك. و: ﴿الأماني﴾ التي غرتهم هي قولهم: سيهلك محمد هذا العام ستهزمه قريش،
ستأخذه الأحزاب، إلى غير ذلك من أمانيهم، وطول الأمل غرار لكل أحد، و﴿أمر الله﴾ الذي ﴿جاء﴾ هو
الفتح وظهور الإسلام، وقيل هو موت المنافقين وموافاتهم على هذه الحال الموجبة للعذاب و: ﴿الغرور﴾
الشيطان بإجماع من المتأولین .
وقرأ سماك بن حرب بضم الغين، وأبو حيوة. وينبغي لكل مؤمن أن يعتبر هذه الآية في نفسه وتسويفه
في توبته .
قوله عز وجل :
) أَمْ
١٥
فَالْيَوْمَ لَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمُ النَّارُ هِىَ مَوْلَنَكُمْ وَيِئْسَ اُلْمَصِيرُ
ج
يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَ مَانَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُواْاُلْكِسَبَ
مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَّدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ (٨) أَعْلَمُواْأَنَّاللَّهَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآَيَئِتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
قوله تعالى: ﴿فاليوم لا يؤخذ﴾ استمرار في مخاطبة المنافقين. قاله قتادة وغيره: وروي في معنى
قوله: ﴿ولا من الذين كفروا﴾ حديث، وهو أن الله تعالى يقرر الكافرين فيقول له: أرأيتك لو كان لك
أضعاف الدنيا أكنت تفتدي بجميع ذلك من عذاب النار؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول الله تعالى: قد سألتك
ما هو أيسر من هذا وأنت في صلب أبيك آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك.
وقرأ جمهور القراء والناس: ((يؤخذ)) بالياء من تحت. وقرأ أبو جعفر القارىء: ((تؤخذ)) بالتاء من
فوق، وهي قراءة ابن عامر في رواية هشام عنه، وهي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق والأعرج
وقوله: ﴿هي مولاكم﴾ قال المفسرون معناه: هي أولى بكم، وهذا تفسير بالمعنى، وإنما هي

٢٦٤
تفسير سورة الحديد / الآيات: ١٥ - ١٧
استعارة، لأنها من حيث تضمنهم وتباشرهم هي تواليهم وتكون لهم مكان المولى، وهذا نحو قول الشاعر
[عمرو بن معد يكرب]: [الوافر]
تحية بينهم ضرب وجميع
وقوله تعالى: ﴿ألم يأن﴾ الآية ابتداء معنى مستأنف، وروي أنه كثر المزاح والضحك في بعض تلك
المدة في قوم من شبان المسلمين فنزلت هذه الآية. وقال ابن مسعود: مل الصحابة ملة فنزلت الآية.
ومعنى: ﴿ألم يأن﴾ ألم يحن، ويقال: أنى الشيء يأني، إذا حان ومنه قول الشاعر: [الوافر]
أنى ولكل حاملة تمام
تمخضت المنون له بيوم
وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((ألما يأن)). وروي عنه أنه قرأ ((ألم يين)).
وهذه الآية على معنى الحض والتقريع، قال ابن عباس: عوتب المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاث عشرة
سنة من نزول القرآن، وسمع الفضل بن موسى قارئاً يقرأ هذه الآية، والفضل يحاول معصية، فكانت الآية
سبب توبته. وحكى الثعلبي عن ابن المبارك أنه في صباه حرك العود ليضربه، فإذا به قد نطق بهذه الآية،
فتاب ابن المبارك وكسر العود وجاء التوفيق. والخشوع: الإخبات والتطامن، وهي هيئة تظهر في الجوارح
متى كانت في القلب، فلذلك خص تعالى القلب بالذكر. وروى شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: «أول ما يرفع من الناس الخشوع)).
وقوله تعالى: ﴿لذكر الله﴾ أي لأجل ذكر الله ووحيه الذي بين أظهرهم، ويحتمل أن يكون المعنى:
لأجل تذكير الله إياهم وأوامره فيهم.
وقرأ عاصم في رواية حفص ونافع: ((وما نزَل)) مخفف الزاي. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم:
((نزّل)) بشد الزاي على معنى: نزّل الله من الحق. وقرأ أبو عمرو في رواية عباس وهي قراءة الجحدري
وابن القعقاع: ((نزِّل)) بكسر الزاي وشدها. وقرأ نافع وأبو عمرو والأعرج وأبو جعفر: ((ولا يكونوا)) بالياء
على ذكر الغيب. وقرأ حمزة فيما روى عنه سليم: ((ولا تكونوا)) بالتاء على مخاطبة الحضور.
والإشارة في قوله: ﴿أوتوا الكتاب﴾ إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى عليه السلام، وذلك قال:
﴿من قبل﴾ وإنما شبه أهل عصر نبي بأهل عصر نبي. و: ﴿الأمد﴾ قيل معناه: أمد انتظار الفتح، وقيل أمد
انتظار القيامة وقيل أمد الحياة. و: ﴿قست﴾ معناه: صلبت وقل خيرها وانفعالها للطاعات وسكنت إلى
معاصي الله، ففعلوا من العصيان والمخالفة ما هو مأثور عنهم.
وقوله تعالى: ﴿اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها﴾ الآية مخاطبة لهؤلاء المؤمنين الذين ندبوا
إلى الخشوع، وهذا ضرب مثل واستدعاء إلى الخير، رقيق وتقريب بليغ، أي لا يبعد عنكم أيها التأركون
للخشوع رجوعكم إليه وتلبسكم به، ((فإن الله يحيي الأرض بعد موتها)»، فكذلك يفعل بالقلوب، يردها
إلى الخشوع بعد بعدها عنه، وترجع هي إليه إذا وقعت الإنابة والتكسب من العبد بعد نفورها منه كما
تحيى الأرض بعد أن كانت ميتة غبراء. وباقي الآية بين جداً.

٢٦٥
تفسير سورة الحديد / الآيتان: ١٨، ١٩
قوله عز وجل :
١٨
إِنَّالْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنَّا يُضَعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْبِلَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونٌ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمُ
١٩
وَالَّذِينَ كَفَرُواْوَكَذَّبُواْ بِنَايَتِنَا أُوْ لَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ
قرأ جمهور القراء: ((إن المصَّدقين)) بشد الصاد المفتوحة على معنى المتصدقين، وفي مصحف
أبيّ بن كعب: ((إن المتصدقين))، فهذا يؤيد هذه القراءة، وأيضاً فيجيء قوله تعالى: ﴿وأقرضوا الله قرضاً
حسناً﴾ ملائماً في الكلام للصدقة. وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم ((إن المصدقين)) بتخفيف الصاد على
معنى: إن الذين صدقوا رسول الله فيما بلغ عن الله وآمنوا به، ويؤيد هذه القراءة أنها أكثر تناولاً، لأن كثيراً
ممن لا يتصدق يعمه اللفظ في التصديق. ثم إن تقييدهم بقوله: ﴿وأقرضوا﴾ يرد مقصد القراءتين قريباً
بعضه من بعض .
وقوله: ﴿أقرضوا﴾ معطوف على المعنى، لأن معنى قوله: ﴿إن المصدقين والمصدقات﴾ إن الذین
تصدقوا، ولا يصح هنا عطف لفظي، قاله أبو علي في الحجة. وقد تقدم معنى القرض، ومعنى المضاعفة
التي وعد الله بها هذه الأمة. وقد تقدم معنى وصف الأجر بالكريم، كل ذلك في هذه السورة.
قال القاضي أبو محمد: ويؤيد عندي قراءة من قرأ: ((إن المصّدقين)) بشد الصاد. إن الله تعالى حض
في هذه الآية على الإنفاق وفي سبيل الله تعالى. ثم ذكر في هذه أهل الصدقة ووعدهم، ثم ذكر أهل
الإيمان والتصديق في قوله: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله﴾ وعلى قراءة من قرأ: ((إن المصدقين) بتخفيف
الصاد فذكر المؤمنين مكرر في اللفظ، وكون الأصناف منفردة بأحكامها من الوعد أبين.
والإيمان بمحمد يقتضي الإيمان بجميع الرسل، فلذلك قال: ﴿ورسله﴾. و﴿الصديقون﴾ بناء
مبالغة من الصدق أو من التصديق على ما ذكر الزجاج، وفعيل لا يكون فيما أحفظ إلا من فعل ثلاثي، وقد
أشار بعض الناس إلى أنه يجيء من غير الثلاثي. وقال: مسيك من أمسك، وأقول إنه يقال: مسك الرجل
وقد حكى مسك الشيء، وفي هذا نظر.
وقوله تعالى: ﴿والشهداء عند ربهم﴾ اختلف الناس في تأويل ذلك، فقال ابن مسعود ومجاهد
وجماعة: ﴿والشهداء﴾ معطوف على قوله: ﴿الصديقون﴾ والكلام متصل. ثم اختلفت هذه الفرقة في معنى
هذا الاتصال، فقال بعضها: وصف الله المؤمنين بأنهم صديقون وشهداء، فكل مؤمن شهيد، قاله مجاهد.
وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مؤمنو أمتي شهداء))، وتلا رسول الله صلى الله
عليه وسلم هذه الآية، وإنما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الشهداء السبعة تشريفاً، ولأنهم في
أعلى رتب الشهادة، ألا ترى أن المقتول في سبيل الله مخصوص أيضاً من السبعة بتشريف ينفرد به. وقال
بعضها: وصف الله تعالى المؤمنين بأنهم صديقون وشهداء لكن من معنى الشاهد لا من معنى الشهيد،
وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ [البقرة: ١٤٣] فكأنه قال في هذه الآية: هم أهل
۔

