Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١
الفسير سورة الذاريات / الآيات: ٤٥ - ٥٢
قوله عز وجل :
٤٦
فَمَا أُسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُواْ مُنْتَصِرِينَ
وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ
٤٥
وَالسَّمَاءَ بَيْنَهَا بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴿٢٦] وَالْأَرْضَ فَرَشْنَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ {ْوَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا
وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَ آخَرٌ
٥٠
زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْنَذَكَّرُونَ ﴿ فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ إِنِّ لَكُ مِّنْهُ نَّذِيْرٌ مُّبِينٌ
٥٢
كَذَلِكَ مَآ أَنَ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرَ أَوْ مَحْنُونُ
٥١
إِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
قال بعض المفسرين: ﴿من قيام﴾ معناه: ما استطاعوا أن يقوموا من مصارعهم. وقال قتادة وغيره
معناه: ما قيام بالأمر ودفعه كما تقول: ما ان له بكذا وكذا قيام، أي استضلاع وانتهاض.
وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم: ((وقوم نوح)» بالنصب، وهو عطف إما على الضمير في قوله:
﴿فأخذتهم﴾ [الذاريات: ٤٤] إذ هو بمنزلة أهلكناهم، وإما على الضمير في قوله: ﴿فنبذناهم﴾
[الذاريات: ٤٠]، وقرأ أبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث: ((وقومُ نوح)) بالرفع وذلك على الابتداء
وإضمار الخبر وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: ((وقومٍ)) بالخفض عطفاً على ما تقدم من قوله: ﴿وفي
ثمود﴾ [الذاريات: ٤٣] وقد روي النصب عن أبي عمرو.
وقوله: ﴿والسماءَ﴾ نصب بإضمار فعل تقديره: وبنينا السماء بنيناها. والأيد: القوة قاله ابن عباس
ومجاهد وقتادة، ووقعت في المصحف بياءين وذلك على تخفيف الهمز، وفي هذا نظر.
وقوله: ﴿لموسعون﴾ يحتمل أن يريد: إنا نوسع الأشياء قوة وقدرة كما قال تعالى: ﴿على الموسع
قدره﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي الذي يوسع أهله إنفاقاً، ويحتمل أن يريد: ﴿الموسعون﴾ في بناء السماء، أي
جعلناها واسعة وهذا تأويل ابن زيد وقال الحسن: أوسع الرزق بمطر السماء و((الماهد)) المهيىء الموطىء
للموضع الذي يتمهد ويفترش.
وقوله تعالى: ﴿ومن كل شيء خلفنا زوجين﴾ أي مصطحبين ومتلازمين، فقال مجاهد معناه أن هذه
إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء كالليل والنهار والشقوة والسعادة والهدى والضلالة والأرض
والسماء والسواد والبياض والصحة والمرض والكفر والإيمان ونحو هذا، ورجحه الطبري بأنه دل على
القدرة التي توجد الضدين، بخلاف ما يفعل بطبعه فعلاً واحداً كالتسخين والتبريد. وقال ابن زيد وغيره:
هي إشارة إلى الأنثى والذكر من كل حيوان والترجي الذي في قوله: ﴿لعلكم﴾ هو بحسب خلق البشر
وعرفها. وقرأ الجمهور ((تذكرون)) بشد الذال والإدغام. وقرأ أبي بن كعب: ((تتذكرون)) بتاءين وخفة الذال.
وقوله: ﴿ففروا﴾ أمر بالدخول في الإيمان وطاعة الله، وجعل الأمر بذلك بلفظ الفرار لينبه على أن
وراء الناس عقاباً وعذاباً وأمراً حقه أن يفر منه، فجمعت لفظة ((فروا)) بين التحذير والاستدعاء، وينظر إلى
هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك)) الحديث، قال الحسن بن
الفضل: من فر إلى غير الله .
١٨٢
تفسير سورة الذاريات / الآيات: ٥٣ - ٦٠
وقوله: ﴿ولا تجعلوا مع الله﴾ الآية نهي عن عبادة الأصنام والشياطين وكل مدعو من دون الله وفائدة
تكرار قوله: ﴿إني لكم منه نذير مبين﴾ الإبلاغ وهز النفس وتحكيم التحذير وإعادة الألفاظ بعينها في هذه
المعاني بليغة بقرينة شدة الصوت.
وقوله تعالى: ﴿كذلك﴾ تقديره: سيرة الأمم كذلك، أو الأمر في القديم كذلك. وقوله: ﴿إلا قالوا
ساحر أو مجنون﴾ معناه: إلا قال بعض: هذا وبعض: هذا وبعض: الجميع ألا ترى أن قوم نوح لم يقولوا
قط: ﴿ساحر﴾ وإنما قالوا: ﴿به جنة﴾ [سبأ: ٨] فلما اختلف الفرق جعل الخبر عن ذلك بإدخال أو بين
الصفتين، وليس المعنى أن كل أمة قالت عن نبيها إنه ساحر أو هو مجنون، فليست هذه كالمتقدمة في
فرعون، بل هذه كأنه قال: إلا قالوا هو ساحر وهو مجنون.
قوله عز وجل :
أَنَوَصَوْبِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرِىِ نَفَعُ
٥٤
فَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ
٥٣
مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ !
٥٥
اُلْمُؤْمِنِينَ
يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُوْاُلْقُوَّةِ الْمَنِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُو ◌ْذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَبِهِمْ فَلَا
يَسْتَعْجِلُونِ ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ
٦٠
قوله تعالى: ﴿أتواصوا به﴾ توقيف وتعجيب من توارد نفوس الكفرة في تكذيب الأنبياء على تفرق
أزمانهم أي أنهم لم يتواصوا، لكنهم فعلوا فعل من يتواصى.
والعلة في ذلك أن جميعهم طاغ، والطاغي: المستعلي في الأرض المفسد العاتي على الله ...
وقوله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾ أي عن الحرص المفرط عليهم، وذهاب النفس حسرات، ويحتمل أن
يراد: فقول عن التعب المفرط في دعائهم وضمهم إلى الإسلام فلست بمصيطر عليهم ولست ﴿بملوم﴾ إذ
قد بلغت، فنح نفسك عن الحزن عليهم، وذكر فقط، فإن الذكرى نافعة للمؤمنين ولمن قضي له أن يكون
منهم في ثاني حال، وعلى هذا التأويل: فلا نسخ في الآية. إلا في معنى الموادعة التي فيها، إن آية
السيف نسخت جميع الموادعات.
وروى قتادة وذكره الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما نزلت ﴿فتول عنهم فما أنت
بملوم﴾ حزن المسلمون وظنوا أنه مر بالتوالي عن الجميع وأن الوحي قد انقطع حتی نزلت: ﴿وذکر فإن
الذكرى تنفع المؤمنين﴾ فسروا بذلك.
وقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ اختلف الناس في معناه مع إجماع أهل السنة
على أن الله تعالى لم يرد أن تقع العبادة من الجميع، لأنه لو أراد ذلك لم يصح وقوع الأمر بخلاف إرادته،
فقال ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم
بعبادتي، وليقروا لي بالعبودية فعبر عن ذلك بقوله: ﴿ليعبدون﴾ إذ العبادة هي مضمن الأمر، وقال زيد بن
١٨٣
تفسير سورة الذاريات / الآيات: ٥٣ - ٦٠
أسلم وسفيان: المعنى خاص، والمراد: ﴿وما خلقت﴾ الطائعين من ﴿الجن والإنس﴾ إلا لعبادتي،
ويؤيد هذا التأويل أن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: ((وما خلقت الجن والإنس من
المؤمنين إلا ليعبدوني))، وقال ابن عباس أيضاً معنى: ﴿ليعبدون﴾ أي ليتذللوا لي ولقدرتي، وإن لم يكن
ذلك على قوانين الشرع.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل فجميع الجن والإنس عابد متذلل والكفار كذلك، ألا
تراهم عند القحط والأمراض وغير ذلك. وتحتمل الآية، أن يكون المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا
معدين ليعبدون، وكأن الآية تعديد نعمة، أي خلقت لهم حواس وعقولاً وأجساماً منقادة نحو العبادة، وهذا
كما تقول: البقر مخلوقة للحرث، والخيل للحرب، وقد يكون منها ما لا يحارب به أصلاً، فالمعنى أن
الإعداد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة، لكن بعضهم تكسب صرف نفسه عن ذلك، ويؤيد هذا المنزع قول
النبي صلى الله عليه وسلم: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)). وقوله: ((كل مولود يولد على الفطرة))
والحديث، وقوله: ﴿من رزق﴾ أي أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم.
وقوله: ﴿أن يطعمون﴾ إما أن يكون المعنى أن يطعموا خلقي فأضيف ذلك إلى الضمير على جهة
التجوز، وهذا قول ابن عباد. وإما أن يكون الإطعام هنا بمعنى النفع على العموم، كما تقول: أعطيت فلاناً
كذا وكذا طعمة، وأنت قد أعطيته عرضاً أو بلداً يحييه، ونحو هذا فكأنه قال: ولا أريد أن ينفعوني، فذكر
جزءاً من المنافع وجعله دالاً على الجميع .
