Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
تفسير سورة الزمر / الآية: ٨
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تكون مخاطبة لجميع الناس، لأن الله تعالى غني عن جميع
الناس وهم فقراء إليه، وبين بعد البشر عن رضى الله إن كفروا بقوله: ﴿إِن تكفروا﴾.
واختلف المتأولون من أهل السنة في تأويل قوله: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ فقالت فرقة: الرضى
بمعنى الإرادة والكلام ظاهره العموم ومعناه الخصوص فيمن قضى الله له بالإيمان وحتمه له، و((عباده)) على
هذا ملائكته ومؤمنو البشر والجن، وهذا يتركب على قول ابن عباس. وقالت فرقة: الكلام عموم صحيح،
والكفر يقع ممن يقع بإرادة الله، إلا أنه بعد وقوعه لا يرضاه ديناً لهم، فهذا يتركب على الاحتمال الذي
تقدمك آنفاً. ومعنى: لا يرضاه لا يشكره لهم ولا يثيبهم به خيراً، فالرضى على هذا هو صفة فعل لمعنى
القبول ونحوه. وتأمل الإرادة فإنها حقيقة، إنما هي فيما لم يقع بعد، والرضى، فإنما حقيقة فيما قد وقع،
واعتبر هذا في آيات القرآن تجده، وإن كانت العرب قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوز هذا بدل
هذا .
وقوله تعالى: ﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾ عموم، والشكر الحقيقي في ضمنه الإيمان.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: ((يرضهُ)) بضمة على الهاء مشبعة. وقرأ ابن عامر وعاصم
((يرضه)) بضمة على الهاء غير مشبعة، واختلف عن نافع وأبي عمرو. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر:
((برضهْ)) بسكون الهاء، قال أبو حاتم: وهو غلط لا يجوز، قال تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ أي لا
يحمل أحد ذنب أحد، وأنث ((الوازرة) و((الأخرى)) لأنه أراد الأنفس. والوزر الثقل، وهذا خبر مضمنه
الحض على أن ينظر كل أحد في خاصة أمره وما ينوبه في ذاته .
ثم أخبرهم تعالى بأن مرجعهم في الآخرة إلى ربهم، أي إلى ثوابه أو عقابه، فيوقف كل أحد على
أعماله، لأنه المطلع على نيات الصدور وسائر الأفئدة. و((ذات الصدور)): ما فيه من خبيئة، ومنه قولهم:
الذيب مغبوط بذي بطنه .
قوله عز وجل :
وَإِذَا مَسَّ الْإِنِسَنَ ضُرِّدَ عَارَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّإِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوْاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ
وَجَعَلَ لِلَّهِأَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًاَ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ
٨
﴿الإنسان﴾ في هذه الآية يراد به الكافر بدلالة ما وصفه به آخراً من اتخاذ الأنداد لله تعالى، وقوله:
﴿تمتع بكفرك قليلاً﴾ وهذه آية بين تعالى بها على الكفار أنهم على كل حال يلجؤون في حال الضرورات
إليه وإن كان ذلك عن غير يقين منهم ولا إيمان فلذلك ليس بمعتد به. و﴿منيباً﴾ معناه مقارباً مراجعاً
بصيرته .
وقوله تعالى: ﴿ثم إذا خوله نعمة﴾ يحتمل أن يريد النعمة في كشف الضر المذكور، ويحتمل أن
يريد نعمة أي نعمة كانت، واللفظ يعم الوجهين. و﴿خوله﴾ معناه ملكه وحكمه فيها ابتداء لا مجازاة، ولا
يقال في الجزاء خول، ومنه الخول، ومنه قول زهير:
1

٥٢٢
تفسير سورة الزمر / الآيتان: ١٠،٩
هنالك أن يستخولوا المال يخولوا
هذه الرواية الواحدة، ویروی یستخبلوا .
وقوله تعالى: ﴿نسي ما كان يدعو إليه من قبل﴾ قالت فرقة: ﴿ما﴾ مصدرية، والمعنى نسي دعاءه
إليه في حال الضرر ورجع إلى كفره. وقالت فرقة: بمعنى الذي، والمراد بها اللّه تعالى، وهذا كنحو قوله:
﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [الكافرون: ٣ - ٥] وقد تقع ((ما)) مكان ((من)) فيما لا يحصى كثرة من كلامهم،
ويحتمل أن تكون ﴿ما﴾ نافية، ويكون قوله: ﴿نسي﴾ كلاماً تاماً، ثم نفى أن يكون دعاء هذا الكافر خالصاً
الله ومقصوداً به من قبل النعمة، أي في حال الضرر، ويحتمل أن تكون ﴿ما﴾ نافية ويكون قوله: ﴿من
قبل﴾ يريد به: من قبل الضرر، فكأنه يقول: ولم يكن هذا الكافر يدعو في سائر زمنه قبل الضرر، بل ألجأه
ضرره إلى الدعاء. والأنداد: الأضداد التي تضاد وتزاحم وتعارض بعضها بعضاً. قال مجاهد: المراد من
الرجال يطيعونهم في معصية الله تعالى. وقال غيره: المراد الأوثان.
وقرأ الجمهور: ((ليُضل)) بضم الياء، وقرأها الباقون: أبو عمرو وعيسى وابن كثير وشبل (بفتحها) ثم
أمر تعالى نبيه أن يقول لهم على جهة التهديد قولاً يخاطب به واحداً منهم: ﴿تمتع بكفرك﴾ أي تلذذ به
واصنع ما شئت، والقليل: هو عمر هذا المخاطب، ثم أخبره أنه ﴿من أصحاب النار﴾، أي من سكانها
والمخلدین فيها .
قوله عز وجل :
أَمَّنْ هُوَقَنِتُّ ءَانَآءَ الَيْلِ سَاحِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ
قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونٌّ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْالْأَلْبَبِ
أَحْسَنُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةُ إِنَّمَايُوَ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ
١٠
وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة: ((أمَن)) بتخفيف الميم، وهي قراءة أهل مكة والأعمش وعيسى وشيبة بن
نصاح، ورويت عن الحسن، وضعفها الأخفش وأبو حاتم. وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر والكسائي
والحسن والأعرج وقتادة وأبو جعفر: ((أمّن)) بتشديد الميم، فأما القراءة الأولى فلها وجهان، أحدهما: وهو
الأظهر أن الألف تقرير واستفهام، وكأنه يقول: أهذا القانت خير أم هذا المذكور الذي يتمتع بكفره قليلاً
وهو من أصحاب النار؟ وفي الكلام حذف يدل عليه سياق الآيات مع قوله آخراً: ﴿قل هل يستوي الذين
يعلمون والذين لا يعلمون﴾، ونظيره قول الشاعر [امرىء القيس]: [الطويل]
فأقسم لو شيء أتانا رسوله
سواك ولکن لم نجد لك مدفعا
ويوقف على هذا التأويل على قوله: ﴿رحمة ربه﴾. والوجه الثاني: أن يكون الألف نداء، والخطاب
لأهل هذه الأوصاف، كأنه يقول: أصاحب هذه الصفات ﴿قل هل يستوي﴾ فهذا السؤال بـ ﴿هل﴾ هو