٢٦٦
تفسير سورة الحديد / الآية: ٢٠
-
الصدق والشهادة على الأمم عند ربهم، وقال ابن عباس ومسروق والضحاك: الكلام تام في قوله:
﴿الصديقون﴾ .
وقوله: ﴿والشهداء﴾ ابتداء مستأنف.
ثم اختلفت هذه الفرقة في معنى هذا الاستئناف، فقال بعضها معنى الآية: ﴿والشهداء﴾ بأنهم
صديقون حاضرون ﴿عند ربهم﴾. وعنى بـ ﴿الشهداء﴾: الأنبياء عليهم السلام، فكأن الأنبياء يشهدون
للمؤمنين بأنهم صديقون، وهذا يفسره قوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء
شهيداً﴾ [النساء: ٤١]. وقال بعضها قوله: ﴿والشهيد﴾ ابتداء يريد به الشهداء في سبيل الله، واستأنف
الخبر عنهم بأنهم: ﴿عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ فكأنه جعلهم صنفاً مذكوراً وحده، وفي الحديث:
((إن أهل الجنة العليا ليراهم من دونهم كما ترون الكوكب الدري، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما)).
وقوله تعالى: ﴿لهم أجرهم ونورهم﴾ خبر عن الشهداء فقط على الأخير من الأقوال، وهو خبر عن
المؤمنين المذكورين في أول الآية على الأقوال الثلاثة.
وقوله تعالى: ﴿ونورهم﴾ قال جمهور المفسرين: هو حقيقة حسبما روي مما تقدم ذكره في هذه
السورة. وقال مجاهد وغيره: هو مجاز عبارة عن الهدى والكرامة والبشرى التي حصلوا فيها .
ولما فرع ذكر المؤمنين وأهل الكرامة، عقب ذكر الكفرة المكذبين ليبين الفرق، فذكرهم تعالى بأنهم
﴿أصحاب الجحيم﴾ وسكانه.
وقوله تعالى :
أَعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌّ فِي الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَّدِ كَمَثَلِ
غَيْثٍ أَعْجَبَ اُلْكُفَّارَ نَبَانُمَّ يَهِيجُ فَتَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَ يَكُونُ خُطَمَاً وَفِىِ الَْخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنْ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّ مَتَحُ الْغُرُورِ
٢٠
هذه الآية وعظ وتبيين لأمر الدنيا وضعة منزلتها و: ﴿إنما﴾ سادة مسد المفعولين للعلم بأنها تدخل
على اثنين وهي وإن كفت عن العمل، فالجملة بعدها باقية. و: ﴿الحياة الدنيا﴾ في هذه الآية عبارة عن
الأشغال والتصرفات والفكر التي هي مختصة بالحياة الدنيا، وأما ما كان من ذلك في طاعة الله وسبيله وما
كان من الضرورات التي تقيم الأود وتعين على الطاعات فلا مدخل له في هذه الآية. وتأمل حال الملوك
بعد فقرهم بين لك أن جميع نزوتهم ﴿لعب ولهو﴾. والزينة: التحسين الذي هو خارج من ذات الشيء،
والتفاخر: هو بالأنساب والأموال وغير ذلك والتكاثر: هو الرغبة في الدنيا، وعددها لتكون العزة للكفار على
المذهب الجاهلي .
ثم ضرب تعالى مثل الدنيا، فالكاف في قوله: ﴿كمثل﴾ في رفع صفة لما تقدم، وصورة هذا
المثال: أن الإنسان ينشأ في حجر مملكة فما دون ذلك فيشب ويقوى ويكسب المال والولد ويغشاه الناس،

٢٦٧
تفسير سورة الحديد / الآيات: ٢١ - ٢٣
ثم يأخذ بعد ذلك في انحطاط، فيشيب ويضعف ويسقم،، وتصيبه النوائب في ماله وذريته، ويموت
ويضمحل أمره، وتصير أمواله لغيره، وتغير رسومه، فأمره مثل مطر أصاب أرضاً فنبت عن ذلك الغيث نبات
معجب أنيق. ثم هاج: أي يبس واصفر، ثم تحطم، ثم تفرق بالرياح واضمحل.
واختلف المتأولون في لفظة ﴿الكفار) هنا، فقال بعض أهل التأويل: هو من الكفر بالله، وذلك
لأنهم أشد تعظيماً للدنيا وأشد إعجاباً بمحاسنها. وقال آخرون منهم: هو من كفر الحب، أي ستره في
الأرض، فهم الزراع وخصهم بالذكر، لأنهم أهل البصر بالنبات والفلاحة فلا يعجبهم إلا المعجب حقيقة،
الذي لا عيب له.
وهاج الزرع: معناه: يبس واصفر، وحطام: بناء مبالغة، يقال حطيم وحطام بمعنى محطوم، أو
متحطم، كعجيب وعجاب، بمعنى معجب ومتعجب منه. ثم قال تعالى: ﴿وفي الآخرة﴾ كأنه قال:
والحقيقة هاهنا، ثم ذكر العذاب أولاً تهمماً به من حيث الحذر في الإنسان ينبغي أن يكون أولاً، فإذا تحرر
من المخاوف مد حينئذ أمله. فذكر الله تعالى ما يحذر قبل ما يطمع فيه وهو المغفرة والرضوان. وروي عن
عاصم: ضم الراء من: ((رُضوان)). و: ﴿متاع الغرور) معناه: الشيء الذي لا يعظم الاستمتاع به إلا
مغتر. وقال عكرمة وغيره: ﴿متاع الغرور﴾ القوارير، لأن الفساد والآفات تسرع إليها، فالدنيا كذلك أو هي
أشد .
قوله عز وجل :
سَابِقُوْاْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ
وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ جَ مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍفِى
٢٢
الْأَرْضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
٢٣
لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَ حُواْبِمَآءَاتَنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
لما ذكر تعالى المغفرة التي في الآخرة، ندب في هذه الآية إلى المسارعة إليها والمسابقة، وهذه
الآية حجة عند جميع العلماء في الندب إلى الطاعات، وقد استدل بها بعضهم على أن أول أوقات
الصلوات أفضل، لأنه يقتضي المسارعة والمسابقة، وقد ذكر بعضهم في تفسير هذه الآية أشياء هي على
جهة المثال، فقال قوم من العلماء منهم ابن مسعود: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾ معناه: كونوا في أول
صف في القتال. وقال آخرون، منهم أنس بن مالك معناه: اشهدوا تكبيرة الإحرام مع الإمام، وقال آخرون
منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كن أول داخل في المسجد، وآخر خارج منه، وهذا كله على جهة
المثال. وذكر العرض من الجنة، إذ المعهود أنه أقل من الطول، وقال قوم من أهل المعاني: عبر عن
الساحة بالعرض ولم يقصد أن طولها أقل ولا أكثر. وقد ورد في الحديث: ((إن سقف الجنة العرش)). وورد
في الحديث: ((إن السماوات السبع في الكرسي كالدرهم في الفلاة، وإن الكرسي في العرش كالدرهم في
الفلاة».
.........

