Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١
تفسير سورة صّ / الآيات: ٢١ - ٢٤
هذا ويقولون ظن بمعنى: أيقن، ولسنا نجد في كلام العرب على العلم الذي ليس على الحواس شاهداً
يتضمن أن يقال: رأى زيد كذا وكذا فظنه. وانظر إلى قوله تبارك وتعالى في كتابه: ﴿ورأى المجرمون النار
فظنوا أنهم مواقعوها﴾ [الكهف: ٥٣] وإلى قول دريد بن الصمة: [الطويل]
سراتهم بالفارسي المسرد
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج
وإلى هذه الآية: ﴿وظن داود﴾ فإنك تجد بينها وبين اليقين درجة، ولو فرضنا أهل النار قد دخلوها
وباشروا، لم يقل ((ظن)) ولا استقام ذلك، ولو أخبر جبريل داود بهذه الفتنة لم يعبر عنها بـ ((ظن))، فإنما
تعبر العرب بها عن العلم الذي يقارب اليقين وليس به، لم يخرج بعد إلى الإحساس وقرأ جمهور الناس: ((فَتَنّه))
بفتح التاء وشد النون، أي ابتليناه وامتحناه. وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رجاء والحسن: بخلاف عنه،
((فتّنّه)) بشد التاء والنون على معنى المبالغة. وقرأ أبو عمرو في رواية علي بن نصر: ((فَتَنَاه)) بتخفيف التاء
والنون على أن الفعل للخصمين، أي امتحناه عن أمرنا، وهي قراءة قتادة. وقرأ الضحاك: ((افتتناه)).
وقوله: ﴿وخر﴾ أي ألقى بنفسه نحو الأرض متضامناً متواضعاً، والركوع والسجود: الانخفاض
والترامي نحو الأرض، وخصصتها الشرائع على هيئات معلومة. وقال قوم يقال: ((خر))، لمن ركع وإن كان
لم ينته إلى الأرض. وقال الحسن بن الفضل، المعنى: خر من ركوعه، أي سجد بعد أن كان راكعاً. وقال
أبو سعيد الخدري: رأيتني في النوم وأنا أكتب سورة: ﴿ص﴾ فلما بلغت هذه الآية سجد القلم، ورأيتني في
منام آخر وشجرة تقرأ: ﴿ص) فلما بلغت هذا سجدت، وقالت: اللهم اكتب لي بها أجراً، وحط عني بها
وزراً، وارزقني بها شكراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وسجدت أنت يا أبا سعيد؟ قلت لا، قال: أنت كنت أحق بالسجدة من الشجرة، ثم تلا رسول الله صلى الله
عليه وسلم الآيات حتى بلغ: ﴿وأناب﴾، فسجد، وقال كما قالت الشجرة. ﴿وأناب﴾ معناه: رجع وتاب،
ويروى عن مجاهد أن داود عليه السلام بقي في ركعته تلك لاصقاً بالأرض يبكي ويدعو أربعين صباحاً
حتى نبت العشب من دمعه، وروي غير هذا مما لا تثبت صحته. وروي أنه لما غفر الله له أمر المرأة، قال:
يا رب فكيف لي بدم زوجها إذا جاء يطلبني يوم القيامة، فأوحى الله إليه أني سأستوهبه ذلك يا داود، وأجعله
أن يهبه راضياً بذلك، فحينئذ سر داود عليه السلام واستقرت نفسه، وروي عن عطاء الخراساني ومجاهد
أن داود عليه السلام نقش خطيئته في كفه فكان يراها دائماً ويعرضها على الناس في كل حين من خطبه
وكلامه وإشاراته وتصرفه تواضعاً لله عز وجل وإقراراً، وكان يسيح في الأرض ويصيح: إلهي إذا ذكرت
خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتد إلي روحي، سبحانك، إلهي أتيت أطباء
الدين يداووا علتي، فكلهم عليك دلني. وكان يدخل في صدر خطبته الاستغفار للخاطئين، وما رفع رأسه
إلى السماء بعد خطيئته حياء صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء المرسلين.
قوله عز وجل:
فَغَضَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّلَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ ﴿٥َّايَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُم
أ
أ
٥٠٢
"تفسير سورة صّ / الآيات: ٢٥ - ٢٩
بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الهِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ
شَدِيدٌ بِمَا نَسُوْاْ يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ
ج
لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ ﴿ أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ
اُلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [®َ كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَةٌ لِيَدَّبَّرُوْءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْنَبِ
٢٩
((غفرنا)): معناه سترنا، وذلك إشارة إلى الذنب المتقدم. و: ((الزلفى)): القربة والمكانة الرفيعة.
و((المآب)): المرجع في الآخرة، ومن آب يؤوب إذا رجع، وبعد هذا حذف يدل عليه ظاهر الكلام،
تقديره: وقلنا له ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾، واستدل بعض الناس من هذه الآية على احتياج
الأرض إلى خليفة من الله تعالى.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وليس هذا بلازم من الآية، بل لزومه من الشرع والإجماع، ولا
يقال خليفة الله إلا لرسوله، وأما الخلفاء: فكل واحد منهم خليفة الذي قبله، وما يجيء في الشعر من
تسمية أحدهم خليفة الله، فذلك تجوز وغلو كما قال ابن قيس الرقيات: [المنسرح]
جفت بذاك الأقلام والكتب
خليفة الله في بريته
ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم حرروا هذا المعنى فقالوا لأبي بكر الصديق خليفة رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وبهذا كان يدعى مدته، فلما ولي عمر قالوا: يا خليفة خليفة رسول الله، فطال
الأمر، ورأوا أنه في المستقبل سيطول أكثر، فدعوه أمير المؤمنين، وقصر هذا الاسم على الخلفاء.
وقوله عز وجل: ﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد﴾. إلى قوله: ﴿وليتذكر أولو
الألباب﴾ اعتراض بين الكلامين من أمر داود وسليمان، هو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وعظة
لأمته، ووعید للكفرة به .
وقرأ أبو حيوة: ((يُضلون)) بضم الياء، و﴿نسوا﴾ في هذه الآية معناه؛ تركوا وأخبر تعالى أن الذين
كفروا يظنون أن خلق السماء وما بينهما إنما هو باطل لا معنى له، وأن الأمر ليس يؤول إلى ثواب ولا إلى
عقاب .
وأخبر تعالى عن كذب ظنهم وتوعدهم بالنار، ثم وقف تعالى على الفرق عنده بين المؤمنين العاملين
بالصالحات، وبين المفسدين بالكفرة، وبين المتقين والفجار، وفي هذا التوقيف حض على الإيمان
وترغيب فيه، ووعيد للكفرة. ثم أحال في طلب الإيمان والتقوى على كتابه العزيز بقوله: ﴿كتاب أنزلناه﴾
المعنى: هذا كتاب لمن أراد التمسك بالإيمان والقربة إلينا، وفي هذه الآيات اقتضاب وإيجاز بديع حسب
إعجاز القرآن العزيز ووصفه بالبركة لأن أجمعها فيه، لأنه يورث الجنة وينقذ من النار، ويحفظ المرء في
حال الحياة الدنيا ويكون سبب رفعة شأنه في الحياة الآخرة.
-
٥٠٣
تفسير سورة ص / الآيات: ٣٠ - ٣٥
وقرأ جمهور الناس: ((ليدّبّروا)) بشد الدال والباء، والضمير للعالم. وقرأ حفص عن عاصم:
((لتدبروا)) على المخاطبة. وقرأ أبو بكر عنه: ((لتدَبروا)) بتخفيف الدال، أصله: تتدبروا، وظاهر هذه الآية
يعطي أن التدبر من أسباب إنزال القرآن، فالترتيل إذاً أفضل من الهذ، إذ التدبر لا يكون إلا مع الترتيل،
وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَابٌ ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِ الصَِّفِنَاتُ الْحِيَادُ فَقَالَ
رُدُّوهَا عَلَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ
إِّ أَحْيَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِرَبِحَتَّىتَوَارَتْ بِالِحِجَابِ
وَالْأَعْنَاقِ
أَ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًا ثُمَ أَنَبَ ﴿٨) قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ
٣٣
مُلْكِّلًا يَتْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىِّ إِنَّكَ أَنْتَالْوَهَّابُ
الهبة والعطية بمعنى واحد، فوهب الله سليمان لداود ولداً، وأثنى تعالى عليه بأوصاف من المدح
تضمنها قوله: ﴿نعم العبد﴾. و﴿أواب﴾، معناه: رجاع، ولفظة: ﴿أواب) هو العامل في ﴿إِذ﴾، لأن
أمر الخيل مقتض أوبة عظيمة .
واختلف الناس في قصص هذه الخيل المعروضة، فقال الجمهور: إن سليمان عليه السلام عرضت
عليه آلاف من الخيل تركها أبوه له، وقيل: ألف واحد فأجريت بين يديه عشاء، فتشاغل بحسنها وجريها
ومحبتها حتى فاته وقت صلاة العشاء. قال قتادة: صلاة العصر ونحوه عن علي بن أبي طالب، فأسف
لذلك، وقال: ردوا علي الخيل. قال الحسن: فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف عقراً لما كانت سبب
فوت الصلاة، فأبدله الله أسرع منها: الريح. وقال قوم منهم الثعلبي : كانت بالناس مجاعة ولحوم الخيل
لهم حلال، فإنما عقرها لتؤكل على وجه القربة لها ونحو الهدي عندنا، ونحو هذا ما فعله أبو طلحة
الأنصاري بحائطه إذ تصدق به لما دخل عليه الدبسي في الصلاة فشغله.