وقرأ الجميع: ((إن الله هو الرزاق)). وروى أبو إسحاق السبيعي عن عبد الله بن يزيد، قال أبو عمرو
الداني عن ابن مسعود قال: أقراني رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إني أنا الرزاق)) وقرأ الجمهور: ((إن الله
هو الرزاق)) وقرأ ابن محيصن ((هو الرازق))
وقرأ جمهور القراء: ((المتينُ)) بالرفع إما على أنه خبر بعد خبر، أو صفة لـ ﴿الرزاق﴾. وقرأ
يحيى بن وثاب، والأعمش ((المتينٍ)) بالخفض على النعت لـ ﴿القوة﴾، وجاز ذلك من حيث تأنيث
﴿القوة﴾ غير حقيقي. فكأنه قال: ذو الأيد، أو ذو الحبل ونحوه ﴿فمن جاءه موعظة﴾ [البقرة: ٢٧٥] وجوز
أبو الفتح أن يكون خفض ((المتينٍ)) على الجواز و: ﴿المتين﴾: الشديد.
وقوله تعالى: ﴿فإن للذين ظلموا﴾ يريد أهل مكة، وهذه آية وعيد صراح، وقرأ الأعمش ((فإن للذين
كفروا)). والذنوب: الحظ والنصيب، وأصله من الدلو، وذلك أن الذنوب هو ملء الدلو من الماء، وقيل
الذنوب: الدلو العظيمة، ومنه قول الشاعر: [الرجز]
إنا إذا نازلنا غريب له ذنوب ولنا ذنوب
فإن أبيتم فلنا القليب
وهو السجل، ومنه قول علقمة بن عبدة: [الطويل]
فحق لشأس من نداك ذنوب
وفي كل حي قد خبطت بنعمة
فيروى أن الملك لما سمع هذا البيت قال نعم وأذنبة، ومنه قول حسان: [الطويل]
١٨٤
تفسير سورة الذاريات / الآيات: ٥٣ - ٦٠
لا يبعدن ربيعة بن مكدم وسقى الغوادي قبره بذنوب
و﴿أصحابهم﴾ يريد به من تقدم من الأمم المعذبة. وقوله: ﴿فلا يستعجلون﴾ تحقيق للأمر،
بمعنى هو نازل بهم لا محالة في وقته المحتوم، فلا يستعجلوه، وقرأ يحيى بن وثاب: ((فلا تستعجلون))
بالتاء من فوق.
ثم أوجب تعالى لهم الويل من يومهم الذي يأتي فيه عذابهم. والويل: الشقاء والهم، وروي أن في
جهنم وادياً يسمى: ويلاً. والطبري يذهب أبداً إلى أن التوعد إنما هو به، وذلك في هذا الموضع قلق، لأن
هذا الويل إنما هو ﴿من يومهم﴾ الذي هو في الدنيا، و: ﴿من﴾ لابتداء الغاية. وقال جمهور المفسرين:
هذا التوعد هو بيوم القيامة. وقال آخرون ذكره الثعلبي هو يوم بدر. وفي: ﴿يوعدون﴾ ضمير عائد،
التقدير: یوعدون به، أو یوعدونه.
نجز تفسير سورة ((الذاريات)) والحمد لله رب العالمين كثيراً، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم
النبيين وإمام المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعن جميع تابعيه.
:
١٨٥
تفسير سورة الطور / الآيات ١ - ١٤
بِسْمِ اللهِ الزَّحمَن الرَّحِيةِ
سُورَةُ الُوْرِ
وهي مكية بإجماع من المفسرين والرواة .
قوله تعالى :
٥
] وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ
٤
وَالُطُورِ ﴿ وَكِتَبِ مَّسْطُورٍ [®َا فِ رَقِ مَّنْشُورٍ (٢) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُّورِ
يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا
مَّا لَهُ مِن دَافِعِ
٧
وَالْبَحْرِ الْمُسْجُوِ[﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِعٌ
الَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ
فَوَيِّلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
١٠
وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا
يَوْمَ
١٢٦
يُدَعُونَ إِلَى نَارٍ جَهَنَّمَ دَغًا ﴿ هَذِهِ النَّارُ الَِّى كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ
١٤
هذه مخلوقات أقسم الله بها تنبيهاً منها وتشريفاً، وليكون ذلك سبب النظر فيها والاعتبار بها، وذلك
يؤول إلى التوحيد والمعرفة بحقوق الله .
﴿والطور﴾ قال بعض أهل اللغة: كل جبل: طور، فكأنه أقسم بالجبال، إذ هو اسم جنس وقال
آخرون: ((الطور)) كل جبل أجرد لا ينبت شجراً. وقال مجاهد في كتاب الطبري: ((الطور)) الجبل
بالسريانية، وهذا ضعيف، لأن ما حكاه في العربية يقضي على هذا، ولا خلاف أن في الشام جبلاً يسمى
بـ ((الطور))، وهو طور سيناء. وقال نوف البكالي: إنه الذي أقسم الله به لفضله على الجبال. إذ قد روي أن الله
تعالى أوحى إلى الجبال إني مهبط على أحدكم أمري. يريد رسالة موسى عليه السلام، فتطاولت كلها إلا
الطور فإنه استكان لأمر الله وقال حسبي الله، فأهبط الله الأمر عليه. ويقال إنه بمدين. وقال مقاتل بن حيان
هما طوران. والكتاب المسطور: معناه بإجماع: المكتوب أسطاراً .
واختلف الناس في هذا المكتوب المقسم به، فقال بعض المفسرين: هو الكتاب المنتسخ من اللوح
المحفوظ للملائكة لتعرف منه ما تفعله وتصرفه في العالم.
وقال آخرون: بل أقسم الله تعالى بالقرآن، فإنه قد كان علم أنه يتخلد ﴿في رق منشور﴾ .
وقال آخرون: أقسم بالكتب القديمة المنزلة: الإنجيل والتوراة والزبور. وقال الفراء فيما حكى
الرماني: أقسم بالصحف التي تعطى وتؤخذ يوم القيامة بالأيمان والشمائل. وقال قوم: أقسم بالكتاب الذي
فيه أعمال الخلق، وهو الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
١٨٦
تفسير سورة الطور / الآيات: ١ - ١٤
وكتب بعض الناس، ((مصطوراً)) بالصاد. والقصد بذلك تشابه النطق بالحروف، والجمهور على
السين. والرق: الورق المعدة للكتب وهي مرققة فلذلك سميت رقاً، وقد غلب الاستعمال على هذا الذي
هو من جلود الحيوان. والمنشور: خلاف المطوي، وقد يحتمل أن يكون نشره بمعنى بشره وترقيقه
وصنعته. وقرأ أبو السمال: ((في رِق)) بكسر الراء.
واختلف الناس في ﴿البيت المعمور﴾ فقال الحسن بن أبي الحسن البصري: هي الكعبة. وقال
علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس وعكرمة: هو بيت في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال
الكعبة، ويقال الضريح، ذكر ذلك الطبري وهو الذي ذكر في حديث الإسراء. قال جبريل عليه السلام:
هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم وبهذا عمارته. ويروى أنه
في السماء السابعة. وقيل في السادسة وقيل إنه مقابل الكعبة لو خر لسقط عليها. وقال مجاهد وقتادة وابن
زيد: في كل سماء بيت معمور، وفي كل أرض كذلك. وهي كلها على خط مع الكعبة. وقال علي بن أبي
طالب رضي الله عنه: ﴿والسقف المرفوع﴾: السماء ﴿والسقف﴾ طول في انحناء، ومنه أسقف
النصارى، ومنه السقف، لأن الجدار وسقفه فيهما طول في انحناء.
واختلف الناس في معنى: ﴿المسجور﴾ فقال مجاهد وشمر بن عطية معناه: الموقد ناراً. وروي أن
البحر هو جهنم. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليهودي: أين جهنم؟ فقال هي البحر، فقال علي :
ما أظنه إلا صادقاً، وقرأ: ﴿والبحر المسجور﴾، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أن البحر
طبق جهنم)). قال الثعلبي: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يركبن البحر إلا حاج أو معتمر أو
مجاهد فإن تحت البحر ناراً)).