٢٦٨
تفسير سورة الحديد / الآيات: ٢٤ - ٢٦
وقوله تعالى: ﴿أعدت﴾ ظاهرة أنها مخلوقة الآن معدة، ونص عليه الحسن في كتاب النقاش.
وقوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة﴾ قال ابن زيد وغيره المعنى: ما حدث من حادث خير وشر،
فهذا على معنى لفظ: ﴿أصاب﴾ لا على عرف المصيبة، فإن عرفها في الشر. وقال ابن عباس ما معناه:
أنه أراد عرف المصيبة وخصها بالذكر، لأنها أهم على البشر، وهي بعض من الحوادث تدل على أن جميع
الحوادث خيرها وشرها كذلك.
وقوله تعالى: ﴿في الأرض﴾ يعني بالقحوط والزلازل وغير ذلك. وقوله: ﴿في أنفسكم) يريد
بالموت والأمراض وغير ذلك .
وقوله تعالى: ﴿إلا في كتاب﴾ معناه: إلا والمصيبة في كتاب. و: ﴿نبرأها﴾ معناه: نخلقها، يقال:
برأ الله الخلق: أي خلقهم، والضمير عائد على المصيبة، وقيل: على ﴿الأرض﴾، وقيل: على الأنفس،
قاله ابن عباس وقتادة وجماعة وذكر المهدوي جواز عود الضمير على جميع ما ذكر، وهي كلها معان
صحاح، لأن الكتاب السابق أزلي قبل هذه كلها.
وقوله تعالى: ﴿إن ذلك على الله يسير﴾ يريد تحصيل الأشياء كلها في الكتاب. وقوله تعالى: ﴿لكي
لا تأسوا﴾ معناه: فعل الله ذلك كله وأعلمكم به ليكون سبب تسليمكم وقلة اكتراثكم بأمر الدنيا، فلا
تحزنوا على ما فات، ولا تفرحوا الفرح المبطر بما آتاكم منها. قال ابن عباس: ليس أحد إلا يفرح
ويحزن، ولكن من أصابته مصيبة يجعلها صبراً، من أصاب خيراً يجعله شكراً.
وقرأ أبو عمرو وحده: ((أتاكم)) على وزن مضى، وهذا ملائم لقوله: ﴿فاتكم﴾. وقرأ الباقون من
السبعة: ((آتاكم))، على وزن أعطاكم، بمعنى آتاكم الله تعالى، وهي قراءة الحسن والأعرج وأهل مكة.
وقرأ ابن مسعود: ((أوتيتم))، وهي تؤيد قراءة الجمهور.
وقوله تعالى: ﴿والله لا يحب كل مختال فخور﴾ يدل على أن الفرح المنهي عنه إنما هو ما أدى إلى
الاختيال، والفخر بنعم الله المقترن بالشكر والتواضع فأمر لا يستطيع أحد دفعه عن نفسه ولا حرج فيه.
قوله عز وجل :
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَبَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلُّ وَمَن يَنَوَلَّ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا
رُسُلَنَا بِالْبَِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا
الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُوَرُ سُلَهُم بِالْغَيْبِ، إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النَّبُوَّةَ وَالْكِتَبَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ
٢٦
مِنْهُمْ فَسِقُونَ
اختلف النحاة في إعراب: ﴿الذين﴾ فقال بعضهم: هم في موضع رفع على الابتداء، والخبر عنهم

٢٦٩
تفسير سورة الحديد / الآيات: ٢٤ - ٢٦
محذوف معناه الوعيد والذم، وحذفه على جهة الإبهام كنحو حذف الجواب في قوله تعالى: ﴿ولو أن قرآناً
سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض﴾ [الرعد: ٣٢] الآية، وقال بعضهم هم رفع على خبر الابتداء تقديره
هم الذين ﴿يبخلون﴾. وقال بعضهم في موضع نصب صفة لـ ﴿كل﴾ [الحديد: ٢٣]، لأن كلَّ وإن كان
نكرة فهو يخصص نوعاً ما فيسوغ لذلك وصفه بالمعرفة، وهذا مذهب الأخفش . و: ﴿يبخلون﴾ معناه:
بأموالهم وأفعالهم الحسنة من إيمانهم وغير ذلك .
وقوله تعالى: ﴿ويأمرون الناس﴾ يحتمل أن يصفهم بحقيقة الأمر بألسنتهم، ويحتمل أن يريد أنهم
يقتدى بهم في البخل فهم لذلك كأنهم يأمرون .
وقرأ الحسن: ((بالبخل)) بفتح الباء والخاء. وقرأ جمهور القراء وأهل العراق: ((فإن الله هو الغني
الحميد)) بإثبات: ((هو))، وكذلك في ((إمامهم)). وقرأ نافع وابن عامر: ((فإن الله الغني الحميد)) بترك ((هو))،
وهي قراءة أهل المدينة، وكذلك في ((إمامهم))، وهذا لم يثبت قراءة إلا وقد قرىء على النبي صلى الله عليه
وسلم بالوجهين. قال أبو علي، فـ ((هو)) في القراءة التي ثبت فيها يحسن أن يكون ابتداء، لأن حذف
الابتداء غير سائغ. و: ﴿الكتاب﴾ اسم جنس لجميع الكتب المنزلة. ﴿والميزان): العدل في تأويل أكثر
المتأولين. وقال ابن زيد وغيره من المتأولين: أراد الموازين المصرفة بين الناس، وهذا جزء من القول
الأول.
وقوله: ﴿ليقوم الناس بالقسط﴾ يقوي القول الأول.
وقوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد﴾ عبر عن خلقه وإيجاده بالإنزال كما قال في الثمانية الأزواج من
الأنعام، وأيضاً فإن الأمر بكون الأشياء لما تلقى من السماء، جعل الكل نزولاً منها. وقال جمهور كثير من
المفسرين: ﴿الحديد﴾ هنا: أراد به جنسه من المعادن وغيرها. وقال ابن عباس: نزل آدم من الجنة ومعه
السندان والكلبتان والميقعة، قال حذاق من المفسرين: أراد به السلاح، ويترتب معنى الآية بأن الله أخبر أنه
أرسل رسله وأنزل كتباً وعدلاً مشروعاً وسلاحاً يحارب به من عند ولم يهتد بهدي الله فلم يبق عذر، وفي
الآية على هذا التأويل حض على القتال وترغيب فيه.
وقوله: ﴿وليعلم الله من ينصره﴾ يقوي هذا التأويل، ومعنى قوله: ﴿ليعلم﴾ أي ليعلمه موجوداً
فالتغير ليس في علم الله، بل في هذا الحدث الذي خرج من العدم إلى الوجود.
وقوله: ﴿بالغيب﴾ معناه: بما سمع من الأوصاف الغائبة فآمن بها لقيام الأدلة عليها.
ثم وصف تعالى نفسه بالقوة والعزة ليبين أنه لا حاجة به إلى النصرة، لكنها نافعة من عصم بها نفسه
من الناس. ثم ذكر تعالى رسالة ((نوح وإبراهيم)) تشريفاً لهما بالذكر، ولأنهما من أول الرسل. ثم ذكر تعالى
نعمه على ﴿ذريتهما﴾. وقوله تعالى: ﴿والكتاب﴾ يعني الكتب الأربعة، فإنها جميعاً في ذرية إبراهيم عليه
السلام. وذكر أنهم مع ذلك منهم من فسق وعند، فكذلك بل أحرى جميع الناس، ولذلك يسر السلاح
للقتال.