و((الصافن)): الفرس الذي يرفع إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه، وقد يفعل ذلك برجله، وهي
علامة الفراهية، وأنشد الزجاج: [الكامل]
--
ألف الصفون فلا يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا
وقال أبو عبيدة: ((الصافن الذي يجمع يديه ويسويها، وأما الذي يقف على طرف السنبك فهو
المخيم. وفي مصحف ابن مسعود: ((الصوافن الجياد)). و ﴿الجياد﴾ جمع جود، كثوب وثياب، وسمي
به لأنه يجود بجريه. وقال بعض الناس: ﴿الخير﴾ هنا أراد به الخيل. والعرب تسمي الخيل الخير،
وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد الخيل: أنت زيد الخير. و﴿حبُّ﴾ منصوب على
المفعول به عند فرقة، كأن ﴿أحببت﴾ بمعنى آثرت. وقالت فرقة: المفعول بـ ﴿أحببت﴾ محذوف، و ﴿حبَّ﴾
٥٠٤
تفسير سورة ص / الآيات: ٣٠ - ٣٥
نصب على المصدر، أي أحببت هذه الخيل حب الخير، وتكون ﴿الخير﴾ على هذا التأويل غير الخيل،
وفي مصحف ابن مسعود: ((حب الحيل))، باللام. وقالت فرقة: ﴿أحببت﴾ معناه: سقطت إلى الأرض
لذنبي، مأخوذ من أحب البعير إذا أعيا وسقط هزالاً. و﴿حب﴾ على هذا مفعول من أجله. والضمير في
﴿توارت﴾ للشمس، وإن كان لم يجر لها ذكر صريح، لأن المعنى يقتضيها، وأيضاً فذكر العشي يقتضي
لها ذكراً ويتضمنها، لأن العشي إنما هو مقدر متوهم بها. وقال بعض المفسرين في هذه الآية: ﴿حتى
توارت بالحجاب﴾ يريد الخيل، أي دخلت اصطبلاتها. وقال ابن عيسى والزهري: إن مسحه بالسوق
والأعناق لم يكن بالسيف، بل بيده تكريماً لها ومحبة، ورجحه الطبري. وقال بعضهم: بل غسلاً بالماء،
وقد يقال للغسل مسح، لأن الغسل بالأيدي يقترن به، وهذه الأقوال عندي إنما تترتب على نحو من
التفسير في هذه الآية. وروي عن بعض الناس، وذلك أنه رأى أن هذه القصة لم يكن فيها فوت صلاة ولا
تضمن أمر الخيل أوبة ولا رجوعاً، فالعامل في: ﴿إِذ عرض﴾ فعل مضمر تقديره: اذكر إذ عرض، وقالوا
عرض على سليمان الخيل وهو في الصلاة، فأشار إليهم، أي في الصلاة، فأزالوها عنه حتى أدخلوها في
الاصطبلات، فقال هو لما فرغ من صلاته: ﴿إني أحبيت حب الخير﴾ أي الذي عند الله في الآخرة بسبب
ذكر ربي، كأنه يقول: فشغلني ذلك عن رؤية الخيل حتى أدخلت اصطبلاتها ﴿ردوها علي﴾ فطفق يمسح
أعناقها وسوقها محبة لها، وذكر الثعلبي أن هذا المسح إنما كان وسماً في السوق والأعناق بوسم حبس في
سبيل الله. وجمهور الناس على أنها كانت خيلاً موروثة. قال بعضهم: قتلها حتى لم يبق منها أكثر من مائة
فرس، فمن نسل تلك المائة كل ما يوجد اليوم من الخيل، وهذا بعيد. وقالت فرقة: كانت خيلاً أخرجتها
الشياطين له من البحر وكانت ذوات أجنحة. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنها كانت عشرين
فرساً. و﴿طفق﴾ معناه: دام يقتل، كما تقول: جعل يفعل.
وقرأ جمهور الناس: ((بالسوْق)» بسكون الواو وهو جمع ساق. وقرأ ابن كثير وحده: ((السوق)» بالهمز.
قال أبو علي: وهي ضعيفة، لكن وجهها في القياس أن الضمة لما كانت تلي الواو قدر أنها عليها فهمزت
كما يفعلون بالواو المضمومة، وهذا نظير إمالتهم ألف ((مقلات)) من حيث وليت الكسرة القاف، قدروا أن
القاف هي المكسورة، ووجه همزة السوق من السماع أن إباحية النميري كان يهمز كل واو ساكنة قبلها
ضمة، وکان ینشد :
لحب الموقدين إليَّ موسى
وقرأ ابن محيصن: ((بالسؤوق» بهمزة بعدها الواو.
وقوله تعالى: ﴿عن ذكر ربي﴾ فإن ﴿عن﴾ على كل تأويل هنا للمجاورة من شيء إلى شيء، وتدبره
فإنه مطرد.
ثم أخبر الله تعالى عن فتنته لسليمان وامتحانه إياه لزوال ملكه، وروي في ذلك أن سليمان عليه
السلام قالت له حظية من حظاياه إن أخي له خصومة، فأرغب أن تقضي له بكذا وكذا بشيء غير الحق،
فقال سليمان عليه السلام: أفعل، فعاقبه الله تعالى بأن سلط على خاتمه جنياً، وذلك أن سليمان عليه السلام
٠٠ .
:
٥٠٥
تفسیر سورة ص / الآيات: ٣٠ - ٣٥
كان لا يدخل الخلاء بخاتم الملك، توفيراً لاسم الله تعالى، فكان يضعه عند امرأة من نسائه، ففعل ذلك
يوماً، فألقى الله شبهه على جني اسمه صخر فيما روي عن ابن عباس. وقيل غير هذا مما اختصرناه لعدم
الصحة، فجاء إلى المرأة فدفعت إليه الخاتم فاستولى على ملك سليمان، وبقي فيه أربعين يوماً، وطرح
خاتم سليمان في البحر، وجعل يعبث في بني إسرائيل، وشبه سليمان عليه حتى أنكروا أفعاله، ومكنه الله
تعالی من جمیع الملك. قال مجاهد: إلا من نساء سلیمان فإنه لم یکشفهن، وکان سلیمان خلال ذلك قد
خرج فاراً على وجهه منكراً، لا ينتسب لقوم إلا ضربوه، وأدركه جوع وفاقة فمر يوماً بامرأة تغسل حوتاً
فسألها منه لجوعه، وقيل بل اشتراه فأعطته حوتين، فجعل يفتح أجوافها، وإذا خاتمه في جوف أحدهما،
فعاد إليه ملكه، وتسخرت له الجن والريح من ذلك اليوم بدعوته، وفر صخر الجني، فأمر سليمان به فسيق
وأطبق عليه في حجارة، وسجنه في البحر إلى يوم القيامة، فهذه هي الفتنة التي فتن سليمان عليه السلام
وامتحن بها .
واختلف الناس في الجسد الذي ألقي على كرسيه، فقال الجمهور: هو الجني المذكور، سماه
﴿جسدآ﴾ لأنه كان قد تمثل في جسد سلیمان ولیس به .
قال القاضي أبو محمد: وهذا أصح الأقوال وأبينها معنى .
وقالت فرقة: بل ألقي على كرسيه جسد ابن له ميت. وقالت فرقة: بل شق الولد الذي ولد له حين
أقسم ليطوفن على نسائه ولم يستثن في قسمه. وقال قوم: مرض سليمان مرضاً كالإغماء حتى صار على
كرسيه كأنه بلا روح، وهذا كله غير متصل بمعنى هذه الآية و﴿أناب﴾ معناه ارعوى وانثنى وأجاب إلى
طاعة ربه، ومعنى هذا من تلك الحوبة التي وقعت الفتنة بسببها، ثم إن سليمان عليه السلام استغفر ربه
واستوهبه ملكاً .
واختلف المتأولون في معنى قوله: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ فقال جمهور الناس: أراد أن يفرده
بين البشر لتكون خاصة له وكرامة، وهذا هو الظاهر من قول النبي صلى الله عليه وسلم في خبر العفريت
الذي عرض له في صلاته فأخذه وأراد أن يوثقه بسرية من سواري المسجد، قال: ((ثم ذكرت قول أخي
سليمان: ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ فأرسلته)). وقال قتادة وعطاء بن أبي
رباح: إنما أراد سليمان: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ مدة حياتي، أي لا أسلبه ويصير إلى أحد كما صار
إلى الجني. وروي في مثالب الحجاج بن يوسف أنه لما قرأ هذه الآية قال: لقد كان حسوداً، وهذا من
فسق الحجاج. وسليمان عليه السلام مقطوع بأنه إنما قصد بذلك قصداً براً جائزاً، لأن للإنسان أن يرغب
من فضل الله فيما لا يناله أحد، لا سيما بحسب المكانة والنبوءة، وانظر أن قوله عليه السلام: ﴿ينبغي﴾
إنما هي لفظة محتملة ليست بقطع في أنه لا يعطي الله نحو ذلك الملك لأحد، ومحمد صلى الله عليه
وسلم لو ربط الجني لم يكن ذلك نقصاً لما أوتيه سليمان، لكن لما كان فيه بعض الشبه تركه جرياً منه عليه
السلام على اختياره أبداً أيسر الأمرين وأقربهما إلى التواضع.
