Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١
تفسير سورة النور / الآيتان: ٢،١
الرفع، وإن كان القياس عند سيبويه النصب، وأما الفراء والمبرد والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه
والخبر في قوله ﴿فاجلدوا﴾ لأن المعنى ﴿الزانية والزاني﴾ مجلودان بحكم الله تعالى وهذا قول جيد وهو
قول أكثر النحاة، وإن شئت قدرت الخبر ينبغي أن يجلدا، وقرأ ابن مسعود ((والزان)) بغير ياء، وقدمت
﴿الزانية﴾ في اللفظ من حيث كان في ذلك الزمن زنى النساء أفشى وكان لأمراء العرب وبغايا الوقت رايات
وكن مجاهرات بذلك وإذا العار بالنساء ألحق إذ موضعهن الحجبة والصيانة، فقدم ذكرهن تغليظاً واهتماماً،
والألف واللام في قوله: ﴿الزانية والزاني﴾ للجنس وذلك يعطي أنها عامة في جميع الزناة وهذه الآية باتفاق
ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء، وجماعة العلماء على عموم هذه الآية وأن حكم.
المحصنين منسوخ منها، واختلفوا في الناسخ فقالت فرقة الناسخ السنة المتواترة في الرجم، وقالت فرقة بل
القرآن الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه وهو الذي قرأه عمر في المنبر بمحضر الصحابة: ((الشيخ والشيخة إذا
زنيا فارجموهما البتة))، وقال إنا قرأناه في كتاب الله، واتفق الجميع على أن لفظه رفع وبقي حكمه، وقال
الحسن بن أبي الحسن وابن راهويه ليس في هذه الآية نسخ بل سنة الرجم جاءت بزيادة، فالمحصن، على
رأي هذه الفرقة يجلد ثم يرجم، وهو قول علي بن أبي طالب وفعله بشراحة ودليلهم قول النبي صلى الله
عليه وسلم ((والثيب بالثيب جلد مائة والرجم))، ويرد عليهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث رجم ولم
يجلد، وبه قال جمهور الأمة إذ فعله كقوله رفع الجلد عن المحصن وقال ابن سلام وغيره هذه الآية خاصة
في البكرين.
قال الفقيه الإمام القاضي: لأنه لم يبق من هذا حكمه إلا البكران واستدلوا على ذلك بقول النبي
صلى الله عليه وسلم ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام))، وبقوله ((على ابنك جلد مائة))، واستدلوا على
أنها غير عامة بخروج الإماء والعبيد وغيرهم منها، وقد تقدم بسط كثير من هذه المعاني في سورة النساء،
و((الجلد)) يكون والمجلود قاعد، عند مالك ولا يجزىء عنده إلا في في الظهر، وأصحاب الرأي
والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف وهو قول علي بن أبي طالب ويفرق الضرب على كل الأعضاء،
وأشار ابن عمر بالضرب إلى رجلي أمة جلدها في الزنى والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل،
ويترجح قول مالك رحمه الله بقول النبي صلى الله عليه وسلم ((البينة أو حد في ظهرك))، وقول عمر: أو
لأوجعن مثناك، ويعرى الرجل عند مالك والنخعي وأبي عبيدة بن الجراح وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز
والحسن والشعبي وغيرهم يرون أن يضرب على قميص وهو قول عثمان وابن مسعودٍ أيضاً، وأما المرأة
فتستر قولاً واحداً، وقرأ الجمهور ((رأفة)) همزة ساكنة على وزن فعلة، وقرأ ابن كثير ((رأفة)) على وزن فعَله
بفتح العين، وقرأ عاصم أيضاً ((رآفة)) على وزن فعالة كسآمة وكآبة، وهذه مصادر أشهرها الأولى من رأف
إذا أرق ورحم، وقرأ الجمهور ((تأخذكم)) بالتاء من فوق، وقرأ أبو عبد الرحمن ((يأخذكم)) بالياء من تحت
واختلف الناس في الرأفة المنهي عنها فيم هي فقال أبو مجلز ولاحق بن حميد ومجاهد وعكرمة وعطاء هي
في إسقاط الحد أي أقيموه، ولا بد وهذا تأويل ابن عمر وابن جبير وغيرهما ومن رأيهم أن الضرب في الزنا
والفرية والخمر على نحو واحد، وقال قتادة وابن المسيب وغيرهما (الرأفة)) المنهي عنها هي في تخفيف
الضرب عن الزناة، ومن رأيهم أن يخفف ضرب الخمر والفرية، ويشتد ضرب الزنا، وقال سليمان بن يسار
١

١٦٢
تفسير سورة النور / الآية : ٣
نهي عن الرأفة في الوجهين، وقال أبو مجلز إنا لنرجم المحدود ولكن لا نسقط الحد ..
قال الفقيه الإمام القاضي: وقول النبي عليه السلام في السوط دون هذا، ضرب من الرأفة وقال عمر
اضرب ولا تبدين إبطك، واتفق الناس على أن الضرب سوط بين سوطين، وقال الزهري ضرب الزنا والفرية
مشدد لأنهما بمعنى واحد وضرب الخمر مخفف، وقوله ﴿في دين الله﴾ بمعنى في الإخلال بدين الله أي
بشرعه، ويحتمل أن يكون ((الدين)) هنا بمعنى الحكم، ثم قررهم على معنى التثبيت والحض بقوله: ﴿إن
كنتم تؤمنون بالله﴾ وهذا كما تقول لرجل تحضه إن كنت رجلاً فافعل كذا أي هذه أفعال الرجال وقوله
﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾، المقصد بالآية الإغلاظ على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس، فلا
خلاف أن ((الطائفة)) كلما كثرت فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف الناس في أقل ما يجزىء فقال الحسن بن
أبي الحسن لا بد من حضور عشرة رأى أن هذا العدد عقد خارج عن الآحاد وهي أقل الكثرة.
وقال ابن زيد وغيره لا بد من حضور أربعة، ورأوا أن شهادة الزنا كذلك وأن هذا باب منه، وقال
الزهري ((الطائفة)) ثلاثة فصاعداً، وقال عطاء وعكرمة لا بد من اثنين وهذا مشهور قول مالك فرآها موضع
شهادة، وقال مجاهد: يجزىء الواحد ويسمى طائفة إلى الألف، وقاله ابن عباسٍ ونزعا بقوله تعالى: ﴿فلولا
نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقوله: ﴿وإن طائفتان﴾ [الحجرات: ٩] ونزلت في تقاتل
رجلين، واختلف العلماء في التغريب، وقد غرب الصديق إلى فدك وهو رأي عمر وعثمان وعلي وأبي ذر
وابن مسعود وأبي بن كعب ولكن عمر بعد نفى رجلاً فلحق بالروم فقال لا أنفي أحداً بعدها، وفيه عن مالك
قولان، ولا يرى تغريب النساء والعبيد واحتج بقوله عليه السلام ((لا تسافر المرأة مسيرة يوم إلا مع ذي
محرم))، وممن أبى التغريب جملة أصحاب الرأي، وقال الشافعي ينفى البكر رجلاً كان أو امرأة ونفى علي
امرأة إلى البصرة.
قوله عز وجل :
٣
الَِّ لَا يَنَكِّمُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزِّيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّازَانٍ أَوْمُشْرٌِ وَحُرِمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
في هذه الآية أربعة أوجه من التأويل: أحدها أن يكون مقصد الآية تشنيع وتبشيع أمره وأنه محرم على
المؤمنين واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ، ويريد بقوله ﴿لا ينكح﴾ أي لا يطأ فيكون النكاح بمعنى
الجماع وردد القصة مبالغة وآخذاً من كلا الطرفين، ثم زاد تقسيم المشرك والمشركة من حيث الشرك أعم
في المعاصي من الزنا، فالمعنى ﴿الزاني﴾ لا يطأ في وقت زناه ﴿إلا زانية﴾ من المسلمين أو من هي أخس
منها من المشركات، وقد روي عن ابن عباس وأصحابه أن النكاح في هذه الآية الوطء، وأنكر ذلك الزجاج
وقال لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزويج، وليس كما قال، وفي القرآن ﴿حتى تنكح زوجاً
غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] وقد بينه النبي عليه السلام أنه بمعنى الوطء، وذكر الطبري ما ينحو إلى هذا التأويل
عن سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة ولكن غير ملخص ولا مكمل. والثاني أن تكون الآية نزلت في قوم
مخصوصين وهذا قول روي معناه عن عبد الله بن عمر وعن ابن عباس وأصحابه قالوا وهم قوم كانوا يزنون

