Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ تفسير سورة فصلت / الآيات: ٤٧ - ٥٠ وقرأ ابن عباس ومعاوية وعمرو بن العاصي: ((وهو عليهم عمٍ)) بكسر الميم وتنوينه. وقال يعقوب: لا أدري أنونوا أم فتحوا الياء على الفعل الماضي؟ وبغير ياء رواها عمرو بن دينار وسليمان بن قتة عن ابن عباس. وهذه القراءة أيضاً فيها استعارة، وكذلك قوله تعالى: ﴿أولئك ينادون﴾ يحتمل معنيين، وكلاهما مفعول للمفسرين: أحدهما أنها استعارة لقلة فهمهم، شبههم بالرجل ينادى على بعد يسمع منه الصوت ولا يفهم تفاصيله ولا معانيه، وهذا تأويل مجاهد، والآخر أن الكلام على الحقيقة وأن معناه أنهم يوم القيامة ينادون بكفرهم وقبيح أعمالهم من بعد حتى يسمع ذلك أهل الموقف، فتعظم السمعة عليهم ويحل المصاب، وهذا تأويل الضحاك بن مزاحم. ثم ضرب تعالى أمر موسى مثلاً للنبي عليه السلام ولقريش، أي فعل أولئك كأفعال هؤلاء حين جاءهم مثل ما جاء هؤلاء، والكلمة السابقة هي : حتم الله تعالى بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، والضمير في قولهم: ﴿لفي شك منه﴾ يحتمل أن يعود على موسى أو على كتابه. أ وقوله تعالى: ﴿من عمل صالحاً﴾ الآية نصيحة بينة للعالم وتحذير وترجية وصدع بين الله تعالى لا يجعل شيئاً من عقوبات عبيده في غير موضعها، بل هو العادل المتفضل الذي يجازي كل عبد بتكسبه . قوله عز وجل : إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلِمُ السَّاعَةِ وَمَا تَّخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْتَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ. وَيَوْمَ يُنَّادِ يهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوَاْءَاذَنَّكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ (٢) وَضَلَّ عَنْهُم ◌َا كَانُواْ يَدْعُونَ لَّا يَسْمُ الْإِنْسَنُ مِن دُعَاءِالْخَيْرِ وَإِن مَسَّهُ الشَّرُّفَيُوسُ ٤٨ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَالَهُمْمِنِنَّحِصِ قَنُوطٌ ﴿ وَلَيْنْ أَذَقْنَهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةً قَائِمَةً وَلَيِّن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِإِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَتُكَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْبِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ ۵٠ عَذَابٍ غَلِيظٍ المعنى: أن وقت علم الساعة ومجيئها يرده كل مؤمن متكلم فيه إلى الله عز وجل. وذكر تعالى الثمار وخروجها من الأكمام وحمل الإناث مثالاً لجميع الأشياء، إذ كل شيء خفي فهو في حكم هذين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي والحسن وطلحة والأعمش: ((من ثمرة)) بالإفراد على أنه اسم جنس. وقرأ نافع وابن عامر: ((ثمرات)) بالجمع، واختلف عن عاصم وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والأعرج والحسن بخلاف، وفي مصحف عبد الله: ((في ثمرة من أكمامها)). والأكمام: جمع كم، وهو غلاف التمر قبل ظهوره. وقوله تعالى: ﴿ويوم يناديهم﴾ تقديره: واذكر يوم يناديهم والضمير في: ﴿يناديهم) ظاهره والأسبق فيه أنه يريد به الكفار عبدة الأوثان. ويحتمل أن يريد به كل من عبد من دون الله من إنسان وغيره، وفي هذا ٢٢ تفسير سورة فصلت / الآيات: ٤٧ - ٥٠ ضعف، وإنما الضمير في قوله: ﴿وضل عنهم﴾ فلا احتمال لعودته إلا على الكفار. و: ﴿آنذاك﴾ قال ابن عباس وغيره معناه: أعلمناك ﴿ما منا من شهيد﴾ ولا من يشهد بأن لك شريكاً. ﴿وضل عنهم﴾ أي نسوا ما كانوا يقولون في الدنيا ويدعون من الآلهة والأصنام، ويحتمل أن يريد: ﴿وضل عنهم﴾ الأصنام، أي تلفت لهم فلم يجدوا منها نصراً وتلاشى لهم أمرها . وقوله: ﴿وظنوا﴾ يحتمل أن يكون متصلاً بما قبله ويكون الوقف عليه، ويكون قوله: ﴿ما لهم من محيص﴾ استئناف نفي أن يكون لهم منجى أو موضع روغان، يقول: حاص الرجل: إذا راغ يطلب النجاة من شيء، ومنه الحديث: فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، ويكون الظن على هذا التأويل على بابه، أي ظنوا أن هذه المقالة: ﴿ما منا من شهيد﴾ منجاة لهم، أو أمر يموهون به، ويحتمل أن يكون الوقف في قوله: ﴿من قبل﴾، ويكون: ﴿وظنوا﴾ متصلاً بقوله: ﴿ما لهم من محيص﴾ أي ظنوا ذلك، ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين وبه فسر السدي، وهذه عبارة يطلقها أهل اللسان على الظن، ولست تجد ذلك إلا فيما علم علماً قوياً وتقرر في النفس ولم يتلبس به بعد، وإلا فمتى تلبس بالشيء وحصل تحت إدراك الحواس فلست تجدهم يوقعون عليه لفظة الظن. وقوله تعالى: ﴿لا يسئم الإنسان﴾ آيات نزلت في كفار قريش، قيل في الوليد بن المغيرة، وقيل في عتبة بن ربيعة، وجل الآية يعطي أنها نزلت في كفار وإن كان أولها يتضمن خلقاً ربما شارك فيه بعض المؤمنين. و: ﴿دعاء الخير﴾ إضافته المصدر إلى المفعول، والفاعل محذوف تقديره: من دعاء الخير هو. وفي مصحف ابن مسعود: ((من دعاء بالخير)). و﴿الخير﴾ في هذه الآية: المال والصحة، وبذلك تليق الآية بالكافر، وإن قدرناه خير الآخرة فهي للمؤمن، وأما اليأس والقنط على الإطلاق فمن صفة الكافر وحده. وقوله تعالى: ﴿ليقولن هذا لي﴾ أي بعلمي وبما سعيت، ولا يرى أن النعم إنما هي بتفضل من الله تعالى: ﴿وما أظن الساعة قائمة﴾ قول بينّ فيه الجحد والكفر. ثم يقول هذا الكافر، ولئن كان ثم رجوع كما تقولون، لتكونن لي حال ترضيني من غنى ومال وبنين، فتوعدهم الله تعالى بأنه سيعرفهم بأعمالهم الخبيثة مع إذاقتهم العذاب عليها، فهذا عذاب وخزي. وغلظ العذاب شدته وصعوبته. وقال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: للكافر أمنيتان، أما في دنياه فهذه: ﴿إن لي عنده للحسنى﴾. وأما في آخرته: ﴿فيا ليتني كنت تراباً﴾ [النبأ: ٤٠]. قال القاضي أبو محمد: والأماني على الله تعالى وترك الجد في الطاعة مذموم لكل أحد، فقد قال عليه السلام: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله. قوله عز وجل : وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَذَاِجَانٍِ، وَإِذَا مَسَهُ الشَّرُّ فَذُودُعَاءٍ عَرِيضٍ ﴿ قُلْ أَرَءَيْتُمْ سَنُرِيهِمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِعَنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ ـ ٠ ٢٣ تفسير سورة فصلت / الآيات : ٥١ - ٥٤ ءَئِنَا فِ آَ فَاقِ وَفِىَ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّشَىْءٍ ٥٤ شَهِیدُ أَلَّ إِنَّهُمْ فِىِ مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطاً( ذكر الله تعالى الخلق الذميمة من الإنسان جملة، وهي في الكفار بينه متمكنة، وأما المؤمن في الأغلب فيشكر عند النعمة، وكثيراً ما يصبر عند الشدة. وقرأ جمهور والناس: ((ونأى بجانبه)) الهمزة عين الفعل. وقرأ ابن عامر: ((وناء)) الهمزة لام الفعل، وهي قراءة أبي جعفر، والمعنى فيهما واحد. قال أبو علي: ناء قلب ابن آدم فعل فلع، ومنه قول الشاعر [كثير]: [الطويل] وكل خليل راءني فهو قائل من اجلك هذا هامة اليوم أو غد ومنه قول الآخر: [الطويل] وقد شاءني أهل السباق وأمعنوا ﴿ونأى﴾ معناه: بعد ولم يمل إلى شكر ولا طاعة. وقوله: ﴿فذو دعاء عريض﴾ أي طويل أيضاً، فاستغنى بالصفة الواحدة عن لزيمتها، إذ العرض يقتضي الطول ويتضمنه، ولم يقل طويل، لأن الطويل قد لا يكون عريضاً، فـ ﴿عريض﴾ أدل على الكثرة. ثم أمر تعالى نبيه أن يقف قريشاً على هذا الاحتجاج وموضع تغريرهم بأنفسهم فقال: ﴿أرأيتم إن كان﴾ هذا الشرع ﴿من عند الله﴾ وبأمره وخالفتموه أنتم، ألستم على هلكة من قبل الله تعالى، فمن أضل ممن يبقى على مثل هذا الغرر مع الله، وهذا هو الشقاق، ثم وعد تعالى نبيه عليه السلام بأنه سيري الكفار آياته. واختلف المتأولون في معنى قوله: ﴿في الآفاق وفي أنفسهم﴾ فقال المنهال والسدي وجماعة: هو وعد بما يفتحه الله تعالى على رسوله من الأقطار حول مكة، وفي غير ذلك من الأرض كخيبر ونحوها. ﴿وفي أنفسهم﴾ أراد به فتح مكة. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل حسن ينتظم الإعلام بغيب ظهر وجوده بعد كذلك ويجري معه لفظ الاسئناف الذي في الفعل. وقال الضحاك وقتادة: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق﴾ هو ما أصاب الأمم المكذبة في أقطار الأرض. قديماً ﴿وفي أنفسهم﴾ يوم بدر، وقال ابن زيد وعطاء: ﴿الآفاق﴾: آفاق السماء. وأراد: الآيات: في الشمس والقمر والرياح وغير ذلك. ﴿وفي أنفسهم﴾ عبرة الإنسان بجسمه وحواسه وغريب خلقته وتدريجه في البطن ونحو ذلك، وهذه آيات قد كانت مرئية، فليس هذا المعنى يجري مع قوله: ((سنري)» والتأويل الأول أرجحها، والله أعلم. والضمير في قوله تعالى: ﴿أنه الحق﴾ عائد على الشرع والقرآن، فبإظهار الله إياه وفتح البلاد عليه تبين لهم أنه الحق. ٢٤ تفسير سورة فصلت / الآيات: ٥١ - ٥٤ ثم قال تعالى وعداً لنبيه عليه السلام: ﴿أو لم يكف بربك﴾ والتقدير: أو لم يكف ربك، والباء زائدة للتأكيد، وأنه يحتمل أن يكون في موضع رفع على البدل من الموضع، إذ التقدير: أو لم يكف ربك، ويحتمل أن يكون في موضع خفض على البدل من اللفظ، وهذا كله بدل الاشتمال، ويصح أن يكون في موضع نصب على إسقاط حرف الجر، أي لأنه على كل شيء شهيد. وقرأ الجمهور: ((أنه)) بفتح الألف، وقرأ بعض الناس ((إنه)) بكسرها على الاعتراض أثناء القول. وقوله: ﴿ألا﴾ استفتاح يقتضي إقبال السامع على ما يقال له، فاستفتح الإخبار على أنهم في شك وريب وضلال أداهم إلى الشك في البعث. وقرأ جمهور الناس: ((في مِرية)) بكسر الميم. وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن: ((في مْرية)) بضم الميم، والمعنى واحد، ثم استفتح الإخبار بإحاطته بكل شيء على معنى الوعيد لهم، وإحاطته تعالى هي بالقدرة والسلطان، لا إله إلا هو، العزيز الحكيم. نجز تفسير سورة ﴿حم﴾ السجدة، والحمد لله رب العالمين. ٢٥ تفسير سورة الشورى / الآيات: ١ - ٥ بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الزَحِيمِ سُورَةُ الْشُورَى هذه السورة مكية بإجماع من أكثر المفسرين، وقال قتادة: فيها مدني: ﴿ذلك الذي يبشر الله عباده﴾ [الشورى: ٢٣] إلى: ﴿الصدور﴾ [الشورى: ٢٤] وقوله: ﴿والذين إذا أصابهم البغي﴾ [الشورى: ٣٩] إلى قوله: ﴿من سبيل﴾ [الشورى: ٤١]. وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: إن ﴿حم عسق﴾ هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله تعالى المنزلة على كل نبي أنزل عليه الكتاب، ولذلك قال تعالى : ﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك﴾. قوله عز وجل : لَهُمَا فِى السَّمَوَتِ ٣ عَسَقَ (®) كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لـ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ *تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَتَبِكَّهُ يُسَبِحُونَ ٥ بِحَمْدِرُبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِىِ الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ فصلت: ﴿حم﴾ من: ﴿عسق﴾، ولم يفعل ذلك بـ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها . وقرأ الجمهور: ((حم عسق)). وقرأ ابن مسعود وابن عباس: ((حم سق)) بسقوط عين، والأقوال في هذه كالأقوال في أوائل السور. وروى حذيفة في هذا حديثاً مضمنه: أنه سيكون في هذه الأمة مدينتان يشقهما نهر بالمشرق، تهلك إحداهما ليلاً ثم تصبح الأخرى سالمة، فيجتمع فيها جبابرة المدينتين متعجبين من سلامتها، فتهلك من الليلة القابلة، وأن ﴿حم﴾ معناه: حم هذه الأمر. وعين: معناه عدلاً من الله. وسين: سيكون ذلك. وقاف: معناه يقع ذلك بهم. وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يستفيد علم الفتن والحروب من هذه الأحرف التي في أوائل السور. والكاف في قوله: ﴿كذلك﴾ نعت لمصدر محذوف، والإشارة بذلك تختلف بحسب الأقوال في الحروف. وقرأ جمهور القراء: ((يوحي)) بالياء على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي جعفر والجحدري وعيسى وطلحة والأعمش. وقرأ أبو حيوة والأعشى عن أبي بكر عن عاصم: ((نوحي)): بنون العظمة، ويكون قوله: ﴿الله﴾ ابتداء وخبره: ﴿العزيز﴾ ويحتمل أن يكون خبره: ﴿له ما في : ٢٦ تفسير سورة الشورى / الآيات: ١ - ٥ السماوات﴾. وقرأ ابن كثير وحده: ((يوحَى)) بالياء وفتح الحاء على بناء الفعل للمفعول، وهي قراءة مجاهد، والتقدير: يوحى إليك القرآن يوحيه الله، وكما قال الشاعر: ليبك يزيد ضارع لخصومة ومه قوله تعالى: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال﴾ [النور: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وإلى الذين من قبلك﴾ يريد من الأنبياء الذين نزلت عليهم الكتب. وقوله تعالى: ﴿له ما في السماوات﴾ أي الملك والخلق والاختراع. و: ﴿العلي) من علو القدر والسلطان. و: ﴿العظيم) كذلك، وليس بعلو مسافة ولا عظم جرم، تعالى الله عن ذلك وقرأ نافع والكسائي: ((يكاد) بالياء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة وأبو عمرو وعاصم: ((تكاد)) بالتاء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي ونافع وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وقتادة: ((يتفطرون)) من التفطر، وهو مطاوع فطرت. وقرأ أبو عمرو وعاصم والحسن والأعرج وأبو رجاء والجحدري: ((ينفطرون)) من الإفطار وهو مطاوع فطر، والمعنى فيهما: يتصدعن ويتشققن من سرعة جريهن خضوعاً وخشية من سلطان الله تعالى وتعظيماً له وطاعة، وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثقل ونحوه مردود، لأن الله تعالى لا يوصف به. وقوله: ﴿من فوقهن﴾ أي من أعلاهن. وقال الأخفش علي بن سليمان: الضمير للكفار. قال القاضي أبو محمد: المعنى من فوق الفرق والجماعات الملحدة التي من أجل أقوالها تكاد السماوات يتفطرن، فهذه الآية على هذا كالآية التي في: ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١]. وقالت فرقة معناه: من فوق الأرضين، إذ قد جرى ذكر الأرض، وذكر الزجاج أنه قرىء ((يتفطرن ممن فوقهن)). ٤٠ وقوله تعالى: ﴿يسبحون بحمد ربهم﴾ قيل معناه: يقولون سبحان الله، وقيل معناه: يصلون لربهم. وقوله تعالى: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ قالت فرقة: هذا منسوخ بقوله تعالى: في آية