٥٠٦
تفسير سورة ض / الآيات: ٣٦ - ٤٤
قوله عز وجل :
فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِيحَ تَجْرِىِأَمْرِهِ، رُخَاءَ حَيْثُ أَصَابَ (٦) وَالشَّيَطِينَ كُلُّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ (*) وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ
فِ اُلْأَصْفَادِ ﴿ هَذَا عَطَآ ؤُنَا فَامْنُنْ أَوْأَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٦) وَإِنَّلَهُ عِندَ نَا ◌ُلْفَى وَهُمْنَ مَثَابٍ
٤٠
قرأ الحسن وأبو رجاء: ((الرياح))، والجمهور على الإفراد.
وسخر الله تعالى الريح لسليمان وكان له كرسي عظيم يقال يحمل أربعة آلاف فارس، ويقال أكثر،
وفيه الشياطين وتظله الطير، وتأتي عليه الريح الإعصار فتقله من الأرض حتى يحصل في الهواء ثم يتولاه
الرخاء، وهي اللينة القوية المتشابهة لا تأتي فيها دفع مفرطة فتحمله غدوها شهر ورواحها شهر، و﴿حيث
أصاب﴾ حيث أراد، قاله وهب وغيره، وأنشد الثعلبي: [المتقارب]
أصاب الكلام فلم يستطع
فأخطى الجواب لدى المفصل
ويشبه أن ﴿أصاب﴾ معدى: صاب يصوب، أي حيث وجه جنوده وجعلهم يصوبون صوب السحاب
والمطر. قال الزجاج معناه: قصد، وكذلك قولك للمتكلم أصبت: معناه قصدت الحق وقوله: ﴿كل بناء﴾
بدل من ﴿الشياطين﴾، والمعنى: كل من بنى مصانعه للحروب. و﴿مقرنين﴾ معناه: موثقين قد قرن
بعضهم ببعض. و﴿الأصفاد﴾ القيود والأغلال.
واختلف الناس في المشار إليه بقوله: ﴿هذا عطاؤنا﴾ فقال قتادة: أشار إلى ما فعله بالجن ﴿فامتن﴾
على من شئت منهم وأطلقه من وثاقه وسرحه من خدمته ﴿أو أمسك﴾ أمره كما تريد وقال ابن عباس: أشار
إلى ما وهبه من النساء وأقدره عليه من جماعهن. وقال الحسن بن أبي الحسن: أشار إلى جميع ما أعطاه
من الملك وأمره بأن يمن على من يشاء ويمسك عمن يشاء، فكأنه وقفه على قدر النعمة ثم أباح له التصرف فيه
بمشيئته، وهو تعالى قد علم منه أن مشيئته عليه السلام إنما تتصرف بحكم طاعة الله، وهذا أصح الأقوال
(وأجمعها لتفسير الآية)، وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ إِذْنَادَى رَبَّهُ أَنِى مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٦ أرْكُضْ بِرِحْلِكَ هَذَا مُعْتَسَلٌ بَارِدٌ
وَشَرَابٌ ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ: أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ [٣] وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْفًا
فَأَضْرِبِّهِ، وَلَا تَّحْنَثُ إِنَّ وَجَدْنَهُ صَابِرًا يَعْمَ الْعَبْدُّإِنَّهُ أَوَابٌ
٤٤
﴿أيوب﴾ هو نبي من بني إسرائيل من ذرية يعقوب عليه السلام، وهو نبي ابتلي في جسده وماله
وأهله، وسلم دينه ومعتقده، وروي في ذلك أن الله سلط الشيطان عليه ليفتنه عن دينه، فأصابه في ماله،
وقال له: إن أطعتني رجع مالك، فلم يطعه، فأصابه في أهله وولده، فهلكوا من عند آخرهم، وقال له: لو
٠
٥٠٧
تفسير سورة ص / الآيات: ٣٦ - ٤٤
أطعتني رجعوا، فلم يطعه، فأصابه في جسده، فثبت أيوب على أمر الله سبع سنين وسبعة أشهر، قاله
قتادة. وروى أنس عن النبي عليه السلام أن أيوب بقي في محنته ثماني عشر سنة يتساقط لحمه حتى مله
العالم، ولم يصبر عليه إلا امرأته. وروي أن السبب الذي امتحن الله أيوب من أجله هو: أنه دخل على
بعض الملوك فرأى منكراً فلم يغيره. وروي أن السبب: كان أنه ذبح شاة وطبخها وأكلت عنده، وجار له
جائع لم يعطه منها شيئاً. وروي أن أيوب لما تناهى بلاؤه وصبره، مر به رجلان ممن كان بينه وبينهما معرفة
فتقرعاه، وقالا له: لقد أذنبت ذنباً ما أذنب أحد مثله، وفهم منهما شماتاً به، فعند ذلك دعا ونادى ربه.
وقوله عليه السلام: ﴿مسني الشيطان) يحتمل أن يشير إلى مسه حين سلطه الله عليه حسبما ذكرنا،
ويحتمل أن يريد: مسه إياه حين حمله في أول الأمر على أن يواقع الذنب الذي من أجله كانت المحنة، إما
ترك التغيير عند الملك، وإما ترك مواساة الجار. وقيل أشار إلى مسه إياه في تعرضه لأهله وطلبه منه أن
يشرك بالله، فكان أيوب يتشكى هذا الفعل، وكان أشد عليه من مرضه.
وقرأ الجمهور: ((أني)) بفتح الهمزة. وقرأ عيسى بن عمر: ((إني)) بكسرها.
وقوله: ﴿أني﴾ في موضع نصب بإسقاط حرف الجر.
وقرأ جمهور الناس: ((بنُصْب)) بضم النون وسكون الصاد. وقرأ هبيرة عن حفص عن عاصم:
((بنَصَب)) بفتح النون والصاد، وهي قراءة الجحدري ويعقوب، ورويت عن الحسن وأبي جعفر. وقرأ أبو
عمارة عن حفص عن عاصم: ((بنُصُب)) بضم النون والصاد، وهي قراءة أبي جعفر بن القعقاع والحسن
بخلاف عنه، وروی أيضاً هبيرة عن حفص عن عاصم بفتح النون وسكون الصاد، وذلك کله بمعنی واحد،
معناه المشقة، وكثيراً ما يستعمل النصب فى مشقة الإعياء، وفرق بعض الناس بين هذه الألفاظ، والصواب
أنها لغات بمعنى، من قولهم أنصبني الأمر ونصبني إذا شق علي، فمن ذلك قول الشاعر [الطويل]
تبغاك نصب من أميمة منصب
ومثله قول النابغة : [الطويل]
کلینی لھمّ يا أميمة ناصب
قال القاضي أبو محمد: وقد قيل في هذا البيت إن ناصباً بمعنى منصب، وأنه على النسب، أي ذا
نصب، وهنا في الآية محذوف كثير، تقديره: فاستجاب له.
وقال ﴿اركض برجلك﴾ والركض: الضرب بالرجل، والمعنى: اركض الأرض. وروي عن قتادة أن
هذا الأمر كان في الجابية من أرض الشام. وروي أن أيوب أمر بركض الأرض فركض فيها، فنبعت له عين
ماء صافية باردة فشرب منها، فذهب كل مرض في داخل جسده، ثم اغتسل فذهب ما كان في ظاهر بدنه .
وروي أنه ركض مرتين ونبع له عينان: شرب من إحداهما، واغتسل في الأخرى وقرأ نافع وشيبة وعاصم
والأعمش: ((بعذاب اركض)»، بضم نون التنوين. وقرأ عامة قراء البصرة: ((بعذاب اركض))، بنون مكسورة
و: ﴿مغتسل﴾ معناه: موضع غسل، وماء غسل، كما تقول: هذا الأمر معتبر، وهذا الماء مغتسل مثله.
٥٠٨
تفسير سورة ص / الآيات: ٤٥ - ٥٤
وروي أن الله تعالى وهب له أهله وماله في الدنيا، ورد من مات منهم، وما هلك من ماشيته وحاله ثم بارك
في جميع ذلك، وولد له الأولاد حتى تضاعف الحال. وروي أن هذا كله وعد في الآخرة، أي يفعل الله له
ذلك في الآخرة، والأول أكثر في قول المفسرين. و﴿رحمة﴾ نصب على المصدر.
وقوله: ﴿وذكرى﴾ معناه: موعظة وتذكرة يعتبر بها أهل العقول ويتأسون بصبره في الشدائد ولا
ييأسون من رحمة الله على حال. وروي أن أيوب عليه السلام كانت زوجته مدة مرضه تختلف إليه، فيلقاها
الشيطان في صورة طبيب، ومرة في هيئة ناصح وعلى غير ذلك، فيقول لها: لو سجد هذا
المريض للصنم الفلاني لبرىء، لو ذبح عناقاً للصنم الفلاني لبرىء ويعرض عليها وجوهاً من
الكفر، فكانت هي ربما عرضت ذلك على أيوب، فيقول لها: ألقيت عدو الله في طريقك؟ فلما أغضبته
بهذا ونحوه، حلف لها لئن برىء من مرضه ليضرينها مائة سوط، فلما برىء أمره الله أن يأخذ ضغثاً فيه مائة
قضيب. و((الضغث)) القبضة الكبيرة من القضبان ونحوها من الشجر الرطب، قاله الضحاك وأهل اللغة
فيضرب به ضربة واحدة فتبر يمينه، ومنه قولهم: ضغث على إبالة. والإبالة: الحزم من الحطب.