١٦٣
تفسير سورة النور / الآية : ٣
في جاهليتهم ببغايا مشهورات، فلما جاء الإسلام وأسلموا لم يمكنهم الزنا، فأرادوا لفقرهم زواج أولئك
النسوة إذ كان من عادتهن الإنفاق على من ارتسم بزواجهن فنزلت الآية بسببهن، والإشارة بـ ﴿الزاني﴾ إلى
أحد أولئك حمل عليه اسم الزنى الذي كان في الجاهلية. وقوله ﴿لا ينكح﴾ أي لا يتزوج، وفي الآية على
هذا التأويل معنى التفزع عليهم وفي ذلك توبيخ كأنه يقول أي مصاب الزاني لا يريد أن يتزوج إلا زانية أو
مشركة أي تنزع نفوسهم إلى هذه الخسائس لقلة انضباطهم، ويرد على هذا التأويل الإجماع على أن
﴿الزانية﴾ لا يجوز أن يتزوجها مشرك، ثم قوله ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ أي نكاح أولئك البغايا،
فيزعم أهل هذا التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله على أمة محمد عليه السلام ومن أشهرهن عناق
البغي وكان الذي هم بتزويجها يلقب دولدل كان يستخرج ضعفة المسلمين من مكة سراً ففطنت له ودعته
إلى نفسها فأبى الزنى وأراد التزويج، واستأذن في ذلك النبي عليه السلام، فنزلت الآية ولما دعته وأبى
قالت له: أي تبور والله لأفضحنك، وذكر الطبري أن من البغايا المذكورات أم مهزول جارية السائب بن
أبي السائب المخزومي، ويقال فيها أم مهزم وأم غليظ جارية صفوان بن أمية، وحنة القبطية، جارية
العاصي بن وائل، ومزنة جارية مالك بن عميلة بن سباق، وخلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية
عمروبن عثمان المخزومي، وشريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة، وفرنتا جارية
هلال بن أنس، وغيرهن ممن كانت لهن رايات تعرف منازلهن بها، وكذلك كان بالمدينة إماء عبد الله بن
أبي وغيره مشهورات، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال في سياق هذا التأويل كانت بيوت في الجاهلية
تسمى المواخير، كانوا يؤجرون فيها فتياتهم وكانت بيوتاً معلومة للزنى، فحرم الله ﴿ذلك على
المؤمنين﴾، ويحتمل أن يكون هذا الكلام في التأويل الذي ذكرته قبل هذا، وواحد المواخير ماخور ومنه
قول بعض المحدثين في كل واد هبطنٍ فيه دسكرة في كل نشز صعدن فيه ماخور. والتأويل الثالث تأويل
ذكره الزجاج وغيره عن الحسن وذلك أنه قال المراد ﴿الزاني﴾ المحدود ﴿والزانية﴾ المحدودة قال وهذا
٤
حكم من الله فلا يجوز لزان محدود ان يتزوج إلا زانية محدودة، وروي أن محدوداً تزوج غير محدودة فرد
علي بن أبي طالب نكاحهما، وقوله ﴿وحرم ذلك) يريد الزنى، وحكى الزهراوي في هذا حديثاً من طريق
أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله)) وهذا حديث لا
يصح، وقول فيه نظر، وإدخال ((المشرك)) في الآية يرده، وألفاظ الآية تأباه وإن قدرت المشركة بمعنى
الكتابية فلا حيلة في لفظ المشرك، ورابع قول روي عن سعيد بن المسيب وذلك أنه قال: هذا حكم كان
في الزنى عامة أن لا يتزوج زان إلا زانية ثم جاءت الرخصة ونسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى
منكم﴾ [النور: ٣٢] وروي ترتيب هذا النسخ أيضاً عن مجاهد، إلا أنه قال إن التحريم إنما كان في
أولئك النفر خاصة لا في الزناة عامة، ذكر ذلك عنهما أبو عبيدة في ناسخه وذكر عن مجاهد أنه قال: حرم
نكاح أولئك البغايا على أولئك النفر.
قال الفقيه الإمام القاضي: وذكر الإشراك في الآية يضعف هذه المناحي، وقرأ أبو البرهسم ((وحرم
اللّه ذلك على المؤمنين))، واختلف فيمن زنا بامرأة ثم أراد نكاحها فأجاز ذلك أبو بكر الصديق وابن عمر
وجابر بن عبد الله وطاوس وابن الحسيب وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة وابن عباس ومالك

١٦٤
تفسير سورة النور / الآيتان: ٥،٤
والثوري والشافعي ومنعه ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة وقالوا لا يزالان زانيين ما اجتمعا.
قوله عز وجل :
وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّلَمْيَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ ثُهَدَآءَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةٌ وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًّا
٥
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَتَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّالَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
هذه الآية نزلت في القاذفين، فقال سعيد بن جبير كان سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين رضي الله
عنها، وقيل نزلت بسبب القذفة عاماً لا في تلك النازلة، وذكر الله تعالى في الآية قذف النساء من حيث
هواهم، ورميهن بالفاحشة أبشع وأنكى للنفوس، وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، وإجماع
الأمة على ذلك وهذا نحو نصه تعالى على لحم الخنزير ودخول شحمه وغضاريفه ونحو ذلك بالمعنى
وبالإجماع، وحكى الزهراوي أن في المعنى الأنفس ﴿المحصنات﴾ فهي تعم بلفظها الرجال والنساء ويدل
على ذلك قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء﴾ [النساء: ٢٤]، والجمهور على فتح الصاد من
((المحصَنات))، وكسرها يحيى بن وثاب. و﴿المحصنات﴾ العفائف في هذا الموضع لأن هذا هو الذي
يجب به جلد القاذف، والعفة أعلى معاني الإحصان إذ في طيه الإسلام، وفي هذه النازلة الحرية ومنه قول
حسان: حصان رزان، البيت، ومنه قوله تعالى: ﴿والتي أحصنت فرجها﴾ [الأنبياء: ٩١]، وذكر الله من
صفات النساء المنافية للرمي بالزنا ولتخرج من ذلك من ثبت عليها الزنى وغير ذلك ممن لم تبلغ الوطء من
النساء حسب الخلاف في ذلك وعبر عن القذف بـ ((الرمي))، من حيث معتاد الرمي أنه مؤذ كالرمي بالحجر
والسهم فلما كان قول القاذف مؤذياً جعل رمياً، وهذا كما قيل وجرح اللسان كجرح اليد، والقذف والرمي
معنى واحد، وشدد الله تعالى على القاذف ﴿بأربعة شهداء﴾ رحمة بعباده وستراً لهم، وقرأ جمهور الناس
(بأربعة شهداء)) على إضافة الأربعة إلى الشهداء، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وأبو زرعة وابن جريج
((بأربعةٍ)) بالتنوين و((شهداء)) على هذا، إما بدل وإما صفة للأربعة وإما حال وإما تمييز وفي هذين نظر إذ
الحال من نكرة والتمييز مجموع، وسيبويه يرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر، وقد
حسن أبو الفتح هذه القراءة ورجحها على قراءة الجمهور، وحكم شهادة الأربعة أن تكون على معاينة مبالغة
كالمرود في المكحلة في موطن واحد فإن اضطرب منهم واحد جلد الثلاثة والقاذف كما فعل عمر بن
الخطاب رضي الله عنه في أمر المغيرة بن شعبة وذلك أنه شهد عليه بالزنى أبو بكرة نفيع بن الحارث وأخوه
نافع، وقال الزهراوي عبد الله بن الحارث وزياد أخوهما لأم، وهو مستلحق معاوية وشبل بن معبد البجلي،
فلما جاؤوا لأداء الشهادة توقف زياد ولم يؤدها كاملة، فجلد عمر الثلاثة المذكورين، و((الجلد)) الضرب
والمجالدة المضاربة في الجلود، أو بالجلود، ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيف وغيره ومنه قول قيس بن
الخطيم: [الطويل]
أجالدهم يوم الحديقة حاسراً كأن يدي بالسيف مخراق لاعب
ونصب ﴿ثمانينَ﴾ على المصدر و﴿جددةٌ﴾ على التمييز، ثم أمر تعالى أن لا تقبل للقذفة