٢٧٠
تفسير سورة الحديد / الآيتان: ٢٧، ٢٨
قوله عز وجل:
ثُمَّ قَفَّتِنَا عَلَىّ ءَ اتَرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنجِيلِ وَجَعَلْنَافِى
قُلُوبٍ اُلَّذِينَ اتََّعُوهُ رَأْفَةٌ وَزَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلََّ ابْتِغَاءَ رِضْوَنِ
اُللَّهِ فَمَارَعَوْهَاحَقَّ رِعَايَتِهَا فَكَانَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُوْبِرَسُولِهِ- يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا
تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٨
﴿قفينا﴾ معناه: جئنا بهم بعد الأولين، وهو مأخوذ من القفا، أي جاء بالثاني في قفا الأول، فيجيء
الأول بين يدي الثاني، ومنه القوافي التي تأتي أواخر أبيات الشعر، ثم ذكر «عيسى)) عليه السلام تشريفاً
وتخصيصاً .
وقرأ الحسين: ((الأنجيل)) بفتح الهمزة، قال أبو الفتح: هذا مما لا نظير له. و: ﴿رأفة ورحمة
ورهبانية﴾ مفعولات ﴿جعلنا). والجعل في هذه الآية بمعنى: الخلق.
وقوله: ﴿ابتدعوها﴾ صفة لـ ﴿رهبانية﴾ وخصها بأنها ابتدعت، لأن الرأفة والرحمة في القلب لا
تكسب للإنسان فيها، وأما الرهبانية فهي أفعال بدن مع شيء في القلب ففيها موضع للتكسب. قال قتادة:
الرأفة والرحمة من الله تعالى. والرهبانية هم ابتدعوها، والمراد بالرأفة والرحمة: حب بعضهم في بعض
وتوادهم، والمراد بالرهبانية: رفض النساء، واتخاذ الصوامع، والمعتزلة تعرب ﴿رهبانية﴾ أنها نصب
بإضمار فعل يفسره ﴿ابتدعوها﴾ وليست بمعطوفة على الرأفة والرحمة ويذهبون في ذلك إلى أن الإنسان
يخلق أفعاله فيعربون الآية على مذهبهم، وكذلك أعربها أبو علي. وروي في ابتداعهم الرهبانية أنهم
افترقوا ثلاث فرق، ففرقة قاتلت الملوك على الدين، فقتلت وغلبت. وفرقة قعدت في المدن يدعون إلى
الدين ويبينونه، فأخذتها الملوك ونشرتها بالمناشر وقتلوا، وفرقة خرجت إلى الفيافي وبنت الصوامع
والديارات، وطلبت أن تسلم على أن تعتزل فتركت وتسموا بالرهبان، واسمهم مأخوذ من الرهب، وهو
الخوف، فهذا هو ابتداعهم ولم يفرض الله ذلك عليهم، لكنهم فعلوا ذلك ﴿ابتغاء رضوان الله﴾، هذا
تأويل أبي أمامة وجماعة، وقال مجاهد: المعنى ﴿كتبناها عليهم﴾ ﴿ابتغاء رضوان الله﴾. فـ((كتب)) على
هذا بمعنى: قضى، ويحتمل اللفظ أن يكون المعنى: ما كتبناها عليهم إلا في عموم المندوبات، لأن
ابتغاء مرضاة الله بالقرب والنوافل مكتوب على كل أمة فالاستثناء على هذا احتمال متصل.
واختلف الناس في الضمير الذي في قوله: ﴿فما رعوها﴾ من المراد به؟ فقيل إن الذين ابتدعوا
الرهبانية بأنفسهم لم يدوموا على ذلك ولا وفوه حقه، بل غيروا وبدلوا، قاله ابن زيد وغيره، والكلام سائغ
وإن كان فيهم من رعى: أي لم يرعوها بأجمعهم، وفي هذا التأويل لزوم الإتمام لكلى من بدأ بتطوع ونفل
أنه يلزمه أن يرعاه حق رعيه. قال ابن عباس وغيره: الضمير للملوك الذين حاربوهم وأجلوهم وقال الضحاك
وغيره: الضمير للأخلاف الذين جاؤوا بعد المبتدعين لها، وباقي الآية بين. وقرأ ابن مسعود: ((ما كتبناها
عليهم لكن ابتدعوها)).

٢٧١
تفسير سورة الحديد / الآية: ٢٩
وقوله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله﴾ اختلف الناس في المخاطب بهذا،
فقالت فرقة من المتأولين خوطب بهذا أهل الكتاب، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بعيسى اتقوا الله وآمنوا
بمحمد، ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة يؤتيهم الله أجرهم
مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي))، الحديث وقال آخرون المخاطبة للمؤمنين من أمة محمد
صلى الله عليه وسلم قيل لهم ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله﴾، أي اثبتوا على ذلك ودوموا
عليه، وهذا هو معنى الأمر أبداً لمن هو متلبس بما يؤمر به .
وقوله: ﴿كفلين﴾ أي نصيبين بالإضافة إلى ما كان الأمم قبل يعطونه، قال أبو موسى الأشعري:
﴿كفلين﴾ ضعفين بلسان الحبشة، وروي أن عمر بن الخطاب قال لبعض الأحبار: كم كان التضعيف
للحسنات فيكم؟ فقال ثلاثمائة وخمسون، فقال عمر: الحمد لله الذي ضاعف لنا إلى سبعمائة، ويؤيد هذا
المعنى الحديث الصحيح الذي يقتضي أن اليهود عملت إلى نصف النهار على قيراط، والنصارى من الظهر
إلى العصر على قيراط، وهذه الأمة من العصر إلى الليل على قيراطين، فلما احتجت اليهود والنصارى على
ذلك وقالوا نحن أكثر عملاً وأقل أجراً، قال الله تعالى: ((هل نقصتم من أجركم شيئاً، قالوا: لا، قال: فإنه
فضلي أوتيه من أشاء)). والكفل: الحظ والنصيب. والنور: هنا إما أن يكون وعداً بالنور الذي يسعى بين
الأيدي يوم القيامة، وإما أن يكون استعارة للهدى الذي يمشي به في طاعة الله .
قوله عز وجل:
◌ِثَلَّاً يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍمِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيِهِ مَن يَشَآءُ
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ
٢٩
ج
روي أنه لما نزل هذا الوعد للمؤمنين جسد أهل الكتاب على ذلك، وكانت اليهود تعظم دينها
وأنفسها وتزعم أنها أحباء الله وأهل رضوانه، فنزلت هذه الآية معلمة أن الله تعالى فعل ذلك وأعلم به ليعلم
أهل الكتاب أنهم ليسوا كما يزعمون، و((لا)) في قوله: ﴿لئلا﴾ زائدة كما هي في قوله تعالى: ﴿وحرام على
قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾ [الأنبياء: ٩٥] على بعض التأويلات.
وقرأ ابن عباس ((ليعلم أهل الكتاب))، وروى إبراهيم التيمي عن ابن عباس: ((كي يعلم))، وروي عن
ابن عباس: ((لكي لا يعلم)). وروي عن حطان الرقاشي أنه قرأ: ((لأي يعلم)). وقرأ ابن مسعود وابن جبير
وعكرمة: ((لكي يعلم أهل الكتاب))، وقرأ الحسن فيما روى ابن مجاهد: ((لَيْلا يعلم)) بفتح اللام وسكون
الياء. فأما فتح اللام فلغة في لام الجر مشهورة وأصل هذه القراءة ((لأن لا))، استغني عن الهمزة بلام الجر
فحذفت فجاء ((لأن لا))، أدغمت النون في اللام للتشابه فجاء ((للا))، اجتمعت أمثلة فقلبت اللام الواحدة
ياء. وقرأ الحسن فيما روى قطرب: ((لِيْلا)) بكسر اللام وسكون الياء وتعليلها كالتي تقدم.
وقوله تعالى: ﴿ألا يقدرون﴾ معناه: أنهم لا يملكون فضل الله ويدخل تحت قدرهم، وقرأ ابن
مسعود: ((ألا يقدروا)) بغير نون، وباقي الآية بين.