و((الضغث)): القبضة عليها من الحطب أيضاً، ومنه قول الشاعر [عوف بن الخرع]: [الطويل]
وأسفل مني نهدة قد ربطتها وألقيت ضغثاً من خلى متطبب
ويروى متطيب. هذا حكم قد ورد في شرعنا عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في حد زنا لرجل
زمن، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذق نخلة فيها شماريخ مائة أو نحوها، فضرب به ضربة، ذكر
الحديث أبو داود، وقال بهذا بعض فقهاء الأمة، وليس يرى ذلك مالك بن أنس وجميع أصحابه، وكذلك
جمهور العلماء على ترك القول به، وأن الحدود والبر في الأيمان لا يقع إلا بإتمام عدد الضربات.
قوله عز وجل :
إِنَّا أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍذِكْرَى
وَأَذْكُرْ عِبَدَنَا إِبَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ وَ﴾
وَأَذَكُرْ إِسْمَعِيلٌ وَالْيَسَعَ وَذَالْكِفْلِ وَكُلُّ مِّنَ
٤٧
الدَّارِ ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ اُلْأَخْيَارِ
مُتَّكِينَ
جَنَّتِ عَدْنٍ مُّفَنَّحَةٌ لَهُالْأَبْوَبُ
٤٩
هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ {
الْأَخْيَارِ يّ
فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَكِهَةٍ كَثِرَةِوَشَرَابٍ
هَذَا مَا تُوعَدُونَ
وَعِندَهُمْ قَضِرَتُ الطَّرْفِ أَثْرَابٌ
٥١
لِيَّوْمِ الْحِسَابِ ﴿ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ
٥٤
قرأ ابن كثير: ((واذكر عبدنا)) على الإفراد، وهي قراءة ابن عباس وأهل مكة. وقرأ الباقون: ((واذكر
عبادنا)) على الجمع، فأما على هذه القراءة فدخل الثلاثة في الذكر وفي العبودية، وأما على قراءة من قرأ
((عبدنا)»، فقال مكي وغيره: دخلوا في الذكر ولم يدخلوا في العبودية إلا من غير هذه الآية وفي هذا نظر.
وتأول قوم من المتأولين من هذه الآية أن الذبيح ﴿إسحاق﴾ من حيث ذكره الله بعقب ذكر أيوب أنبياء
:
٥٠٩
تفسير سورة صّ / الآيات: ٤٥ - ٥٤
امتحنهم بمحن كما امتحن أيوب، ولم يذكر إسماعيل لأنه ممن لم يمتحن، وهذا ضعيف كله وقرأ
الجمهور: «أولي الأيدي)).
وقرأ الحسن والثقفي والأعمش وابن مسعود: ((أولي الأيد))، بحذف الياء، فأما أولو فهو جمع ذو،
وأما القراءة الأولى فـ ((الأيدي)) فيها عبارة عن القوة في طاعة الله، قاله ابن عباس ومجاهد، وقالت فرقة بل
هي عبارة عن القوة في طاعة الله، قاله ابن عباس ومجاهد، وقالت فرقة بل هي عبارة عن إحسانهم في
الدين وتقديمهم عند الله تعالى أعمال صدق، فهي كالأيادي. وقالت فرقة: بل معناه: أولي الأيد والنعم
التي أسداها الله إليهم من النبوءة والمكانة. وقال قوم المعنى: أيدي الجوارح، والمراد الأيدي المتصرفة في
الخير والأبصار الثاقبة فيه، لا كالتي هي منهملة في جل الناس، وأما من قرأ ((الأيد)) دون ياء فيحتمل أن
يكون معناها معنى القراءة بالياء وحذفت تخفيفاً، ومن حيث كانت الألف واللام تعاقب التنوين وجب أن
تحذف معها كما تحذف مع التنوين. وقالت فرقة: معنى ((الأيدي))، القوة، والمراد طاعة الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿والأبصار﴾ عبارة عن البصائر، أي يبصرون الحقائق وينظرون بنور الله تعالى، وبنحو
هذا فسر الجميع.
وقرأ نافع وحده: ((إنا أخلصناهم بخالصةِ ذكرى الدار)) على إضافة ((خالصةٍ)) إلى ﴿ذكرى﴾، وهي
قراءة أبي جعفر والأعرج وشيبة. وقرأ الباقون والناس: ((بخالصةٍ ذكر الدار)) على تنوين ((خالصة))، وقرأ
الأعمش: ((بخالصتهم ذكر الدار))، وهي قراءة طلحة .
وقوله: ﴿بخالصة﴾ يحتمل أن يكون خالصة اسم فاعل كأنه عبر بها عن مزية أو رتبة، فأما من أضافها
إلى ((ذكرى))، فـ ﴿ذكرى﴾ مخفوض بالإضافة، ومن نون ((خالصةٍ))، فـ ﴿ذكرى﴾ بدل من ((خالصة))،
ويحتمل قوله: ﴿بخالصة﴾ أن يكون ((خالصة)) مصدراً كالعاقبة وخائنة الأعين وغير ذلك، فـ ﴿ذكرى﴾
على هذا ما أن يكون في موضع نصب بالمصدر على تقدير: ﴿إنا أخلصناهم﴾ بأن أخلصنا لهم ذكرى
الدار، ويكون ((خالصة)) مصدراً من أخلص على حذف الزوائد، وإما أن يكون ﴿ذكرى﴾ في موضع رفع
بالمصدر على تقدير ﴿إنا أخلصناهم﴾ بأن خلصت لهم ذكرى الدار، وتكون ((خالصة)) من خلص.
و﴿الدار﴾ في كل وجه في موضع نصب بـ ﴿ذكرى﴾، و﴿ذكرى﴾ مصدر، وتحتمل الآية أن يريد
بـ ﴿الدار﴾ دار الآخرة على معنى ﴿أخلصناهم﴾، بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة ودعاء الناس إليها
وحضهم عليها، وهذا قول قتادة، وعلى معنى خلص لهم ذكرهم للدار الآخرة وخوفهم لها والعمل بحسب
قول مجاهد. وقال ابن زيد: المعنى إنا وهبناهم أفضل ما في الدار الآخرة وأخلصناهم به وأعطيناهم إياه،
ويحتمل أن يريد بـ ﴿الدار﴾ دار الدنيا على معنى ذكر الثناء والتعظيم من الناس والحمد الباقي الذي هو
الخلد المجازي، فتجيء الآية في معنى قوله: ﴿لسان صدق﴾ [مريم: ٥٠، الشعراء: ٨٤] وفي معنى
قوله: ﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ [الصافات: ٧٨، ١٠٨، ١١٩، ١٢٩]. و﴿المصطفين﴾ أصله:
المصطفيين، تحركت الياء وما قبلها مفتوح فانقلبت ألفاً، ثم اجتمع سكون الألف وسكون الياء التي هي
علامة الجمع، فحذفت الألف. و﴿الأخيار) جمع خير، وخير: مخفف من خير كميت وميت.
٥١٠
تفسير سورة ص / الآيات: ٥٥ - ٦١
وقرأ حمزة والكسائي: ((والليسع))، كأنه أدخل لام التعريف على ﴿اليسع﴾، فأجراه مجرى ضيغم
ونحوه، وهي قراءة علي بن أبي طالب والكوفيين. وقرأ الباقون: ((واليسع))، قال أبو علي: الألف واللام
فيه زائدتان غير معرفتين كما هي في قول الشاعر: [الكامل]
ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
ولقد جنيتك أكمؤاً وعساقلا
وبنات الأوبر: ضرب من الكمأة. واختلف في نبوة ((ذي الكفل))، وقد تقدم تفسير أمره وقوله تعالى:
﴿هذا ذكر﴾ يحتمل معنيين: أحدهما أن يشير إلى مدح من ذكر وإبقاء الشرف له، فيتأيد بهذا التأويل قول
من قال آنفاً: إن ﴿الدار﴾ يراد بها الدار الدنيا. والثاني: أن يشير بهذا إلى القرآن، إذ هو ذكر للعالم.
و((المآب)): المرجع حيث يؤوبون. و﴿جنات﴾ بدل من ((حسن)) و﴿مفتحة﴾ نعت للجنات.
و ﴿الأبواب﴾ مفعول لم يسم فاعله، والتقدير عند الكوفيين: مفتحة لهم أبوابها، ولا يجوز ذلك عند أهل
البصرة، والتقدير عندهم: الأبواب منها، وإنما دعا إلى هذا الضمير أن الصفة لا بد أن يكون فيها عائداً
على الموصوف. و﴿قاصرات الطرف﴾ قال قتادة معناه: على أزواجهن. و﴿أتراب﴾ معناه أمثال،
وأصله في بني آدم أن تكون الأسنان واحدة، أي مست أجسادهم التراب في وقت واحد.
٤
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((يوعدون)) بالياء من تحت، واختلفا في سورة: (قَ)، فقرأها أبو عمرو بالتاء
من فوق. وقرأ الباقون في السورتين بالتاء من فوق. والنفاذ: الفناء والانقضاء.