:
١٦٥
تفسير سورة النور / الآيات: ٦ - ١٠
المحدودين ﴿شهادة أبداً﴾ وهذا يقتضي مدة أعمارهم، ثم حكم عليهم بأنهم ﴿فاسقون﴾ أي خارجون عن
طاعة الله عز وجل، ثم استثنى عز وجل من تاب وأصلح بعد القذف فإِنه وعدهم بالرحمة والمغفرة،
فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبداً، وفسقه، فالاستثناء غير عامل في جلده
بإجماع وعامل في فسقه بإجماع، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة، فقال شريح القاضي وإبراهيم
النخعي والحسن والثوري وأبو حنيفة لا يعمل الاستثناء في رد شهادته وإنما يزول فسقه عند الله تعالى، وأما
شهادة القاذف فلا تقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال، وقال جمهور الناس الاستثناء
عامل في رد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، ثم اختلفوا فى صورة توبته فمذهب عمر بن الخطاب
رضي الله عنه والشعبي وغيره أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه، وهكذا
فعل شبل بن معبد ونافع تابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة من
إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وقال مالك رحمه الله وغيره توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم
يرجع عن قوله بتكذيب، واختلف فقهاء المالكيين متى تسقط شهادة القاذف، فقال ابن الماجشون بنفس
قذفه، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد
شهادته، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي شهادته في مدة الأجل في الإثبات موقوفة، ورجح القول بأن التوبة
إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحد وبقي على عدالته. و﴿تابوا﴾ معناه
رجعوا وهذا ترجيح، وقد رجح الطبري وغيره قول مالك واختلف أيضاً على القول بجواز شهادته بعد التوبة
في أي شيء تجوز شهادته، فقال مالك رحمه الله تجوز في كل شيء بإطلاق وكذلك كل من حد في شيء
من الأشياء، وقال سحنون رحمه الله من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه،
وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنى فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنى ولا في
قذف ولا في لعان، وإن كان عدلاً، ورويا هذا القول عن مالك واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أن شهادته
لا تجوز في الزنا.
قوله عز وجل :
وَلَّذِينَ يَمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ
الضَدِقِينَ ﴿ وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ
أَرْبَعَ شَهِدَاتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ
وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّاللَّهَ تَوَابٌ حَكِيمٌ
لما نزلت الآية المتقدمة في ﴿الذين يرمون﴾ [النور: ٤] تناول ظاهرها الأزواج وغيرهن، فقال
سعد بن عبادة يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة والله لأضربنه بالسيف غير
مصفح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني))، وفي
ألفاظ سعد روايات مختلفة هذا نحو معناها، ثم جاء بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي فرمى زوجته بشريك

١٦٦
تفسير سورة النور / الآيات: ٦ - ١٠
ابن سحماء البلوي، فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضربه حد القذف، فنزلت هذه الآية عند
ذلك فجمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وتلاعنا فتلكأت المرأة عند الخامسة لما
وعظت، وقيل إنها موجبة ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم ولجت، وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم
بينهما وولدت غلاماً كأنه جمل أورق ثم كان بعد ذلك الغلام أميراً بمصر وهو لا يعرف لنفسه أباً . ثم جاءه
أيضاً عويمر العجلاني فرمى امرأته ولاعن. والمشهور أن نازلة هلال قبل وأنها سبب الآية، وقيل نازلة عويمر
قبل وهو الذي وسط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصم بن عدي، و((الأزواج)) في هذا الحكم يعم
المسلمات والكافرات والإماء، فكلهن يلاعنهن الزوج للانتفاء من الحمل، وتختص الحرة بدفع حد القذف
عن نفسه، وقرأ الجمهور ((أربعَ شهادات)) بالنصب وهو كانتصاب المصدر والعامل في ذلك قوله ﴿فشهادة﴾
ورفع ((الشهادة)) على خبر ابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب، أو على الابتداء بتقدير فعليهم أن يشهدوا
وبتقدير حذف الخبر وتقديره في آخر الآية كافية أو واجبة، وقوله ﴿بالله﴾ من صلة ﴿شهادات﴾، ويجوز أن
يكون من صلة ﴿فشهادة﴾، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ((أربعُ)) بالرفع وذلك على خبر قوله
﴿قشهادة﴾ قال أبو حاتم لا وجه للرفع لأن الشهادة ليست بـ (أربع شهادات﴾ و﴿بالله﴾ على هذه القراءة
من صلة ﴿شهادات﴾، ولا يجوز أن يكون من صلة ((شهادة)) لأنك كنت تفصل بين الصلة والموصول بالخبر
الذي هو ﴿أربع شهادات﴾، وقوله: ﴿إنه لمن الكاذبين) في قول من نصب ((أربعَ شهادات)) يجوز أن
تكون من صلة ((شهادة)) وهي جملة في موضع نصب، لأن الشهادة أوقعتها موقع المفعول به، ومن رفع
((أربعُ شهادات)) فقوله ﴿إنه لمن الكاذبين) من صلة ﴿شهادات) لعلة الفصل المتقدمة في قوله ﴿باله﴾،
وقرأ حفص عن عاصم ((والخامسةَ)) بالنصب في الثانية، وقرأها بالنصب فيهما طلحة بن مصرف وأبو
عبد الرحمن والحسن والأعمش، وقرأ الجمهور فيهما ((والخامسةُ)) بالرفع، فأما من نصب فإن كان من
قراءته نصب قوله ((أربعَ شهدات)) فإنه عطف الخامسة على ذلك لأنها من الشهادات، وإن كان يقرأ ((أربعُ))
بالرفع، فإنه جعل نصب قوله، والخامسة على فعل يدل عليه متقدم الكلام تقديره وتشهد الخامسة، وأما من
رفع قوله ((والخامسةُ)) فإن كان يقرأ ((أربعُ)) بالرفع فقوله ((والخامسةُ)) عطف على ذلك، وإن كان يقرأ ((أربعَ))
بالنصب فإنه حمل قوله ((والخامسةُ)) على المعنى لأن معنى قوله شهادة أحدهم عليهم أربع شهادات
والخامسة واستشهد أبو علي لهذا بحمل الشاعر: [الكامل]
ومشجج أما سواد قذاله
البيت على قوله: ((إلا رواكد جمرهن هباء)» لأن المعنى ثم رواكد ولا خلاف في السبع في رفع قوله
((والخامسةُ)) في الأولى، وإنما خلاف السبع في الثانية فقط فنصبه حمل على قوله ﴿أن تشهد أربع﴾
﴿والخامسة﴾ على القطع والحمل على المعنى، وقرأ نافع وحده ((أن لعنة)) و((أنّ غضب))، وقرأ الأعرج
والحسن وقتادة وأبو رجاء وعيسى (أن لعنة)) و((أن غضب الله)) وهذا على إضمار الأمر وهي المخففة كما
هي في قول الشاعر: ((في فتية كسيوف الهند، البيت))، وقرأ باقي السبعة ((أنّ لعنة الله)) ((وأنّ غضب الله))
بتشديد النون فيهما ونصب ((اللعنة والغضب)) ورجح الأخفش القراءة بتثقيل النون لأن الخفيفة إنما يراد بها
التثقيل ويضمر معها الأمر والشأن وما لا يحتاج معه إلى إضمار أولى .
:

١٦٧
تفسير سورة النور / الآيات: ٦ - ١١ .
قال الفقيه الإمام القاضي: لا سيما وأن الخفيفة على قراءة نافع في قوله ((أن غضب)) قد وليها الفعل،
قال أبو علي وأهل العربية يستقبحون أن يليها الفعل إلا أن يفصل بينها وبينه بشيء نحو قوله تعالى ﴿علم أن
سيكون﴾ [المزمل: ٢٠] وقوله: ﴿أَفلا يرون ألا يرجع﴾ [طه: ٨٩] وأما قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان
إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩] فذلك لقلة تمكن ليس في الأفعال وأما قوله: ﴿أن بورك من في النار﴾
[النمل: ٨] فـ ﴿بورك﴾ على معنى الدعاء فلم يجز دخول الفاصل لئلا يفسد المعنى. و «العذاب المدرأ)»
في قول جمهور العلماء الحد وحكى الطبري عن آخرين أنه الحبس وهو قول أصحاب الرأي وأنه لا حد
عليها إن لم تلاعن وليس يوجبه عليها قول الزوج.
قال الفقيه الإمام القاضي: وظاهر حديث الموقفة في الخامسة حين تلكأت ثم مرت في لعانها أنها
كانت تحد لقول النبي عليه السلام لها فعذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة وجعلت ((اللعنة)) للرجل
الكاذب لأنه مفتر مباهت بالقول فأبعد باللعنة وجعل ((الغضب)) الذي هو أشد على المرأة التي باشرت
المعصية بالفعل ثم كذبت وباهتت بالقول فهذا معنى هذه الألفاظ والله أعلم.
قال الفقيه الإمام القاضي: ولا بد أن نذكر في تفسير هذه الآية ما يتعلق بها من مسائل اللعان إذ لا
يستغنى عنها في معرفة حكمه وحيث يجب، أجمع مالك وأصحابه على وجوب اللعان بادعاء رؤية زنى لا
وطء من الزوج بعده، وكذلك مشهور المذهب، وقول مالك إن اللعان يجب بنفي حمل يدعى قبله
استبراء، وحكى اللخمي عن مالك أنه قال مرة: لا ينفى الولد بالاستبراء لأن الحيض يأتي على الحمل،
وقاله أشهب في كتاب ابن المواز، وقاله المغيرة، وقال لا ينفى الولد إلا بخمس سنين، واختلف المذهب
في أن يقذف الرجل أو ينفي حملاً ولا يعلل ذلك لا برؤية ولا باستبراء، فجل رواة مالك لا يوجب لعاناً بل
يحد الزوج، وقاله ابن القاسم وروي عنه أيضاً أنه قال يلاعن ولا يسأل عن شيء، واختلف بعد القول
بالاستبراء في قدر الاستبراء، فقال مالك والمغيرة في أحد قوليه يجزىء في ذلك حيضة. وقال أيضاً مالك
لا ينفعه إلا ثلاث حيض، وأما موضع اللعان ففي المسجد وعند الحاكم والمستحب أن يكون في المسجد
بحضرة الحاكم، وكذلك يستحب بعد العصر تغليظاً بالوقت وكل وقت مجز، ومن قذف امرأته وهي كبيرة لا
تحملٍ تلاعنا هو لدفع الحد وهي لدرء العذاب، وإن كانت صغيرة لا تحمل لاعن هو لدفع الحد ولم تلاعن
هي لأنها لو أقرت لم يلزمها شيء، وقال ابن الماجشون لا حد على قاذف من لم يبلغ، قال اللخمي فعلى
هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل، والمستحب من ألفاظ اللعان أن يمشي مع ترتيب القرآن
ولفظه فيقول الزوج أشهد بالله لرأيت هذه المرأة تزني وإني في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة
لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، وقال أصبغ لا بد أن يقول كالمرود في المکحلة، وقيل لا يلزمه ذلك
وكذلك يقول أشهب لا بد أن يقول بالله الذي لا إله إلا هو، وأما في لعان نفي الحمل فقيل يقول الرجل ما
هذا الولد مني ولزنت، وقال ابن القاسم في الموازنة: لا يقول وزنت من حيث يمكن أن تغصب، وتقول
المرأة أشهد بالله ما زنيت وإنه في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول غضب الله علي إن كان من الصادقين فإِن
منع جهلهما من ترتيب هذه الألفاظ وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، وحكى اللخمي عن محمد بن أبي صفرة
أنه قال اللعان لا يرفع العصمة لقول عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها قال: فأحدث طلاقاً،