٢٧٢
تفسير سورة المجادلة / الآيتان: ٢،١
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الرَّحِيةِ
نَشُورَةُ المجادلة
وهي مدنية بإجماع، إلا أن النقاش حكى أن قوله تعالى ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة﴾ [المجادلة: ٧]
مكي، وروى أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب
الله)).
قوله عز وجل :
قَدْ سَمِعَ الَهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِ لُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَّحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّاللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرً
الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِسَابِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمْ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ
٢
لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ!
﴿سمع الله﴾ عبارة عن إدراكه المسموعات على ما هي ما عليه بأكمل وجوه ذلك دون جارحة ولا
محاداة ولا تكييف ولا تحديد تعالى الله عن ذلك.
١
وقرأ الجمهور: ﴿قد سمع﴾ بالبيان: وقرأ ابن محيصن: ﴿قد سمع﴾ بالإدغام، وفي قراءة ابن
مسعود: ((قد يسمع الله قول التي))، وفيها: ((والله قد يسمع تحاوركما)).
واختلف الناس في اسم التي تجادل، فقال قتادة هي خويلة بنت ثعلبة، وقيل عن عمر بن الخطاب
أنه قال: هي خولة بنت حكيم. وقال بعض الرواة وأبو العالية هي خويلة بنت دليج، وقال المهدوي، وقيل:
خولة بنت دليج، وقالت عائشة: هي خميلة. وقال ابن إسحاق: هي خولة بنت الصامت. وقال ابن عباس
فيها: خولة بنت خويلد، وقال محمد بن كعب القرظي ومنذر بن سعيد: هي خولة بنت ثعلبة، قال ابن
سلام: ((تجادل)) معناه تقاتل في القول، وأصل الجدل القتل، وأكثر الرواة على أن الزوج في هذه النازلة:
أوس بن الصامت أو عبادة بن الصامت. وحكى النقاش وهو في المصنفات حديثاً عن سلمة بن صخر
البياضي أنه ظاهر من امرأته أن واقعها مدة شهر رمضان فواقعها ليلة فسأل قومه أن يسألوا له رسول الله صلى
الله عليه وسلم فأبوا وهابوا ذلك وعظموا عليه، فذهب هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وسأله
واسترشدوه فنزلت الآية. وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتعتق رقبة))؟ فقال له والله ما أملك رقبة
غير رقبتي، فقال: ((أتصوم شهرين متتابعين؟))، فقال يا رسول الله وهل أتيت إلا في الصوم، فقال: ((أتطعم
ستين مسكيناً؟)) فقال: لا أجد، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه فكفر بها فرجع سلمة

٢٧٣
تفسير سورة المجادلة / الآيتان: ٢،١
إلى قومه فقال: إني وجدت عندكم الشدة والغلظة، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الرخصة
والرفق وقد أعطاني صدقاتكم.
وأما ما رواه الجمهور في شأن أوس بن الصامت، فاختصاره: أن أوساً ظاهر من امرأته خولة بنت
خويلد، وكان الظهار في الجاهلية يوجب عندهم فرقة مؤيدة، قاله أبو قلابة وغيره، فلما فعل ذلك أوس،
جاءت زوجته رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أوساً أكل شبابي، ونثرت له بطني
فلما كبرت ومات أهلي، ظاهر مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أراك إلا قد حرمت علیه))،
فقالت يا رسول الله: لا تفعل فإني وحيدة ليس لي أهل سواه، فراجعها رسول الله صلى الله عليه وسلم
بمثل مقالته، فراجعته، فهذا هو جدالها، وكانت في خلال جدالها تقول: اللهم إليك أشكو حالي وفقري
وانفرادي إليه، وروي أنها كانت تقول: اللهم إن لي منه صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن
ضممتهم إلي جاعوا، فهذا هو اشتكاؤها إلى الله، فنزل الوحي عند جدالها على رسول الله صلى الله عليه
وسلم بهذه الآيات.
وكانت عائشة حاضرة لهذه القصة كلها فكانت تقول: سبحان من وسع سمعه الأصوات، لقد كنت
حاضرة وكان بعض كلام خولة يخفى علي، وسمع اللّه جدالها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في
أوس فقال له: أتعتق رقبة؟ فقال والله ما أملكها، فقال أتصوم شهرين متتابعين؟ فقال: والله ما أقدر أن أصبر
إلا على أكلات ثلاث في اليوم، ومتى لم أفعل ذلك غشي بصري فقال له: أتطعم؟ فقال له لا أجد إلا أن
تعينني يا رسول الله بمعونة وصلاة يريد الدعاء، فأعانه رسول الله بخمسة عشر صاعاً ودعا له، وقيل بثلاثين
صاعاً، فكفر بالإطعام وأمسك أهله.
وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ((تحاورك في زوجها))، والمحاورة مراجعة القول ومعاطاته. وقرأ
ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ((يظهرون))، وقرأ أبي بن كعب بخلاف عنه: ((يتظهرون)). وقرأ ابن عامر وحمزة
والكسائي: ((يظاهرون)). وقرأ أبي بن كعب أيضاً: ((يتظاهرون)). وقرأ عاصم والحسن وأبو جعفر وقتادة:
(يُظاهرون)) بضم الياء من قولك فاعل، وهذه مستعملة جداً وقولهم الظهار دليل عليها، والمراد بهذا كله
قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، يريد في التحريم كأنها إشارة إلى الركوب، إذ عرفه في ظهور
الحيوان، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، فرد الله بهذه الآية فعلهم، وأخبر بالحقيقة من أن الأم هي
الوالدة، وأما الزوجة فلا يكون حكمها حكم الأم.
وقرأ جمهور الناس: ((أمهاتهم)) بنصب الأمهات، وقرأ عاصم في رواية المفضل عنه: ((أمهاتُهم))
بالرفع وهذا على اللغتين في ﴿ما﴾ لغة الحجاز ولغة تميم، وقرأ ابن مسعود ((ما هنّ بأمهاتهم)) بزيادة باء
الجر، وجعل الله تعالى القول بالظهار ﴿منكراً﴾ ﴿وزوراً﴾، فهو محرم، لكنه، إذا وقع لزم، هكذا قال فيه
أهل العلم، لكن تحريمه تحريم المكروهات جداً، وقد رجى الله تعالى بعده بأنه ﴿لعفو غفور﴾ مع
الكفارة .

٢٧٤
تفسير سورة المجادلة / الآيتان: ٤،٣
قوله عز وجل :
وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِبِرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَأَ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ
بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَا فَمَنْ لَّهْ
يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَفِرِينَ
٤
عَذَابٌ أَلِيمٌ
اختلف الناس في معنى قوله عز وجل: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ فقال قوم: المعنى ﴿والذين
يظاهرون من نسائهم﴾ في الجاهلية، كأنه قال: والذين كان الظهار عادتهم ثم يعودون إلى ذلك في
الإسلام، وقاله القتبي وقال أهل الظاهر المعنى: والذين يظاهرون ثم يظاهرون ثم ثانية فلا يلزم عندهم
كفارة إلا بأن يعيد الرجل الظهار، قاله منذر بن سعيد، وحينئذ هو عائد إلى القول الذي هو منكر وزور.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف، وإن كان القشيري قد حكاه عن بكير بن عبد الله بن
الأشج وقال بعض الناس في هذه الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: ((فتحرير رقبة لما قالوا))، وهذا أيضاً قول
يفسد نظر الآية، وحكي عن الأخفش، لكنه غير قوي. وقال قتادة وطاوس ومالك والزهري وجماعة كثيرة
من أهل العلم معنى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي للوطء فالمعنى ثم يعودون لما قالوا إنهم لا يعودون فإذا
ظاهر الرجل ثم وطىء فحينئذ تلزمه الكفارة في ذمته وإن طلق أو ماتت امرأته. وقال الشافعي وأبو حنيفة
ومالك أيضاً وفريق ﴿يعودون﴾ معناه: بالعوم على إمساك الزوجة ووطئها والتزام التكفير لذلك، فمتى وقع
من المظاهر هذا العزم لزمت الكفارة ذمته، طلق أو ماتت المرأة.
قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان في مذهب مالك رحمه الله وهما حسنان لزمت الكفارة فيهما
بشرطين: ظهار وعود.
واختلفا في العود ما هو؟ وقال الشافعي العود الموجب للكفارة: أن يمسك عن طلاقها بعد الظهار
ويمضي بعد الظهار ما يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق، والرقبة في الظهار لا تكون عند مالك إلا مؤمنة، رد
هذا: إلى المقيد الذي في كفارة القتل الخطأ.
واختلف والناس في قوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ فقال الحسن والثوري وجماعة من قبل الوطء،
وجعلت المسيس هاهنا الوطء، فأباحت للمظاهر التقبيل والمضاجعة والاستمتاع بأعلى المرأة كالحائض.
وقال جمهور أهل العلم قوله: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ عام في نوع المسيس الوطء والمباشرة، فلا يجوز
لمظاهر أن يطأ ولا يقبل ولا يلمس بيده، ولا يفعل شيئاً من هذا النوع إلا بعد الكفارة، وهذا قول مالك
رحمه الله.
وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى التحرير أي فعل عظة لكم لتنتهوا عن الظهار، والتتابع في الشهرين
صيامهما ولا بين أيامهما، وجائز أن يصومهما الرجل بالعدد، فيصوم ستين يوماً تباعاً، وجائز أن يصومهما

٢٧٥
تفسير سورة المجادلة / الآيات: ٥ - ٧
بالأهلة، يبدأ مع الهلال ويفطر مع الهلال، وإن جاء أحد شهريه ناقصاً، وذلك مجزىء عنه، وجائز إن بدأ
صومه في وسط الشهر أن يبعض الشهر الأول فيصوم إلى الهلال ثم يصوم شهراً بالهلال ثم يتم الشهر الأول
بالعدد. ولا خلاف أحفظه من أهل العلم أن الصائم في الظهار إن أفسد التتابع باختياره أنه يبتدأ صومها .
واختلف الناس إذا أفسده لعذر غالب: كالمرض والنسيان ونحوه، فقال أصحاب الرأي والشافعي في أحد
قوليه والنخعي وابن جبير والحكم بن عيينة والثوري: يبتدىء، وقال مالك والشافعي وغيره: يبني. وأجمعوا
على الحائض وأنها تبني في صومها التتابع.
وإطعام المساكين في الظهار هو بالمد الهاشمي عند مالك، وهو مد وثلث بمد النبي صلى الله عليه
وسلم، وقيل مدان غير ثلث. وروى عنه ابن وهب أنه يطعم كل مسكين مدين بمد النبي عليه السلام وفي
العلماء من يرى إطعام الظهار مداً بمد النبي عليه السلام، ولا يجزىء في إطعام الظهار إلا إكمال عدد
المساكين، ولا يجوز أن يطعم ثلاثين مرتين ولا ما أشبهه، والطعام عو غالب قوت البلد. قال مالك رحمه
الله وعطاء وغيره: إطعام المساكين أيضاً هو قبل التماس حملاً على العتق والصوم. وقال أبو حنيفة وجمهور
من أهل العلم لم ينص الله على الشرط هنا، فنحن نلتزمه، فجاز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ
قبل الكفارة ويستمتع .
وقوله: ﴿ذلك لتؤمنوا﴾ إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم، والإطعام ثم
شدد تعالى بقوله: ﴿تلك حدود الله﴾ أي فالتزموها وقفوا عندها، ثم توعد الكافرين بهذا الحديث والحكم
الشرعي .
قوله عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ كَمَاكُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌّ وَقَدْ أَنْزَلْنَآ ءَايَتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ
◌ُّهِينٌ شَايَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنَةُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
أَلَمْ تَرَأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مَايَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَثَةٍ إِلَّ هُوَ
شَهِیدُ
٦
رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْتُمَ يُنَبِّئُهُم
٧
بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّاللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمْ
هذه الآيات نزلت في منافقين وقوم من اليهود كانوا في المدينة يتمرسون برسول الله صلى الله عليه
وسلم والمؤمنين، ويتربصون بهم الدوائر، ويدبرون عليهم ويتمنون فيهم المكروه ويتناجون بذلك، فنزلت
هذه الآيات إلى آخر أمر النجوى فيهم، والمحادة: أن يعطي الإنسان صاحبه حد قوله أو سلاحه وسائر
أفعاله. وقال قوم: هو أن يكون الإنسان في حد، وصاحبه في حد مخالف. و: كبت الرجل: إذا بقي
خزيان يبصر ما يكره ولا يقدر على دفعه. وقال قوم منهم أبو عبيدة أصله كبدوا، أي أصابهم داء في
أكبادهم، فأبدلت الدال تاء.

٢٧٦
تفسير سورة المجادلة / الآية : ٨
قال القاضي أبو محمد: وهذا غير قوي.
و: ﴿الذين من قبلهم﴾ سابقو الأمم الماضية الذين حادوا الرسل قديماً.
وقوله تعالى: ﴿وقد أنزلنا آيات بينات﴾ يريد في هذا القرآن، فليس هؤلاء المنافقون بأعذر من
المتقدمین .
وقوله تعالى: ﴿يوم يبعثهم الله﴾ العامل في: ﴿يوم﴾ قوله: ﴿مهين﴾، ويحتمل أن يكون فعلاً
مضمراً تقديره: اذكر. وقوله: ﴿ونسوه﴾ نسيان على بابه، لأن الكافر لا يحفظ تفاصيل أعماله ولما أخبر
تعالى أنه ﴿على كل شيء شهيد﴾ وقف محمد عليه السلام توقيفاً تشاركه فيه أمته.
وقوله تعالى: ﴿من نجوى ثلاثة﴾، يحتمل ﴿من نجوى﴾ أن يكون مصدراً مضافاً إلى ﴿ثلاثة﴾،
کأنه قال: من سرار ثلاثة، ويحتمل ﴿نجوى﴾ أن يكون المراد به جمعاً من الناس مسمى بالمصدر كما قال
في آية أخرى: ﴿وإذ هم نجوى﴾ [الإسراء: ٤٧] أي أولو نجوى، فيكون قوله تعالى: ﴿ثلاثة﴾ على هذا
بدلاً ﴿من نجوى﴾ وفي هذا نظر.
،
وقوله تعالى: ﴿إلا هو رابعهم﴾ أي بعلمه وإحاطته ومقدرته.
وقرأ جمهور الناس: ((ما يكون)) وقرأ أبو جعفر القارىء وأبو جيوة: ((ما تكون)) بالتاء منقوطة من فوق.
وفي مصحف ابن مسعود: ((ولا أربعة إلا الله خامسهم))، وكذلك: ((إلا الله رابعهم))، و: ((إلا الله
سادسهم)) .
وقرأ جمهور القراء: ((ولا أكثر)) عطفاً على اللفظ المخفوض، وقرأ الأعمش والحسن وابن أبي
إسحاق: ((ولا أكثرُ)) بالرفع عطفاً على الموضع، لأن التقدير ما يكون نجوى، ومن جعل النجوى مصدراً
محضاً قدر قبل ﴿أدنى﴾ فعلاً تقديره: ولا يكون أدنى. وقرأ الخليل بن أحمد: ((ولا أكبر))، بالباء واحدة من
تحت، وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْعَنْهُ وَيَتَنَجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَاُلْعُدْوَنِ وَمَعْضِيَتِ
الرَّسُولِ وَ إِذَا جَاءُ وَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحْيِّكَ بِهِاللَّهُ وَيَقُولُونَ فِى أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّ بُنَاَللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ
جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِأْسَ الْمَصِيرُ
٨
هذه الآية نزلت في قوم من اليهود نهاهم رسول الله عن التناجي بحضرة المؤمنين وإظهار ما يستراب
منه من ذلك فلم ينتهوا، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس نزلت في اليهود والمنافقين.
وقرأ جمهور القراء والناس: ((ويتناجون)) على وزن يتفاعلون، وقرأ حمزة والأعمش وطلحة وابن
وثاب ((وينتجون)) على وزن يفتعلون وهما بمعنى واحد كيقتتلون ويتقاتلون وفي مصحف عبد الله بن
مسعود: ((وعصيان الرسول)).