٥٢٣
تفسير سورة الزمر / الآيتان: ١٠،٩
للقانت، ولا يوقف على التأويل على قوله: ﴿رحمة ربه﴾، وهذا معنى صحيح، إلا أنه أجنبي من معنى
الآيات قبله وبعده، وضعفه أبو علي الفارسي. وقال مكي: إنه لا يجوز عند سيبويه، لأن حرف النداء لا
يسقط مع المبهم وليس كما قال مكي، أما مذهب سيبويه في أن حرف النداء لا يسقط مع الميم، فنعم،
لأنه يقع الإلباس الكثير بذلك، وأما أن هذا الموضع سقط فيه حرف النداء فلا، والألف ثابتة فيه ظاهرة،
وأما القراءة بتشديد الميم فإنها: ((أم)) دخلت على: ((من)) والكلام على هذه القراءة لا يحتمل إلا المعادلة
بين صنفين، فيحتمل أن يكون ما يعادل ((أم)) متقدماً في التقدير، كأنه يقول: أهذا الكافر خير أم من،
ويحتمل أن تكون ((أم)) قد ابتدأ بها بعد إضراب مقدر ويكون المعادل في آخر الكلام، والأول أبين.
والقانت: المطيع، وبهذا فسر ابن عباس رضي الله عنه، والقنوت في كلام العرب: يقع على القراءة
وعلى طول القيام في الصلاة، وبهذا فسرها ابن عمر رضي الله عنه، وروي عن ابن عباس أنه قال: من
أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة، فليره الله في سواد الليل ساجداً أو قائماً، ويقع القنوت على
الدعاء وعلى الصمت عبادة. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أن القنوت: الطاعة.
وقال جابر بن عبد الله: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل؟ فقال: ((طول القنوت)).
والآناء: الساعات، واحدها: أني كمعى ومنه قولهم: لن يعدو شيء أناه، ومنه قوله تعالى: ﴿غير ناظرين
إِناه﴾ [الأحزاب: ٥٣] على بعض التأويلات في ذلك ويقال في واحدها أيضاً: أنى على وزن قفى، ويقال
فيه أيضاً: إني بكسر الهمزة وسكون النون، ومنه قول الهذلي : [البسيط]
ومر كعطف القدح مرته في كل إني حداه الليل
وقرأ الضحاك: ((ساجدٌ وقائمٌ)) بالرفع فيهما.
وقوله تعالى: ﴿يحذر الآخرة﴾ معناه يحذر حالها وهولها. وقرأ سعيد بن جبير: ((يحذر عذاب
الآخرة» و ﴿أولو﴾ معناه أصحاب الألباب، واحدهم: ذو.
وقرأ جمهور القراء: ((قل يا عبادي)) بفتح الياء. وقرأ أبو عمرو وعاصم والأعمش: ((يا عبادي)) بياء
ساكنة. وقرأ أبو عمرو أيضاً وعاصم والأعمش وابن كثير: ((يا عباد)) بغير ياء في الوصل.
ويروى أن هذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه حين عزموا على الهجرة
إلى أرض الحبشة. ووعد تعالى بقوله: ﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة﴾ ويحتمل أن يكون قوله:
﴿في هذه الدنيا﴾، متعلقاً بـ ﴿أحسنوا﴾، فكأنه يريد أن الذين يحسنون في الدنيا لهم حسنة في الآخرة
وهي الجنة والنعيم، قاله مقاتل، ويحتمل أن يريد: أن الذين يحسنون لهم حسنة في الدنيا وهي العاقبة
والظهور وولاية الله تعالى، قاله السدي. وكان قياس قوله أن يكون في هذه الدنيا متأخراً ويجوز تقديمه،
والأول أرجح أن الحسنة هي في الآخرة. ﴿وأرض الله﴾ يريد بها البلاد المجاورة التي تقتضيها القصة التي
في الكلام فيها، وهذا حض على الهجرة، ولذلك وصف الله الأرض بالسعة. وقال قوم: أراد بـ ((الأرض))
هنا الجنة، وفي هذا القول تحکم لا دليل عليه.
ثم وعد تعالى على الصبر على المكاره والخروج عن الوطن ونصرة الدين وجميع الطاعات: بأن

٥٢٤
تفسير سورة الزمر / الآيات: ١١ - ١٥
الأجر يوفى ﴿بغير حساب﴾، وهذا يحتمل معنيين، أحدهما: أن الصابر يوفى أجره ثم لا يحاسب عن نعيم
ولا يتابع بذنوب، فيقع ﴿الصابرون﴾ في هذه الآية على الجماعة التي ذكرها النبي عليه السلام أنها تدخل
الجنة دون حساب في قوله: ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب هم الذين لا يتطيرون ولا
يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون وجوههم على صورة القمر ليلة البدر)» الحديث على اختلاف
ترتيباته. والمعنى الثاني: أن أجور الصابرين توفى بغير حصر ولا عد، بل جزافاً، وهذه استعارة للكثرة التي
لا تحصى، ومنه قول الشاعر [طويس المغني]: [الكامل]
ما تمنعي يقضى فقد تعطينه
في النوم غير مسرد محسوب
وإلى هذا التأويل ذهب جمهور المفسرين حتى قال قتادة: ليس ثم والله مكيال ولا ميزان، وفي بعض
الحديث أنه لما نزلت: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾ [البقرة: ٢٦١] قال النبي عليه السلام: اللهم زد أمتي
فنزلت بعد ذلك: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فقال:
اللهم زد أمتي حتی أنزلت: ﴿إنما یوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ فقال: رضیت یا رب.
قوله عز وجل :
قُلِ إِنّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهُ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴿ قُلْ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ
رَبِّ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿ قُلِ اللَّهُأَعْبُ مُخْلِصًا لَّهُدِينِ () فَعْبُدُ وامَا شِئْتُم مِّن دُونِّ قُلْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ
١٥
خَسِرُ وَأَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَاَ لْمُسْرَانُ الْمُبِينُ
أمر الله تعالى نبيه فى هذه الآية بأن يصدع للكفار فيما أمر به من عبادة ربه .
وقوله: ﴿وأمرت﴾ لأن معناه: وأمرت بهذا الذي ذكرت لكي أكون أول من أسلم من أهل عصري
وزمني، فهذه نعمة من الله عليه وتنبيه منه.
وقوله: ﴿أخاف إن عصيت﴾ فعل معلق بشرط وهو العصيان، وقد علم أنه عليه السلام معصوم منه،
ولكنه خطاب للأمة يعمهم حكمه ويحفهم وعيده.
وقوله تعالى ﴿قل الله أعبد﴾ تأكيد للمعنى الأول وإعلام بامتثاله كله للأمر، وهذا كله نزل قبل القتال لأنها
موادعات .
وقوله: ﴿فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ صيغة أمر على جهة التهديد كنحو قوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾
[فصلت: ٤٠] وقوله: ﴿تمتع بكفرك﴾ [الزمر: ٨]، وهذا كثير. و﴿الذين﴾ في قوله: ﴿الذين خسروا
أنفسهم﴾ في موضع رفع خبر، لأن قوله: ﴿وأهلیھم﴾ قیل معناه أنهم خسروا الأهل الذي کان یکون لهم لو
كانوا من أهل الجنة، فهذا كما لو قال: خسروا أنفسهم ونعيمهم، أي الذي كان يكون بهم، وقيل أراد
الأنفس والأهلين الذين كانوا في الدنيا، لأنهم صاروا في عذاب النار، ليس لهم نفوس مستقرة ولا بدل من

٥٢٥
تفسير سورة الزمر / الآيات: ١٦ - ١٨
أهل الدنيا، ومن له في الجنة قد صار له إما أهله وإما غيرهم على الاختلاف فيما يؤثر في ذلك فهو على كل
حال لا خسران معه بتة .
قوله عز وجل :
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن ◌َّحْنِهِمْ ◌ُظَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِعِبَادَ هُ يَعِبَادٍ فَأَتَّقُونِ ﴿ وَالَّذِينَ
اجْتَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُ وهَا وَأَنَبُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىِّ فَبَشِّرْ عِبَادِ [٣] الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنَّهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُوْاْأَلْبَبٍ
١٨
هذه صفة حال أهل جهنم. والظلة: ما غشي وغم كالسحابة وسقف البيت ونحوه، فأما ما فوقهم
فكونه ظلة بين، وأما ما تحتهم فقالت فرقة: سمي ظلة لأنه يتلهب ويصعد مما تحتهم شيء كثير ولهب حتى
يكون ظلة، فإن لم يكن فوقهم شيء لكفى فرع الذي تحتهم في أن يكون ظلة، وقالت فرقة: جعل ما
تحتهم ظلة، لأنه فوق آخرين، وهكذا هي حالهم إلا الطبقة الأخيرة التي في القعر ..
وقوله: ﴿عباده﴾ يريد جميع العالم خوفهم اللّه النار وحذرهم منها، فمن هدي وآمن نجا، ومن كفر
حصل فيما خوف منه. واختلفت القراءة في قوله: ((عباد)) وقد تقدم نظيره.
وقوله تعالى: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت) الآية، قال ابن زيد: إن سبب نزولها زيد بن عمرو بن
نفيل وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري، والإشارة إليهم. وقال ابن إسحاق: الإشارة بها إلى
عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد والزبير، وذلك أنه لما أسلم أبو بكر سمعوا ذلك
فجاؤوه، فقالوا أسلمت؟ قال نعم، وذكرهم بالله فآمنوا بأجمعهم فنزلت فيهم هذه الآية، وهي على كل
حال عامة في الناس إلى يوم القيامة يتناولهم حكمها. و﴿الطاغوت﴾: كل ما يعبد من دون الله.
و﴿الطاغوت﴾ أيضاً: الشيطان، وبه فسر هنا مجاهد والسدي وابن زيد، وأوقعه هنا على جماعة
الشياطين، ولذلك أنث الضمير بعد.
وقوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ كلام عام في جميع الأقوال، وإنما القصد
الثناء على هؤلاء ببصائر هي لهم وقوام في نظرهم حتى أنهم إذا سمعوا قولاً ميزوه واتبعوا أحسنه.
واختلف المفسرون في العبارة عن هذا، فقالت فرقة: أحسن القول كتاب الله، أي إذا سمعوا
الأقاويل وسمعوا القرآن اتبعوا القرآن. وقالت فرقة: القول هو القرآن و﴿أحسنه﴾ ما فيه من عفو وصفح
واحتمال على صبر ونحو ذلك. وقال قتادة: أحسن القول طاعة الله، وهذه أمثلة وما قلناه أولاً يعمها.
قوله عز وجل :
الَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَن فِ النَّارِ ®