قوله عز وجل :
هَذَاوَإِنَّ لِلَّغِينَ لَشَرَّمَنَابٍ
جَهَّ يَصْلَوْنَهَا فَبْسَ الِهَادُ (٥٠١َ هَذَا فَلْيَذُ وقُوهُ حَمِيعٌ وَغَسَّاقٌ
٥٥
أَوَءَ اخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَج ◌ْهَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبً بِهِمْ إَِهُمْ صَالُوا النَّارِ ﴾ قَالُواْ
٥٧
بَلْ أَنْشُقْ لَا مَرْحَبًابِكُمْأَنْتُمْ قَدَّ مْتُمُوهُ لَنَاْ فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢) قَالُواْرَبَنَا مَن قَدَّمَ لَنَاهَذَا فَزِدْهُ عَذَابَا ضِعْفًا
فِي النَّارِ
التقدير: الأمر هذا، ويحتمل أن يكون التقدير: هذا واقع ونحوه. والطاغي: المفرط في الشر،
مأخوذ من طغا يطغى، والطغيان هنا في الكفر. و((المآب)): المرجع، و﴿جهنم﴾ بدل من قولهم:
﴿الشر﴾. و﴿يصلونها﴾ معناه: يباشرون حرها. و﴿المهاد﴾ ما يفترشه الإنسان ويتصرف فيه.
وقوله: ﴿هذا فليذوقوه﴾ يحتمل أن يكون ﴿هذا﴾ ابتداء، والخبر ﴿حميم) ويحتمل أن يكون
التقدير: الأمر هذا فليذوقوه، ويحتمل أن يكون في موضع نصب بفعل يدل عليه ﴿فليذوقوه﴾.
و﴿حميم) على هذا خبر ابتداء مضمر. قال ابن زيد: الحميم، دموعهم تجتمع في حياض فيسقونها
وقرأ جمهور الناس: ((وغساق)) بتخفيف السين، وهو اسم بمعنى السائل، يروى عن قتادة أنه ما يسيل من
صديد أهل النار. ويروى عن السدي أنه ما يسيل من عيونهم. ويروى عن كعب الأحبار أنه ما يسيل من
حمة عقارب النار، وهي يقال مجتمعة عندهم. وقال الضحاك: هو أشد الأشياء برداً. وقال عبد الله بن
٥١١
تفسير سورة ص / الآيات: ٥٥ - ٦١
بريدة: هو أنتن الأشياء، ورواه أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن
عاصم: ((وغسّاق)) بتشديد السين، بمعنى سيال وهي قراءة قتادة وابن أبي إسحاق وابن وثاب وطلحة،
والمعنى فيه على ما قدمناه من الاختلاف غير أنها قراءة تضعف، لأن غساقاً إما أن يكون صفة فيجيء في
الآية حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، وذلك غير مستحسن هنا، وأما أن يكون اسماً، فالأسماء على
هذا الوزن قليلة في كلام العرب كالفياد ونحوه وقرأ جمهور الناس: ((وآخر)) بالإفراد، وهو رفع بالابتداء،
واختلف في تقدير خبره، فقالت طائفة تقديره: ولهم عذاب آخر. وقالت طائفة: خبره: ﴿أزواج﴾ لأن قوله:
﴿أزواج﴾ ابتداء و﴿من شكله﴾ خبره، والجملة خبر ((آخر)). وقالت طائفة: خبره ﴿أزواج﴾، و﴿من
شكله﴾ في موضع الصفة. ومعنى ﴿من شكله﴾: من مثله وضربه، وجاز على هذا القول أن يخبر الجمع
الذي هو أزواج عن الواحد من حيث ذلك الواحد درجات ورتب من العذاب وقوى وأقل منه. وأيضاً فمن
جهة أخرى على أن يسمى كل جزء من ذلك الآخر باسم الكل، قالوا: عرفات لعرفة: وشابت مفارقه
فجعلوا كل جزء من المفرق مفرقاً، وكما قالوا: جمل ذو عثانين ونحو هذا، ألا ترى أن جماعة من
المفسرين قالوا إن هذا الآخر هو الزمهرير، فكأنهم جعلوا كل جزء منه زمهريراً .
وقرأ أبو عمرو وحده: ((وأخر)) على الجمع، وهي قراءة الحسن ومجاهد والجحدري وابن جبير
وعيسى، وهو رفع بالابتداء وخبره ﴿أزواج﴾، و﴿من شكله﴾ في موضع الصفة، ورجح أبو عبيد هذه
القراءة وأبو حاتم بكون الصفة جمعاً، ولم ينصرف ((أخر)) لأنه معدول عن الألف واللام صفة، وذلك أن حق
أفعل وجمعه أن لا يستعمل إلا بالألف واللام، فلما استعملت ((أخر)) دون الألف واللام كان ذلك عدلاً
لها، وجاز في ((أخر)) أن يوصف بها النكرة كقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤ - ١٨٥]
بخلاف جمع ما عدل عن الألف واللام، كسحر ونحوه في أنه لا يجوز أن يوصف به النكرة، لأن هذا العدل
في ((أخر)) اعتد به في منع الصرف ولم يعتد به في الامتناع من صفة النكرة كما يعتدون بالشيء في حكم
دون حكم، نحو اللام في قولهم: ((لا أبا لك، لأن اللام المتصلة بالكاف اعتد بها فاصلة للإضافة، ولذلك
جاز دخول لا، ولم يعتد بها في أن أعرب أبا بالحروف وشأنه إذا انفصل ولم يكن مضافاً أن يعرب بالحركات
فجاءت اللام ملغاة الحكم من حيث أعرب بالحرف، كأنه مضاف وهي معتد بها فاصلة في أن جوزت دخول
لا .
وقرأ مجاهد: ((من شِكله)) بكسر الشين. و ﴿أزواج﴾ معناه: أنواع، والمعنى لهم حميم وغساق
وأغذية أخر من ضرب ما ذكره ونحوه أنواع كثيرة .
وقوله تعالى: ﴿هذا فوج﴾ هو ما يقال لأهل النار إذا سيق عامة الكفار وأتباعهم لأن رؤساءهم يدخلون
النار أولاً، والأظهر أن قائل ذلك لهم ملائكة العذاب، وهو الذي حكاه الثعلبي وغيره، ويحتمل أن يكون
ذلك من قول بعضهم لبعض، فيقول البعض الآخر: ﴿لا مرحباً بهم﴾ أي لا سعة مكان ولا خير يلقونه.
والفوج: الفريق من الناس.
وقوله تعالى: ﴿بل أنتم لا مرحباً بكم﴾ حكاية لقول الأتباع حين سمعوا قول الرؤساء: ﴿أنتم
قدمتموه﴾ معناه بإغوائكم، أسلفتم لنا ما أوجب هذا، فكأنكم فعلتم بنا هذا.
1
٥١٢
تفسير سورة ص / الآيات: ٦٢ - ٦٦
وقوله: ﴿قالوا ربنا﴾ حكاية لقول الأتباع أيضاً دعوا على رؤسائهم بأن يكون عذابهم مضاعفاً.
قوله عز وجل :
وَقَالُوْمَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّا نَعُنُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ ()أَنَّخَذْنَهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُم ◌ْأَبْصَدُ (٣) إِنَّ
رَبُّ السَّمَوَتِ
قُلْ إِنَّمَا أَنَّأْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٥)
ذَلِكَ لَحَقَ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ®
الضمير في: ﴿قالوا﴾ لأشراف الكفار ورؤسائهم، أخبر الله عنهم أنهم يتذكرون إذا دخلوا النار لقوم
من مستضعفي المؤمنين فيقولون هذه المقالة، وهذا مطرد في كل أمة جاءها رسول. وروي أن القائلين من
كفار عصر النبي عليه السلام هم أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأهل القليب ومن جری مجراهم،
قاله مجاهد وغيره، والمعنى: كنا نعدهم في الدنيا أشراراً لا خلاق لهم، وأمال الراء ﴿من الأشرار﴾: أبو
عمرو وابن عامر والكسائي، وفتحها ابن كثير وعاصم، وأشم نافع وحمزة.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿أتخذناهم سخرياً﴾ بألف الاستفهام، ومعناها: تقرير أنفسهم على
هذا على جهة التوبيخ لها والأسف، أي أتخذناهم سخرياً ولم يكونوا كذلك، واستبعد معنى هذه القراءة أبو
علي. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: ((سُخريا)) بضم السين، وهي قراءة الأعرج وشيبة وأبي جعفر وابن
مسعود وأصحابه ومجاهد والضحاك، ومعناها: من السخرة والاستخدام. وقرأ الباقون: ((سِخرياً)) بكسر
السين وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وعيسى وابن محيصن ومعناها المشهور من السخر الذي هو الهزء،
ومنه قول الشاعر [عامر بن الحارث]: [البسيط]
من علو لا كذب فيها ولا سخر
1
إني أتاني لسان لا أسر بها
وقالت فرقة یکون كسر السين من التسخير.
و: ﴿أم﴾ في قولهم: ﴿أم زاغت﴾ معادلة لـ ﴿ما﴾ في قولهم: ﴿ما لنا لا نرى﴾ وذلك أنها قد تعادل
﴿ما﴾، وتعادل من، وأنكر بعض النحويين هذا، وقال: إنها لا تعادل إلا الألف فقط. والتقدير في هذه
الآية: أمفقودون هم أم زاغت؟ ومعنى هذا الكلام: أليسوا معنا أم هم معنا؟ ولكن أبصارنا تميل عنهم فلا
تراهم، والزيغ: الميل.
ثم أخبر الله تعالى نبيه بقوله: ﴿إن ذلك لحق تخاصم أهل النار﴾ و: ﴿تخاصم﴾ بدل من قوله:
﴿لحق﴾ .
وقرأ ابن أبي عبلة: ((تخاصمَ)) بفتح الميم. وقرأ ابن محيصن: ((تخاصمٌ)) بالتنوين ((أهلُ النار)) برفع
اللام.
ثم أمر نبيه أن يتجرد للكفار من جميع الأغراض، إلا أنه منذر لهم، وهذا توعد بليغ محرك للنفوس،
وباقي الآية بين.