٢٧٧
تفسير سورة المجادلة / الآيتان : ١٠،٩
وقوله تعالى: ﴿وإذا جاؤوك حيوك﴾ الآية، يريد بذلك ما كانت اليهود تفعله من قولهم في التحية
السام عليك يا محمد، وذلك أنه روي أن اليهود كانت تأتي فتقول: السام عليك يا محمد، والسام:
الموت، وإياه كانوا يريدون، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((وعليكم)»، فسمعتهم عائشة يوماً
فقالت: بل عليكم السام واللعنة،، فقال رسول الله: ((مهلاً يا عائشة إن الله يكره الفحش والتفحش))،
قالت: أما سمعت ما قالوا؟ قال: ((أما سمعت ما قلت لهم؟ إني قلت وعليكم)). ثم كشف الله تعالى خبث
طويتهم والحجة التي إليها يستروحون، وذلك أنهم كانوا يقولون: نحن الآن نلقى محمداً بهذه الأمور التي
تسوؤه ولا يصيبنا سوء، ولا يعاقبنا الله بذلك، ولو كان نبياً لهلكنا بهذه الأقوال، وجهلوا أن أمرهم مؤخر إلى
عذاب جهنم، فأخبر الله بذلك وأنها كافيتهم. وقال ابن عباس: هذه الآية كلها في منافقين، ويشبه أن من
المنافقين من تخلق في هذا كله بصفة اليهود.
قوله عز وجل :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَشَجَيْتُمْ فَلَا تَنَنَجَوْ بِآلْإِثْمِ وَالْعُدُوَنِ وَمَعْصِبَتِ الرَّسُولِ وَتَنَجَوْ بِآلْبِرِ وَالنَّقْوَىّ
وَأَتَّقُواْ اللَّهُ الَّذِىِّ إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ (٤) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ
١٠
شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
وصى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بأن لا يكون لهم تناج في مكروه، وذلك عام في جميع الناس
إلى يوم القيامة. وخص ((الإثم)) بالذكر لعمومه ﴿والعدوان﴾ لعظمته في نفسه، إذ هي ظلامات العباد،
وكذلك ﴿معصية الرسول﴾ ذكرها طعناً على المنافقين إذ كان تناجيهم في ذلك.
وقرأ جمهور الناس: ((فلا تتناجوا)) على وزن تتفاعلوا، وقرأ ابن محيصن ((تناجوا)) بحذف التاء
الواحدة. وقرأ بعض القراء: ((فلا تّناجوا)) بشد التاء لأنها أدغمت التاء في التاء، وقرأ الأعمش وأهل
الكوفة: ((فلا تنتجوا)) على وزن تفتعلوا. والناس: على ضم العين من ((العُدوان)). وقرأها أبو حيوة بكسر
العين حيث وقع. وقرأ الضحاك وغيره: ((ومعصيات الرسول)) على الجمع فيهما.
ثم أمر بالتناجي ﴿بالبر والتقوى﴾، وذكر بالحشر الذي معه الحساب ودخول أحد الدارين وقوله
تعالى: ﴿إنما النجوى﴾، ليست ﴿إنما﴾ للحصر ولكنها لتأكيد الخبر.
واختلف الناس في ﴿النجوى﴾ التي هي ﴿من الشيطان﴾ التي أخبر عنها في هذه الآية، فقال جماعة
من المفسرين أراد: ﴿إنما النجوى﴾ في الإثم والعدوان ومعصية الرسول ﴿من الشيطان)، وقال قتادة
وغيره: الإشارة إلى نجوى المنافقين واليهود، وقال عبد الله بن زيد بن أسلم: الإشارة إلى نجوى قوم من
المسلمين كانوا يقصدون مناجاة النبي عليه السلام، وليس لهم حاجة ولا ضرورة إلى ذلك، وإنما كانوا
يريدون التبجح بذلك، وكان المسلمون يظنون أن تلك النجوى فى أخبار بعد وقاصد أو نحوه.
قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان يعضدهما ما يأتي من ألفاظ الآية، ولا يعضد القول الأول.

٢٧٨
تفسير سورة المجادلة / الآيتان: ١٢،١١
وقال عطية العوفي في هذه الآية: نزلت في المنامات التي يراها المؤمن فتسوءه، وما يراه النائم فكأنه
نجوی یناجی بها .
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول أجنبي من المعنى الذي قبله والذي بعده.
وقرأ نافع وأهل المدينة: ((ليُحزِن)) بضم الياء وكسر الزاي، والفعل مسند إلى ﴿الشيطان﴾، وقرأ أبو
عمرو والحسن وعاصم وغيرهم: ((ليَحزُن)) بفتح الياء وضم الزاي، تقول حُزُنت قلب الرجل: إذا جعلت فيه
حزناً، فهو كقولك كحلت العين، وهو ضرب من التعدي، كأن المفعول ظرف. وقد ذكر سيبويه رحمه الله
هذا النوع من تعدي الأفعال، وقرأ بعض الناس: ((لَيَحزَن)) بفتح الياء والزاي. و: ﴿الذين﴾ على هذه
القراءة رفع بإسناد الفعل إليهم، يقال حَزِن الرجل بكسر الزاي .
ثم أخبر تعالى أن الشيطان أو التناجي الذي هو منه ليس بضار أحداً إلا أن يكون ضر بإذن الله أي
بأمره وقدره. ثم أمر بتوكل المؤمنين عليه تبارك وتعالى: وهذا كله يقوي أن التناجي الذي من الشيطان إنما
هو الذي وقع منه للمؤمنين خوف، وللخوف اللاحق للقلوب في هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا یتناجی اثنان دون الثالث)).
قوله عز وجل :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَاقِيلَ لَكُمْ نَفَسَّحُواْ فِى الْمَجَلِسِ فَأَفْسَحُوْيَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ
فَانشُزُ واْ يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتِّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (®) يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوَاْإِذَا فَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوْبَيْنَ يَدَيْ نَجْوَمَكُمْ صَدَقَةٌ ذَلِكَ خَيْرٌلَّكُمْ وَأَظْهَرٌ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا
١٢
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ
قرأ جمهور الناس: ((تفسحوا))، وقرأ الحسن وداود بن أبي هند: ((تفاسحوا))، وقرأ جمهور القراء:
(في المجلس))، وقرأ عاصم وحده وقتادة وعيسى: ((في المجالس)). واختلف الناس في سبب الآية
والمقصود بها، فقال ابن عباس ومجاهد والحسن: نزلت في مقاعد الحرب والقتال.
وقال زيد بن أسلم وقتادة: نزلت بسبب تضايق الناس في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك
أنهم كانوا يتنافسون في القرب منه وسماع كلامه والنظر إليه، فيأتي الرجل الذي له الحق والسن والقدم في
الإسلام فلا يجد مكاناً، فنزلت بسبب ذلك. وقال مقاتل: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً ليجلس
أشياخ من أهل بدر ونحو ذلك فنزلت الآية، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقم
أحد من مجلسه ثم يجلس فيه الرجل ولكن تفسحوا يفسح الله لكم))، وقال بعض الناس: إنما الآية
مخصوصة في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في سائر المجالس، ويدل على ذلك قراءة من قرأ: ((في
المجلس))، ومن قرأ ((في المجالس)) فذلك مراده أيضاً لأن لكل أحد مجلساً في بيت النبي صلى الله
عليه وسلم وموضعه فتجمع لذلك، وقال جمهور أهل العلم: السبب مجلس النبي عليه السلام، والحكم

٢٧٩
تفسير سورة المجادلة / الآيتان: ١٢،١١
في سائر المجالس التي هي للطاعات، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أحبكم إلى الله ألينكم
مناكب في الصلاة وركباً في المجالس))، وهذا قول مالك رحمه الله وقال: ما أرى الحكم إلا يطرد في
مجالس العلم ونحوها غابر الدهر، ويؤيد هذا القول قراءة من قرأ: ((في المجالس))، ومن قرأ: ((في
المجلس)» فذلك على هذا التأويل اسم جنس فالسنة المندوب إليها هي التفسح والقيام منهي عنه في حديث
النبي صلى الله عليه وسلم حيث نهى أن يقوم الرجل فيجلس الآخر مكانه، فأما القيام إجلالاً فجائز
بالحديث قوله عليه السلام حين أقبل سعد بن معاذ: ((قوموا إلى سيدكم))، وواجب على المعظم ألا يحب
ذلك ويأخذ الناس به لقوله عليه السلام: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)).
وقوله تعالى: ﴿يفسح الله لكم﴾ معناه: في رحمته وجنته، وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾
معناه: إذا قيل لكم ارتفعوا وقوموا فافعلوا ذلك، ومنه نشوز العظام أي نباتها، والنشر من الأرض المرتفع،
واختلف الناس في هذا النشوز الذي أمروا بامتثاله إذا دعوا إليه. فقال الحسن وقتادة والضحاك معناه: إذا
دعوا إلى قتال أو طاعة أو صلاة ونحوه، وقال آخرون معناه: إذا دعوا إلى القيام عن النبي عليه السلام لأنه
كان أحياناً يحب الانفراد في آمر الإسلام فربما جلس قوم وأراد كل واحد أن يكون آخر الناس عهداً بالنبي
عليه السلام، فنزلت الآية آمرة بالقيام عنه متى فهم ذلك بقول أو فعل، وقال آخرون معناه: ﴿انشزوا﴾ في
المجلس بمعنى التفسح لأن الذي يريد التوسعة يرتفع إلى فوق في الهواء فإذا فعل ذلك جملة اتسع
الموضع، فيجيء ﴿انشروا﴾ في غرض واحد مع قوله ﴿تفسحوا﴾، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن
عاصم: ((انشُزوا)) برفع الشين وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والأعرج. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة
والكسائي بكسر السين فيهما، وهي قراءة الحسن والأعمش وطلحة. يقال: نشز ينشِر كحشر يحشِر ويحشُر
وعكف يعكِف ويعكُّف. وقوله ﴿يرفع الله﴾ جواب الأمر، واختلف الناس في ترتيب قوله تعالى: ﴿الذين
آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ فقال جماعة من المتأولين المعنى: ﴿يرفع الله﴾ المؤمنين العلماء
منكم ﴿درجات﴾، فلذلك أمر بالتفسح من أجلهم، ويجيء على هذا قوله: ﴿والذين أوتوا العلم) بمنزلة
قولك جاءني العاقل والكريم والشجاع، وأنت تريد بذلك رجلاً واحداً، وقال آخرون المعنى: ﴿يرفع الله﴾
المؤمنين والعلماء الصنفين جميعاً ﴿درجات﴾ لكنا نعلم تفاضلهم في الدرجات من مواضع أخرى ولذلك
جاء الأمر بالتفسح عاماً للعلماء وغيرهم، وقال عبد الله بن مسعود وغيره: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم) وتم
القول، ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات ونصبهم بإضمار فعل، فالمؤمنون رفع على هذا التأويل
وللعلماء درجات، وعلى هذا التأويل قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: فضل العلم أحب إلي من فضل
العبادة وخير دينكم الورع، ثم توعد تعالى وحذر بقوله: ﴿والله بما تعملون خبير)، وقوله تعالى: ﴿يأيها
الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول﴾ الآية. روي عن ابن عباس وقتادة في سببها أن قوماً من شباب المؤمنين
وأغفالهم كثرت مناجاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في غير حاجة إلا لتظهر منزلتهم وكان رسول الله صلى
الله عليه وسلم سمحاً لا يرد أحداً فنزلت هذه الآية مشددة عليهم أمر المناجاة، وقال مقاتل: نزلت في
الأغنياء لأنهم غلبوا الفقراء على مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال جماعة من الرواة: لم يعمل بهذه
الآية بل نسخت قبل العمل لكن استقر حكمها بالعزم عليه كأمر إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه، وصح

٢٨٠
تفسير سورة المجادلة / الآيات: ١٣ - ١٦
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ما عمل بها أحد غيري وأنا كنت سبب الرخصة والتخفيف
عن المسلمين وذلك أني أردت مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم في أمر ضروري فصرفت ديناراً بعشرة
دراهم، ثم ناجيته عشر مرار أقدم في كل مرة درهماً، وروي عنه أنه تصدق في كل مرة بدينار فقال علي ثم
فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه العبادة قد شقت على الناس فقال لي يا علي: كم ترى أن
يكون حد هذه الصدقة، أتراه ديناراً؟، قلت: لا، قال نصف دينار، قلت: لا، قال فكم: قلت حبة من
شعير قال إنك لزهيد، فأنزل الله الرخصة.
قال القاضي أبو محمد: يريد للواجد وأما من لا يجد فالرخصة له ثابتة أولاً بقوله تعالى: ﴿فإن لم
تجدوا فإن الله غفور رحيم﴾. وقال مقاتل: بقي هذا الحكم عشرة أيام، وقال قتادة: بقي ساعة من نهار،
وقرأ جمهور من الناس: ((صدقة)) بالإفراد، وقرأ بعض القراء ((صدقات)) بالجمنع .
قوله عز وجل :
ءَأَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَئِكُمْ صَدَقَتٍ فَإِذْلَمْتَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ
ے
الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَاتَعْمَلُونَ ﴿ أَلَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّاهُم
أَعَدَّاللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ
مِّنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
يَعْمَلُونَ ﴿﴿ أَتَّخَذُوَأْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْعَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (
الإشفاق: الفزع من العجز عن الشيء المتصدق به أو من ذهاب المال في الصدقة وله وجوه كثيرة
يقال فيها الإشفاق، لكنه في هذا الموضع كما ذكرت، ﴿وتاب الله عليكم﴾ معناه: رجع بكم، وقوله
﴿فأقيموا الصلاة) الآية المعنى دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعد شرعكم ومن قال إن هذه الصدقة
منسوخة بآية الزكاة، فقوله ضعيف لا يحصل كيف النسخ، وما ذكر في نحو هذا عن ابن عباس لا يصح عنه
والله أعلم، وقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين تولوا﴾ نزلت في قوم من المنافقين تولوا قوماً من اليهود وهم
المغضوب عليهم، وقال الطبري: ﴿ما هم﴾ يريد به المنافقين و﴿منكم﴾ يريد به المؤمنين و﴿منهم)
یرید به اليهود.
قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا
إلى هؤلاء﴾ [النساء: ١٤٣]، ومع قوله عليه السلام: ((مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين لأنه مع
المؤمنين بقوله ومع الكافرين بقلبه))، ولكن هذه الآية تحتمل تأويلاً آخر وهو أن يكون قوله ﴿ما هم﴾ یرید
به اليهود، وقوله: ﴿ولا منهم﴾ يريد به المنافقين فيجيء فعل المنافقين على هذا التأويل أحسن لأنهم تولوا
قوماً مغضوباً عليهم ليسوا من أنفسهم فيلزمهم ذمامهم ولا من القوم المحقين فتكون الموالاة صواباً. وقوله
﴿يحلفون﴾ يعني المنافقين لأنهم كانوا إذا وقفوا على ما يأتون به من بغض النبي صلى الله عليه وسلم
وشتمه وموالاة عدوه حلفوا أنهم لا يفعلون ذلك واستسهلوا الحنث، ورويت من هذا نوازل كثيرة اختصرتها
إيجازاً وإذا تتبعت في المصنفات وجدت كقول ابن أبي لئن رجعنا إلى المدينة وحلفه على أنه لم يقل وغير