٥٢٦
تفسير سورة الزمر / الآيات: ١٩ - ٢١
غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِنْ تَحْنِهَا الْأَنْهَرِ وَعْدَ اللَّهِ لَ يُخْلِفُ اللّهُ الْمِيعَادَ (*) أَلَمْ تَرَ أَنَّاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَآءُ فَسَلَكَهُ يَِيعَ فِى الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تُخْتَلِفًا أَلْوَفُ ثُمَّيَهِجُ فَتَرَّةُ مُصْفَ رَّاثُمَّ
يَجْعَلُهُ حُطَّمَا إِنَّ فِ ذَلِكَ لَّذِكْرَى لِأَوْلِى الأَلْبَبِ
أسقط العلامة التي في الفعل المسند إلى الكلمة لوجهين: أحدهما الحائل الذي بين الفعل
والفاعل، ولو كان متصلاً به لم يحسن ذلك، والثاني أن الكلمة غير مؤنث حقيقي، وهذا أخف
وأجوز من قولهم: حضر القاضي يوماً امرأة، لأن التأنيث هنا حقيقي. وقالت فرقة: في هذا
الكلام محذوف أختصره لدلالة الظاهر عليه تقديراً: ﴿أفمن حق عليه كلمة العذاب﴾ تتأسف أنت عليه أو
نحو هذا من التقدير، ثم استأنف توقيف النبي صلى الله عليه وسلم على أنه يريد أن ينقذ من في النار، أي
ليس هذا إليك. وقالت فرقة: الألف في قوله: ﴿أفأنت﴾ إنما هي مؤكدة زادها لطول، وإنما معنى الآية:
((أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟)) لكنه زاد الألف الثانية توكيداً للأمر، وأظهر الضمير العائد
تشهيراً لهؤلاء القوم وإظهاراً لخسة منازلهم، وهذا كقول الشاعر [عدي بن زيد العبادي]: [الخفيف]
لا أری الموت يسبق الموت شيء
فإنما أظهر الضمير تنبيهاً على عظم الموت، وهذا كثير، ثم استفتح إخباراً آخر بـ ﴿لكن﴾ وهذه
معادلة وتخصيص على التقوى لمن فكر وازدجر.
وقوله تعالى: ﴿من تحتها﴾ أي من تحت الغرف، وعادلت ﴿غرف من فوقها غرف﴾ ما تقدم من
الظلل فوقهم وتحتهم. والغرف: ما كان من المساكن مرتفعاً عن الأرض، في الحديث: ((إن أهل الجنة
ليتراءون الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الذي في الأفق)). و: ﴿وعدَ الله﴾ نصب على المصدر،
ونصبه إما بفعل مضمر من لفظه، وإما بما تضمن الكلام قبل من معنى الوعد على الاختلاف الذي النحاة
في ذلك. ثم وقف نبيه صلى الله عليه وسلم على معتبر من مخلوقاته، والخطاب للنبي صلى الله عليه
وسلم، وكل بشر داخل معه في معناه. وقال الطبري وغيره: أشار إلى ماء المطر، وقالوا: العيون منه،
ودليل ذلك أنها تنماع عند وجوده وتيبس عند فقده. وقال الحسن بن مسلم بن يناق، والإشارة إلى العيون
وليست العيون من المطر، ولكن ماؤها نازل من السماء. قال الشعبي: وكل ماء عذب في الأرض فمن
السماء نزل.
قال القاضي أبو محمد: والقولان متقاربان: و: ﴿سلكه﴾ معناه: أجراه وأدخله، ومنه قول الشاعر
[البسيط]
من نسل جوابة الآفاق مهداج
حتی سلکن الشوی منهن في مسك
ومنه قول امرئ القيس: [السريع]

٥٢٧
تفسير سورة الزمر / الآيتان: ٢٣،٢٢
وواحد الينابيع وهو العين بني لها بناء مبالغة من النبع. والزرع هنا واقع على كل ما يزرع. وقالت
فرقة: ﴿ألوانه﴾ أعراضه من الحمرة والصفرة وغير ذلك. وقالت فرقة: ﴿ألوانه﴾ أنواعه من القمح والأرز
والذرة وغير ذلك. و: ﴿يهيج﴾ بيبس، هاج النبات والزرع إذا ييس، ومنه قول علي رضي الله عنه في
الحديث الذي في غريب ابن قتيبة: ذمتي رهينة وأنا به زعيم. أي لا يهيج عن التقوى زرع قوم، ولا بيبس
على التقوى سنخ أصل، والحديث. والحطام: اليابس المتفتت. ومعنى قوله: ﴿لذكرى﴾ أي للبعث من
القبور وإحياء الموتى على ما يوجبه هذا المثال المذكور.
قوله عز وجل :
أَفَمَن شَرَعَ اللّهُ صَدْرَوُ لِلْإِسْلَِ فَهُوَ عَلَى نُورِ مِّن رَّبِهِ، فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَتِكَ
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِىَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ اُلَّذِينَ
٢٢
فِ ضَلَلِمُبِينٍ
يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُ هُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ
وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
٢٣
روي أن هذه الآية: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾ آية نزلت في علي وحمزة، وأبي لهب وابنه
هما اللذان كانا من القاسية قلوبهم، وفي الكلام محذوف يدل الظاهر عليه، تقديره: أفمن شرح الله صدره
كالقاسي القلب المعرض عن أمر الله. وشرح الصدر: استعارة لتحصيله للنظر الجيد والإيمان بالله.
و((النور)) هداية الله تعالى،، وهي أشبه شيء بالضوء. قال ابن مسعود: قلنا يا رسول الله كيف انشراح
الصدر؟ قال: ((إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح))، قالوا وما علامة ذلك؟ قال: ((الإنابة إلى دار الخلود،
والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل الموت)). و((القسوة)): شدة القلب، وهي مأخوذة من قسوة
الحجر، شبه قلب الكافر به في ضلالته وقلة انفعاله للوعظ. وقال مالك بن دينار: ما ضرب العبد بعقوبة
أعظم من قسوة قلب، ويدل قوله: ﴿فويل للقاسية﴾ على المحذوف المقدر.
وقوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث) يريد به القرآن، وروي عن ابن عباس أن سبب هذه الآية
أن قوماً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله حدثنا بأحاديث حسان وأخبرنا بأخبار
الدهر، فنزلت الآية في ذلك.
وقوله: ﴿متشابهاً﴾ معناه: مستوياً لا تناقض فيه ولا تدافع، بل يشبه بعضه بعضاً في وصف اللفظ
ووثاقة البراهين وشرف المعاني، إذ هي اليقين في العقائد في الله تعالى وصفاته وأفعاله وشرعه.
وقوله: ﴿مثاني﴾ معناه: موضع تثنية للقصص والأقضية، والمواعظ شتى فيه ولا تمل مع ذلك ولا
يعرضها ما يعرض الحديث المعاد. قال ابن عباس: ثنى فيه الأمر مراراً. ولا ينصرف ﴿مثاني﴾ لأنه جمع لا
نظير له في الواحد.