وفي حديث آخر: ((فإن البحر نار في نار)). وقال قتادة: ﴿المسجور﴾ المملوء. وهذا معروف في
اللغة. ورجحه الطبري بوجود نار البحر كذلك، وإلى هذا يعود القول الأول لأن قولهم: سجرت التنور
معناه: ملأتها بما يحترق ويتقد و: ﴿البحر المسجور﴾ المملوء ماء، وهكذا هو معرض للعبرة، ومن هذا
قول النمر بن تولب: [المتقارب]
تری حولها النبع والسماسما
إذا شاء طالع مسجورة
ـف وإن من خريف فلن يعدما
سقتها رواعد من صيد
يصف ثوراً أو عيناً مملوءة ماء، وقال ابن عباس: هو الذي ذهب ماؤه فـ ﴿المسجور﴾: الفارغ،
ويروى أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة وقيل يوقد البحر ناراً يوم القيامة فذلك هو سجره. وقال ابن عباس
أيضاً: ﴿المسجور﴾: المحبوس، ومنه ساجور الكلب: وهو القلادة من عود أو حديد التي تمسكه، وكذلك
لولا أن البحر يمسك لفاض على الأرض. وقال علي بن أبي طالب أيضاً وعبد الله بن عمر رضي الله
عنهما: البحر المقسم به هو في السماء تحت العرش، والجمهور على أنه بحر الدنيا، ويؤيد ذلك قوله
تعالى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ [التكوير: ٦].
١٨٧
تفسير سورة الطور / الآيات: ١٥ - ٢٠
وقال منذر بن سعيد: إن المعنى هو القسم بجهنم وسماها بحراً لسعتها وتموجها كما قال صلى
الله عليه وسلم في الفرس: ((وإن وجدناه لبحر)) والقسم واقع على قوله: ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ ویرید
عذاب الآخرة للكفار. قال قتادة: والعامل في: ﴿يوم﴾ ((واقع)) ويجوز أن يكون العامل فيه ﴿دافع﴾،
والأول أبين. وقال مكي: لا يعمل فيه ﴿دافع﴾. و: ﴿تمور﴾ معناه: تذهب وتجيء بالرياح متقطعة
متفتتة، والغبار الموار: الذي يجتمع ويذهب ويجيء بالريح، ثم هو كله إلى الذهاب، ومنه قول الأعرابي :
وغادرت التراب مورا
يصف سنة قحط. وأنشد معمر بن المثنى بيت الأعشى: [البسيط]
مور السحابة لا ريث ولا عجل
أراد مضيها، وقال الضحاك: ﴿تمور﴾ تموج. وقال مجاهد: تدور. وقال ابن عباس: تشقق، وهذه
كلها تفاسير بالمعنى، لأن السماء العلو يعتريها هذا كله، وسير الجبال هو في أول الأمر، ثم تتفتت أثناء
السير حتى تصير آخراً كالعهن المنفوش والفاء في قوله: ﴿فويل﴾ عاطفة جملة على جملة وهي تتضمن
ربط المعنى وتأكيده وإثبات الويل للمكذبين. والويل: السوء والمشقة والهم الأطول، ويروى أن في جهنم
وادياً يسمى: ويلاً والخوض التخبط في الأباطيل، يشبه بخوض الماء، ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين
يخوضون في آياتنا﴾ [الأنعام: ٦٨] و: ﴿يوم﴾ الثاني بدل من: ﴿يومئذ﴾ و: ﴿يدعون﴾ قال ابن عباس
معناه: يدفعون في أعناقهم بشدة وإهانة وتعتعة، ومنه قوله تعالى: ﴿يدع اليتيم﴾ [الماعون: ٢] وفي
الكلام محذوف مختصر تقديره: يقال لهم هذه النار، وإخبارهم بهذا على جهة التوبيخ والتقريع وقرأ أبو
رجاء العطاردي: (( يوم يدْعَون إلى نار جهنم)» من الدعاء بسكون الدال وفتح العين.
قوله عز وجل :
أَفَسِحْرُ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ ﴿﴿ أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْ أَوْلَا تَصْبِرُ واْ سَوَآءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا
سبع
فَكِهِينَ بِمَآءَ ائَنْهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ
٠,٠٠٠٪
كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِى حَنَّتٍ وَنَعِيمٍ
عَذَابَ الْجَحِيمِ
كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (ْ مُتَّكِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوْفَةٍ
١٨
وَزَوَّجْنَهُمْ بِحُورِعِينٍ
٢٠
لما قيل لهم هذه النار، وقفوا بعد ذلك على الجهتين التي يمكن منها دخول الشك في أنها النار وهي
إما أن يكون ثم سحر يلبس ذات المرء، وإما أن يكون في بصر الناظر اختلال، وأمرهم بصليها على جهة
التقريع، ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم: ﴿اصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم﴾ أي عذابكم حتم،
فسواء جزعكم وصبركم لا بد من جزاء أعمالكم. وقوله تعالى: ﴿إن المتقين في جنات﴾ الآية يحتمل أن
يكون خطاب أهل النار، فيكون إخبارهم بذلك زيادة في غمهم وسوء حالهم، ويحتمل وهو الأظهر أن
يكون إخباراً لمحمد صلى الله عليه وسلم ومعاصريه لما فرغ من ذكر عذاب الكفار عقب ذلك بنعيم
١٨٨
تفسير سورة الطور / الآيات: ١٥ ٢٠٠
المتقين ليبين الفرق ويقع التحريض على الإيمان .. والمتقون هنا: متقو الشرك. لأنهم لا بد من مصيرهم
إلى الجنات، وكلما زادت الدرجة في التقوى قوي الحصول في حكم الآية، حتى أن المتقين على الإطلاق
هم في حكم الآية قطعاً على اللّه بحكم خبره الصادق.
وقرأ الجمهور: ((فاكهين)) ومعناه: فرحين مسرورين. وقال أبو عبيدة· هو من باب لابن وتامر أي
لهم فاكهة .
قال القاضي أبو محمد: والمعنى الأول أبرع.
وقرأ خالد فيما حكى أبو حاتم ((فاكهين)) والفكه والفاكه: المسرور المتنعم.
وقوله: ﴿بما آتاهم ربهم﴾: أي من إنعامه ورضاه عنهم وقوله: ﴿ووقاهم ربهم عذاب الجحيم﴾
هذا متمكن ومتقي المعاصي الذي لا يدخل النار ويكون متقي الشرك الذي ينفذ عليه الوعيد بمعنى :
ووقاهم ربهم عذاب الخلود في الجحيم. ويحتمل أن يكون ﴿الجحيم) من طبقات جهنم ليست بمأوى
للعصاة المؤمنين، بل هي مختصة بالكفرة فهم وإن عذبوا في نار فليسوا في عذاب الجحيم.
وقرأ جمهور الناس: ((ووقَاهم)) بتخفيف القاف. وقرأ أبو حيوة: ((ووقّاهم)) بتشديدها على المبالغة،
وذلك كله مشتق من الوقاية، وهي الحائل بين الشيء وما يضره والمعنى:" يقال لهم ﴿كلوا واشربوا﴾.
وقوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾ معناه: أن رتب الجنة ونعيمها هو بحسب الأعمال وأما نفس دخولها فهو برحمة
الله وتغمده، والأكل والشرب والتهني ليس من الدخول في شيء، وأعمال العباد الصالحة لا توجب على
الله التنعيم إيجاباً، لكنه قد جعلها أمارة على من سبق تنعيمه، وعلق الثواب والعقاب بالتكسب الذي في
الأعمال. وقوله تعالى: ﴿متكئين) نصب على الحال على حد قوله: ﴿فاكهين﴾ والعامل في هاتين
الحالتين الفعل المقدر في قوله: ﴿في جنات﴾ ويجوز غير هذا، وفي ذلك نظر، وقرأ أبو السمال: ((على
سَرَر)) بفتح الراء الأولى. و: ﴿زوجناهم﴾ معناه: جعلنا لكل فرد منهم زوجاً، والحور: جمع حوراء، وهي
البيضاء القوية بياض بياض العين وسواد سوادها، و((العين)) جمع عيناء وهي الكبيرة العينين مع جمالهما.
وفي قراءة ابن مسعود وإبراهيم النخعي: ((وزوجناهم بعيس عين))، قال أبو الفتح: العيساء البيضاء. وقرأ
عكرمة: ((وزوجناهم حوراً عيناً)). وحكى أبو عمرو عن عكرمة أنه قرأ ((بعيس عين)) على إضافة ((عيس)) إلى
(عین)) .
قوله عز وجل :
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَبَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُمْ بِإِيَمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَآ أَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِنْ شَىْءٍ كُلْ أَمْرِيٍ بِمَا
كَسَبَ رَهِينٌ لِهَا وَأَمْدَدْنَهُمْ بِفَكِهَةٍ وَلَحْرٍ مِّمَّا يَشْنَهُونَ (٢َيَنْتَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِمٌ
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَنَهُمْ لُؤْلٌ مَّكْنُونٌ ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِنَّسَاءَلُونَ (٥) قَالُوَأَإِنَّا
٢٣
كُنَّا قَبْلُ فِىّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنًا وَوَقَتَنَا عَذَابَ السَّمُومِ ®] إِنَّاكُنَّا مِن
:
١٨٩
تفسير سورة الطّور / الآيات: ٢١ - ٢٨
٢٨
قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّالرَّحِيمُ
وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطلحة والحسن وقتادة
وأهل مكة: ((واتبعتهم ذريتهم)) ((بهم ذريتهم)). وقرأ نافع وأبو جعفر وابن مسعود بخلاف عنه وشيبة والجحدري
وعيسى، ((وأتبعناهم ذريتهم)) ((بهم ذرياتهم)). وروى خارجة عنه مثل قراءة حمزة. وقرأ ابن عامر وابن
عباس وعكرمة وابن جبير والضحاك: ((واتبعتهم ذريتهم)) ((بهم ذريتهم)). وقرأ أبو عمرو والأعرج وأبو رجاء
والشعبي وابن جبير والضحاك: ((وأتبعناهم ذريتهم)) ((بهم ذريتهم)). فكون الذرية جمعاً في نفسه حسن
الإفراد في هذه القراءات، وكون المعنى يقتضي انتشار أو كثرة حسن جمع الذرية في قراءة ((ذرياتهم)).