أخرى: ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ [غافر: ٧] وهذا قول ضعيف، لأن النسخ في الإخبار لا يتصور. وقال السدي ما معناه: إن ظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص في المؤمن، فكأنه قال: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ من المؤمنين، إذ الكفار عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وقالت فرقة: بل هي على عمومها، لكن استغفار الملائكة ليس بطلب غفران الله تعالى للكفرة على أن يبقوا كفرة، وإنما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي إلى الغفران لهم، وكأن الملائكة تقول: اللهم اهد أهل الأرض واغفر لهم. ويؤيد هذا التأويل تأكيده صفة الغفران والرحمة لنفسه بالاستفتاح، وذلك قوله: ﴿ألا إن الله هو الغفور الرحيم﴾ أي لما كان الاستغفار لجميع من في الأرض يبعد أن يجاب، رجا عز وجل بأن استفتح الكلام تهيئة لنفس السامع فقال: ﴿ألا إن الله﴾ هو الذي يطلب هذا منه، إذ هذه أوصافه، وهو أهل المغفرة. قوله عز وجل : وَالَّذِينَ أُتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (*) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ٢٧ تفسير سورة الشورى / الآيات : ٦ - ٩ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا لِّئُنْذِ رَ أُمَّالْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيْقُ فِىِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُ مِّن وَلِّ وَلَا تَصِيرٍ :َأَمِ اتَّخَذُ واْمِن دُونِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَالْوَلِىُّ وَهُوَ يُحِى الْمَوْنَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ( ! ١ هذه آية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد للكفار وإزالة عن النبي صلى الله عليه وسلم جميع الكلف سوى التبليغ فقط، لئلا يهتم بعدم إيمان قريش وغيرهم، فقال تعالى لنبيه: إن الذين اتخذوا الأصنام والأوثان أولياء من دون الله، الله هو الحفيظ عليهم كفرهم، المحصي لأعمالهم، المجازي لهم عليها بعذاب الآخرة، وأنت فلست بوكيل عليهم ولا ملازم لأمرهم حتى يؤمنوا. والوكيل: المقيم على الأمر، وما في هذا اللفظ من موادعة فهو منسوخ بآية السيف، ثم قال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك﴾ أي وكما قضينا أمرك هكذا وأمضيناه في هذه الصورة، كذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً مبيناً لهم، لا يحتاجون معه إلى آخر سواه ولا محتج غيره، إذ فهمه متأت لهم ولم يكلفك إلا إنذاراً من ذكر. و: ﴿أم القرى﴾ مكة، والمراد أهل مكة، ولذلك عطف ﴿من﴾، وهي في الأغلب لمن يعقل. و: ﴿يوم الجمع) هو يوم القيامة، واقتصر في ﴿تنذر﴾ على المفعول الأول، لأن المعنى: وتنذر أهل أم القرى العذاب، وتنذر الناس يوم الجمع، أي تخوفهم إياه لما فيه من عذاب من كفر، وسمي ﴿يوم الجمع﴾ لاجتماع أهل الأرض فيه بأهل السماء، أو لاجتماع بني آدم للعرض. وقوله: ﴿لا ريب فيه﴾ أي في نفسه وذاته، وارتياب الكفار به: لا يعتد به. وقوله: ﴿فريق﴾ مرتفع على خبر الابتداء المضمر، كأنه قال: هم فريق في الجنة، وفريق في السعير. ثم قوى تعالى تسلية نبيه عليه السلام بأن عرفه أن الأمر موقوف على مشيئة الله من إيمانهم أو كفرهم، وأنه لو أراد كونهم أمة واحدة لجمعهم عليه، ولكنه يدخل من سبقت له السعادة عنده في رحمته، وييسره في الدنيا لعمل أهل السعادة، وأن الظالمين بالكفر الميسرين لعمل الشقوة ما لهم من وليٍّ ولا نصير . وقوله: ﴿أم اتخذوا﴾ كلام منقطع مما قبله، وليست معادلة، ولكن الكلام: كأنه أضرب عن حجة لهم أو مقالة مقررة فقال: ((بل اتخذوا)) هذا مشهور قول النحويين في مثل هذا، وذهب بعضهم إلى أن ﴿أم﴾ هذه هي بمنزلة ألف الاستفهام دون تقدير إضراب، ثم أثبت الحكم بأنه عز وجل هو الولي الذي تنفع ولايته، وأنه هو الذي يحيي الموتى ويحشرهم إلى الآخرة ويبعثهم من قبورهم، وأن قدرته على كل شيء تعطي هذا وتقتضيه . قوله عز وجل : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكَمُهُ: إِلَى اللّهِ ذَالِكُمُ اللَّهُ رَبِى عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِأَنِيبُ ١٠ ٢٨ تفسير سورة الشورى / الآيات: ١٠ - ١٢ فَاطِرُ السَّلْمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِن أَلْأَنْعَمِ أَزْوَجَا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِمِعُ الْبَصِيرُ ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ١٢ المعنى: قل لهم يا محمد: ﴿وما اختلفتم فيه﴾ أيها الناس من تكذيب وتصديق وإيمان وكفر وغير ذلك، فالحكم فيه والمجازاة عليه ليست إلي ولا بيدي، وإنما ذلك ﴿إلى الله﴾ الذي صفاته ما ذكر من إحياء الموتى والقدرة على كل شيء، ثم قال: ذلكم الله ربي وعليه توكلي وإليه إنابتي ورجوعي، وهو ﴿فاطر السماوات والأرض﴾، أي مخترعها وخالقها شق بعضها من بعض. وقوله تعالى: ﴿جعل لكم من أنفسكم أزواجاً﴾ يريد: زوج الإنسان الأنثى، وبهذه النعمة. اتفق الذرء، وليست الأزواج هاهنا الأنواع، وأما الأزواج المذكورة مع الأنعام، فالظاهر أيضاً والمتسق: أنه يريد: إناث الذكران، ويحتمل أن يريد الأنواع، والأول أظهر. وقوله: ﴿يذرؤكم﴾ أي يخلقكم نسلاً بعد نسل وقرناً بعد قرن، قاله مجاهد والناس، فلفظة ذرأ: تزيد على لفظة: خلق معنى آخر ليس في خلق، وهو توالي الطبقات على مر الزمان. وقوله: ﴿فيه﴾ الضمير عائد على الجعل الذي يتضمنه قوله: ﴿جعل لكم﴾، وهذا كما تقول: كلمت زيداً كلاماً أكرمته فيه. وقال القتبي: الضمير للتزويج، ولفظة: ((في)) مشتركة على معان، وإن كان أصلها الوعاء وإليه يردها النظر في كل وجه. وقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ الكاف مؤكدة للتشبيه، فبقي التشبيه أوكد ما يكون، وذلك أنك تقول: زيد كعمرو، وزيد مثل عمرو، فإذا أردت المبالغة التامة قلت: زيد كمثل عمرو، ومن هذا قول أوس بن حجر: [المتقارب] وقتلى كمثل جذوع النخي ـل يغشاهمُ سيل منهمز ومنه قول الآخر: [البسيط] سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم ما إن كمثلهم في التأس من أحد فجرت الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب، وتفترق الآية مع هذه الشواهد متى أردت أن تتبع بذهنك هذا اللفظ فتقدر للجزوع مثلاً موجوداً وتشبه القتل بذلك المثل أمكنك أو لا يمكنك هذا في جهة الله تعالى إلا أن تجعل المثل ما يتحصل في الذهن من العلم بالله تعالى، إذ المثل والمثال واحد، وذهب الطبري وغيره إلى أن المعنى: ليس كهو شيء. وقالوا لفظة مثل في الآية توكيد أو واقعة موقع هو. قال القاضي أبو محمد: ومما يؤيد دخول الكاف تأكيداً أنها قد تدخل على الكاف نفسها، وأنشد سيبويه : وصالیات ککما يؤثفین : ٢٩ تفسير سورة الشورى / الآيتان: ١٣، ١٤ والمقاليد: المفاتيح، قاله ابن عباس والحسن، وقال مجاهد: أصلها بالفارسية، وهي هاهنا استعارة لوقع كل أمر تحت قدرته. وقال السدي: المقاليد: الخزائن، وفي العبارة على هذا حذف مضاف، قال قتادة: من ملك مقالد خزائن، فالخزائن في ملكه، وبسط الرزق وقدره بيّن، وقد مضى تفسيره. قوله