٥٢٨
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٢٤ - ٢٨
وقوله تعالى: ﴿تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم﴾ عبارة عن قفّ شعر الإنسان عندما يداخله
خوف ولين قلب عند سماع موعظة أو زجر قرآن ونحوه، وهذه علامة وفزع المعنى المخشع في قلب
السامع، وفي الحديث أن أبي بن كعب قرأ عند النبي صلى الله عليه وسلم فرقت القلوب، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة. وقال العباس بن عبد المطلب: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((من اقشعر جلده من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحاتُّ عن الشجرة اليايسة
ورقها)). وقالت أسماء بنت أبي بكر: كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم تدمع أعينهم وتقشعر
جلودهم عند سماع القرآن، قيل لها: إن أقواماً اليوم إذا سمع أحدهم القرآن خر مغشياً عليه، فقالت: أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم وقال ابن عمر: وقد رئي ساقطاً عند سماع القرآن فقال: إنا لنخشى الله وما نسقط،
هؤلاء يدخل الشيطان في جوف أحدهم. وقال ابن سيرين: بيننا وبين هؤلاء الذين يصرعون عند قراءة
القرآن أن يجعل أحدهم على حائط باسطاً رجليه ثم يقرأ القرآن كله، فإن رمى بنفسه فهو صادق.
وقوله: ﴿ذلك هدى الله﴾ يحتمل أن يشير إلى القرآن، أي ذلك الذي هذه صفته هدى الله، ويحتمل
أن يشير إلى الخشية واقشعرار الجلود، أي ذلك أمارة هدى الله، ومن جعل ﴿تقشعر﴾ في موضع الصفة لم
يقف على ﴿مثاني﴾، ومن جعله مستأنفاً وإخباراً منقطعاً وقف على ﴿مثاني﴾ وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
أَفَمَن ◌َّفِى بِوَجْهِهِ، سُوّءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَقِيلَ لِلَّّلِينَ ذُوقُواْ مَاكُمْ تَكْسِبُونَ (® كَذَّبَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَبِهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿فَأَذَا قَهُمُ اللَّهُ الْخِرْىَ فِى الْحَيَوَةِالدُّنْيَا
وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِأَ كْبٌ لَوْكَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ
يَتَذَّكَّرُونَ (٣) قُرْءَانَّا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عَوَجِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ
٢٨
هذا تقرير بمعنى التعجيب، والمعنى: ﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب﴾ كالمنعمين في الجنة.
واختلف المتأولون في قوله: ﴿يتقي بوجهه﴾ فقال مجاهد: يخر على وجهه في النار. وقالت فرقة:
ذلك لما روي أن الكافر يلقى في النار مكتوفاً مربوطة يداه إلى رجليه مع عنقه ويكب على وجهه، فليس له
شيء يتقي به إلا الوجه. وقالت فرقة: المعنى صفة كثرة ما ينالهم من العذاب، وذلك أنه يتقيه بجميع
جوارجه ولا يزال العذاب يتزيد حتى يتقيه بوجهه الذي هو أشرف جوارجه وفيه حواسه، فإذا بلغ به العذاب
إلى هذه الغاية ظهر أنه لا متجاوز بعدها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى عندي أبين بلاغة، وفي هذا المضمار يجري قول الشاعر:
[الكامل]
ويقيم هامته مقام المغفر
يلقى السيوف بوجهه وبنحره

٥٢٩
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٢٩ - ٣٢
لأنه إنما أراد عظيم جرأته عليها فهو يلقاها بكل محن وبكل شيء منه حتى بوجهه وبنحره.
وقوله تعالى: ﴿ذوقوا﴾ عبارة عن باشروا، وهنا محذوف تقديره: جزاء ﴿ما كنتم تكسبون﴾، ثم مثل
لقريش بالأمم السالفة، ثم أخبر بما نال تلك الأمم من كونها في الدنيا أحاديث ملعنة، ولا خزي أعظم من
هذا مع ما نال نفوسهم من الألم والذل والكرب، ثم أخبر أن ما أعد لهم من عذاب الآخرة أكبر من هذا كله
الذي كان في الدنيا.
وقوله: ﴿قرآناً﴾ قالت فرقة: هو نصب على الحال، وقالت فرقة: هو نصب على المصدر.
و: ﴿عربياً﴾ حال، وقالت فرقة: نصب على التوطئة للحال، والحال قوله: ﴿عربياً﴾ ونفى عنه العوج لأنه
لا اختلاف فیه ولا تناقض ولا مغمز بوجه .
واختلفت عبارة المفسرين، فقال عثمان بن عفان: المعنى غير متضاد، قال ابن عباس: غير مختلف.
وقرأ مجاهد: غير ذي لبس. وقال السدي: غير مخلوق. وقال بكر المزني: غير ذي لحن. والعوج بكسر
العين في الأمر والمعنى وبفتحها في الأشخاص.
قوله عز وجل :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا رَّجُلَّا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُلِلَّهِ
ـا ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيْتُونَ
٢٩
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْجَاءَهُ أَلَيْسَ فِى
تَخْتَصِمُونَ هَّ
٣٢
جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ
لما ذكر عز وجل أنه ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل مجملاً جاء بعد ذلك بمثل في أهم
الأمور وأعظمها خطراً وهو التوحيد، فمثل تعالى الكافر والعابد للأوثان والشياطين لرجال عدة في أخلاقهم
شكاسة ونقص وعدم مسامحة، فهم لذلك يعذبون ذلك العبد بأنهم يتضايقون في أوقاتهم ويضايقون العبد
في كثرة العمل، فهو أبداً ناصب، فكذلك عابد الأوثان الذي يعتقد أن ضره ونفعه عندها هو معذب الفكر
بها وبحراسة حاله منها، ومتى أرضى صنماً منها بالذبح له في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبداً
تعب في ضلال، وكذلك هو المصانع للناس الممتحن بخدمة الملوك، ومثل تعالى المؤمن بالله وحده بعبد
لرجل واحد يكلفه شغله فهو يعمله على تؤدته وقد ساس مولاه، فالمولى يغفر زلته ويشكره على إعادة
عمله .
وقوله: ﴿ضرب﴾ مأخوذ من الضريب الذي هو الشبيه، ومنه قولهم: هذا ضرب هذا، أي شبهه .
و: ﴿مثلاً﴾ مفعول بـ «ضرب﴾، و: ﴿رجلاً﴾ نصب على البدل. قال الكسائي: وإن شئت على إسقاط
الخافض، أي مثلاً لرجل أو في رجل، وفي هذا نظر، و: ﴿متشاكسون﴾ معناه: لا سمح في أخلاقهم بل
فيها لجاج ومتابعة ومحاذقة، ومنه قول الشاعر: [الرجز]

٥٣٠
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٢٩ - ٣٢
خلقت شكساً للأعادي مشكسا أكوي السريين وأحسم النسا
من شاء من حر الجحيم استقبسا
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((سالماً))، على اسم الفاعل بمعنى سلم من الشركة فيه. قال أبو عمرو
معناه: خالصاً، وهذه بالألف قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والجحدري والزهري
والحسن بخلاف عنه. وقرأ الباقون: ((سَلَماً))، بفتح السين واللام، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة
وأبي رجاء وطلحة والحسن بخلاف. وقرأ سعيد بن جبير: ((سِلْماً)، بكسر السين وسكون اللام، وهما
مصدران وصف بهما الرجل بمعنی خالصة وأمر قد سلم له.
ثم وقف الكفار بقوله: ﴿هل يستويان مثلاً﴾ ونصب ﴿مثلاً﴾ على التمييز، وهذا توقيف لا يجيب عنه
أحد إلا بأنهما لا يستويان، فلذلك عاملتهم العبارة الوجيزة على أنهم قد جاوبوا، فقال: ﴿الحمد لله﴾ أي
على ظهور الحجة عليكم من أقوالكم. ثم قال تعالى: ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ فأضرب عن مقدر
محذوف يقتضيه المعنى، تقديره: الحمد لله على ظهور الحجة، وأن الأمر ليس كما يقولون ﴿بل أكثرهم لا
يعلمون﴾. و((أكثر)) في هذه الآية على بابها، لأنا وجدنا الأقل علم أمر التوحيد وتكلم به ورفض الأصنام
كورقة وزيد وقس. ثم ابتدأ القول معهم غرضاً آخر من الوعيد يوم القيامة والخصوم ومن التحذير من حال
الكذبة على الله المكذبين بالصدق، فقدم تعالى لذلك توطئة مضمنها وعظ النفوس وتهيئتها لقبول الكلام
وحذف التوعد، وهذا كما تريد أن تنهى إنساناً عن معاصيه أو تأمره بخير فتفتتح كلامك بأن تقول: كلنا
يفنى ولا بد للجميع من الموت، أو كل من عليها فان، ونحو هذا مما توقن به نفس الذي تحاور، ثم بعد
هذا تورد قولك، فأخبر تعالى أن الجميع ((ميت)). وهذه قراءة الجمهور، وقرأها ((مائت)) و((مايتون)) بألف ابن
الزبير وابن محيصن وابن أبي إسحاق واليماني وعيسى بن عمر وابن أبي عبلة. والضمير في ﴿إنهم﴾
لجميع العالم، دخل رجل على صلة بن أشيم فنعى إليه أخاه، وبين يدي صلة طعام فقال صلة للرجل:
ادن فكل، فإن أخي قد نعي إليَّ منذ زمان، قال الله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ والضمير في
﴿إنكم﴾ قيل هو عام فيختصم يوم القيامة المؤمنون والكافرون فيما كان من ظلم الكافرين لهم في كل
موطن ظلموا فيه، ومن هذا قول علي بن أبي طالب: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي
"رحمن، فيختصم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث مع عتبة وشيبة والوليد، ويختصم أيضاً المؤمنون
بعضهم مع بعض في ظلاماتهم، قاله أبو العالية وغيره. وقال الزبير بن العوام للنبي عليه السلام: أيكتب
علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال نعم، حتى يؤدى إلى ذي كل حق حقه. وقد قال
عبد الله بن عمر لما نزلت هذه الآية: كيف نختصم ونحن أخوان؟ فلما قتل عثمان وضرب بعضنا وجوه
بعض بالسيوف، قلنا هذا الخصام الذي وعدنا ربنا. ويختصم أيضاً على ما روي: الروح مع الجسد، في
أن يذنب كل واحد منهما صاحبه ويجعل المعصية في حيزه، فيحكم الله تعالى بشركتهما في ذلك.
قال القاضي أبو محمد: ومعنى الآية عندي أن الله تعالى توعدهم بأنهم سيخاصمون يوم القيامة في
معنى ردهم في معنى الشريعة وتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم.