:
:
٥١٣
تفسير سورة صّ / الآيات: ٦٧ - ٧٤
قوله عز وجل :
قُلْ هُوَنَبَوَأْ عَظِيمٌ ﴿﴿ أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴿َ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِلْمَلَا الْأَعْلَى إِذْيَخْصِمُونَ ﴿ إِن يُوحَى إِلَىَ
فَإِذَاسَوَيْتُهُ,وَنَفَخْتُفِهِ مِن
٧١
إِلَّا أَنَّمَا أَنَأْنَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿ إِذْقَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِ خَلِقٌ بَشَرًا مِنِطِينٍ
فَسَجَدَ اُلْمَلَئِكَةُ كُلَّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣) إِلَّ إِبْلِسَ أَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ
٧٢
رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ
٧٤
اَلْكَفِرِينَ
الإشارة بقوله تعالى: ﴿قل هو نبأ عظيم﴾ إلى التوحيد والمعاد، فهي إلى القرآن وجميع ما تضمن،
وعظمه أن التصديق به نجاة، والتكذيب به هلكة. وحكى الطبري: أن شريحاً اختصم إليه أعرابي فشهد
عليه، فأراد شريح أن ينفذ الحكم، فقال له الأعرابي: أتحكم بالنبأ؟ فقال شريح: نعم، إن الله يقول:
﴿قل هو نبأ﴾، وقرأ الآية وحكم عليه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا الجواب من شريح إنما هو بحسب لفظ الأعرابي ولم يحرر معه
الكلام، وإنما قصد إلى ما يقطعه به، لأن الأعرابي لم يفرق بين الشهادة والنبأ.
والنبأ في كلام العرب بمعنى: الخبر، ووبخهم بقوله: ﴿أنتم عنه معرضون﴾، ثم قال: ﴿ما كان لي
من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون﴾ وهذا احتجاج لصحة أمر محمد صلى الله عليه وسلم كأنه يقول: هذا
أمر خطر وأنتم تعرضون عنه مع صحته، ودليل صحته أني أخبركم فيه بغيوب لم تأت إلا من عند الله، فإني
لم يكن لي علم بالملأ الأعلى، أراد به الملائكة. والضمير في: ﴿يختصمون﴾ عند جمهور المفسرين هو
للملائكة .
واختلف الناس في الشيء الذي هو اختصامهم فيه، فقالت: فرقة اختصامهم في أمر آدم وذريته في
جعلهم في الأرض، ويدل على ذلك ما يأتي من الآيات، فقول الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾
[البقرة: ٣٠] هو الاختصام. وقالت فرقة: بل اختصامهم في الكفارات وغفر الذنوب ونحوه، فإن العبد إذا
فعل حسنة اختلف الملائكة في قدر ثوابه في ذلك حتى يقضي الله بما شاء، وورد في هذا حديث فسره ابن
فورك، لأنه يتضمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ربه عز وجل في نومه: فيم يختصمون؟ فقلت لا
أدري، فقال في الكفارات، وهي إسباغ الوضوء في السبرات ونقل الخطى إلى الجماعات الحديث بطوله
قال: فوضع الله يده بین کتفي حتى وجدت بردها بین ثديي .
قال القاضي أبو محمد: فتفسير هذا الحديث أن اليد هي نعمة العلم.
وقوله: بردها، أي السرور بها والثلج، كما تقول العرب في الأمر السار: يا برده على الكبد ونحو
هذا، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الصلاة بالليل هي الغنيمة الباردة)). أي السهلة التي يسر بها
الإنسان. وقالت فرقة: المراد بقوله: ﴿بالملإ الأعلى﴾ الملائكة.
٥١٤
تفسير سورة ص / الآيات : ٧٥ - ٨٢
وقوله: ﴿إِذ يختصمون﴾ مقطوع منه معناه: إذ تختصم العرب الكافرة في الملا فيقول بعضها هي
بنات الله، ويقول بعضها: هي آلهة تعبد، وغير ذلك من أقوالهم. وقالت فرقة: أراد بـ ((الملأ الأعلى))
قريشاً. وهذا قول ضعيف لا يتقوى من جهة .
وقرأ جمهور الناس: ((ألا أنما)) بفتح الألف، كأنه يقول: ألا إنذار. وقرأ أبو جعفر ((إلا أنما أنا)) على
الحكاية، كأنه قيل له: أنت نذير مبين، فحكى هذا المعنى، وهذا كما يقول إنسان: أنا عالِم، فيقال له:
قلت إنك عالم، فيحكي المعنى.
و: ﴿إِذ﴾ في قوله: ﴿إِذ قال ربك﴾ بدل من قوله: ﴿إِذ﴾ الأولى على تأويل من رأى الخصومة في
شأن من يستخلف في الأرض، وعلى الأقوال الأخر يكون العامل في ﴿إِذ﴾ الثانية فعل مضمر تقديره:
واذكر إذ قال. والبشر المخلوق من الطين: هو آدم عليه السلام. و: ﴿سويته﴾ يريد به شخصه.
﴿ونفخت﴾ هي عبارة عن إجراء الروح فيه، وهي عبارة على نحو ما يفهم من إجراء الأشياء بالنفخ.
وقوله: ﴿من روحي﴾ هي إضافة ملك إلى مالك، لأن الأرواح كلها هي ملك الله تعالى، وأضاف إلى
نفسه تشريفاً .
وقوله: ﴿ساجدين﴾ اختلف الناس فيه، فقالت فرقة: على السجود المتعارف. وقالت فرقة معناه:
خاضعين على أصل السجود في اللغة. ثم أخبر تعالى أن الملائكة بأمره سجدوا ﴿إلا إبليس﴾ فإنه
﴿استكبر﴾ عن السجود.
وقوله تعالى: ﴿وكان من الكافرين﴾ يحتمل أن يريد به: وكان من أول أمره من الكافرين في علم الله
تعالى، قاله ابن عباس، ويحتمل أن يريد: ووجد عند هذه الفعلة من الكافرين، وعلى القولين فقد حكم
الله على إبليس بالكفر، وأخبر أنه كان عقد قلبه في وقت الامتناع.
قوله عز وجل :
قَالَ يَاِبْلِسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرَتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ﴿ قَالَ أَنْخَيْرٌمِنْهُ خَلَقْتَنِى
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (َثَّ قَالَ
◌َ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ الَّ
٧٦
مِن نَّارٍ وَخَلَقْنَهُ مِنطِينٍ
٨١
جَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
إِقَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ
رَبِّ فَأَنَظِرْ نِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
القائل لإبليس هو الله عز وجل، وقوله ﴿ما منعك﴾ تقرير وتوبيخ .
وقرأ عاصم والجحدري: ((لَّمَّا خلقت)) بفتح اللام من: ((لَمّا)) وشد المیم.
وقرأ جمهور الناس: ((بيديْ)) بالتثنية. وقرأت فرقة: ((بيديّ)) بفتح الياء، وقد جاء في كتاب الله :
﴿مما عملت أيدينا﴾ [يس: ٧١] بالجمع.
وهذه كلها عبارة عن القدرة والقوة، وعبر عن هذا المعنى بذكر اليد تقريباً على السامعين، إذ المعتاد
عند البشر أن القوه والبطش والاقتدار إنما هو باليد، وقد كانت جهالة العرب بالله تعالى تقتضي أن تنكر
نفوسها أن يكون خلق بغير مماسة، ونحو هذا من المعاني المعقولة، وذهب القاضي ابن الطيب إلى أن اليد
٥١٥
تفسير سورة صّ / الآيات: ٧٥ - ٨١ -
والعين والوجه صفات ذات زائدة على القدرة والعلم وغير ذلك من متقرر صفاته تعالى، وذلك قول مرغوب
عنه ويسميها الصفات الخبرية. وروي في بعض الآثار أن الله تعالى خلق أربعة أشياء بيده وهي: العرش
والقلم وجنة عدن وآدم وسائر المخلوقات بقوله: ((كن)).
قال القاضي أبو محمد: وهذا إن صح فإنما ذكر على جهة التشريف للأربعة والتنبيه منها، وإلا فإذا
حقق النظر فكل مخلوق فهو بالقدرة التي بها يقع الإيجاد بعد العدم.
وقرأت فرقة: ((استكبرت)) بصلة الألف على الخبر عن إبليس، وتكون ﴿أم﴾ بينة الانقطاع لا معادلة
لها. وقرأت فرقة: ((أستكبرت)) بقطع الألف على الاستفهام، فـ (أم) على هذا معادلة للألف، وذهب كثير
من النحويين إلى أن ((أم)) لا تكون معادلة للألف مع اختلاف الفعلين، وإنما تكون معادلة إذا أدخلتا على
فعل واحد، كقولك: أزيد قام أو عمرو؟ وقولك: أقام زيد أم عمرو؟ قالوا: وإذا اختلف الفعلان كهذه الآية
فليست أم معادلة، ومعنى الآية: أحدث لك الاستكبار الآن أن كنت قديماً ممن لا يليق أن تكلف مثل هذا
لعلو مكانك، وهذا على جهة التوبيخ .