عز وجل : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيِنَا بِهِ: إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِسَنَّ أَنْ أَقِيمُواْالَّذِينَ وَلَا تَشَفَرَّقُواْفِيَّهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَانَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّإِلَيْهِ مَن يُّنِيبُ ﴿ وَمَا نَفَرَّقُواْ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَابَيْنَهُمْ وَلَوْلًا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن ◌َّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّالَّذِينَ أُوْرِثُواْالْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ ١٤ لَفِیسَئٍمِّنْهُ مُرِيبٍ المعنى: ﴿شرع لكم﴾ وبين من المعتقدات والتوحيد ﴿ما وصى به نوحاً﴾ قبل. وقوله: ﴿والذي﴾ عطف على ﴿ما﴾، وكذلك ما ذكر بعد من إقامة الدين مشروع اتفقت النبوات فيه، وذلك في المعتقدات أو في جملة أمرها من أن كل نبوة فإنما مضمنها معتقدات وأحكام، فيجيء المعنى على هذا: شرع لكم شرعة هي كشرعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام في أنها ذات المعتقدات المشهورة التي هي في كل نبوءة وذات أحكام كما كانت تلك كلها، وعلى هذا يتخرج ما حكاه الطبري عن قتادة قال: ﴿ما وصى به نوحاً﴾ يريد الحلال والحرام، وعليه روي أن نوحاً أول من أتى بتحريم البنات والأمهات . وأما الأحكام بانفرادها فهي في الشرائع مختلفة، وهي المراد في قوله تعالى : ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨] و﴿أن﴾ في قوله: ﴿أن أقيموا﴾ يجوز أن تكون في موضع نصب بدلاً من ﴿ما﴾، ويجوز في موضع خفض بدلاً من الضمير في ﴿به﴾، وفي موضع رفع على خبر ابتداء تقديره: ذلك أن، و﴿أن﴾ تكون مفسرة بمعنى: أي، لا موضع لها من الإعراب، وإقامة الدين هو توحيد الله تعالى ورفض سواه. وقوله: ﴿ولا تفرقوا﴾ نهي عن المهلك من تفرق الأنحاء والمذاهب، والخير كله في الإلفة واجتماع الكلمة. ثم أخبر تعالى نبيه بصعوبة موقع هذه الدعوة إلى إقامة الدين على المشركين بالله العابدين الأصنام. قال قتادة: كبّرت عليهم: لا إله إلا الله، وأبى الله إلا نصرها، ثم سلاه عنهم بقوله: ﴿الله يجتبي﴾ أي يختار ويصطفي، قاله مجاهد وغيره: و: ﴿ينيب﴾ معناه يرجع عن الكفر ويحرص على الخير ويطلبه . وقوله: ﴿ولا تتفرقوا) عبارة يجمع خطابها كفار العرب واليهود والنصارى وكل مدعو إلى الإسلام، فلذلك حسن أن يقال: ما تفرقوا، يعني بذلك أوائل اليهود والنصارى. والعلم الذي جاءهم: هو ٣٠ تفسير سورة الشورى / الآيتان: ١٥ - ١٦ ما كان حصل في نفوسهم من علم كتب الله تعالى فبغى بعضهم على بعض، أداهم ذلك إلى اختلاف الرأي وافتراق الكلمة والكلمة السابقة: قال المفسرون: هي حتمه تعالى القضاء بأن مجازاتهم إنما تقع في الآخرة، فلولا ذلك لفصل بينهم في الدنيا وغلب المحق على المبطل. وقوله تعالى: ﴿وإن الذين أورثوا الكتاب﴾ إشارة إلى معاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، وقيل هي إشارة إلى العرب. و﴿الكتاب): هو القرآن. والضمير في قوله: ﴿لفي شك﴾ يحتمل أن يعود على ﴿الكتاب﴾، أو على محمد، أو على الأجل المسمى، أي في شك من البعث" على قول من رأى الإشارة إلى العرب، ووصف الشك بـ ﴿مريب﴾ مبالغة فيه. قوله عز وجل : فَلِذَلِكَ فَادْعٌ وَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتٌّ وَلَا تَِّعْ أَهْوَ هُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبِّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَّكُمُ اَللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَبَا وَإِلَيْهِالْمَصِيرُ ﴿ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ مُمَّنُهُمْ ١٦ دَاحِضَةُ عِندَرَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَدٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ اللام في قوله: ﴿فلذلك﴾ قالت فرقة: هي بمنزلة إلى، كما قال تعالى: ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ [الزلزلة: ٥] أي إليها، كأنه قال: فإلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد ﴿فادع﴾، وقالت فرقة: بل هي بمعنى من أجل كأنه قال: فمن أجل أن الأمر كذا ولكونه كذا ﴿فادع﴾ أنت إلى ربك وبلغ ما أرسلت به. وخوطب عليه السلام بأمر الاستقامة، وقد كان مستقيماً، بمعنى: دم على استقامتك، وهكذا الشأن في كل مأمور بشيء هو متلبس به إنما معناه الدوام، وهذه الآية ونحوها كانت نصب عين النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت شديدة الموقع من نفسه، أعني قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢] لأنها جملة تحتها جميع الطاعات وتكاليف النبوءة، وفي هذا المعنى قال عليه السلام: شيبتني هود وأخواتها، فقيل له: لم ذلك؟ فقال: لأن فيها ﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢] وهذا الخطاب له عليه السلام بحسب قوته في أمر الله تعالى وقال هو لأمته بحسب ضعفهم استقيموا. وقوله تعالى: ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾ يعني قريشاً فيما كانوا يهوونه من أن يعظم آلهتهم وغير ذلك، ثم أمره تعالى أن يؤمن بالكتب المنزلة قبله من عند الله، وهو أمر يعم سائر أمته. وقوله تعالى: ﴿وأمرت لأعدل بينكم﴾ قالت فرقة: اللام في ﴿لأعدل﴾ يمعنى: أن، التقدير: بأن أعدل بينكم. وقالت فرقة المعنى: وأمرت بما أمرت به من التبليغ والشرع لكي أعدل بينكم، فحذف من الكلام ما يدل الظاهر علیه . ١٠, وقوله: ﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ إلى آخر الآية منسوخ ما فيه من موادعة بآية السيف. ٣١ تفسير سورة الشوری / الآيات: ١٧ - ٢٠ وقوله: ﴿لا حجة بيننا وبينكم﴾ أي لا جدال ولا مناظرة، قد وضح الحق وأنتم تعاندون، وفي قوله تعالى: ﴿الله يجمع بيننا﴾ وعيد. وقوله: ﴿والذين يحاجون في الله﴾ قال ابن عباس ومجاهد إنها نزلت في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام وإضلالهم ومجادلتهم بأن قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فديننا أفضل، فنزلت الآية في ذلك، وقيل بل نزلت في قريش لأنها كانت أبداً تحاول هذا المعنى وتطمع في رد الجاهلية و: ﴿يحاجون في الله﴾ معناه في توحيد اللّه، أي يحاجون فيه بالإبطال والإلحاد وما أشبه، والضمير في: ﴿له﴾ يحتمل أن يعود على ﴿الله﴾ تعالى، أي بعد ما دخل في دينه، ويحتمل أن يعود على الدين والشرع، ويحتمل أن يعود على محمد عليه السلام. و: ﴿داحضة﴾ معناه: زاهقة. والدحض: الزلق، وباقي الآية بین . قوله عز وجل : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ١٧ اُلَهُ الَّذِىّ أَنْزَلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَاُلْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ اُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِى السَّاعَةِ لَفِىِ ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴿ اللَّهُ لَطِيفُ بِعِبَادِهِ، يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ اَلْقَوِىُ اَلْعَزِيزُ الْثَّمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ فَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِهِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَانُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِمِن نَّصِيبٍ ٢٠ لما أنحى القول على الذين يحاجون في توحيد الله ويرومون إطفاء نوره، صدع في هذه الآية بصفة من أنزل الكتاب الهادي للناس. و: ﴿الكتاب﴾ هنا اسم جنس يعم جميع الكتب المنزلة. وقوله: ﴿بالحق﴾ يحتمل أن يكون المعنى بأن كان ذلك حقاً واجباً للمصلحة والهدى، ويحتمل أن يكون المعنى مضمناً الحق، أي بالحق في أحكامه وأوامره. و﴿الميزان﴾ هنا العدل، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والناس. وحكى الثعلبي عن مجاهد أنه قال: هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس. قال القاضي أبو محمد: ولا شك أنه داخل في العدل وجزء منه وكل شيء من الأمور، فالعدل فيه إنما هو بوزن وتقدير مستقيم، فيحتاج في الأجرام إلى آلة، وهي العمود والكفتان التي بأيدي البشر، ويحتاج في المعاني إلى هيئات في النفوس وفهوم توازن بين الأشياء. وقوله: ﴿وما يدريك، لعل الساعة قريب﴾ وعيد للمشركين، أي فانظر في أي غورهم وجاء لفظ: ﴿قريب﴾ مذكراً من حيث تأنيث الساعة غير حقيقي، وإذ هي بمعنى الوقت. ثم وصف تعالى حال الجهلة الكاذبين بها، فهم لذلك يستعجلون بها، أي يطلبون تعجيلها ليبين العجز ممن يحققها، فالمصدق بها مشفق خائف، والمكذب مستعجل مقيم لحجته على تكذيبه بذلك ٣٢ تفسير سورة الشورى / الآيات: ٢١ - ٢٣. المستعجل به. ثم استفتح الإخبار عن الممارين في الساعة بأنهم في ضلال قد بعد بهم، فرجوعهم عنه صعب متعذر، وفي هذا الاستفتاح مبالغة وتأكيد وتهيئة لنفس السامع، ثم رجى تبارك وتعالى عباده بقوله: ﴿الله لطيف بعباده﴾، و: ﴿لطيف﴾ هنا بمعنى: رفيق متحف، والعباد هنا: المؤمنون ومن سبق له الخلود في الجنة، وذلك أن الأعمال بخواتمها، ولا لطف إلا ما آل إلى الرحمة، وأما الإنعام على الكافرين في الدنيا فليس بلطف بهم، بل هو إملاء واستدراج. وقال الجنيد: لطف بأوليائه حتى عرفوه ولو لطف بالكفار لما جحدوه، وقيل: ﴿لطيف﴾ معناه في أن نشر عنهم المناقب، وستر عليهم المثالب. وقيل هو الذي لا يخاف إلا عدله، ولا یرجی إلا فضله. وقوله: ﴿من كان يريد﴾ معناه: إرادة مستعد عامل عارف، لا إرادة متمن لم يدر نفسه. والحرث في هذه الآية: عبارة عن السعي والتكسب والإعداد. ولما كان حرث الأرض أصلاً من أصول المكاسب استعير لكل متكسب، ومنه قول ابن عمر: أحرث لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً. وقوله تعالى : ﴿نزد في حر ثه﴾ وعد منتجز. وقوله في: ﴿حرث الدنيا نؤته منها﴾ معناه: ما شئنا ولمن شئنا، فرب ممتحن مضيق عليه حريص على حرث الدنيا مريد له لا يحس بغيره، نعوذ بالله من ذلك، وهذا الذي لا يعقل غير الدنيا هو الذي نفى أن يكون له نصيب في الآخرة. وقرأ سلام: ((نؤتهُ)) برفع الهاء وهي لغة لأهل الحجاز، ومثله قراءتهم: ﴿فخسفنا به وبداره الأرض﴾ [القصص: ٨١] برفع الهاء فيهما. قوله عز وجل : أَمْ لَهُمْ شُرَكَتُؤْ شَرَعُوْلَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمُّ وَإِنَّ الظَّلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُ بِهِمْ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِىِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِّ لَهُمْ مَّا يَشَآءُ ونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴿ ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّه عِبَادَهُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ قُل لَّا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلََّّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبِىّ وَمِّن يَقْتَرِفْ حَسَنَةُ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنَاْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُور® ﴿أم﴾ هذه هي منقطعة لا معادلة، وهي بتقدير بل وألف الاستفهام. والشركاء في هذه الآية: يحتمل أن يكون المراد بهم الشياطين والمغوين من أسلافهم، ويكون الضمير في ﴿لهم﴾ للكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي شرع الشركاء لهم ما لم يأذن به الله، فالاشتراك ها هنا هو في الكفر ٣٣ تفسير سورة الشورى / الآيات: ٢١ - ٢٣ والغواية، وليس بشركة الإشراك بالله، ويحتمل أن يكون المراد بـ ((الشركاء)): الأصنام والأوثان على معنى: أم لهم أصنام جعلوها شركاء لله في ألوهيته، ويكون الضمير: في: ﴿شرعوا﴾ لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم. والضمير في: ﴿لهم﴾ للأصنام الشركاء، أي شرع هؤلاء الكفار لأصنامهم وأوثانهم ما لم يأذن به الله، و: ﴿شرعوا﴾ معناه: أثبتوا ونهجوا ورسموا. و﴿الدين﴾ هنا العوائد والأحكام والسيرة، ويدخل في ذلك أيضاً المعتقدات، لأنهم في جميع ذلك وضعوا أوضاعاً، فأما في المعتقدات فقولهم إن الأصنام آلهة، وقولهم إنهم يعبدون الأصنام زلفى وغير ذلك، وأما في الأحكام فكالبحيرة والوصيلة والحامي وغير ذلك من السوائب ونحوها، والإذن في هذه الآية الأمر. و﴿كلمة الفصل): هي ما سبق من قضاء الله تعالى بأنه يؤخر عقابهم إلى الآخرة والقضاء بينهم: هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم. وقرأ جمهور الناس: ((وإن الظالمين)) بسكر الهمزة على القطع والاستئناف. وقرأ مسلم بن جندب (وأن الظالمين)) بفتح الهمزة، وهي في موضع رفع عطف على: ﴿كلمة﴾ المعنى: وأن الظالمين لهم في الآخرة عذاب. وقوله: ﴿ترى الظالمين) هي رؤية بصر، و ﴿الظالمين) مفعول، و: ﴿مشفقين﴾ حال وليس لهم في هذا الإشفاق مدح، لأنهم إنما أشفقوا حين نزل بهم ووقع، وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مشفقون من الساعة كما تقدم. وقوله تعالى: ﴿وهو واقع بهم﴾ جملة في موضع الحال. والروضات: المواضع المؤنفة النظرة، وهي مرتفعة في الأغلب من الاستعمال، وهي الممدوحة عند العرب وغيرهم، ومن ذلك قوله تعالى ﴿كمثل جنة بربوة﴾ [البقرة: ٢٦٥] ومن ذلك تفضيلهم روضات الحزن لجودة هوائها. قال الطبري: ولا تقول العرب لموضع الأشجار ریاض. وقوله تعالى: ﴿ذلك الذي يبشر الله عباده﴾ إشارة إلى قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً﴾ [الأحزاب: ٤٧]. وقرأ جمهور الناس: ((يُبشِّرهم) بضم الياء وفتح الباء وشد الشين المكسورة، وذلك على التعدية بالتضعيف. وقرأ مجاهد وحميد: ((يُبْشِر)) بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين على التعدية بالهمزة. قرأ ابن مسعود وابن يعمر وابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش وطلحة: ((يَبِشُر)) بفتح الياء وضم الشين، ورويت عن ابن كثير. وقال الجحدري في تفسيرها: ترى النضرة في الوجوه. وقوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه إلا المودة في القربى﴾ اختلف الناس في معناه، فقال له ابن عباس وغيره: هي آية مكية نزلت في صدر الإسلام ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم أي ما أسألكم على القرآن