٥٣١
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٣٣ - ٣٧
ثو وقفهم توقيفاً معناه نفي الموقف عليه بقوله: ﴿فمن أظلم ممن﴾ أي لا أحد أظلم ممن كذب على
الله، والإشارة بهذا الكذب بقولهم: إن الله صاحبة وولداً وقولهم: إن كذا حرام، وإن كذا حلال افتراء على
اللّه، وكذبوا أيضاً بالصدق، وذلك تكذيبهم أقوال محمد عليه السلام عن الله تعالى ما كان من ذلك معجزاً
أو غير معجز. ثم توعدهم تعالى تواعداً فيه احتقارهم بقوله على وجه التوقيف: ﴿أليس في جهنم مثوى
للكافرين﴾، والمثوى موضع الإقامة .
قوله عز وجل :
ج
لَهُمْ مَّا يَشَآءُ ونَ عِندَ رَبِهِمْ
٣٣
وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُوْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ
٣٤
ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
اُلَّذِى كَانُوايَعْمَلُونَ ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٍ وَيُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ، وَمَن
يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَالَهُ مِنْ هَادٍ ﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَا لَهُ مِن مُضِلٍ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِعَزِيزِ ذِى أَنِقَامٍ
قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ معادل لقوله: ﴿فمن أظلم ممن كذب﴾ [الزمر: ٣٢] ﴿فمن﴾
[الزمر: ٣٢] هنالك للجميع والعموم، فكذلك هاهنا هي للجنس أيضاً، كأنه قال: والفريق الذي جاء
بعضه بالصدق وصدق بعضه، ويستقيم المعنى واللفظ على هذا الترتيب. وفي قراءة ابن مسعود: والذي
جاؤوا بالصدق وصدقوا به. و((الصدق)) هنا: القرآن وأنباؤه والشرع بجملته. وقالت فرقة: ﴿الذي﴾ يراد
به الذين، وحذفت النون لطول الكلام، وهذا غير جيد، وتركيب جاء عليه يرد ذلك، وليس هذا كقول
الفرزدق :
إن عميَّ اللذا قتلا الملوك
ونظير الآية قول الشاعر [أشهب بن رميلة]: [الطويل]
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم همُ القوم كل القوم يا أم خالد
وقال ابن عباس: ﴿والذي جاء بالصدق) هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي صدق به،
وقالت فرقة من المفسرين: ((الذي جاء)) هو جبريل، والذي صدق به هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال
علي بن أبي طالب وأبو العالية والكلبي وجماعة: ((الذي جاء)» هو محمد عليه السلام، والذي صدق هو أبو
بكر. وقال أبو الأسود وجماعة منهم مجاهد: الذي صدق هو علي بن أبي طالب وقال قتادة وابن زيد:
((الذي جاء)» هو محمد عليه السلام، والذي صدق به هم المؤمنون. قال مجاهد هم أهل القرآن. وقالت
فرقة: بالعموم الذي ذكرناه أولاً، وهو أصوب الأقوال.
وقرأ أبو صالح ومحمد بن جحادة وعكرمة بن سليمان: ((وصدَق به)) بتخفيف الدال، بمعنى استحق
به اسم الصدق، فعلى هذه القراءة يكون إسناد الأفعال كلها إلى محمد عليه السلام، وكأن أمته في

٥٣٢
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٣٨ - ٤٠
ضمن القول، وهو الذي يحسن ﴿أولئك هم المنقون﴾ قال ابن عباس: اتقوا الشرك.
واللام في قوله: ﴿ليكفر) يحتمل أن تتعلق بقوله: ﴿المحسنين)، أي الذين أحسنوا لكي يكفر،
وقاله ابن زيد. ويحتمل أن تتعلق بفعل مضمر مقطوع مما قبله، كأنك قلت: يسرهم الله لذلك ليكفر، لأن
التكفير لا يكون إلا بعد التيسير للخير، واستدلوا على أن ﴿عملوا﴾ هو كفر أهل الجاهلية ومعاصي أهل
الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ تقوية لنفس النبي عليه السلام، لأن كفار قريش كانت خوفته
من الأصنام، وقالوا يا محمد أنت تسبها ونخاف أن تصيبك بجنون أو علة، فنزلت الآية في ذلك.
وقرأ حمزة والكسائي: ((عباده)) يريد الأنبياء المختصين به، وأنت أحدهم، فيدخل في ذلك
المطيعون من المؤمنين والمتوكلون على الله، وهذه قراءة أبي جعفر ومجاهد وابن وثاب وطلحة والأعمش.
وقرأ الباقون: ((عبده)) وهو اسم جنس، وهي قراءة الحسن وشيبة وأهل المدينة ويقوي أن الإشارة إلى محمد
عليه السلام قوله: ﴿ويخوفونك﴾.
وقوله: ﴿من دونه﴾ يريد بالذين يعبدون من دونه، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث
خالد بن الوليد إلى كسر العزى، فقال سادنها: يا خالد، إني أخاف عليك منها، فلها قوة لا يقوم لها شيء،
فأخذ خالد الفأس فهشم به وجهها وانصرف. ثم قرر تعالى الهداية والإضلال من عنده بالخلق والاختراع،
وأن ما أراد من ذلك لا راد له. ثم توعدهم بعزته وانتقامه، فكان ذلك، وانتقم منهم يوم بدر وما بعده.
قوله عز وجل :
وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ لَيَقُولُتَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَءَ يْتُمِ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
إِنْ أَرَادَ نِيَ اللَّهُ بِضُرِّهَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِّةٍ أَوْأَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلِّ
حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَ كَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿ قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِنِ عَلَمِلَ
٤٠
فَسَوْفَ تَعْلَمُونٌَ ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيِهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ
هذا ابتداء احتجاج عليهم بحجة أخرى، وجملتها أن وقفوا على الخالق المخترع، فإذا قالوا إنه الله
لم يبق لهم في الأصنام غرض إلا أن يقولوا إنها تنفع وتضر، فلما تقعد من قولهم إن الله هو الخالق، قيل
لهم ﴿أفر أيتم﴾ هؤلاء إذا أراد الله أمراً بهم قدرتم على نقضه؟ وحذف الجواب عن هذا، لأنه من البين أنه
لا يجيب أحد إلا بأنه لا قدرة بالأصنام على شيء من ذلك.
وقرأ: ((إن أرادني)) بياء مفتوحة جمهور القراء والناس. وقرأ الأعمش: ﴿أرادني الله﴾ بحذف الياء في
الوصل، وروى خارجة «إن أراد)» بغير ياء.
وقرأ جمهور القراء والأعرج وأبو جعفر والأعمش وعيسى وابن وثاب: ((كاشفاتُ ضرِّه)) بالإضافة.