وقول إبليس: ﴿أنا خير منه﴾ قياس أخطأ فيه، وذلك أنه لما توهم أن النار أفضل من الطين، قاس أن
ما يخلق من الأفضل فهو أفضل من الذي يخلق من المفضول، ولم يدر أن الفضائل تخصيصات من الله
تعالى يسم بها من شاء، وفي قوله رد على حكمة الله تعالى وتجوير. وذلك بين في قوله: ﴿أرأيتك هذا الذي
كرمت علي﴾ [الإسراء: ٦٢] ثم قال: ﴿أنا خير منه﴾، وعند هذه المقالة اقترن كفر إبليس به إما عناداً على
قول من يجيزه، وإما بأن سلب المعرفة، وظاهر أمره أنه كفر عناداً، لأن الله تعالى قد حكم عليه بأنه كافر،
ونحن نجده خلال القصة يقول: يا رب بعزتك وإلى يوم يبعثون، فهذا كله يقتضي المعرفة، وإن كان
للتأويل فيه مزاحم فتأمله، ثم أمر الله تعالى إبليس بالخروج على جهة الإدخار له، فقالت فرقة: أمره
بالخروج من الجنة. وقالت فرقة: من السماء. وحكى الثعلبي عن الحسن وأبي العالية أن قوله: ﴿منها﴾
يريد به من الخلقة التي أنت فيها ومن صفات الكرامة التي كانت له، قال الحسين بن الفضل: ورجعت له
أضدادها، وعلى القول الأول فإنما أمره أمراً يقتضي بعده عن السماء، ولا خلاف أنه أهبط إلى الأرض.
و((الرجيم): المرجوم بالقول السىء. و((اللعنة)): الإبعاد. و: ﴿يوم الدين) يوم القيامة. و﴿الدين):
الجزاء، وإنما حد له اللعنة بـ ﴿يوم الدين﴾، ولعنته إنما هي مخلدة ليحصر له أمد التوبة، لأن امتناع توبته
بعد يوم القيامة، إذ ليست الآخرة دار عمل. ثم إن إبليس سأل النظرة وتأخير الأجل إلى يوم بعث الأجساد
من القبور، فأعطاه الله تعالى الإبقاء ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾.
واختلف الناس في تأويل ذلك، فقال الجمهور: أسعفه الله في طلبته وأخره إلى يوم القيامة، فهو
الآن حي مغو مضل، وهذا هو الأصح من القولين. وقالت فرقة: لم يسعف بطلبته، وإنما أسعف إلى
الوقت الذي سبق من الله تعالى أن يموت إبليس فيه. وقال بعض هذه الفرقة: مات إبليس يوم بدر.
قوله عز وجل :
﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾قَالَ فَاَ لْحَقُ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ!
قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينُ
تفسير سورة ص / الآيات: ٨٢ - ٨٨
٥١٦
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (ِفَقُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِوَمَا أَنَا مِنَ اُْكَلِّفِينَ ( إِنْ
٨٨
هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ ﴾ وَلَعْلَمُنَّ نَبَأَمُ بَعْدَحِينٍ
القائل هو إبليس، أقسم بعزة الله تعالى، قال قتادة: علم عدو الله أنه ليست له عزة فأقسم بعزة الله أنه
يغوي ذرية آدم أجمع إلا من أخلص الله للإيمان به.
قال القاضي أبو محمد: وهذا استثناء الأقل عن الأكثر على باب الاستثناء لأن المؤمنين أقل من
الكفرة بكثير، بدليل حديث بعث النار وغيره. وجوز قوم أن يستثنى الكثير من الجملة ويترك الأقل على
الحكم الأول، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾
[الحجر: ٤٢] وقال من ناقضهم: العباد هنا: يعم البشر والملائكة، فبقي الاستثناء على بابه في أن الأقل
هو المستثنی .
وفتح اللام من ﴿المخلصين﴾ وكسرها، قد تقدم ذكره. والقائل: ﴿فالحق﴾ هو الله تعالى قال
مجاهد: المعنى فالحق أنا.
وقرأ جمهور القراء: ((فالحقَّ والحقَّ)) بنصب الاثنين، فأما الثاني فمنصوب بـ ﴿أقول﴾، وأما الأول
فيحتمل أن ينتصب على الإغراء، ويحتمل أن ينتصب على القسم على إسقاط حرف القسم، كأنه قال:
فوالحق، ثم حذف الحرف كما تقول: الله لأفعلن، تريد: والله، ويقوي ذلك قوله: ﴿لأملأن﴾، وقد قال
سيبويه: قلت للخليل مامعنى لأفعلن إذا جاءت مبتدأة: قال هي بتقدير قسم منوي. وقالت فرقة: ((الحق))
الأول منصوب بفعل مضمر. وقال ابن عباس ومجاهد: ((فالحقُّ والحقُّ)) برفع الاثنين، فأما الأول فرفع
بالابتداء وخبره في قوله: ﴿الأملأن﴾، لأن المعنى: أن أملأ، وأما الثاني فيرتفع على ابتداء أيضاً. وقرأ
عاصم وحمزة: ((فالحقُّ) بالرفع ((والحقَّ)) بالنصب، وهي قراءة مجاهد والأعمش وأبان بن تغلب وإعراب
هذه بين. وقرأ الحسن: ((فالحقِّ والحقِّ)) بخفض القاف فيهما على القسم، وذكرها أبو عمرو الداني ..
ثم أمر تعالى نبيه أن يخبرهم بأنه ليس بسائل أجر ولا مال، وأنه ليس ممن يتكلف ما لم يجعل إليه
ولا يتحلى بغير ما هو فيه. وقال الحسين بن الفضل: هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا
المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣] وقال الزبير بن العوام: نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم
اغفر للذين لا يدعون ولا يتكلفون، ألا إني بريء من التكلف، وصالحو أمتي، وقوله تعالى: ﴿إِن هو﴾ یزید
به القرآن. و: ﴿ذكر﴾ بمعنى: تذكرة، ثم توعدهم بقوله: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين) وهذا على حذف
تقديره: لتعلمن صدق نباه بعد حين في توعدكم واختلف الناس في معنى قوله: ﴿بعد حين﴾ إلى أي وقت
اشار، لأن الحين في اللغة يقع على القليل والكثير من الوقت، فقال ابن زيد: أشار إلى يوم القيامة. وقال
قتادة والحسن في اللغة أشار إلى الآجال التي لهم، لأن كل واحد منهم يعرف الحقائق بعد موته. وقال
السدي: أشار إلى يوم بدر، لأنه يوم عرف الكفار فيه صدق وعيد القرآن لهم.
٦٠
:
!
:
:
.
٥١٧
تفسير سورة الزمر / الآيتان: ٢،١
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الزَّحِيِ
سُورَةُ الزُّصِر
وهذه السورة مكية بإجماع، غير ثلاث آيات نزلت في شأن وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب،
وهي: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ [الزمر: ٥٣] الآيات. وقالت فرقة: بل إلى آخر السورة
هو مدني وقيل فيها: مدني سبع آيات .
قوله عز وجل :
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا
تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اْللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ !
لَّهُ الدِّينَ ﴿َ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ أَمَّخَذُواْ مِنْ دُونِهِ: أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُ هُمْ إِلَّ
لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُ لْفَىَ إِنَّاللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِ مَاهُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونٌ
﴿تنزيل﴾ رفع بالابتداء، والخبر قوله: ﴿من الله﴾. وقالت فرقة: ﴿تنزيل) خبر ابتداء تقديره: هذا
تنزيل، والإشارة إلى القرآن.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((تنزيلَ)) بنصب اللام.
و: ﴿الكتاب﴾ في قوله: ﴿تنزيل الكتاب﴾ قال المفسرون: هو القرآن، ويظهر إلي أنه اسم عام
لجميع ما تنزل من عند الله من الكتب، فإنه أخبر إخباراً مجرداً أن الكتب الهادية الشارعة إنما تنزيلها من
الله، وجعل هذا الإخبار تقدمة وتوطئة لقوله: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب﴾.
و: ﴿العزيز﴾ في قدرته. ﴿الحكيم) في ابتداعه. و: ﴿الكتاب﴾ الثاني: هو القرآن لا يحتمل غير
ذلك .
وقوله: ﴿بالحق﴾ يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون معناه متضمناً الحق، أي بالحق فيه وفي
أحكامه وأخباره. والثاني: أن يكون ﴿بالحق﴾ بمعنى بالاستحقاق والوجوب وشمول المنفعة للعالم في
هدايتهم ودعوتهم إلى الله .
وقوله تعالى: ﴿فاعبد الله﴾ يحتمل أن تكون الفاء عاطفة جملة من القول على جملة واصلة،
ويحتمل أن يكون كالجواب، لأن قوله: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق﴾ جملة كأنه ابتداء وخبر، كما لو
٥١٨
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٣ -٥
قال: الكتاب منزل، وفي الجمل التي هي ابتداء وخبر إبهام ما تشبه به الجزاء، فجاءت الفاء كالجواب،
كما تقول: زيد قائم فأكرمه، ونحو هذا:
وقائلة خولان فانكح فتاتهم
التقدير: هذه خولان. و: ﴿مخلصاً﴾ حال. و: ﴿الدين) نصب به. ومعنى الآية الأمر بتحقيق النية
لله في كل عمل، و﴿الدين﴾ هنا يعم المعتقدات وأعمال الجوارح.
وقوله تعالى: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ بمعنى من حقه ومن واجباته لا يقبل غير هذا، وهذا كقوله:
﴿لله الحمد﴾ [الجاثية: ٣٦]، أي واجباً ومستحقاً. قال قتادة: ﴿الدين الخالص﴾، لا إله إلا الله.
وقوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا﴾ رفع بالابتداء، وخبره في المحذوف المقدر، تقديره: يقولون ما
نعبدهم، وفي مصحف ابن مسعود: ((قالوا ما نعبدهم))، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وابن جبير.