واختلف الناس في معنى الآية، قال ابن عباس وابن جبير والجمهور: أخبر الله تعالى أن المؤمنين
تتبعهم ذريتهم في الإيمان. فيكونون مؤمنين كآبائهم. وإن لم يكونوا في التقوى والأعمال كالآباء، فإنه
يلحق الأبناء بمراتب أولئك الآباء كرامة للآباء .
وقد ورد في هذا المعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا الحديث تفسير الآية وكذلك
وردت أحاديث تقتضي ((أن الله تعالى يرحم الآباء رعياً للأبناء الصالحين)). وذهب بعض الناس إلى إخراج
هذا المعنى من هذه الآية، وذلك لا يترتب إلا بأن يجعل اسم الذرية بمثابة نوعهم على نحو قوله تعالى
﴿أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون﴾ [يس: ٤١] وفي هذا نظر. وقال ابن عباس أيضاً والضحاك
معنى هذه الآية: أن الله تعالى يلحق الأبناء الصغار بأحكام الآباء المؤمنين. يعني في الوراثة والدفن في
قبور الإسلام وفي أحكام الآخرة في الجنة. وحكى أبو حاتم عن الحسن أنه قال: الآية في الكبار من الذرية
وليس فيها من الصغار شيء. وقال منذر بن سعيد هي في الصغار لا في الكبار. وحكى الطبري قولاً معناه
أن الضمير في قوله: ﴿بهم﴾ عائد على ذرية، والضمير الذي بعده في: ﴿ذريتهم﴾ عائد على ﴿الذين﴾
أي اتبعتهم الكبار وألحقنا نحن الكبار الصغار. وهذا قول مستكره.
وقوله: ﴿بإيمان﴾ هو في موضع الحال. فمن رأى أن الآية فى الأبناء الصغار. فالحال من الضمير
في قوله: ﴿اتبعتهم﴾ فهو من المفعولين، ومن رأى أن الآية في الأبناء الكبار فيحتمل أن تكون الحال من
المفعولين، ويحتمل أن تكون من المتبعين الفاعلين، وأرجح الأقوال في هذه الآية القول الأول. لأن
الآيات كلها في صفة إحسان الله تعالى إلى أهل الجنة فذكر من جملة إحسانه أنه يرعى المحسن في
المسيء. ولفظة ﴿ألحقنا﴾ تقتضي أن للملحق بعض التقصير في الأعمال.
وقرأ جمهور القراء: ((ألتناهم)) بفتح الألف من ألَت. وقرأ ابن كثير وأبو يحيى وشبل: ((ألتناهم)) من
ألت بكسر اللام. وقرأ الأعرج: ((ألتناهم)) على وزن أفعلناهم. وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود: ((لتناهم))
من لات، وهي قراءة ابن مصرف. ورواها القواس عن ابن كثير، وتحتمل قراءة من قرأ: ((أَلَتناهم)) بالفتح أن
تكون من ألات، فإنه قال: ألات يليت إلاتة. ولات يليت ليتاً. وآلت يولت إيلاناً، وألت يألت. وولت
يلت ولتاً. وكلها بمعنى نقص ومعنى هذه الآية: أن الله يلحق المقصر بالمحسن، ولا ينقص المحسن من
أجره شيئاً وهذا تأويل ابن عباس وابن جبير والجمهور، ويحتمل قوله تعالى: ﴿وما ألتناهم من عملهم من
١٩٠
تفسير سورة الطور / الآيات: ٢١ - ٢٨
شيء﴾ بأن يريد من عملهم المحسن والقبيح، ويكون الضمير في ﴿عملهم﴾ عائد على الأبناء، وهذا
تأويل ابن زيد، ويحسن هذا الاحتمال قوله تعالى: ﴿كل امرىء بما كسب رهين﴾، والرهين المرتهن،
وفي هذه الألفاظ وعيد.
وحكى أبو حاتم عن الأعمش أنه قرأ: ((وما لَتناهم)) بغير ألف وفتح اللام. قال أبو حاتم: لا تجوز
هذه القراءة على وجه من الوجوه. وأمددت الشي: إذا سربت إليه شيئاً آخر يكثره أو يكثر لديه. وقوله:
﴿مما يشتهون﴾ إشارة إلى ما روي من أن المنعم إذا اشتهى لحماً نزل ذلك الحيوان بين يديه على الهيئة
التي اشتهاه فيها، وليس يكون في الجنة لحم يخزن ولا يتكلف فيه الذبح والسلخ والطبخ. وبالجملة: لا
كلفة في الجنة، و: ﴿يتنازعون﴾ معناه: يتعاطون، ومنه قول الأخطل: [البسيط]
صاح الدجاج وحانت وقعة الساري
نازعته طيب الراح الشمول وقد
والكأس: الإناء وفيه الشراب. ولا يقال في فارغ كأس، قاله الزجاج؛
1
وقرأ جمهور من السبعة وغيرهم ((لا لغوّ)) بالرفع ((ولا تأثيمٌ)) كذلك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
والحسن: ((لالغوَ ولا تأثيمَ)) بالنصب على التبرية وعلى الوجهين. فقوله ﴿فيها﴾ هو في موضع الخبر،
وأغنى خبر الأولين عن ذكر خبر الثاني. واللغو: السقط من القول. والتأثيم: يلحق خمر الدنيا في نفس
شربها وفي الأفعال التي تكون من شرابها، وذلك كله مرتفع في الآخرة. و: ((اللؤلؤ المكنون)) أجمل اللؤلؤ
لأن الصون والكن يحسنه. وقال ابن جبير: أراد أنه الذي في الصدف لم تنله الأيدي، وقيل للنبي صلى الله
عليه وسلم: إذا كان الغلمان كاللؤلؤ المكنون، فكيف المخدومون؟ قال: ((هم كالقمر ليلة البدر)). ثم
وصف عنهم أنهم في جملة تنعمهم يتساءلون عن أحوالهم وما قال كل أحد منهم، وأنهم يتذكرون حال
الدنيا وخشيتهم فيها عذاب الآخرة. وحكى الطبري عن ابن عباس قال: تساؤلهم إذا بعثوا في النفخة
الثانية. والإشفاق أشد الخشية ورقة القلب.
٠
وقرأ أبو حيوة: (ووقّانا)) بشد القاف. وقراءة الجمهور بتخفيفها. وأمال عيسى الثقفي: ((ووقَانا))
بتخفيف القاف .
و: ﴿السموم﴾ الحار. قال الرماني: هو الذي يبلغ مسام الإنسان، وهو النار في هذه الآية. وقد يقال
في حر الشمس وفي الريح سموم. وقال الحسن: ﴿السموم﴾ اسم من أسماء جهنم و: ﴿ندعوه﴾ يحتمل
أن يريد نعبده، ويحسن هذا على قراءة من قرأ: ((أنه)) بفتح الألف. وهي قراءة نافع. بخلاف والكسائي
وأبي جعفر والحسن وأبي نوفل أي من أجل أنه. وقرأ باقي السبعة والأعرج وجماعة ((أنه)) على القطع
والاستئناف، ويحسن مع هذه القراءة أن يكون ﴿ندعوه﴾ بمعنى نعبده. أو بمعنى الدعاء نفسه، ومن رأى:
﴿ندعوه﴾ بمعنى الدعاء نفسه فيحتمل أن يجعل قوله: ((أنه)) بالفتح هو نفس الدعاء الذي كان في الدنيا.