--
٥٣٣
تفسير سورة الزمر / الآيتان: ٤٢،٤١
وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم: ((كاشفاتٌ ضرَّه)) بالتنوين والنصب في الراء، وهي قراءة شيبة والحسن
وعيسي بخلاف عنه وعمرو بن عبيد، وهذا هو الوجه فيما لم يقع بعد، وكذلك الخلاف في: ﴿ممسكات
رحمته﴾ .
ثم أمره تعالى بأن يصدع بالاتكال على الله، وأنه حسبه من كل شيء ومن كل ناصر، ثم أمره
بتوعدهم في قوله: ﴿اعملوا على مكانتكم إني عامل﴾ ما رأيتموه متمكناً لكم وعلى حالتكم التي استقر رأيكم
عليها.
وقرأ الجمهور: ((مكانتكم)) بالإفراد. وقرأ ((مكاناتكم)) بالجمع: الحسن وعاصم.
وقوله: ﴿اعملوا﴾ لفظ بمعنى الوعيد. و((العذاب المخزي)): هو عذاب الدنيا يوم بدر وغيره.
و((العذاب المقيم)): هو عذاب الآخرة، أعاذنا الله تعالى منه برحمته .
قوله عز وجل:
إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِنَبَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ أَهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ
عَلَيَّهَاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَِّى لَمْ تَمُتْ فِى
مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ اَلَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَبُرْسِلُ اَلْأُخْرَىِّ إِلَى أَجَلِ تُسَمِّىَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ
٤٢
لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ
هذا إعلام بعلو مكانة محمد عليه السلام واصطفاء ربه له. و ﴿الكتاب﴾ القرآن.
وقوله: ﴿بالحق) يحتمل معنيين، أحدهما: أن يريد مضمناً الحق في أخباره وأحكامه، والآخر: أن
يريد أنه أنزله بالواجب من إنزاله وبالاستحقاق لذلك لما فيه من مصلحة العالم وهداية الناس، وكأن
هذا الذي فعل الله تعالى من إنزال كتاب إلى عبيده هو إقامة حجة عليهم، وبقي تكسبهم بعد إليهم، ﴿فمن
اهتدى فلنفسه﴾ عمل وسعى، ﴿ومن ضل فعليها) جنى، والهدى والضلال إنما لله تعالى فيهما خلق
واختراع، وللعبد تكسب، عليه يقع الثواب أو العقاب. وأخبر نبيه أنه ليس بوكيل عليهم ولا مسيطر،
والوكيل: القائم على الأمر حتى يكمله، ثم نبه تعالى على آية من آياته الكبر تدل الناظر على الوحدانية وأن
ذلك لا شرك فيه لصنم وهي حالة التوفي، وذلك أن الله تعالى ما توفاه على الكمال فهو الذي يموت، وما
توفاه متوفياً غير مكمل فهو الذي يكون في النوم، قال ابن زيد: النوم وفاة، والموت وفاة. وكثرت فرقة في
هذه الآية وهذا المعنى. ففرقت بين النفس والروح، وفرق قوم أيضاً بين نفس التمييز ونفس التخيل، إلى
غير ذلك من الأقوال التي هي غلبة ظن. وحقيقة الأمر في هذا هي مما استأثر اللّه به وغيبه عن عباده في
قوله: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ [الإسراء: ٨٥] ويكفيك أن في هذه الآية ﴿يتوفى الأنفس﴾، وفي
الحديث الصحيح: ((إن الله قبض أرواحنا حين شاء وردها علينا حين شاء)) في حديث بلال في الوادي، فقد
نطقت الشريعة بقبض الروح والنفس في النوم وقد قال الله تعالى: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾
أ

٥٣٤
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٤٣ - ٤٥
[الإسراء: ٨٥] فظاهر أن التفصيل والخوض في هذا كله عناء وإن كان قد تعرض القول في هذا ونحوه
أئمة، ذكره الثعلبي وغيره عن ابن عباس أنه قال: في ابن آدم نفس بها العقل والتمييز، وفيه روح به النفس
والتحرك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه. والأجل المسمى في هذه الآية: هو عمر كل
إنسان.
وقرأ جمهور القراء: (قَضى عليها)) بفتح القاف على بناء الفعل للفاعل. وقرأ حمزة والكسائي
(((قُضي)) بضم القاف على بنائه للمفعول، وهي قراءة ابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى. ثم أحال أهل
الفكرة على النظر في هذا ونحوه فإنه من البين أن هذه القدرة لا يملكها ويصرفها إلا الواحد الصمد، لا رب
غيره .
قوله عز وجل :
أَمِ أَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْلَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (*) قُل لِلَّهِ
الشَّفَعَةُ جَمِيعًاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ وَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ
أُشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَ إِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ: إِذَاهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
﴾ هنا مقطوعة مما قبلها، وهي مقدرة بالألف وبل، وهذا تقرير وثوبيخ، فأمر الله تعالى نبيه أن
يوقفهم على الأمر وعلى أنهم يرضون بهذا مع كون الأصنام بصورة كذا وكذا من عدم الملك والعقل.
والواو في قوله: ﴿أو لو﴾ واو عطف دخلت عليها ألف الاستفهام، ومتى دخلت ألف الاستفهام على واو
العطف أو فائه أحدثت معنى التقرير.
ثم أمره بأن يخبر بأن جميع الشفاعة إنما هو الله تعالى. و: ﴿جميعاً﴾ نصب على الحال، والمعنى
أن الله تعالى يشفع ثم لا يشفع أحد قبل شفاعته إلا بإذنه، فمن حيث شفاعة غيره موقوفة على إذنه بالشفاعة
كلها له ومن عنده.
وقوله تعالى: ﴿وإذا ذكر الله وحده﴾ الآية، قال مجاهد وغيره: نزلت في قراءة النبي عليه السلام
سورة النجم عند الكعبة بمحضر من الكفار، وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنيته، فقال: ﴿أفرأيتم اللات
والعزى ومناة الثالثة الأخرى، إنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهم لترتجى﴾ [النجم: ١٩] فاستبشر الكفار
بذلك وسروا، فلما أذهب الله ما ألقى الشيطان، أنفوا واستكبروا و﴿اشمأزت﴾ نفوسهم، ومعناه تقبضت
كبراً أو أنفة وكراهية ونفوراً، ومنه قول عمرو بن كلثوم: [الوافر]
وولته عشوزنة زبونا
إذا عض الثقاف بها اشمأزت
و: ﴿الذين من دونه﴾ يريد الذين يعبدون من دونه، وجاءت العباوة في هذه الآيات عن الأصنام كما
يجيء عمن يعقل من حيث صارت في حيز من يعقل، ونسب إليها الضر والنفع والألوهية، ونفي ذلك عنها
فعوملت معاملة من يعقل. و: ﴿وحده﴾ منصوب عند سيبويه على المصدر، وعند الفراء على الحال ..

٥٣٥
تفسير سورة الزمر / الآيات : ٤٦ - ٥٢
قوله عز وجل :
قُلِ اَللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ عَلِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ
فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤) وَلَوْأَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الْأَرْضِ حَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَأَ فْتَدَوْبِهِ ، مِن سُوْءِ
الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَالَمْ يَكُونُواْيَحْتَسِبُونَ (٦) وَبَالَمُمْ سَبِّئَاتُ مَاكَسَبُواْ
٤٨
وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ (
أمر الله تعالى نبيه بالدعاء ورد الحكم إلى عدله، ومعنى هذا الأمر تضمن الإجابة، و ﴿اللهم﴾ عند
سيبويه منادى، وكذلك عند الكوفيين، إلا أنه خالفهم في هذه الميم المشددة، فقال سيبويه: هي عوض من
حرف النداء المحذوف إيجازاً، وهي دلالة على أن ثم ما حذف. وقال الكوفيون: بل هو فعل اتصل
بالمكتوبة وهو: أم، ثم حذفت الهمزة تخفيفاً، فكأن معنى ﴿اللهم﴾: بالله أم بفضلك ورحمتك.
و: ﴿فاطر﴾ منادى مضاف، أي (فاطر السماوات﴾. و﴿الغيب﴾: ما غاب عن البشر.
و﴿الشهادة﴾: ما شاهدوه. ثم أخبر تعالى عن سوء حال الكفرة يوم القيامة، وأن ما ينزل بهم لو قدروا على
الافتداء منه بضعف الدنيا بأسرها لفعلوا.
وقوله: ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ أي كانت ظنونهم في الدنيا متفرقة متنوعة حسب
ضلالتهم وتخيلاتهم فيما يعتقدونه، فإذا عاينوا العذاب يوم القيامة وقصرت به حالاتهم ظهر لكل واحد ما
كان يظن. وقال سفيان الثوري: ويل لأهل الرياء من هذه الآية. وقال عكرمة بن عمار جزع ابن المنكدر
عند الموت فقيل له ما هذا؟ فقال أخاف هذه الآية ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾. ﴿وحاق﴾
معناه: نزل وثبت ولزم.
وقوله: ﴿ما كانوا﴾ هو على حذف مضاف تقديره: ﴿وحاق بهم﴾ جزاء ﴿ما كانوا به يستهزئون﴾.
قوله عز وجل :
فَإِذَا مَسَّ اُلْإِنِسَنَ ضُرُّدَ عَانَا ثُمَ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْلَا يَعْلَمُونَ (٦)قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (3)فَأَصَابَهُمْ
ج
سَبِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَاكَسَبُواْ وَمَاهُم بِمُعْجِينَ
أَوَّلَمْ يَعْلَمُوْاْ أَنَّاللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ
٥١
هذه حجة تلزم عباد الأوثان التناقض في أعمالهم، وذلك أنهم يعبدون الأوثان ويعتقدون تعظيمها،
فإذا أزفت آزفة ونالت شدة نبذوها ونسوها ودعوا الخالق المخترع رب السماوات والأرض. و: ﴿الإنسان﴾
۔
1