و: ﴿أولياء﴾ يريد بذلك معبودين، وهذه مقالة شائعة في العرب، يقول كثير منهم في الجاهلية: الملائكة
بنات اللّه ونحن نعبدهم ليقربونا، وطائفة منهم قالت ذلك في أصنامهم وأوثانهم. وقال مجاهد: قد قال
ذلك قوم من اليهود في عزير، وقوم من النصارى في عيسى ابن مريم. وفي مصحف أبي بن كعب: ((ما
نعبدكم)) بالكاف ((إلا لتقربونا)) بالتاء. و﴿زلفى) بمعنى قربى وتوصلة، كأنه قال: لتقربونا إلى الله تقريباً،
وكأن هذه الطوائف كلها كانت ترى نفوسها أقل من أن تتصل هي بالله، فكانت ترى أن تتصل بمخلوقاته.
و﴿زلفى﴾ عند سيبويه مصدر في موضع الحال، كأنه ينزل منزلة متزلفين، والعامل فيه ﴿ليقربونا﴾ هذا
مذهب سيبويه وفيه خلاف، وباقي الآية وعيد في الدنيا والآخرة
قوله عز وجل :
لَوْأَرَادَ اللَّهُأَن يَتَّخِذَ وَلَدَّا لَّأَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ
إِنَّاللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَكَذِبُ كَفَارُ وِ
مَا يَشَاءُ سُبْحَانَةٌ هُوَاللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ أَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُالَّيْلَ
عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِّ وَسَخَرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَّ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلٍ
مُسَمَّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَُّ
هذه الآية إما أن يكون معناها أن الله لا يهدي الكاذب الكفار في حال كذبه وكفره، وإما أن يكون
لفظها العموم ومعناها الخصوص فيمن ختم الله عليه بالكفر وقضى في الأزل أنه لا يؤمن أبداً، وإلا فقد
وجد الكاذب الكفار قد هدى كثيراً .
وقرأ أنس بن مالك والجحدري: ((كذب كفار)) بالمبالغة فيهما، ورويت عن الحسن والأعرج
ويحيى بن يعمر، وهذه المبالغة إشارة إلى المتوغل في الكفر، القاسي فيه الذي يظن به أنه مختوم عليه .
قوله تعالى: ﴿لو أراد الله أن يتخذ﴾. معناه: اتخاذ التشريف والتبني، وعلى هذا يستقيم. قوله
تعالى: ﴿لاصطفى مما يخلق﴾.
:
:
١
٥١٩
تفسير سورة الزمر / الآية: ٦
وأما الاتخاذ المعهود في الشاهد فمستحيل أن يتوهم في جهة الله تعالى، ولا يستقيم عليه معنى
قوله: ﴿لاصطفى) وقوله: ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً﴾ [مريم: ٩٢] لفظ يعم اتخاذ النسل واتخاذ
الأصفياء، فأما الأول فمعقول، وأما الثاني فمعروف لخبر الشرع، ومما يدل على أن معنى قوله: أن يتخذ
الاصطفاء والتبني قوله: ﴿مما يخلق﴾ أي من موجوداته ومحدثاته. ثم نزه تعالى نفسه تنزيهاً مطلقاً عن
جميع ما لا يكون مدحة، واتصافه تعالى بـ ﴿القهار﴾ اتصاف على الإطلاق، لأن أحداً من البشر إن اتصف
بالقهر فمقيد في أشياء قليلة، وهي في حين قهره لغيره مقهور لله تعالى عن أشياء كثيرة.
وقوله: ﴿بالحق﴾ معناه بالواجب الواقع موقعه الجامع للمصالح.
وقوله: ﴿يكور﴾ معناه يعيد من هذا على هذا، ومنه كور العمامة التي يلتوي بعضها على بعض،
فكأن الذي يطول من النهار أو الليل يصير منه على الآخر جزء فيستره، وكأن الآخر الذي يقصر يلج في
الذي يطول فيستتر فيه، فيجيء ﴿يكور﴾ على هذا معادلاً لقوله: ﴿يولج﴾ [الحج: ٦١، لقمان: ٢٩،
فاطر: ١٣، الحديد: ٦] ضداً له. وقال أبو عبيدة: هما بمعنى، وهذا من قوله تقرير لا تحرير، و((تسخير
الشمس)) دوامها على الجري واتساق أمرها على ما شاء الله تعالى، و((الأجل المسمى)) يحتمل أن يكون يوم
القيامة حين تنفسد البنية ويزول جري هذه الكواكب، ويحتمل أن يريد وقت مغيبها كل يوم وليلة، ويحتمل
أن يريد أوقات رجوعها إلى قوانينها كل شهر في القمر وسنة في الشمس.
قوله عز وجل :
خَلَقَكُ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ يَخْلُقُكُمْ فِى
بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدٍ خَلْقٍ فِ ظُلُّمَتِ ثَثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكَّ لَا إِلَهَإلَّا
هُوِّ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
٦
((النفس الواحدة)) المرادة في الآية هي نفس آدم عليه السلام، قاله قتادة وغيره. ويحتمل أن يكون
اسم الجنس.
وقوله تعالى: ﴿ثم جعل﴾ ظاهر اللفظ يقتضي أن جعل الزوجة من النفس هو بعد أن خلق الخلق
منها، وليس الأمر كذلك.
واختلف الناس في تأويل هذا الظاهر، فقالت فرقة قوله: ﴿خلقكم من نفس واحدة﴾ هو أخذ الذرية
من ظهر آدم وذلك شيء كان قبل خلق حواء، وقالت فرقة: إنما هي لترتيب الأخبار لا لترتيب المعاني .
كأنه قال: ثم كان من أمره قبل ذلك أن جعل منها زوجها، وفي نحو هذا المعنى ينشد هذا البيت [أبو
النواس]: [الخفيف]
ثم قد ساد قبل ذلك جدَّه
قل لمن ساد ثم ساد أبوه
وقالت فرقة قوله: ﴿خلقكم من نفس واحدة﴾ عبارة عن سبق ذلك في علم الله تعالى، فلما كان
٥٢٠
تفسير سورة الزمر / الآية: ٧
ذلك أمراً حتماً واقعاً ولا بد، حسن أن يخبر عن تلك الحال التي كانت وثيقة، ثم عطف عليها حالة جعل
الزوجة منها، فجاءت معان مترتبة وإن كان خروج خلق العالم من آدم إلى الوجود إنما يجيء بعد ذلك،
وزوج آدم حواء عليهما السلام، وخلقت من ضلعه القصيري فيما روي، ويؤيد هذا الحديث الذي فيه أن
المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمه كسرته. وقالت فرقة: خلقت حواء من بقية طين آدم والأول
أصح، وقد تقدم شرح ذلك. وقوله تعالى: ﴿وأنزل لكم﴾ قيل معناه: أن المخلوق الأول من هذه الأنعام
خلق في السماء وأهبط إلى الأرض، وقالت فرقة: بل لما نزل الأمر بخلقه وإيجاده من عند الله، وكانت
العادة في نعم الله ورحمته وأمطاره وغير ذلك أن يقال فيها إنها من السماء عبر عن هذه ب﴿أنزل﴾، وقالت
فرقة: لما كانت الأمطار تنزل وكانت الأعشاب والنبات عن المطر، وكانت هذه الأنعام عن النبات في سمنها
ومعاشها، قال في هذه ﴿أنزل﴾ فهو على التدريج كما قال الراجز:
أسنمة الآبال في ربابه .
وكما قال الشاعر [عمرو بن حبان]: [الطويل]
تعالى الندى في متنه وتحدرا
وجعلها ﴿ثمانية﴾، لأن كل واحد فيه زوج للذكر من فرعه، وهي الضأن والمعز والبقر والإبل.
وقوله تعالى: ﴿يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث﴾ قال ابن زيد،
معناه: يخلقكم في البطون خلقاً من بعد خلق آخر في ظهر آدم وظهور الآباء. وقال مجاهد وعكرمة
والسدي: يخلقكم في البطون رتباً خلقاً من بعد خلق على المضغة والعلقة وغير ذلك.
وقرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف: ﴿يخلقكم﴾ بإدغام القاف في الكاف في جميع القرآن.
وقرأ الجمهور: ﴿أُمهاتكم﴾ بضم الهمزة. وقرأ يحيى بن وثاب: بكسرها وهي لغتان.
وقوله: ﴿في ظلمات ثلاث﴾ قالت فرقة: الأولى هي ظهر الأب، ثم رحم الأم، ثم المشيمة في
البطن. وقا مجاهد وقتادة وابن زيد: هي المشيمة والرحم والبطن، وهذه الآيات كلها هي معتبر وتنبيه لهم
على الخالق الصانع الذي لا يستحق العبادة غيره، وهذا كله في رد أمر الأصنام والإفساد لها. ثم قال تعالى
لهم: ﴿ذلكم الله ربكم) وقد قامت على ذلك البراهين واتسقت الأدلة ﴿فأنى تصرفون﴾، أي من أي جهة
تضلون وبأي سبب؟
قوله عز وجل :
إِن تَكْفُرُواْفَإِنَ اللَّهَ غَنِىّ عَنكُمْ وَلَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُ واْيَرَضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَىُّ ثُمَّإِلَى رَّكُمْ فَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (
٧
قال ابن عباس: هذه الآية مخاطبة للكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. و((عباده)): هم
المؤمنون .