و: ﴿البر﴾ هو الذي يبر ويحسن، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط]
إلا الدهاس وأم برة وأب
جاءت من البيض زعر لا لباس لها
١٩١
-
تفسير سورة الطور / الآيات: ٢٩ - ٣٦
قوله عز وجل :
فَذَكِّرْ فَمَآ أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنِ وَلَا مَحْنُونٍ (٢٦) أَمْيَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّغْرَبَّصُ بِهِ، رَيِّبَ اٌلْمَنُونِ
٣٠
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَمُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ
٣١
قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِى مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ
يَقُولُونَ نَقَوَّلَهُ بَلِ لََّيُؤْمِنُونَ ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْصَدِقِينَ ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِشَىْءٍ
أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ ﴿أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ بَلِ لَّا يُوقِنُونَ
٣٦
هذا أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء إلى الله ومتابعة نشر الرسالة، ثم قال مؤنساً له:
﴿فما أنت﴾ بإنعام الله عليك أو لطفه بك ﴿بكاهن ولا مجنون﴾. وكانت العرب قد عهدت ملابسة الجن
والإنس بهذين الوجهين، فنسبت محمداً صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فنفى اللّه تعالى عنه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أم يقولون شاعر﴾ الآية، روي أن قريشاً اجتمعت في دار الندوة فكثرت آراؤهم في
محمد صلى الله عليه وسلم حتى قال قائل منهم: ﴿تربصوا به ريب المنون﴾ فإنه شاعر سيهلك كما هلك
زهير والنابغة والأعشى وغيرهم، فافترقوا على هذه المقالة فنزلت الآية في ذلك، والتربص: الانتظار ومنه
قول الشاعر: [الطويل]
تربص بها ريب المنون لعلها
تطلق يوماً أو يموت حليلها
وأنشد الطبري: [الطويل]
لعلها سيهلك عنها زوجها أو ستجنح
وقوله تعالى: ﴿قل تربصوا﴾ وعيد في صيغة أمر، و: ﴿المنون﴾ من أسماء الموت، وبه فسر ابن
عباس، ومن أسماء الدهر أيضاً، وبه فسر مجاهد وقال الأصمعي: ﴿المنون﴾ واحد لا جمع له وقال
الأخفش: هو جمع لا واحد له.
قال القاضي أبو محمد: والريب هنا: الحوادث والمصائب، لأنها تريب من نزلت به ومنه قول النبي
صلى الله عليه وسلم في أمر ابنته فاطمة حين ذكر أن علياً يتزوج بنت أبي جهل: ((إنما فاطمة بضعة مني،
يريبني ما أرابها)). يقال أراب وراب، ومنه: [الطويل]
فقد رابني منها الغداة سفورها
وقول الآخر: [المتقارب]
وقد رابني قولها يا هناه
وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتوعدهم بقوله: ﴿قل تربصوا فإني معكم من المتربصين﴾
وقوله تعالى: ﴿بهذا﴾ يحتمل أن يشير إلى هذه المقالة: هو شاعر، ويحتمل أن يشير إلى ما هم عليه من
أ
i
أ
1
٠
١٩٢
تفسير سورة الطّور / الآيات: ٣٧ - ٤٤
الكفر وعبادة الأصنام. والأحلام: العقول. و: ﴿أم﴾ المتكررة في هذه الآية قدرها بعض النحاة بألف
الاستفهام، وقدرها مجاهد بـ ((بل)). والنظر المحرر في ذلك أن منها ما يتقدر ببل، والهمزة على حد قول
سيبويه في قولهم: إنها لا بل أم شاء، ومنها ما هي معادلة، وذلك قوله: ﴿أم هم قوم طاغون﴾.
وقرأ مجاهد: ((بل هم قوم طاغون)) وهو معنى قراءة الناس، إلا أن العبارة بـ ﴿أم﴾ خرجت مخرج
التوقيف والتوبيخ. وحكى الثعلبي عن الخليل أنه قال: ما في سورة ((الطور)) من (أم) كله استفهام وليست
بعطف. و: ﴿تقوله﴾ معناه: قال عن الغير إنه قاله. فهي عبارة عن كذب مخصوص. ثم عجزهم تعالى
بقوله: ﴿فليأتوا بحديث مثله﴾ والمماثلة المطلوبة منهم هي في النظم والرصف والإيجاز.
واختلف الناس هل كانت العرب قادرة على الإتيان بمثل القرآن قبل مجيء محمد صلى الله عليه
وسلم، فقال شداد: يسمون أهل الصرفة كانت قادرة وصرفت، وقال الجمهور: لم تكن قط قادرة ولا في
قدرة البشر أن يأتي بمثله. لأن البشر لا يفارقه النسيان والسهو والجهل والله تعالى محيط علمه بكل شيء.
فإذا ترتبت اللفظة في القرآن، علم بالإحاطة التي يصلح أن تليها ويحسن معها المعنى. وذلك متعذر في
البشر، والهاء في ﴿مثله﴾ عائدة على القرآن.
وقرأ الجحدري ((بحديثٍ مثلِه)) بإضافة الحديث إلى مثل. فالهاء على هذا عائدة على محمد صلى الله
عليه وسلم.
وقوله تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء﴾ قال الطبري معناه: أم خلقوا خلق الجماد من غير حي فهم
لا يؤمرون ولا ينهون كما هي الجمادات عليه. وقال آخرون معناه: خلقوا لغير علة ولا لغير عقاب ولا
ثواب. فهم لذلك لا يسمعون ولا يتشرعون. وهذا كما تقول: فعلت كذا وكذا من غير علة، أي لغير علة.
ثم وقفهم على جهة التوبيخ على أنفسهم: أهم الذين خلقوا الأشياء؟ فهم لذلك يتكبرون، ثم خصص من
الأشياء ﴿السماوات والأرض﴾ لعظمها وشرفها في المخلوقات، ثم حكم عليهم بأنهم ﴿لا يوقنون﴾ ولا
ينظرون نظراً يؤديهم إلى اليقين.
قوله عز وجل :
أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلٌَّ يَسْتَمِعُونَ فِيَّهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ
◌ُِّينٍ (١٦)أَمْلَهُالْبَتُ وَلَكُمُالْبَنُونَ ﴿َ أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرَا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴿ أَمْ عِندَ هُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ
يَكْتُبُونَ ﴿أَمْ يُرِدُونَ كَيْدًافَالَّذِينَ كَفَرُواْهُمُالْمَكِيدُونَ ﴿ أَمْ لَهُمْإِلَهُ غَيْرُاللَّهِ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
وَإِن يَرَوْاْ كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطَا يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومُ ه
٤٣
قوله تعالى: ﴿أم عندهم خزائن ربك﴾ بمنزلة قوله: أم عندهم الاستغناء عن الله في جميع الأمور،
لأن المال والصحة والقوة وغير ذلك من الأشياء كلها من خزائن الله كلها. قال الزهراوي وقيس يريد
بـ ((الخزائن)): العلم، وهذا قول حسن إذا تأمل وبسط. وقال الرماني: خزائنه تعالى: مقدوراته،
١٠١٩٣
تفسير سورة الطّور / الآيات: ٤٥ - ٤٩
و: ((المصيطر)) المسلط القاهر، وبذلك فسر ابن عباس وأصله السين، ولكن كتبه بعض الناس. وقرأه
بالصاد مراعاة للطاء ليتناسب النطق. وحكى أبو عبيدة: تسيطرت علي إذا اتخذتني خولاً. والسلم: السبب
الذي يصعد به كان ما كان من خشب أو بناء أو حبال. ومنه قول ابن مقبل: [البسيط]
لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا تبنى له في السماوات السلاليم
وحكى الرماني قال: لا يقال سلم لما يبنى من الأدراج، وإنما السلم المشبك، وبيت الشعر يرد عليه،
١
والمعنى: ألهم ﴿سلم﴾ إلى السماء ﴿يستمعون فيه﴾ أي عليه ومنه، وهذه حروف يسد بعضها مسد
بعض، والمعنى: يستمعون الخبر بصحة ما يدعونه فليأتوا بالحجة المبينة في ذلك وقوله تعالى: ﴿أم له
البنات) الآية، معناه: أم هم أهل الفضيلة علينا فيلزم لذلك انتخاؤهم وتكبرهم، ثم قال تعالى:
﴿أم تسألهم﴾ يا محمد على الإيمان بالله وشرعه أجرة يثقلهم غرمها فهم لذلك يكرهون الدخول فيما
يوجب غرامتهم ثم قال تعالى: ﴿أم عندهم﴾ علم ﴿الغيب) فهم يبينون ذلك للناس سنناً وشرعاً يكتبونه
وذلك عبادة الأوثان وتسييب السوائب وغير ذلك من سيرهم. وقيل المعنى : فهم يعلمون متى يموت محمد
الذي يتربصون به، و: ﴿يكتبون﴾ بمعنى يحكمون، وقال ابن عباس: يعني أم عندهم اللوح المحفوظ
فهم يكتبون ما فيه ويخبرون به. ثم قال تعالى: ﴿أم يريدون كيداً﴾ بك وبالشرع، ثم جزم الخبر بأنهم
﴿هم المكيدون﴾، أي المغلوبون، فسمى غلبتهم ﴿كيداً﴾ إذا كانت عقوبة الكيد. ثم قال تعالى: ﴿أم
لهم إله غير الله﴾ يعصمهم ويمنعهم منهم ويدفع في صدر إهلاكهم. ثم نزه تعالى نفسه ﴿عما يشركون﴾
به من الأصنام والأوثان، وهذه الأشياء التي وقفهم تعالى عليها حصرت جميع المعاني التي توجب الانتخاء
والتكبر والبعد من الائتمار، فوقفهم تعالى عليها أي ليست لهم ولا بقي شيء يوجب ذلك إلا أنهم قوم
طاغون. وهذه صفة فيها تكسبهم وإيثارهم فيتعلق بذلك عقابهم. ثم وصفهم تعالى بأنهم على الغاية من
العتو والتمسك بالأقوال الباطلة في قوله: ﴿وإن يروا كسفاً﴾ الآية، وذلك أن قريشاً كان في جملة ما
اقترحت به أن تنزل من السماء عليها كسف وهي القطع، واحدها كسفة، وتجمع أيضاً على كسف كثمرة
وتمر، قال الرماني: هي التي تكون بقدر ما يكسف ضوء الشمس. فأخبر الله عنهم في هذه الآية أنهم لو
رأوا كسفاً ﴿ساقطاً﴾ حسب اقتراحهم لبلغ بهم العتو والجهل والبعد عن الحق أن يغالطوا أنفسهم وغيرهم
ويقولوا هذا ﴿سحاب مركوم﴾. أي كثيف قد تراكم بعضه فوق بعض، ولهذه الآية نظائر في آيات أخر.