والدين والدعاء إلى الله إلا أن تودوني لقرابة هي بيني وبينكم فتكفوا عني أذاكم. قال ابن عباس وابن إسحاق وقتادة: ولم يكن في قريش بطن إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه نسب أو صهر، فالآية على هذا هي استعطاف ما، ودفع أذى وطلب سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل على هذا التأويل أن يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي لا أسألكم غرامة ولا شيئاً إلا أن ٣٤ تفسير سورة الشورى / الآيات: ٢٤ - ٢٧ تودوني لقرابتي منكم وأن تكونوا أولى بي من غيركم. وقال مجاهد: المعنى إلا أن تصلوا رحمي باتباعي. وقال ابن عباس أيضاً ما يقتضي أنها مدنية، وسببها أن قوماً من شباب الأنصار فاخزوا المهاجرين ومالوا بالقول على قريش، فنزلت الآية في ذلك على معنى إلا أن تودوني فتراعونني في قرابتي وتحفظونني فيهم، وقال بهذا المعنى في الآية علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، .. واستشهد بالآية حين سیق إلی الشام أسیراً، وهو تأويل ابن جبیر وعمرو بن شعيب، وعلى هذا التأويل قال ابن عباس، قیل یا رسول الله، من قرابتك الذين أمرنا بمودتهم؟ فقال: علي وفاطمة وابناهما، وقيل هو ولد عبد المطلب ... قال القاضي أبو محمد: وقريش كلها عندي قربى وإن كانت تتفاضل، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من مات على حب آل محمد مات شهيداً، ومن مات على بعضهم لم يشم رائحة الجنة)) وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: سبب هذه الآية أن الأنصار جمعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً وساقته إليه فرده عليهم ونزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضاً، معنى الآية: من قربى الطاعة والتزلف إلى الله تعالى: كأنه قال: إلا أن تودوني، لأني أقربكم من الله، وأريد هدايتكم وأدعوكم إليها. وقال الحسن بن أبي الحسن معناه: إلا أن يتوددوا إلى الله بالتقرب إليه. وقال عبد الله بن القاسم في كتاب الطبري معنى الآية: إلا أن تتوددوا بعضكم إلى بعض وتصلوا قراباتكم، فالآية على هذا أمر بصلة الرحم. وذكر النقاش عن ابن عباس ومقاتل والكلبي والسدي أن الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة سبأ ﴿قل ماسألتكم من أجر فهو لكم﴾ [سبأ: ٤٧] والصواب أنها محكمة، وعلى كل قول فالاستثناء منقطع، و: ﴿إِلا﴾ بمعنى: لكن. و: ﴿يقترف﴾ معناه يكتسب، ورجل قرفة: إذا كان محتالا كسوباً. وقرأت فرقة ((يزد)) على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وقرأ جمهور الناس: ((نزد)) على نون العظمة، وزيادة الحسن هو التضعيف الذي وعد الله تعالى به مؤمني عباده، قاله الحسن بن أبي الحسن. و: ﴿غفور﴾ معناه: ساتر عيوب عبيده. و: ﴿شكور﴾ معناه: مجاز على الدقيقة من الخير لا يضيع عنده لعامل عمل. قوله عز وجل : أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبً فَإِنْ يَشٍَ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلِكٌ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحِىُّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُّورِ ﴿٣] وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ ◌َنِ السَّيْئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ أَ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَبَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ وَيَزِيدُهُم مِّنْ فَضْلِهِ وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ٢٠ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِوْء ◌َبَغَوْاْ فِى الْأَرْضٍ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ نَّ ﴿أم﴾ هذه أيضاً منقطعة مضمنة إضراباً عن كلام متقدم وتقريراً على هذه المقالة منهم. وقوله تعالى: ﴿فإن يشأ الله يختم﴾ معناه في قول قتادة وفرقة من المفسرين: ينسيك القرآن، والمراد الرد على مقالة الكفار وبيان إبطالها، وذلك كأنه يقول: وكيف يصح أن تكون مفترياً وأنت من الله بمرأى ٣٥ تفسير سورة الشورى / الآيات : ٢٤ - ٢٧ ومسمع، وهو قادر لو شاء على أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراؤك، فمقصد اللفظ هذا المعنى وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصاراً واقتصاراً. وقال مجاهد في كتاب الثعلبي وغيره، المعنى : ﴿فإن يشأ الله يختم على قلبك﴾ بالصبر لأذى الكفار ويربط عليه بالجلد، فهذا تأويل لا يتضمن الرد على مقالتهم . وقوله تعالى: ﴿ويمح﴾ فعل مستقبل خبر من الله أنه يمحو الباطل ولا بد إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذا بحسب نازلة. وكتبت ﴿يمح﴾ في المصحف بحاء مرسلة كما كتبوا: ﴿ويدع الإنسان﴾ [الإسراء: ١١] إلى غير ذلك مما ذهبوا فيه إلى الحذف والاختصار. وقوله: ﴿بكلماته﴾ معناه: بما سبق في قديم علمه وإرادته من كون الأشياء بالكلمات المعاني القائمة التي لا تبديل لها . وقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور) خبر مضمنه وعيد. ثم ذكر النعمة في تفضله بقبول التوبة عن عباده، وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمنه وأعماله مقطوع به بهذه الآية، وأما ما سلف من أعماله فينقسم: فأما التوبة من الكفر فماحية كل ما تقدمها من مظالم العباد الفانية، وأما التوبة من المعاصي فلأهل السنة قولان، هل تذهب المعاصي السالفة للعبد بينه وبين خالقه؟ فقالت فرقة: هي مذهبة لها، وقالت فرقة: هي في مشيئة الله تعالى، وأجمعوا على أنها لا تذهب مظالم العباد. وحقيقة التوبة: الإقلاع عن المعاصي والإقبال والرجوع إلى الطاعات، ويلزمها الندم على ما فات، والعزم على ملازمة الخيرات. وقال سري السقطي: والتوبة: العزم على ترك الذنوب، والإقبال بالقلب إلى علام الغيوب. وقال يحيى بن معاذ: التائب من كسر شبابه على رأسه وكسر الدنيا على رأس الشيطان ولزم الفطام حتى أتاه الحمام . وقوله تعالى: ﴿عن عباده﴾ بمعنى: من عباده، وكأنه قال: التوبة الصادرة عن عباده. وقرأ جمهور القراء والأعرج وأبو جعفر والجحدري وقتادة: ((يفعلون)) بالياء على الكناية عن غائب. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن مسعود وعلقمة: ((تفعلون)) بالتاء على المخاطبة، وفي الآية توعد . وقوله تعالى: ﴿ويستجيب﴾ قال الزجاج وغيره معناه: يجيب، والعرب تقول: أجاب واستجاب بمعنى ومنه قول الشاعر [كعب بن سعد الغنوي]: [الطويل] وداع دعا يا من يجيب الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب و: ﴿الذين﴾ على هذا القول مفعول بـ ﴿يستجيب﴾، وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ونحوه عن ابن عباس، وقالت فرقة المعنى: ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. ودل قوله: ﴿ويزيدهم من فضله﴾ على أن المعنى فيجيبهم، وحملت هذه الفرقة استجاب على المعهود من باب استفعل، أي طلب الشيء. و: ﴿الذين﴾ على هذا القول فاعل بـ ﴿يستجيب﴾. وقالت ٣٦ تفسير سورة الشورى / الآيات: ٢٨ - ٣٣ فرقة: المعنى ويجيب المؤمنون ربهم، ف ﴿الذين﴾: فاعل بمعنى يجيبون دعوة شرعه ورسالته. والزيادة من فضله: هي تضعيف الحسنات، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: هي قبول الشفعات في المذنبين والرضوان . وقوله تعالى: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض﴾ قال عمرو بن حريث وغيره إنها نزلت لأن قوماًمن أهل الصفة طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغنيهم الله ويبسط لهم الأموال والأرزاق، فأعلمهم الله تعالى أنه لو جاء الرزق على اختيار البشر واقتراحهم لكان سبب بغيهم وإفسادهم، ولكنه تعالى أعلم بالمصلحة في كل أحد، وله بعبيده خبرة وبصر بأخلاقهم ومصالحهم، فهو ينزل لهم من الرزق القدر الذي به صلاحهم، فرب إنسان لا يصلح وتكتف عاديته إلا بالفقر وآخر بالغنى. وروى أنس بن مالك في هذا المعنى التقسم حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني. وقال خباب بن الأرتّ: فينا نزلت: ﴿ولو بسط الله الرزق) الآية، لأنا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع فتمنيناها فنزلت الآية. قوله عز وجل : ج وَمِنْءَايَنِهِ، ٢٨ وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَابَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى وَمِنْ عَلَيَتِهِ الْجَوَارِ فِ اَلْبَحْرِكَالْأَعْلَامِ الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا تَصِيرٍ ﴾ ٣٢ إِن يَشَأَيُسْكِنِ الْرِيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَّةٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارِشَكُورِ ٣٣ هذه تعديد نعمة الله تعالى الدالة على وحدانيته، وأنه الإله الذي يستحق أن يعبد دون سواه من الأنداد. وقرأ ((يُنَزِّل)) مثقلة جمهور القراء، وقرأها ((يُنْزِل)) مخففة ابن وثاب والأعمش، ورويت عن أبي عمرو، ورجحها أبو حاتم، وقرأ جمهور الناس: ((قنَطوا)) بفتح النون، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: بكسر النون، وقد تقدم ذكرها وهما لغتان: قَنَط، وقنِط، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيل له: أجدبت الأرض وقنط الناس، فقال: مطروا إذاً، بمعنى أن الفرج عند الشدة، واختلف المتأولون في قوله تعالى: ﴿وينشر رحمته﴾ ققالت فرقة: أراد بالرحمة المطر، وعدد النعمة بعينها بلفظتين: الثاني منهما يؤكد الأول. وقالت فرقة: الرحمة في هذا الموضع الشمس، فذلك تعديد نعمة غير الأولى، وذلك أن المطر إذا ألم بعد القنط حسن موقعه، فإذا دام سئم، فتجيء الشمس بعده عظيمة الموضع. وقوله تعالى: ﴿وهو الولي الحميد﴾ أي من هذه أفعاله فهو الذي ينفع إذا والى وتحمد أفعاله ونعمه، ٣٧ تفسير سورة الشورى / الآيات: ٢٨ - ٣٣ لا کالذي لا يضر ولا ينفع من أوثانكم. ثم ذكر تعالى الآية الكبرى، الصنعة الدالة على الصانع، وذلك ﴿خلق السماوات والأرض﴾. وقوله تعالى: ﴿وما بث فيهما﴾ يتخرج على وجوه، منها أن يريد إحداهما فيذكر الاثنين كما قال: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ [الرحمن: ٢٢] وذلك إنما يخرج من الملح وحده، ومنها أن يكون تعالى قد خلق السماوات وبث دواب لا نعلمها نحن، ومنها أن يريد الحيوانات التي توجد في السحاب، وقد يقع أحياناً كالضفادع ونحوها، فإن السحاب داخل في اسم السماء. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال في تفسير: ﴿وما بث فيهما من دابة﴾ هم الناس والملائكة، وبعيد غير جار على عرف اللغة أن تقع الدابة على الملائكة . وقوله تعالى: ﴿وهو على جمعهم﴾ يريد القيامة عند الحشر من القبور وقوله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة﴾ قرأ جمهور القراء: ((فبما)) بفاء، وكذلك هي في جل المصاحف. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وشيبة: ((بما)) دون فاء. وحكى الزجاج أن أبا جعفر وحده من المدنيين أثبت الفاء. قال أبو علي الفارسي: ((أصاب))، من قوله: ((وما أصاب)) يحتمل أن يكون في موضع جزم، وتكون ﴿ما﴾ شرطية، وعلى هذا لا يجوز حذف الفاء عند سيبويه، وجوز حذفها أبو الحسن الأخفش وبعض البغداديين على أنها مرادة في المعنى، ويحتمل أن يكون ((أصاب)) صلة لما، وتكون ﴿ما﴾ بمعنى الذي، وعلى هذا يتجه حذف الفاء وثبوتها، لكن معنى الكلام مع ثبوتها التلازم، أي لولا كسبكم ما أصابتكم مصيبة، والمصيبة إنما هي بسبب كسب الأيدي، ومعنى الكلام مع حذفها يجوز أن يكون التلازم، ويجوز أن يعرى منه، وأما في هذه الآية فالتلازم مطرد مع الثبوت والحذف. وأما معنى الآية فاختلف الناس فيه، فقالت فرقة: هى إخبار من الله تعالى بأن الرزايا والمصائب في الدنيا إنما هي مجازاة من الله تعالى على ذنوب المرء وخطاياه، وأن الله تعالى يعفو عن كثير فلا يعاقب عليه بمصيبة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو عنه أكثر))، وقال عمران بن حصين وقد سئل عن مرضه إن أحبه إلي أحبه إلى الله، وهذا بما كسبت يداي، وعفو ربي كثير. وقال مرة الهمداني: رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت ما هذا؟ قال هذا بما كسبت يدي ﴿ويعفو عن كثير﴾، وقيل لأبي سليمان الداراني: ما بال الفضلاء لا يلومون من أساء إليهم؟ فقال لأنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي ابتلاهم بذنوبهم. وروي عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله أكرم من أن يثني على عبده العقوبة إذا أصابته في الدنيا بما كسبت يداه)). وقال الحسن بن أبي الحسن، معنى الآية في الحدود: أي ما أصابكم من حد من حدود الله، وتلك مصائب تنزل بشخص الإنسان ونفسه، فإنما هي بكسب أيديكم ﴿ويعفو عن كثير﴾، فستره على العبد حتى لا يحد عليه. ثم أخبر عن قصور ابن آدم وضعفه وأنه في قبضة القدرة، لا يعجز طلب ربه، ولا يمكنه الفرار منه و ﴿الجواري﴾ جمع جارية، وهي السفينة. وقرأ: ((الجواري)) بالياء نافع وعاصم وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة، ومنهم من أثبتها في الوصل ووقف ٣٨ تفسير سورة الشورى / الآيات: ٣٤ - ٣٨ على الراء. وقرأ أيضاً عاصم بحذف الياء في وصل ووقف. وقال أبو حاتم: نحن نثبتها في كل حال. و: ((الأعلام)) الجبال، ومنه قول الخنساء: [البسيط] وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار ومنه المثل: إذا قطعن علماً بدا علم فجري السفن في الماء آية عظيمة، وتسخير الريح لذلك نعمة منه تعالى، وهو تعالى لو شاء أن يديم سكون الريح عنها لركدت أي أقامت وقرت ولم يتم منها غرض. وقرأ أبو عمرو وعاصم ((الريح)) واحدة. وقرأ: ((الرياح))) نافع وابن كثير والحسن. وقرأ الجمهور: ((فيظلَلن)) بفتح اللام. وقرأ قتادة: ((فيظلِلن)) بكسر اللام. وباقي الآية فيه الموعظة وتشريف الصبار الشكور بالتخصيص، والصبر والشكر فيهما الخير كله، ولا یکونان إلا في عالم. قوله عز وجل : ٣٥ فـ وَيَعْلَمَ اُلَّذِينَ يُطْدِ لُوْنَ فِىّ ءَايَتِنَا مَا لَهُمْ مِّن ◌َحِيصٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرِ ) أُوْتِيْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَعُ الْخَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ الَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) وَالَّذِينَ وَالَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ وَقَامُواْ ٣٧ يَحْتَنِبُونَ كَبَِّرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَامَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ٣٨ الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ أوبقت الرجل إذا أنشبته في أمر يهلك فيه، فالإيباق في السفن هو تغريقها، والضمير في: ﴿كسبوا﴾ هو لركابها من البشر، أي بذنوب البشر. ثم ذكر تعالى ثانية: ﴿ويعف عن كثير﴾ مبالغة وإيضاحاً. وقرأ نافع وابن عامر والأعرج وأبو جعفر وشيبة: ((ويعلمُ)) بالرفع على القطع والاستئناف، وحسن ذلك إذا جاء بعد الجزاء. وقرأ الباقون والجمهور: ((ويعلمَ)) بالنصب على تقدير: أن، وهذه الواو نحو التي يسميها الكوفيون واو الصرف، لأن حقيقة واو الصرف هي التي يريد بها عطف فعل على اسم، فيقدر أن لتكون مع الفعل بتأويل المصدر فيحسن عطفه على اسم، وذلك نحو قول الشاعر: [الطويل] :: تقضي لبانات ویسام سائم فكأنه أراد: وسآمة سائم، فقدر: وأن يسأم لتكون ذلك بتأويل المصدر الذي هو سآمة قال أبو علي: حسن النصب إذا كان قبله شرط وجزاء، وكل واحد منهما غير واجب وقوله تعالى: ﴿ما لهم من محيص﴾ هو معلموهم الذي أراد أن يعلمه المجادلون في آياته عز وجل. والمحيص: المنجي وموضوع الروغان، يقال حاص إذا راغ، وفي حديث هرقل: فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، ثم وعظ تعالى عباده ٣٩ تفسير سورة الشورى / الآيات: ٣٩ - ٤١ - وحقر عندهم أمر الدنيا وشأنها ورغبهم فيما عنده من نعيمهم والمنزلة الرفيعة لديه، وعظم قدر ذلك في قوله: ﴿فما أوتيتم) الآية. وقوله: ﴿والذين يجتنبون﴾ عطف على قوله: ﴿الذين آمنوا﴾. وقرأ جمهور الناس: ((كبائر)» على الجمع. قال الحسن: هي كل ما توعد فيه بالنار. وقال الضحاك: أو كان فيه حد من الحدود. وقال ابن مسعود: الكبائر من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية. وقال علي وابن عباس: هي كل ما ختمه اللّه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: ((كبير)» على الإفراد الذي هو اسم الجنس. وقال ابن عباس: كبير الإثم: هو الشرك. ﴿والفواحش﴾ قال السدي: الزنا. وقال مقاتل: موجبات الحدود، ويحتمل أن يكون كبير اسم جنس بمعنى كبائر، فتدخل موبقات السبع على ما قد تفسر من أمرها في غير هذه . وقوله تعالى: ﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ حض على كسر الغضب والتدرب في إطفائه، إذ هو جمهرة من جهنم وباب من أبوابها، وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب. قال: زدني: قال: لا تغضب ومن جاهد هذا العارض من نفسه حتى غلبه فقد كفي هماً عظيماً في دنياه وآخرته . وقوله تعالى: ﴿والذين استجابوا﴾ مدح لكل من آمن بالله وقبل شرعه، ومدح تعالى القوم الذين أمرهم شورى بينهم، لأن في ذلك اجتماع الكلمة والتحاب واتصال الأيدي والتعاضد على الخير، وفي الحديث: ((ما تشاور قوم إلا هدوا لأحسن مابحضرتهم)). وقوله: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ معناه في سبيل الله وبرسم الشرع وعلى حدوده، وفي القوام الذي مدحه تعالى في غير هذه الآية. وقال ابن زيد قوله تعالى: ﴿والذين استجابوا لربهم) الآية نزلت في الأنصار، والظاهر أن الله تعالى مدح كل من اتصف بهذه الصفة كائناً من كان، وهل حصل الأنصار في هذه الصفة إلا بعد سبق المهاجرين لها رضي الله تعالى عن جميعهم بمنه. قوله عز وجل : وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْرُهُمْيَنْنَصِرُونَ (٢٦) وَجَزَُّؤُاْ سِيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَجْرُهُ عَلَى الَهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿ وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ ظْلِمِهِ، فَأُوْلَئِكَ مَاعَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ مدح الله تعالى في هذه الآية قوماً بالانتصار من البغي، ورجح ذلك قوم من العلماء وقالوا: الانتصار : بالواجب تغيير منكر، ومن لم ينتصر مع إمكان الانتصار فقد ترك تغيير المنكر واختلف الناس في المراد بالآية بعد اتفاقهم على أن من بغي عليه وظلم فجائز له أن ينتصر بيد الحق وحاكم المسلمين، فقال مقاتل: الآية في المجروح ينتصف من الجارح بالقصاص. وقالت فرقة: إنها نزلت في بغي المشرك على المؤمن، فأباح الله لهم الانتصار منهم دون تعدٍّ، وجعل العفو والإصلاح مقروناً بأجر، ثم نسخ ذلك بآية السيف، ٤٠ تفسير سورة الشورى / الآيات: ٤٢ - ٤٥ وقالت هذه الفرقة وهي الجمهور؛ إن المؤمن إذا بغى على مؤمن وظلمه، فلا يجوز للآخر أن ينتصف منه بنفسه ويجازيه على ظلمه، مثال ذلك: أن يخون الإنسان آخر ثم يتمكن الإنسان من خيانته، فمذهب مالك رحمه الله أن لا يفعل، وهو مذهب جماعة عظيمة معه، ولم يروا هذه الآية من هذا المعنى، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)). وهذا القول أنزه وأقرب إلى الله تعالى. وقالت طائفة من أهل العلم: هذه الآية عامة في المشركين والمؤمنين، ومن بغي عليه وظلم فجائز له أن ينتصف لنفسه ويخون من خانه في المال حتى ينتصر منه، وقالوا إن الحديث: ((ولا تخن من خانك))، إنما هو في رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يزني بحرمة من زنا بحرمته؟ فقال له النبي عليه السلام: ذلك يريد به الزنا، وكذلك ورد الحديث في معنى الزنا، ذكر ذلك الرواة، أما أن عمومه ينسحب في كل شيء. وقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة﴾ قال الزجاج: سمى العقوبة باسم الذنب. قال القاضي أبو محمد: وهذا إذا أخذنا السيئة في حق الله تعالى بمعنى المعصية، وذلك أن المجازاة من الله تعالى ليست سيئة إلا بأن سميت باسم موجبتها، وأما إن أخذنا السيئة بمعنى المعصية في حق البشر، أي يسوء هذا هذا ويسوء الآخر، فلسنا نحتاج إلى أن نقول سمى العقوبة باسم الذنب، بل الفعل الأول والآخر ﴿سيئة﴾ وقال ابن أبي نجيح والسدي معنى الآية: أن الرجل إذا شتم بشتمة فله أن يردها بعينها دون أن يتعدى. قال الحسن بن أبي الحسن: ما لم يكن حداً أو عوراء جداً واللام في قوله: ﴿لمن انتصر﴾ لام التقاء القسم. وقوله: ﴿من سبيل﴾ يريد ﴿من سبيل﴾ حرج ولا سبيل حكم، وهذا إبلاغ في إباحة الانتصار، والخلاف فيه هل هو بين المؤمن والمشرك، أو بين المؤمنين على ما تقدم. قوله عز وجل : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ اُلْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُمِن وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ، وَتَرَى وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ٤٤ الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍمِّنِ سَبِيلٍ خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَآ إِنَّالظَّالِمِينَ فِ عَذَابٍ مُّقِيمٍ المعنى إنما سبيل الحكم والإثم ﴿على الذين يظلمون الناس﴾، أي الذين يضعون الأشياء غير مواضعها من القتل وأخذ المال والأذى باليد وباللسان. والبغي بغير الحق وهو نوع من أنواع الظلم، خصه بالذكر تنبيهاً على شدته وسوء حال صاحبه، ثم توعدهم تعالى بالعذاب الأليم في الآخرة ..