١٦٨
تفسير سورة النور / الآية: ١١
ومشهور المذهب أن نفس تمام اللعان بينهما فرقة ولا يحتاج معها إلى تفريق حاكم وابن أبي صفرة هذا
ليس بعيد يزاحم به الجمهور. ومذهب الشافعي أن الفرقة حاصلة إثر لعان الزوج وحده، وقال أبو حنيفة
وأصحابه لا تفريق إلا بحكم السلطان بعد لعانهما، فإن مات أحدهما بعد تمام لعانهما وقبل حكم القاضي
ورثه الآخر، ومذهب المدونة أن اللعان حكم تفريقه حكم الطلاق ويعطى لغير المدخول بها نفس
الصداق، وفي مختصر ابن الجلاب لا شيء لها وهذا على أن تفريق اللعان فسخ، وقال ابن القصار تفريق
اللعان عندنا فسخ وتحريم اللعان أبدي بإجماع فيما أحفظ من مذهب مالك رحمه الله، ومن فقهاء الكوفة
وغيرهم من لا يراه متأبداً، وإن أكذب نفسه بعد اللعان لم ينتفع بذلك، وروي عن عبد العزيز بن أبي سلمة
أنه إن أكذب نفسه بعد اللعان كان خاطباً من الخطاب، وإن تقدمت المرأة في اللعان فقال ابن القاسم لا
تعيد، وقال أشهب تعيد، والجواب في قوله ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ الآية محذوف تقديره
لكشف الزناة بأيسر من هذا، ولأخذهم بعذاب من عنده، أو نحو هذا من المعاني التي أوجب تقديرها إبهام
الجواب .
قوله عز وجل :
إِنَّالَّذِينَ جَآءُ وبِلْإِفِكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْلَا تَحْسَبُوهُ شَرَّالَّكُمْبَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِ أَمْرٍِ مِّنْهُمْ مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ
١١
اُلْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَمُمِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ
هذه الآية وما بعدها إلى ست عشرة آية أنزلت في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وما اتصل بذلك
من أمر ((الإفك))، وفي البخاري في غزوة بني المصطلق عن عائشة قالت وأنزل الله العشر الآيات ثم أنزل
الله ما قرىء في براءتي فكأنها عدت ما تختص بها. و((الإفك)) الزور والكذب، والأفاك الكذاب،
و((الإفك)) قلب الحقيقة عن حالها بالأقوال وصرفها عن جهة الصواب وبذلك شبه الكذب واختصار حديث
(الإفك)) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بعائشة في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع قال
ابن إسحاق كانت سنة ست، وقال ابن عقبة كانت سنة أربع فضاع لها هناك عقد، فلما انصرفت إلى الرحل
شعرت بضياعه وجعلت تطلبه، وسار الناس يومئذ فوجدته وانصرفت فلم تجد أحداً، وكانت شابة قليلة
اللحم رفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه فلما لم تجد أحداً اضطجعت في مكانها رجاء أن تفتقد
فيرجع عنها فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل إنا لله وإنا إليه راجعون، وذلك أنه
تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة وقيل اتفاقاً فلما مر بسوادها قرب منها فعرفها، فاسترجع وقال ظعينة
رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفت هاهنا، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة وأخذ يقودها
حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة فوقع أهل ((الإفك)) في مقالتهم وكل الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه
عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، هذا
اختصار الحديث وهو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم وهو في مسلم أكمل وكان صفوان صاحب ساقة
رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته وكان من خيار الصحابة قال لما سمع ما قال الناس
فيه: سبحان الله والله ما كشفت كنف أنثى قط.

١٦٩
تفسير سورة النور / الآيات : ١١ _
قال الفقيه الإمام القاضي: أراد بزنى، ويدل على ذلك حديثه المروي مع امرأته وقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم في ابنيه ((لهما أشبه به من الغراب بالغراب))، وقيل كان حصوراً لا يأتي النساء ذكره
ابن إسحاق من طريق عائشة، وقتل شهيداً رضي الله عنه في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمن عمر،
وقيل في بلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمن معاوية، وقوله ﴿عصبة﴾ رفع على البدل من الضمير في
﴿جاؤوا﴾ وخبر﴿إن﴾ في قوله ﴿لا تحسبوه﴾ والتقدير إن فعل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة
من أن يكون ﴿عصبة﴾ خبر (إن) و((العصبة)) الجماعة من العشرة إلى الأربعين، قاله يعقوب وغيره ولا
يقال عصبة لأقل من عشرة ولم يسم من أهل ((الإفك)) إلا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله وجهل الغير قاله
عروة بن الزبير وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن مروان وقال ألا إنهم كانوا ﴿عصبة﴾ كما قال الله تعالى.
وقوله ﴿لا تحسبوه﴾ خطاب لكل من ساءه من المؤمنين، وقوله ﴿بل هو خير لكم﴾ يريد أنه تبرئة في الدنيا
وترفيع من الله تعالى في أن نزل وحيه بالبراءة من ذلك وأجر جزيل في الآخرة وموعظة للمؤمنين في غابر
الزمن، ونقمة من المفترين في الدنيا والآخرة، ففي ذلك شفاء وخير وهذه خمسة أوجه، والضمير في قوله
، عائد على العصبة المذكورة، و﴿اكتسب﴾ مستعملة في المآثم ونحوها لأنها تدل على اعتمال
وقصد فهو أبلغ في التذنيب، وكسب مستعمل في الخير وذلك أن حصوله مغن عن الدلالة على اعتمال
فيه، وقد تستعمل کسب في الوجهين ومثله :
فحملت برة واحتملت فجاره، والإشارة بقوله ﴿والذي تولى كبره﴾ إلى عبد الله بن أبي ابن سلول،
والعذاب المتوعد به هو عذاب الآخرة، وهذا قول الجمهور وهو ظاهر الحديث، وروي عن عائشة رضي
الله عنها أن حسان بن ثابت دخل عليها يوماً وقد عمي فأنشدها مدحه فيها: [الطويل]
حصان رزان ما تزنُّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت له عائشة: لا لكنك لست كذلك تريد أنه وقع في الغوافل فأنشد: [الطويل]
ما قد قيل عني قلته فلا رفعت سوطي إليَّ أَناملي
فلما خرج قال لها مسروق أيدخل هذا عليك وقد قال ما قال وتوعده الله بالعذاب على توليه كبر
الإفك، فقالت عائشة أي عذاب أشد من العمى، وضرب الحد؟ وفي بعض الروايات وضربه بالسيف ع
فأما قولها عن الحد فإن حسان وجمنة ومسطحاً حدوا، ذكر ذلك ابن إسحاق وذكره الترمذي واما ضربه
٤
بالسيف فإن صفوان بن المعطل لما بلغه قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه وقال:
[الطويل]
ب السيف عني فإنني غلام إذا هوجيت لسـ
فأخذ جماعة صفوان ولنبوه وجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدر رسول الله صلى الله عليه
وسلم جرح حسان أو استوهبه إياه وهذا يقتضي أن حسان ممن تولى الكبر، وقال قوم الإشارة بـ ﴿الذي﴾
إلى البادي بهذه الفرية والذي اختلقها فـ ﴿لكل﴾ واحد ﴿منهم ما اكتسب﴾ وللبادي المفتري عذاب
عظيم، وهو على هذا غير معين وهذا قول الضحاك والحسن وقال أبو زيد وغيره هو عبد الله بن أبي، وقرأ

١٧٠
تفسير سورة النور / الآيات: ١٢ - ١٨
جمهور الناس ((كبره)) بكسر الكاف، وقرأ حميد والأعرج ويعقوب والزهري وأبو رجاء والأعمش وابن أبي
عبلة ((كُبره)) بضم الكاف وهما مصدران من كبر الشيء عظم، ولكن استعملت العرب ضم الكاف في السن
تقول هذا كبر القوم أي كبيرهم سناً أو مكانة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حويصة
ومحيصة ((الكبر الكبر)) ومن استعماله في المعنى الثاني قول ابن الحطيم: [المنسرح]
قامت رويداً تكاد تنقصف
تنام عن كبر شأنها فإذا
قوله عز وجل :
1
لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْهَذَا ◌ِفٌْ مُبِينٌ ﴿الَّوْلَا جَاءُ وعَلَيْهِ
بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءٌ فَإِذْلَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءٍ فَأُوْلَهِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ
١٣
الخطاب بهاتين الآيتين لجميع المؤمنين حاشى من تولى الكبر ويحتمل دخولهم في الخطاب، وفي
هذا عتاب للمؤمنين أي كان الإنكار واجباً عليهم، والمعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين
والمؤمنات الأمر على أنفسهم وإذا كان ذلك يبعد فيهم فكانوا يقضون بأنه من صفوان وعائشة أبعد
لفضلهما، وروي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك أنه دخل عليها فقالت له
يا أبا أيوب أسمعت ما قيل؟ فقال نعم وذلك الكذب أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟ قالت لا والله، قال
فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب نعم فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله المؤمنين إذ لم يفعله
جميعهم، والضمير في قوله: ﴿جاؤوا﴾ لأولئك الذين تولوا الكبر وإذا كانوا عند الله كذبة فهي الحقيقة فيهم
وعند هذا حدوا، ولم يرو في شهير الدواوين أن عبد الله بن أبي حد، ويشبه ذلك لأنه لم تقم عليه بالمقالة
بينة لنفاقه وتستره، وإنما كان يخوض فيه مع من يذيعه ولا يسأل عن شهادته كما قال عروة أخبرت أنه كان
يقره ويستمعه ويستوشيه .
قال الفقيه الإمام القاضي: ولكن النبي عليه السلام استعذر منه على المنبر ووقذه بالقول ووقع في
أمره بين الأوس والخزرج ما هو مطول في مسلم في جملة حديث الإفك.
قوله عز وجل :
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِلَمَسَّكُمْفِ مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣) إِذْتَقَّوْنَهُ
بِأَلْسِنَتِكُمْوَتَقُولُونَ بِأَفْوَ هِكُم مَّالَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيْنَاوَهُوَ عِندَ اللّهِ عَظِيمٌ ﴾ وَلَوْلَآ إِذْ
سَمِعْتُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ ( يَعِطُكُمُ اللَّهُ أَن نَعُودُوا
لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كَنُ مُؤْمِنِينَ (٣) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ
هذا عتاب من الله تعالى بليغ ذكر أن حالتهم التي وقع فيها جميعهم من تعاطيهم الحديث وإن لم

١٧١
تفسير سورة النور / الآيتان: ١٩، ٢٠
يكن المخبر ولا المخبر مصدقين، ولكن نفس التعاطي والتلقي من لسان إلى لسان والإفاضة في الحديث
هو الذي وقع العتاب فيه، وقرأ محمد بن السميفع ((إذ تُلْقُونه)) بضم التاء وسكون اللام وضم القاف من
لإلقاء، وهذه قراءة بينة وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود ((إذ تتلقونه)) بضم التاء من التلقي بتاءين،
وقرأ جمهور السبعة ((إذا تلقونه)) بحذف التاء الواحدة وإظهار الذال دون إدغام وهو أيضاً من
التلقي، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ((أتلقونه)) بإدغام الذال في التاء، وقرأ ابن كثير ((إذا تلقونه)) بإظهار
الذال وإدغام التاء في التاء وهذه قراءة قلقة لأنها تقتضي اجتماع ساكنين وليس كالإدغام في قراءة من قرأ فلا
(تناجوا ولا تنابزوا)) لأن لدونة الألف الساكنة وكونها حرف لين حسنت هنالك ما لا يحسن مع سكون الدال،
وقرأ ابن يعمر وعائشة رضي الله عنها وهي أعلم الناس بهذا الأمر ((إذ تَلِقُونه)) بفتح التاء وكسر اللام وضم
القاف، ومعنى هذه القراءة من قول العرب ولق الرجل ولقاً إذا كذب قال ابن سيده في المحكم قرىء ((إذ
تلقونه)) وحكى أهل اللغة أنها من ولق إذا كذب فجاؤوا بالمتعدي شاهداً على غير المتعدي وعندي أنه أراد
إذ تلقون فيه فحذف حرف الجر ووصل بالضمير، وحكى الطبري وغيره أن هذه اللفظة مأخوذة من الولق
الذي هو إسراعك بالشيء بعد الشيء كعدو في إثر عدو وكلام في إثر كلام يقال ولق في سيره إذا أسرع ومنه
قول الشاعر:
«جاءت به عنس من الشام تلق))
وقوله تعالى: ﴿وتقولون بأفواهكم﴾ مبالغة وإلزام وتأكید.
والضمير في قوله ﴿وتحسبونه﴾ للحديث والخوض فيه والإذاعة له، وقوله تعالى: ﴿ولولا إذ
سمعتموه﴾ إلى ﴿حكيم﴾، عتاب لجميع المؤمنين أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من
بعض على جهة الحكاية والنقل وأن تنزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيه عليه السلام وأن تحكموا
على هذه المقالة بأنها ﴿بهتان﴾، وحقيقة البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس فيه والغيبة أن يقال في
الإنسان ما فيه. ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة و﴿أن﴾ مفعول من أجله بتقدير ((كراهية
أن)» ونحوه، وقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين) توقيف وتأكيد كما تقول ينبغي لك أن تفعل كذا وكذا إن كنت رجلاً
وسائر الآية بين و﴿عليم حكيم﴾ صفتان تقتضيهما الآية.
قوله عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُوْلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ لَـ
٢٠
قال مجاهد وابن زيد الإشارة بهذه الآية إلى المنافقين عبد الله بن أبي ومن أشبهه، وهي خاصة في
أمر عائشة رضي الله عنها ع فحبهم شياع ﴿الفاحشة﴾ في المؤمنين متمكن على وجهه لعداوتهم في أهل
الإيمان، و((عذابهم الأليم)) ﴿في الدنيا﴾ الحدود، وفي ﴿الآخرة﴾ النار، وقالت فرقة وقولها الأظهر الآية
عامة في كل قاذف منافقاً كان أو مؤمناً ع فالقاذف المؤمن لا يتصف بحب شياع ﴿الفاحشة﴾ في المؤمنين
:
١

١٧٢
تفسير سورة النور / الآيتان: ٢٢،٢١
جملة لكنه يحبها المقذوفه، وكذلك آخر لمقذوفه، وآخر حتى ﴿تشيع الفاحشة﴾ من مجموع فعلهم فهم لها
محبون بهذا الوجه من حيث أحب كل واحد جزءاً من شياعها، والعذاب الأليم ﴿في الدنيا﴾ الحدود وفي
﴿الآخرة﴾ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون القاذف متوعداً من بين العصاة بعذاب الآخرة لا يزيله الحد،
حسب مقتضى حديث عبادة بن الصامت ويكون أمره كأمر المحاربين إذا صلبوا لهم خزي في الدنيا ولهم
في الآخرة عذاب، والوجه الثاني أن يحكم بأن الحد مسقط عذاب الآخرة حسب حديث عبادة بن
الصامت وأن قوله ﴿والآخرة﴾ لا يريد به عموم القذفة بل يريد إما المنافقين وإما من لم يتب، وقال الطبري
معناه إن مات مصراً غير تائب، وقوله ﴿والله يعلم﴾ معناه البريء من المذنب وسائر الأمور، وحجة الحكمة
في ستركم والتغليظ في الوعيد والعذاب على قاذفيكم، وقوله: ﴿ولولا فضل الله﴾ الآية جواب ﴿لولا﴾
محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره لفضحكم بذنوبكم ولعذبكم فيما أفضتم فيه من قول الباطل والبهتان.
قوله عز وجل :
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ مََّمَنُواْلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ وَمَنْ يَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ
وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَازَّكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ﴾
هذا الخطاب عام لجميع المؤمنين، و﴿خطوات﴾ جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي فكأن
المعنى لا تمشوا في سبله وطرقه من الأفعال الخبيثة، وقال منذر بن سعيد يجوز أن يكون ﴿خطوات﴾
جمع خطأ من الخبيثة، وسهلت الهمزة فنطق بها ﴿خطوات﴾ وقرأ بضم الطاء من (خُطوات)) الجمهور،
وقرأ بسكونها عاصم والأعمش، وقرأ الجمهور ((ما زكى))، بتخفيف الكاف أي ما اهتدى ولا أسلم ولا عرف
رشداً، وقرأ أبو حيوة والحسن ((زكّى)) بشد الكاف أي تزكيته لكم وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا
بأعمالكم وتحرزكم من المعاصي، ثم ذكر تعالى أنه ﴿يزكي من يشاء﴾ ممن سبقت له السعادة وكان عمله
الصالح أمارة على سبق السعادة له، ثم أخبر بأنه ﴿سميع﴾ لجميع أقوالهم وكلامهم من قذف وغيره،
﴿عظيم﴾ بحق ذلك من باطله لا يجوز عليه في ذلك وهم ولا غلط.
قوله عز وجل:
وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسْكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوْأَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ
٣٢
المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة الصديق ومسطح بن أثاثة،
وذلك أنه كان ابن خالته وكان من المهاجرين البدريين المساكين وهو مسطح بن أثاثة بن عباد بن
المطلب بن عبد مناف، وقيل اسمه وف ومسطح لقب، وكان أبو بكر ينفق عليه لمسكنته، فلما وقع أمر