٥٣٦
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٥٣ - ٥٥
في هذه الآية للجنس. و: ﴿خولناه﴾ معناه: ملكناه. قال الزجاج وغيره: التخويل: العطاء عن غير مجازاة.
والنعمة هنا: عامة في جميع ما يسديه الله إلى العبد، فمن ذلك إزالة الضر المذكور، ومن ذلك الصحة
والأمن والمال، وتقوى الإشارة إليه في الآية بقوله: ﴿إنما أوتيته على علم﴾ وبقوله آخراً ﴿يبسط الرزق لمن
يشاء ويقدر﴾، وبذكر الكسب، وكذلك الضمير في: ﴿أوتيته﴾ وذلك يحتمل وجوهاً، منها: أن يريد
بالنعمة المال كما قدمناه، ومنها أن يعيد الضمير على المذكور، إذ اسم النعمة يعم ما هو مذكر وما هو
مؤنث، ومنها: أن يكون ((ما)) في قوله: ﴿إنما﴾ بمعنى الذي، وعلى الوجهين الأولين كافة.
وقوله: ﴿على علم﴾ في موضع نصب على الحال مع أن تكون ((ما)) كافة، وأما إذا كانت بمعنى
الذي، فـ ﴿على علم﴾ في موضع خبر ((إن)) ودال على الخبر المحذوف، كأنه قال: هو على علم، يحتمل
أن يريد على علم مني بوجه المكاسب والتجارات وغير ذلك، قاله قتادة. ففي هذا التأويل
إعجاب بالنفس وتعاط مفرط ونحو هذا، ويحتمل أن يريد على علم من الله في، وشيء سبق لي،
واستحقاق حزته عند الله لا يضرني معه شيء، ففي هذا التأويل اغترار بالله تعالى وعجز وتمن على الله. ثم
قال تعالى: ﴿بل هو فتنة﴾ أي ليس الأمر كما قال، بل هذه الفعلة به فتنة له وابتلاء. ثم أخبر تعالى عمن
سلف من الكفرة أنهم قالوا هذه المقالة كقارون وغيره، وأنهم ما أغنى عنهم كسبهم واحتجانهم للأموال،
فكذلك لا يغني عن هؤلاء.
ثم ذكر تعالى على جهة التوعد لهؤلاء في نفس المثال أن أولئك أصابهم ﴿سيئات ما كسبوا﴾ وأن
الذين ظلموا بالكفر من هؤلاء المعاصرين لك ﴿سيصيبهم سيئات ما كسبوا﴾ (وأن الذين ظلموا بالكفر ما
أصاب المتقدمين) وهذا خبر من الله تعالى أبرزه الوجود في يوم بدر وغيره. و: ﴿معجزين﴾ معناه مقلتين
وناجين بأنفسهم. ثم قرر على الحقيقة في أمر الكسب وسعة النعم فقال: ﴿أولم يعلموا أن الله﴾ هو الذي
﴿يبسط الرزق﴾ لقوم ويضيقه على قوم بمشيئته وسابق علمه، وليس ذلك لكيش أحد ولا لعجزه. ﴿ويقدر﴾
معناه: يضيق كما قال: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧].
قوله عز وجل :
قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَ فُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُالرَّحِيمُ ﴿ وَأَنِبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُو ◌ْلَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُصَرُونَ
وَأَتَّبِعُوْ اْأَحْسَنَ مَآ أَنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةُ
٥٥
وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
هذه الآية عامة في جميع الناس إلى يوم القيامة في كافر ومؤمن، أي إن توبة الكافر تُمحو ذنوبه،
وتوبة العاصي تمحو ذنبه. واختلف هل يكون في المشيئة أو هو مغفور له ولا بد؟ فقالت فرقة من أهل
السنة: هو مغفور له ولا بد، وهذا مقتضى ظواهر القرآن. وقالت فرقة: التائب في المشيئة، لكن يغلب

٥٣٧
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٥٣ - ٥٥
الرجاء في ناحيته، والعاصي في المشيئة، لكن يغلب الخوف في ناحيته.
واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقال عطاء بن يسار: نزلت في وحشي قاتل حمزة.
وقال قتادة والسدي وابن أبي إسحاق: نزلت في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا وفتنهم قريش فافتتنوا، ثم ندموا وظنوا
أنهم لا توبة لهم فنزلت الآية فيهم، منهم الوليد بن الوليد، وهشام بن العاصي، وهذا قول عمر بن الخطاب
وأنه كتبها بيده إلى هشام بن العاصي الحديث. وقالت فرقة: نزلت في قوم كفار من أهل الجاهلية، قالوا:
وما ينفعنا الإسلام ونحن قد زنينا وقتلنا الناس وأتينا كل كبيرة فنزلت الآية فيهم. وقال علي بن أبي طالب وابن
مسعود وابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. وروى ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ما
أحب أن لي الدنيا بما فيها بهذه الآية، ﴿يا عبادي﴾ و: ﴿أسرفوا﴾ معناه: أفرطوا وتعدوا الطور. والقنط:
أعظم اليأس.
وقرأ نافع وجمهور الناس: ((تقنطوا)) بفتح النون. قال أبو حاتم: يلزمهم أن يقرؤوا: ﴿من بعد ما
قنطوا﴾ [الشورى: ٢٨] بالكسر، ولم يقرأ به أحد. وقرأ الأشهب العقيلي بضم النون. وقرأ أبو عمرو وابن
وثاب بکسرها، وهي لغات.
وقوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾ عموم بمعنى الخصوص، لأن الشرك ليس بداخل في الآية
إجماعاً، وهي أيضاً في المعاصي مقيدة بالمشيئة. و﴿جميعاً﴾ نصب هلى الحال. وروي أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قرأ: ((إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي)). وقرأ ابن مسعود: ((إن الله يغفر الذنوب
جميعاً لمن يشاء)». ﴿وأنيبوا﴾ معناه: ارجعوا وميلوا بنفوسكم، والإنابة: الرجوع بالنفس إلى الشيء.
وقوله: ﴿من قبل أن يأتيكم العذاب﴾ توعد بعذاب الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: ﴿واتبعوا أحسن﴾ معناه: أن القرآن العزيز تضمن عقائد نيرة وأوامر ونواهي منجية
وعدات على الطاعات والبر وحدوداً على المعاصي ووعيداً على بعضها، فالأحسن أن يسلك الإنسان
طريق التفهم والتحصيل، وطريق الطاعة والانتهاء والعفو في الأمور ونحو ذلك، فهو أحسن من أن يسلك
طريق الغفلة والمعصية فيجد أو يقع تحت الوعيد، فهذا المعنى هو المقصود بـ ﴿أحسن﴾، وليس المعنى
أن بعض القرآن أحسن من بعض من حيث هو قرآن، وإنما هو أحسن كله بالإضافة إلى أفعال الإنسان وما
يلقى من عواقبها. قال السدي: الأحسن هو ما أمر الله تعالى به في كتابه. و: ﴿بغتة﴾ معناه: فجأة وعلى
غير موعد. و: ﴿تشعرون﴾ مشتق من الشعار.
قوله عز وجل :
أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَ فَى عَلَى مَا فَرَّطِتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ * أَوْتَقُولَ لَوْ
أَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ * أَوْتَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَأَنَّ لِ كَرَّةً
٥٨
﴿ بَلَى قَدْ جَآءَ تْكَ ءَايَتِ فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَمِ
فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ

٥٣٨
: تفسير سورة الزمر / الآيات: ٥٦ - ٦٠
اُلْكَفِرِينَ!
أَوَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِىِ جَهَنَّمَ
٥٩
٦٠
مَثْوَى لِلْمُتَكَِّين
﴿أن﴾ في هذه الآية مفعول من أجله أي أنيبوا وأسلموا من أجل أن تقول.
وقرأ جمهور الناس: ((يا حسرتى)) والأصل ((يا حسرتي))، ومن العرب من يرد ياء الإضافة: ألفاً فيقول:
يا غلاماً ويا جاراً. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: ((يا حسرتايَ)) بفتح الياء، ورويت عنه بسكون الياء، قال أبو
الفتح: جمع بين العوض والمعوض منه. وروى ابن جماز عن أبي جعفر: ((يا حسرتي)» بكسر التاء وسكون
الياء. قال سيبويه: ومعنى نداء الحسرة والويل، أي هذا وقتك وزمانك فاحضري. و: ﴿فرطت﴾ معناه:
قصرت في اللازم.
وقوله تعالى: ﴿في جنب الله﴾ معناه: في مقاصدي إلى الله وفي جهة طاعته، أي في تضييح شريعته
والإيمان به. والجنب: يعبر به عن هذا ونحوه. ومنه قول الشاعر: [الطويل]
لعمري لقد طالت ملامتها بيا
أفي جنب بكر قطعتني ملامة
ومنه قول الآخر:
الناس جنب والأمير جنب
وقال مجاهد: ﴿في جنب الله﴾ أي في أمر الله. وقول الكافر: ﴿وإن كنت لمن الساخرين﴾ ندامة
على استهزائه بأمر الله تعالى. والسخر: الإستهزاء.
٤
وقوله: ﴿أو تقول﴾ في الموضعين عطف على قوله: ﴿أن تقول﴾ الأول. و: ﴿كرة﴾ مصدر من كر
يكر. وقوله: ﴿فأكون﴾ نصب بأن مضمرة مقدرة، وهو عطف على قول: ﴿كرة﴾ والمراد: لو أن لي كرة
فكونا، فلذلك احتيج إلى: ليكون مع الفعل بتأويل المصدر، ونحوه قول الشاعر أنشده الفراء: [الطويل]
وتسأل عن ركبانها أين يمموا
فما لك منها غير ذکری وحسبة
وقد قرر بعض الناس الكلام: أنه لي أن أكر فأكون، ذكره الطبري، وهذا الكون في هذه الآية داخل
في التمني .
وقوله: ﴿بلى﴾ جواب لنفي مقدر في قوله: هذه النفس كأنها قالت: فعمري في الدنيا لم يتسع
للنظر، أو قالت: فإني لم يتبين لي الأمر في الدنيا ونحو هذا، وحق ﴿بلى﴾ أن تجيء بعد نفي عليه تقرير،
وقرأ جمهور الناس ((جاءتكَ)) بفتح الكاف، وبفتح التاء من قوله: ((فكذبتَ)) و((استكبرتَ وكدَ)» على
مخاطبة الكافر ذي النفس. وقرأ ابن يعمر والجحدري بكسر الكاف والتاء في الثلاثة على خطاب النفس
المذكورة. قال أبو حاتم: روتها أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ الأعمش: ((بلى قد جاءته))
بالهاء.

٥٣٩
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٦١ - ٦٥
ثم خاطب تعالى نبيه بخبر يراه يوم القيامة من حالة الكفار، في ضمن هذا الخبر وعيد بين
لمعاصريه .
وقوله: ﴿ترى﴾ هو من رؤية العين، وكذبهم على الله: هو في أن جعلوا لله البنات والصاحبة،
وشرعوا ما لم يأذن به إلى غير ذلك.
وقوله: ﴿وجوههم مسودة﴾ جملة في موضع الحال، وظاهر الآية: أن لون وجوههم يتغير ويسود
حقيقة، ويحتمل أن يكون في العبارة تجوز، وعبر بالسواد عن أن يراد به وجوههم وغالب همهم وظاهر
كآبتهم. والمثوى: موضع الثواء والإقامة. والمتكبر: رافع نفسه إلى فوق حقه، وقال النبي عليه السلام:
الكبر سفه وغمط الناس أي احتقارهم.
قوله عز وجل :
وَيُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْبِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوْءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ
◌َ لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَايَاتِ اللَّهِ
شَىْءٍ وَهُوَ عَلَكُلِّشَىءٍ وَكِيلٌ
أُوْلَّكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُوْنِّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ (*) وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيَّكَ
٦٥
وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَّكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ
ذكر الله تعالى المتقين ونجاتهم ليعادل بذلك ما تقدم من ذكر الكفرة، وفي ذلك ترغيب في حالة
المتقين، لأن الأشياء تتبین بأضدادها.
وقرأ جمهور القراء: ((بمفازتهم)) وذلك على اسم الجنس، وهو مصدر من الفوز. وقرأ حمزة
والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ((بمفازاتهم)) على الجمع من حيث النجاة أنواع، الأسباب مختلفة وهي
قراءة الحسن والأعرج وأبي عبد الرحمن والأعمش، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: وينجي الله الذين
اتقوا بأسباب أو بدواعي مفازاتهم. قال السدي: ﴿بمفازتهم﴾ بفضائلهم. وقال ابن زيد بأعمالهم.
وقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ كلام مستأنف دال على الوحدانية، وهو عموم معناه الخصوص.
والوكيل: القائم على الأمر، الزعيم بإكماله وتتميمه. والمقاليد: المفاتيح، وقاله ابن عباس، واحدها
مقلاد، مثل مفتاح، وفي كتاب الزهراوي: واحد المقالید: إقلید، وهذه استعارة كما تقول بيدك يا فلان
مفتاح هذا الأمر، إذا كان قديراً على السعي فيه. وقال السدي: المقاليد الخزائن، وهذه عبارة غير جيدة،
ويشبه أن يقول قائل: المقاليد إشارة إلى الخزائن أو دالة عليها فيسوغ هذا القول، كما أن الخزائن أيضاً في
جهة الله إنما تجيء استعارة، بمعنى اتساع قدرته، وأنه يبتدع ويخترع، ويشبه أن يقال فيما قد أوجد من
المخلوقات كالريح والماء وغير ذلك إنها في خزائنه، وهذا كله بتجوز على جهة التقريب والتفهيم
للسامعين، وقد ورد القرآن بذكر الخزائن، ووقعت في الحديث الصحيح في قوله عليه السلام: )) وما فتح

٥٤٠
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٦٦ - ٦٨
الليلة من الخزائن)) والحقيقة في هذا غير بعيدة، لكنه ليس باختزان حاجة ولا قلة قدرة كما هو اختزان
البشر. وقال عثمان رضي الله عنه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ﴿مقاليد السماوات والأرض)
فقال: ((لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر
والباطن، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير)).
وقوله: ﴿أَفغير﴾ منصوب بـ ﴿أعبد﴾، كأنه قال: أفغير الله أعبد فيما تأمروني؟ ويجوز أن يكون
نصبه بـ ﴿تأمروني﴾ على إسقاط أن، تقديره أفغير الله تأمروني أن أعبد.
وقرأت فرقة: ((تأمرونني)) بنونين، وهذا هو الأصل. وقرأ ابن كثير: ((تأمرونِّيَ)) بنون مشددة مكسورة
وياء مفتوحة. وقرأ ابن عامر: ((تأمروني)) بياء ساكنة ونون مكسورة خفيفة، وهذا على حذف النون الواحدة
وهي الموطئة لياء المتكلم، ولا يجوز حذف النون الأولى وهو لحن لأنها علامة رفع الفعل، وفتح نافع الياء
على الحذف فقرأ: ((تأمروني)) وقرأ الباقون بشد النون وبسكون الياء.
وقوله تعالى: ﴿ولقد أوحي إليك﴾ الآية، قالت فرقة: في الآية تقديم وتأخير كأنه قال: ((لقد أُوحي
إليك لئن اشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك))، وقالت فرقة: الآية على وجهها، المعنى: ((ولقد
أوحي إلى كل نبي لئن أشركت ليحبطن عملك)). وحبط: معناه: بطل وسقط، وبهذه الآية بطلت أعمال
المرتد من صلاته وحجه وغير ذلك.
قوله عز وجل :
وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ
٦٦
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ
يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بِسَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿®] وَنُفِخَ فِى
الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن ◌ِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَاهُمْ قِيَامٌ
يَنْظُرُونَ
المكتوبة: نصب بقوله: ﴿فاعبد﴾. وقوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ معناه: وما عظموا الله
حق عظمته ولا وصفوه بصفاته، ولا نفوا عنه ما لا يليق به.
واختلف الناس في المعنى بالضمير في قوله: ﴿قدروا﴾ قال ابن عباس: نزل ذلك في كفار قريش الذين
كانت هذه الآيات كلها محاورة لهم ورداً عليهم. وقالت فرقة: نزلت الآية في قوم من اليهود تكلموا في
صفات الله تعالى وجلاله، فألحدوا وجسموا وأتوا كل تخليط، فنزلت الآية فيهم، وفي الحديث الصحيح :
أنه جاء حبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إليه، فقال له النبي عليه السلام حدثنا، فقال: إن
الله عز وجل إذا كان يوم القيامة جعل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع،
والماء والشجر على أصبع، وجميع الخلائق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله
صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً له، ثم قرأ هذه الآية.