قوله عز وجل :
1
فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَاهُمْ يُصَرُونَ ﴾
وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(٢) وَأَصْبِرٌ لِحُكَّمِرَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَاوَسَِّحْ
بِحَمْدِرَبِّكَ حِينَ نَقُومُ (٨) وَمِنَ الَيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ إِدْبَرَ النَّجُومِ
قوله: ﴿فذرهم﴾ وما جرى مجراه من الموادعة منسوخ بآية السيف.
وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو بخلاف عنه ((يلقوا))، والجمهور على ((يلاقوا)).
۔۔
١٩٤
تفسير سورة الطور / الآيات: ٤٥ - ٤٩
واختلف الناس في اليوم الذي توعدوا به، فقال بعض المتأولين: هو موتهم واحداً واحداً وهذا على
تجوز، والصعق: التعذب في الجملة وإن كان الاستعمال قد كثر فيه فيما يصيب الإنسان من الصيحة
المفرطة ونحوه. ويحتمل أن يكون اليوم الذي توعدوا به يوم بدر، لأنهم عذبوا فيه، وقال الجمهور: التوعد
بيوم القيامة، لأن فيه صعقة تعم جميع الخلائق، لكن لا محالة أن بين صعقة المؤمن وصعقة الكافر فرقاً.
وقرأ جمهور القراء: ((يصعقون)) من صعق الرجل بكسر العين. وقرأ أبو عبد الرحمن: (يَصعِقون))
بفتح الياء وكسر العين. وقرأ عاصم وابن عامر وأهل مكة في قول شبل: ((يُصعقون)) يضم الياء، وذلك من
أصعق الرجل غيره. وحكى الأخفش: صُعِق الرجل بضم الصاد وكسر العين.
قال أبو علي: فجائز أن يكون منه فهو مثل يضربون، قال أبو حاتم: وفتح أهل مكة الياء في قول
إسماعيل. و: ﴿يغني﴾ يكون منه غناء ودفاع.
ثم أخبر تعالى بأنهم لهم دون هذا اليوم، أي قبله عذاب، واختلف الناس في تعيينه، فقال ابن عباس
وغيره: هو بدر والفتح ونحوه. وقال مجاهد: هو الجوع الذي أصاب قريشاً. وقال البراء بن عازب وابن
عباس أيضاً: هو عذاب القبر، ونزع ابن عباس وجود عذاب القبر بهذه الآية. وقال ابن زيد: هو مصائب
الدنيا في الأجسام وفي الأحبة وفي الأموال، هي للمؤمنين رحمة وللكافرين عذاب، وفي قراءة ابن مسعود:
دون ذلك قريباً ﴿ولكن﴾ ﴿لا يعلمون﴾. ثم أمر تعالى نبيه بالصبر لحكم الله والمضي على تذارته ووعده
بقوله: ﴿فإنك بأعيننا﴾، ومعناه بإدراكنا وأعين حفظنا وحيطتنا كما تقول: فلان يرعاه الملك بعين، وهذه
الآية ينبغي أن يقررها كل مؤمن في نفسه، فإنها تفسح مضايق الدنيا. وقرأ أبو السمال: ((بأعينًا)) بنون
واحدة مشددة .
واختلف الناس في قوله: ﴿وسبح بحمد ربك﴾ فقال أبو الأحوص عوف بن مالك: هو التسبيح
المعروف، أن يقول في كل قيام له سبحان الله وبحمده. وقال عطاء: المعنى: حين تقوم من كل مجلس.
وقال ابن زيد: التسبيح هنا هو صلاة النوافل. وقال الضحاك وابن زيد: هذه إشارات إلى الصلاة
المفروضة؛ فـ ﴿حين تقوم﴾: الظهر والعصر، أي ﴿حين تقوم﴾ من نوم القائلة. ﴿ومن الليل) المغرب
والعشاء. ﴿وإدبار النجوم﴾ الصبح. ومن قال هي النوافل جعل ﴿إدبارهم النجوم﴾: ركعتي الفجر، وعلى
هذا القول جماعة كثيرة، منهم عمر وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة والحسن رضي الله عنهم. وقد روي
مرفوعاً ومن جعله التسبيح المعروف، جعل قوله: ﴿حين تقوم﴾ مثالاً، أي حين تقوم وحين تقعد وفي كل
تصرفك. وحكى منذر عن الضحاك أن المعنى: ﴿حين تقوم﴾ في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام فقل.
((سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، الحديث)).
وقرأ سالم بن أبي الجعد ويعقوب: ((وأدبار)) بفتح الهمزة بمعنى: وأعقاب، ومنه قول الشاعر
[قيس بن الملوح]: [الطويل]
مع الصبح في أعقاب نجم مغرب
فأصبحت من ليلى الغداة كناظر
وقرأ جمهور الناس: ((وإدبار)) بكسر الهمزة.
١٩٥
تفسير سورة النجم / الآيات: ١ - ١١ -
بِسْمِ اللّهِ الزَّحمَن الرَحِيةِ
سُورَةُ الْنَجَمْ
وهي مكية بإجماع من المتأولين وهي أول سورة أعلن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهر
بقراءتها في الحرم والمشركون يستمعون، وفيها سجد وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن
والإنس غير أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته وقال يكفيني هذا وسبب هذه السورة أن المشركين
قالوا إن محمداً يتقول القرآن ويختلق أقواله فنزلت السورة في ذلك .
قوله عز وجل :
وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىَ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى
٢
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىِ ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى
٤
أ ◌ُمَّدَنَا فَتَدَلَّى رَ فَكَانَ قَابَ
٧
وَهُوَبِالْأُفُّ الْأَعْلَى
أَذُومِرَةِفَاسْتَوَى
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى
11
قَوْسَيْنِ أَوْأَدْنَ أَفَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى ﴿ مَاكَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىَ
أقسم اللّه تعالى بهذا المخلوق تشريفاً له وتنبيهاً منه ليكون معتبراً فيه حتى تولى العبرة إلى معرفة
الله تعالى. وقال الزهري، المعنى: ورب النجم، وفي هذا قلق مع لفظ الآية. واختلف المتأولون في
تعيين النجم المقسم به فقال ابن عباس ومجاهد والفراء، وبينه منذر بن سعيد هو الجملة من القرآن إذا
تنزلت، وذلك أنه روي أن القرآن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم نجوماً أي أقداراً مقدرة في أوقات
ما، ويجيء ﴿هوى﴾ على هذا التأويل بمعنى: نزل، وفي هذا الهوى بعد وتحامل على اللغة، ونظير هذه
الآية قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥] والخلاف في هذا كالخلاف في تلك، وقال
الحسن ومعمر بن المثنى وغيرهما: ﴿النجم﴾ هنا اسم جنس، أرادوا النجوم إذا هوت، واختلف قائلو هذه
المقالة في معنى: ﴿هوى﴾ فقال جمهور المفسرين: ﴿هوى﴾ إلى الغروب، وهذا هو السابق إلى الفهم
من كلام العرب، وقال الحسن بن أبي الحسن وأبو حمزة الثمالي ﴿هوى﴾ عند الإنكدار في القيامة فهي
بمعنى. قوله: ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾. [الانفطار: ٢] وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي هو في
الانقضاض في أثر العفرية وهي رجوم الشياطين، وهذا القول تسعده اللغة، والتأويلات في ﴿هوى﴾
محتملة، كلها قوية ومن الشاهد في النجم الذي هو اسم الجنس قول الراعي :
1
سريع بأيدي الآكلين جمودها
فتاقت تعد النجم في مستحيرة
يصف إهالة صافية، والمستحيرة: القدر التي يطبخ فيها، قاله الزجاج. وقال الرماني وغيره: هي
١٩٦
تفسير سورة النجم / الآيات: ١ -١١
شحمة صافية حين ذابت، وقال مجاهد وسفيان: ﴿النجم﴾ في قسم الآية الثريا، وسقوطها مع الفجر هو
هويها والعرب لا تقول النجم مطلقاً إلا للثريا، ومنه قول العرب [مجزوء الرمل]
فابتغى الراعي كساء
طلع النجم عشاء
فابتغى الراعي شكية
طلع النجم غدية
و﴿هوى﴾ على هذا القول يحتمل الغروب ويحتمل الانكدار، و﴿هوى﴾ في اللغة معناه: خرق
الهوى ومقصده السفل أو مسيره إن لم يقصده إليه، ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل]
فزلت رجله ... ويده
هوى ابني شفا جبل
وقول الشاعر: [الطويل]
وإن كلام المرء في غير كنهه لك النبل تهوي ليس فيها نصالها
وقول زهیر:
هُوِي الدلو أسلمها الرشاء
. :
ومنه قولهم للجراد: الهاوي، ومنه هوى العقاب.