١٧٣
تفسير سورة النور / الآية : ٢٢
الإفك وقال فيه مسطح ما قال حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبداً، فجاءه مسطح فاعتذر وقال
إنما كنت أغشى مجلس حسان فأسمع ولا أقول، فقال له أبو بكر لقد ضحكت وشاركت فيما
قيل ومر على يمينه، فنزلت الآية، وقال الضحاك وابن عباس إن جماعة من المؤمنين قطعوا
منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة فنزلت الآية في جميعهم
والأول أصح، غير أن الآية تتناول الأمة إلى يوم القيامة بأن لا يغتاظ ((ذو فضل وسعة)) فيحلف أن لا ينفع من
هذه صفته غابر الدهر، ورأى الفقهاء من حلف ألا يفعل سنة من السنن أو مندوباً وأبد ذلك أنها جرحة في
شهادته ذكره الباجي في المنتقى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ((أيكم المتألي على الله لا يفعل
المعروف)»، و﴿يأتل﴾ معناه يحلف وزنها يفتعل من الألية وهي اليمين، وقالت فرقة معناه يقصر من قولك
ألوت في كذا إذا قصرت فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يألونكم خبالاً﴾، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وزيد بن
أسلم ((ولا يتأل)) وهذا وزنه يتفعل من الآلية بلا خلاف وهي في المصحف ياء تاء لام، فلذلك ساغ هذا
الخلاف لأبي جعفر وزيد فروياه، وذكر الطبري أن خط المصحف مع قراءة الجمهور فظاهر قوله إن ثم ألفاً
قبل التاء، و((الفضل والسعة)) هنا هي المال، وقوله تعالى: ﴿ألا تحبون) الآية تمثيل وحجة أي كما تحبون
عفو الله لكم عن ذنوبكم فذلك أغفر لمن دونكم وينظر إلى هذا المعنى قول النبي عليه السلام (من لا يرحم
لا يُرحم)) فروي أن أبا بكر رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية قال إني لأحب أن يغفر الله لي ورجع إلى
مسطح النفقة والإحسان الذي كان يجري عليه، قالت عائشة وكفر عن يمينه، وقرأ ابن مسعود وسفيان بن
حسين ((ولتعفوا ولتصفحوا)) بالتاء من فوق فيهما، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض
الناس هذه أرجى آية في كتاب الله عز وجل من حيث لطف الله فيها بالقذفة العصاة بهذا اللفظ، قال
القاضي أبو محمد وإنما تعطي الآية تفضلاً من الله في الدنيا وإنما الرجاء في الآخرة، أما أنَ الرجاء في هذه
الآية بقياس أي إذا أمر ((أولي السعة)) بالعفو فطرد هذا التفضل بسعة رحمته لا رب سواه، وإنما آيات الرجاء
قوله تعالى: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ [الزمر: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿لله لطيف بعباده﴾
[الشورى: ١٩]. وسمعت أبي رضي الله عنه يقول إن أرجى آية في كتاب الله عندي قوله تعالى: ﴿وبشر
المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً﴾ [الأحزاب: ٤٧]. وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿والذين آمنوا
وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير﴾
[الشورى: ٢٢]. فشرح الفضل الكبير في هذه الآية وبشر بها المؤمنين في تلك، وقال بعضهم أوجى آية
في كتاب الله تعالى قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى: ٥]. وذلك أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار.
قوله عز وجل :
إِنَّالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْفِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
٢٣
يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمٌ آللَّهُ دِمِنْهُمْ أَلْحَقَّ
٢٤
يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ
أ

١٧٤
تفسير سورة النور / الآيات: ٢٣ - ٢٦
٢٥
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَالْحَقُّ الْمُبِينُ
قال سعيد بن جبير إن هذه الآية التي تضمنت لعن القاذف وتوعده الشديد إنما هي خاصة في رماة
عائشة، وقال ابن عباس والضحاك وغيرهما بل هذه لجميع أزواج النبي عليه السلام، غلظ الله أمر رميهن
لمكانهن من الدين، فلعن قاذفهن ولم يقرن بآخر الآية توبة ع وقاذف غيرهن له اسم الفسق، وذكرت له
التوبة، وقالت جماعة من العلماء بل هي في شأن عائشة إلا أنه يراد بها كل من اتصف بهذه الصفة، وقال
بعض هذه الفرقة إن هذه الآية نزلت أولاً في القاذفين، ثم نزلت بعد ذلك الآية التي صدرت في السورة
التي فيها التوبة، وقد تقدم القول في ﴿المحصنات﴾ ما معناه، و((اللعنة)) في هذه الآية الإبعاد وضرب
الحد واستيحاش المؤمنين منهم وهجرهم. لهم وزوالهم عن رتبة العدالة، وعلى من قال إن هذه
الآية خاصة لعائشة تترتب هذه الشدائد في جانب عبد الله بن أبي وأشباهه وفي ضمن رمي المحصنة رمي
الرجل معها وقد يكون مؤمناً، والعامل في قوله ﴿يوم) فعل مضمر يقتضيه ((العذاب)) أي يعذبونه ﴿يوم) أو
نحو هذا، وأخبر الله تعالى أن جوارحهم تشهد عليهم ذلك من أعظم الخزي والتنكيل فيشهد اللسان وقلب
المنافق لا يريد ما يشهد به، وتشهد الأيدي والأرجل كلاماً يقدرها الله عليه، وقرأ جمهور السبعة ((تشهد))
بالتاء من فوق وقرأ حمزة والكسائي ((يشهد)) بالياء و((الدين)) في هذه الآية الجزاء ومنه قول الشاعر:
[شهل بن شيبان الزماني] [الهزج]
ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا
أي جازيناهم كما فعلوا مثل المثل كما تدين تدان، وقرأ جمهور الناس «الحقَّ)) بالنصب على الصفة
للدين، وقرأ مجاهد ((الحقُّ)) بالرفع على الصفة لله عز وجل وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب ((يومئذ
يوفيهم الله الحق دينهم)) بتقديم الصفة على الموصوف ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله
﴿يعلمون أن الله هو الحق المبين﴾ يقوي قول من ذهب إلى أن الآية في المنافقين عبد الله بن أبي وغيره
وذلك أن كل مؤمن ففي الدنيا يعلم ﴿أَن الله هو الحق المبين﴾ وإلا فليس بمؤمن.
قوله عز وجل:
الْخَبِيئَاتُ لِلْخَبِشِنَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِشَةِ وَالطََِّّتُ لِلَِّبِينَ وَالطَِّبُونَ لِلَّيَِّتِّ أُوْلَهِكَ
مُبَّءُونَ مِمَايَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ إ
٢٦
اختلف المتأولون في الموصوف في هذه الآية بـ ((الخبيث والطيب))، فقال ابن عباس ومجاهد
والضحاك وقتادة هي الأقوال والأفعال ثم اختلفت هذه الجماعة فقال بعضها المعنى الكلمات والفعلات
((الخبيثات))لا يقولها ويرضاها إلا ﴿الخبيثات﴾ من الناس فهي لهم وهم لها بهذا الوجه وكذلك ﴿الطيبات
الطيبين﴾ وقال بعضها المعنى الكلمات والفعلات الخبيثات لا تليق وتلصق عند رمي الرامي وقذف
القاذف إلا بالخبيثين من الناس فهي لهم وهم لها بهذا الوجه، وقال ابن زيد الموصوف بالخبيث والطيب