والقسم واقع على قوله: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ والضلال أبداً يكون من غير قصد من
الإنسان إليه. والغي كأنه شيء يكتسبه الإنسان ويريده، نفى الله تعالى عن نبيه هذين الحالين، و﴿غوى﴾:
الرجل يغوي إذا سلك سبيل الفساد والعوج، ونفى الله تعالى عن نبيه أن يكون ضل في هذه السبيل التي
أسلكه الله إياها، وأثبت له تعالى في الضحى أنه قد كان قبل النبوءة ضالاً بالإضافة إلى حاله من الرشد
بعدها .
وقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى) يريد محمداً صلى الله عليه وسلم أنه ليس يستكلم عن هواه،
أي بهواه وشهوته. وقال بعض العلماء: المعنى: وما ينطق القرآن المنزل عن هوى وشهوة، ونسب النطق إليه
من حيث تفهم عنه الأمور كما قال: ﴿هذا كتابنا ينطق﴾ [الجاثية: ٢٩] وأسند الفعل إلى القرآن ولم يتقدم
له ذكر لدلالة المعنی علیه .
وقوله: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ يراد به القرآن بإجماع، والوحي: إلقاء المعنى في خفاء، وهذه
عبارة تعم الملك والإلهام والإشارة وكل ما يحفظ من معاني الوحي .
والضمير في قوله: ﴿علمه﴾ يحتمل أن يكون للقرآن، والأظهر أنه لمحمد صلى الله عليه وسلم.
وأما المعلم فقال قتادة والربيع وابن عباس: هو جبريل عليه السلام، أي علم محمداً القرآن. وقال الحسن
المعلم الشديد القوى هو الله تعالى. و ﴿القوى﴾ جمع قوة، وهذا في جبريل مکتمن، ويؤيده قوله تعالى:
﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ [التكوير: ٢٠]. و﴿ذو مرة﴾ معناه: ذو قوة، قاله قتادة وابن زيد
والربيع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي)). وأصل المرة
١٩٧
تفسير سورة النجم / الآيات: ١ - ١١
من مرائر الحبل، وهي فتله وإحكام عمله، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]
بکل ممر الفتل شد بیذبل
وقال قوم ممن قال إن ذا المرة جبريل. معنى: ﴿ذو مرة﴾ ذو هيئة حسنة وقال آخرون: بل معناه ذو
جسم طويل حسن.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف.
و ﴿استوى﴾ مستند إلى الله تعالى في قول الحسن الذي قال: إنه لمتصف: بـ ﴿شديد القوى﴾،
وكذلك يجيء قوله: ﴿وهو بالأفق الأعلى﴾ صفة الله تعالى على معنى وعظمته وقدرته وسلطانه تتلقى نحو
((الأفق الأعلى))، ويجيء المعنى نحو قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، ومن قال إن
المتصف بـ ﴿شديد القوى﴾ هو جبريل عليه السلام قال: إن ﴿استوى) مستند إلى جبريل، واختلفوا بعد
ذلك، فقال الربيع والزجاج: المعنى: ﴿فاستوى﴾ جبريل في الجو، وهو إذ ذاك، ﴿بالأفق الأعلى﴾ إذ رآه
رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قد سد الأفق، له ستمائة جناح، وحينئذ دنا من محمد حتى كان
﴿قاب قوسين﴾، وكذلك هو المراد في هذا القول النزلة الأخرى في صفته العظيمة له ستمائة جناح عند
السدرة وقال الطبري والفراء المعنى: ﴿فاستوى﴾ جبريل.
وقوله: ﴿وهو﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكره في الضمير في ﴿علمه﴾. وفي هذا
التأويل العطف على المضمر المرفوع دون أن يؤكد، وذلك عند النحاة مستقبح، وأنشد الفراء على قوله:
[الطويل]
ألم تر أن النبع يصلب عوده ولا يستوي والخروع المتقصف
وقد ينعكس هذا الترتيب فيكون ((استوى)) لمحمد وهو لجبريل عليه السلام، وأما ﴿الأعلى﴾ فهو
عندي لقمة الرأس وما جرى معه. وقال الحسن وقتادة: هو أفق مشرق الشمس وهذا التخصيص لا دليل
عليه. واختلف الناس إلى من استند قوله. ﴿ثم دنا فتدلى﴾ فقال الجمهور: استند إلى جبريل عليه السلام،
أي دنا إلى محمد في الأرض عند حراء. وقال ابن عباس وأنس في حديث الإسراء ما يقتضي أنه يستند إلى
الله تعالى، ثم اختلف المتأولون، فقال مجاهد: كان الدنو إلى جبريل. وقال بعضهم: كان إلى محمد.
و: ﴿دنا فتدلى﴾ على هذا القول معه حذف مضاف. أي دنا سلطانه ووحيه وقدره لا الانتقال، وهذه
الأوصاف منتفية في حق الله تعالى. والصحيح عندي أن جميع ما في هذه الآيات هو مع جبريل، بدليل
قوله: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [النجم: ١٣] فإن ذلك يقضي بنزلة متقدمة، وما روي قط أن محمداً رأى
ربه قبل ليلة الإسراء، أما أن الرؤية بالقلب لا تمنع بحال و﴿دنا﴾ أعم من: ((تدلى))، فبين تعالى بقوله:
﴿فتدلى﴾ هيئة الدنو كيف كانت، و: ﴿قاب﴾ معناه: قدر. وقال قتادة وغيره: معناه من طرف العود إلى
طرفه الآخر. وقال الحسن ومجاهد: من الوتر إلى العود في وسط القوس عند المقبض.
وقرأ محمد بن السميفع اليماني: ((فكان قيس قوسين))، والمعنى قريب من ﴿قاب﴾، ومن هذه
i
١٩٨
تفسير سورة النجم / الآيات: ١ - ١١
اللفظة قول النبي عليه السلام: ((لقاب قوس أحدكم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)) وفي حديث آخر:
((لقاب قوس أحدكم في الجنة)).
وقوله: ﴿أو أدنى﴾ معناه: على مقتضى نظر البشر، أي لو رآه أحدكم لقال في ذلك قوسان أو أدنى
من ذلك، وقال أبو زيد ليست بهذه القوس، ولكن قدر الذراعين أو أدنى، وحكى الزهراوي عن ابن عباس
أن القوس في هذه الآية ذراع تقاس به الأطوال، وذكره الثعلبي وأنه من لغة الحجاز.
وقوله تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾، قال ابن عباس المعنى: ﴿فأوحى﴾ الله ﴿إلى عبده﴾
جبريل ﴿ما أوحى﴾. وفي قوله: ﴿ما أوحى﴾ إبهام على جهة التفخيم والتعظيم، والذي عرف من ذلك
فرض الصلاة، وقال الحسن المعنى: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحَى كالأولى في الإبهام، وقال
ابن زید المعنی: فأوحی جبریل إلی عبد الله محمد ما أوحی الله إلی جبريل.
وقوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ قرأ جمهور القراء بتخفيف الذال على معنى لم يكذب قلب
محمد الشيء الذي رأى، بل صدقه وتحققه نظراً، و﴿كذب﴾ يتعدى، وقال أهل التأويل ومنهم ابن عباس
وأبو صالح: رأى محمد الله تعالى بفؤاده. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((جعل الله نور بصري في
فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي)). وقال آخرون من المتأولين المعنى: ما رأى بعينه لم يكذب ذلك قلبه، بل
صدقه وتحققه، ويحتمل أن يكون التقدير فيما رأى، وقال ابن عباس فيما روي عنه وعكرمة وكعب الأحبار
إن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه. وبسط الزهراوي هذا الكلام عنهم وأبت ذلك
عائشة، وقالت: أنا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآيات، فقال لي: ((هو جبريل فيها
كلها)). وقال الحسن المعنى: ما رأى من مقدورات الله وملكوته. وسأل أبو ذر رسول الله صلى الله عليه
وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: هو نور إني أراه، وهذا قول الجمهور، وحديث عائشة عن النبي صلى الله
عليه وسلم قاطع بكل تأويل في اللفظ، لأن قول غيرها إنما هو منتزع من ألفاظ القرآن. وقرأ ابن عامر فيما
روى عنه هشام: ((ما كذّب)) بشد الذال، وهي قراءة أبي رجاء وأبي جعفر وقتادة والجحدري وخالد، ومعناه
بين على بعض ما قلناه، وقال كعب الأحبار: إن الله تعالى قسم الكلام والرؤية بين موسى ومحمد، فكلم
موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، وقالت عائشة رضي الله عنها: لقد وقف شعري من سماع هذا وتلت:
﴿لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]. وذهبت هي وابن مسعود وقتادة وجمهور العلماء
إلى أن المرئي هو جبريل عليه السلام في المرتين: في الأرض وعند سدرة المنتهى ليلة الإسراء، وقد
ذكرتها في سورة ((سبحان)) وهي مشهورة في الكتب الصحاح.
وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر هذه السورة كلها بفتح أواخر آيها وأمال عاصم في رواية أبي بكر:
((رأى)). وقرأ نافع وأبو عمرو بين الفتح. وأمال حمزة والكسائي جميع ما في السورة، وأمال أبو عمرو فيما
روى عنه عبيد: ((الأعلى)) و: ((تدلى)).
قوله عز وجل :
(١) عِندَ سِدْرَةِ الْنَهَى
أَفَتُعَرُونَهُ عَلَى مَايَرَى [٨] وَلَقَدْرَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى
إِذْ
عِندَ هَاجَنَّةُ الْمَأْوَى
١٤
١٩٩
تفسير سورة النجم / الآيات : ١٢ - ١٨
١٨
يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (٦) مَازَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَفَى (٧) لَقَدْ رَأَى مِنْءَايَتِ رَبِّهِالْكُبْرَّ
قوله تعالى: ﴿أفتمارونه﴾ خطاب لقريش، وهو من الصراء والمعنى أتجادلونه في شيء رآه وأبصره،
وهذه قراءة الجمهور وأهل المدينة، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وحمزة والكسائي :
((أفْتَمرونه)) بفتح التاء دون ألف بعد الميم، والمعنى: أفتجدونه؟ وذلك أن قريشاً لما أخبرها رسول الله
صلى الله عليه وسلم بأمره في الإسراء مستقصى، كذبوا واستخفوا حتى وصف لهم بيت المقدس وأمر
غيرهم وغير ذلك مما هو في حديث الإسراء مستقصى، ورواها سعيد عن النخعي: ((أفْتُمرونه)) بضم التاء،
قال أبو حاتم: وذلك غلط من سعيد. وقوله: ﴿يرى﴾ مستقبلاً والرؤية قد مضت عبارة تعم جميع ما مضى
وتشير إلى ما يمكن أن يقع بعد، وفي هذا نظر.
واختلف الناس في الضمير في قوله: ﴿ولقد رآه﴾ حسبما قدمناه، فقال ابن عباس وكعب الأحبار: هو
عائد على الله، وقال ابن مسعود وعائشة ومجاهد والربيع: هو عائد على جبريل. و: ﴿نزلة﴾ معناه: مرة،
ونصبه على المصدر في موضع الحال. و: ﴿سدرة المنتهى﴾ هي شجرة نبق، قال كعب: هي في السماء
السابعة، وروى ذلك مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن مسعود: في السماء
السادسة. وقيل لها: ﴿سدرة المنتهى﴾ لأنها إليها ينتهي علم كل عالم، ولا يعلم ما وراءها صعداً إلا الله
تعالى. وقيل سميت بذلك لأنها إليها ينتهي من مات على سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد: هم المؤمنون حقاً من كل جيل.
وقيل سميت بذلك، لأن ما نزل من أمر الله فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة العلو، وما صعد من
الأرض فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة السفل. وروي عن النبي عليه السلام أن الأمة من الأمم تستظل
بظل الفنن منها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رفعت لي ﴿سدرة المنتهى﴾، فإذا نبقها مثل قلال
هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة)).
وقوله تعالى: ﴿عندها جنة المأوى﴾ قال الجمهور: أراد أن يعظم مكان السدرة ويشرفه بأن ﴿جنة
المأوى﴾ عندها. قال الحسن: وهي الجنة التي وعد بها العالم المؤمن. وقال قتادة وابن عباس بخلاف هي
جنة يأوي إليها أرواح الشهداء والمؤمنين، وليست بالجنة التي وعد بها المؤمنون جنة النعيم، وهذا يحتاج
إلى سند وما أراه يصح عن ابن عباس.
وقرأ علي بن أبي طالب وابن الزبير بخلاف، وأنس بن مالك بخلاف، وأبو الدرداء وزر بن حبيش
وقتادة ومحمد بن كعب: ((جنة المأوى)) بالهاء في جنة، وهو ضمير محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى :
ستره وضمه إيواء الله تعالى وجميل صنعه به، يقال: جنه وأجنه، وردت عائشة وصحابة معها هذه القراءة
وقالوا: أجن اللّه من قرأها. والجمهور قرأ: ((جنة)) كالآية الأخرى: ﴿فلهم جنات المأوى نزلاً﴾
[السجدة: ١٩] وحكى الثعلبي أن معنى ((جنة المأوى)): ضمه المبيت والليل.
وقوله: ﴿إذا يغشى السدرة ما يغشى﴾ التعامل في: ﴿إِذ﴾، ﴿رآه﴾. المعنى: رآه في هذه الحال.
٢٠٠
تفسير سورة النجم / الآيات: ١٩ -٢٦
و﴿ما يغشى﴾ معناه من قدرة اللّه، وأنواع الصفات التي يخترعها لها، وذلك منهم على جهة التفخيم
والتعظيم، وقال مجاهد تبدل أغصانها دراً وياقوتآً ونحوه. وقال ابن مسعود ومسروق ومجاهد: ذلك جراد
من ذهب كان يغشاها. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رأيتها ثم حال دونها فراش
الذهب)). وقال الربيع وأبو هريرة: كان تغشاها الملائكة كما تغشى الطير الشجر، وقيل غير هذا مما هو
تكلف في الآية، لأن الله تعالى أبهم ذلك وهم يريدون شرحه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟)) وقوله تعالى: ﴿ما زاغ الصبر﴾ قال ابن عباس معناه: ما جال هكذا ولا
هكذا. وقوله: ﴿وما طغى﴾ معناه: ولا تجاوز المرئي، بل وقع عليه وقوعاً صحيحاً، وهذا تحقيق للأمر
ونفي لوجود الريب عنه.
وقوله تعالى: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ قال جماعة من أهل التأويل معناه: رأى الكبرى من
آيات ربه، والمعنى ﴿من آيات ربه﴾ التي يمكن أن يراها البشر، فـ ﴿الكبرى) على هذا مفعول
بـ ﴿رأى﴾. وقال آخرون المعنى: ﴿لقد رأى﴾ بعضاً ﴿من آيات ربه الكبرى)، فـ ﴿الكبرى) على هذا
وصف للآيات، والجمع مما لا يعقل في المؤنث يوصف أبداً على حد وصف الواحدة. وقال ابن عباس
وابن مسعود: رأى رفرفً أخضر من الجنة قد سد الأفق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في صورته التي هو بها
في السماوات.
قوله عز وجل :
◌ِلَّكَ إِذَا قِسْمَةٌ
أَفَرَهَيَّةُاللَّهتَ وَالْعُزَّىِ ﴿ وَمَنَوَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىِ ﴿ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْقَى ﴾
ضِيرَىّ ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَآبَا ؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنَّ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّ الطَّنَّ
وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُّ وَلَقَدْجَآءَ هُمْ مِّن رَّيِّهِمُ الْهُدَىّ (٦) أَمْ لِلْإِنْسَنِ مَا تَمَنَّى اَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى
وَكُمْ مِّن مَّلَكِ فِى السَّمَوَاتِ لَاتُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَبَرْضَىّ
قوله تعالى: ﴿أفرأيتم﴾ مخاطبة لقريش، وهي من رؤية العين، لأنه أحال على أجرام مرئية، ولو
كانت: أرأيت: التي هي استفتاء لم تتعد. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وقدرته، قال على جهة التوقيف:
أرأيتم هذه الأوثان وحقارتها وبعدها عن هذه القدرة والصفات العلية و: ﴿اللات﴾ اسم صنم كانت العرب
تعظمه، قال أبو عبيدة وغيره: كان في الكعبة، وقال قتادة: كان بالطائف, وقال ابن زيد: كان بنخلة عند
سوق عكاظ، وقول قتادة أرجح يؤيده قول الشاعر: [المتقارب]
بمنقلب الخائب الخاسر
وفرّت ثقيف إلى لاتها
والتاء في: ﴿اللات﴾ لام فعل كالباء من باب، وقال قوم هي تاء تأنيث، والتصريف يأبى ذلك، وقرأ
ابن عباس ومجاهد وأبو صالح: ((اللاتٌ)) بشد التاء، وقالوا: كان هذا الصنم حجراً وكان عنده رجل من
بهز يلت سويق الحاج على ذلك الحجر ويخدم الأصنام، فلما مات عبدوا الحجر الذي كان عنده إجلالاً
لذلك الرجل وسموه باسمه، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير وابن عامر، ﴿والعزى﴾: صخرة بيضاء