١٧٥
تفسير سورة النور / الآيتان: ٢٧، ٢٨
النساء والرجال، وإنما الآية على نحو التي تقدمت وهي قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾
[النور: ٣] الآية فمعنى هذا، التفريق بين حكم عبد الله بن أبي وأشباهه وبين حكم النبي عليه السلام
وفضلاء صحابته وأمته، أي النبي عليه السلام طيب فلم يجعل الله له إلا كل طيبة وأولئك خبيثون فهم أهل
النساء الخبائث.
قال الفقيه الإمام القاضي: وبهذه الآية قيل لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ﴿الطيبات﴾
المبرءات، وقوله ﴿أولئك﴾ إشارة إلى ﴿الطيبين﴾ المذكورين.
قوله عز وجل :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْ خُلُواْبُيُوتًا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ
أَ فَإِ لَّمْتَجِدُ وافِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْ خُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْوَإِنِ قِلَ لَكُمُ
٢٧
خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
أَرْجِعُواْ فَارْ جِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
٢٨
سبب هذه الآية فيما ذكر الطبري بسند عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت يا رسول الله إني
أكون في منزلي على الحالة التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد وإنه لا يزال يدخل علي رجل
من أهلي وأنا على تلك الحال فنزلت هذه الآية، ثم هي عامة في الأمة غابر الدهر من حيث هذه النازلة
تختص بكل أحد فى نفسه وبيت الإنسان، هو البيت الذي لا أحد معه فيه أو البيت الذي فيه زوجه أو أمته،
وما عدا فهو غير بيته، قال ابن مسعود وغيره ينبغي للإنسان أن لا يدخل البيت الذي فيه أمه إلا بعد
الاستيناس، وروي في ذلك حديث عن النبي عليه السلام أن رجلاً قال يا رسول الله استأذن على أمي قال
نعم قال إنما هي أمي ولا خادم لها غيري، قال ((أتحب أن تراها عريانة)) قال لا، قال ((فاستأذن عليها وكذلك
كل ذات محرم منه لأنه لا ينبغي أن يراهن عاريات))، وقالت زينب امرأة ابن مسعود كان ابن مسعود إذا جاء
منزله تنحنح مخافة أن يهجم على ما يكره، و﴿تستأنسوا﴾ معناه تستعملوا أي تستعلموا من في البيت
وتستبصروا، تقول آنست إذا علمت عن حس وإذا أبصرت ومنه قوله تعالى: ﴿آنستم منهم رشداً﴾
[النساء: ٦]، وقوله ﴿آنست ناراً﴾ [القصص: ٢٩] ومنه قول حسان بن ثابت ((أنظر خليلي بباب جلق هل
تؤنس دون البلقاء من أحد)) وقول الحارث أنست نباة البيت، ووزن آنس أفعل واستأنس وزنه استفعل فكأن
المعنى في ((تستأنسون)) تطلبون ما يؤنسكم ويؤنس أهل البيت منكم، وإذا طلب الإنسان أن يعلم أمر البيت
الذي يريد دخوله فذلك يكون بالاستئذان على من فيه أو بأن يتنحنح ويستشعر بنفسه بأي وجه أمكنه ويتأنی
قدر ما يتحفظ ويدخل إثر ذلك، وذهب الطبري في ﴿تستأنسوا﴾ إلى أنه بمعنى حتى تؤنسوا أهل البيت من
أنفسكم بالتنحنح والاستئذان ونحوه وتؤنسوا أنفسكم بأن تعلموا أن قد شهر بکم.
قال الفقيه الإمام القاضي: وتصريف الفعل يأبى أن يكون من آنس، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه
كان يقرأ ((حتى تستأذنوا وتسلموا)) وهي قراءة أبي بن كعب وحكاها أبو حاتم ((حتى تسلموا وتستأذنوا)) قال
ابن عباس ﴿تستأنسوا﴾ خطأ أووهم من الكتاب.

١٧٦
معسير سورة النور / الآيتان: ٢٨،٢٧
قال الفقيه الإمام القاضي: مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها (تستأنسوا﴾ وصح الإجماع فيها من
لدن مدة عثمان رضي الله عنه فهي التي لا يجوز خلافها، والقراءة بـ ((يستأذنوا)) ضعيفة، وإطلاق الخطأ
والوهم على الكتاب في لفظ أجمع الصحابة عليه لا يصح عن ابن عباس والأشبه أن يقرأ ((تستأذنوا)) على
التفسير، وظاهر ما حكى الطبري أنها قراءة برواية ولكن قد روي عن ابن عباس أنه قال ﴿تستأنسوا﴾ معناه
(تستأذنوا))، ومما ينفي هذا القول عن ابن عباس أن ﴿تستأنسوا﴾ متمكنة في المعنى بينة الوجه في كلام
العرب، وقد قال عمر للنبي عليه السلام: استأنس يا رسول الله وعمر واقف على باب الغرفة الحديث
المشهور وذلك يقتضي أنه طلب الأنس به صلى الله عليه وسلم فكيف يخطىء ابن عباس رضي الله عنه
أصحاب الرسول في مثل هذا، وحكى الطبري أيضاً بسند عن ابن جريج عن ابن عباس وعكرمة والحسن بن
أبي الحسن أنهم قالوا نسخ واستثني من هذه الآية الأولى قوله بعد ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير
مسكونة﴾ [النور: ٩] ع وهذا أيضاً لا يترتب فيه نسخ ولا استثناء لأن الآية الأولى في البيوت المسكونة
والآية الثانية في المباحة وكأن من ذهب إلى الاستثناء رأى الأولى عامة، وصورة الاستئذان أن يقول الرجل
السلام عليكم أأدخل؟ فإن أذن له دخل وإن أمر بالرجوع انصرف وإن سكت عنه استأذن ثلاثاً ثم ينصرف
بعد الثلاث، فأما ثبوت ما ذكرته من صورة الاستئذان فروى الطبري أن رجلاً جاء إلى بيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال آلج أو أنلج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة، ((قولي لهذا
يقول السلام عليكم ادخل)) فسمعه الرجل فقالها فقال له النبي عليه السلام ((ادخل)). وروي أن ابن عمر
آذته الرمضاء يوماً فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقالت المرأة ادخل بسلام،
فأعاد، فأعادت، فقال لها قولي ادخل، فقالت ذلك، فدخل فكأنه توقف لما قالت بسلام لاحتمال اللفظ أن
تريد ادخل بسلامك لا بشخصك، ثم لكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة، وأما ثبوت الرجوع بعد
الاستئذان ثلاثاً فلحديث أبي موسى الأشعري الذي استعمله مع عمر وشهد به لأبي موسى أبو سعيد
الخدري ثم أبي بن كعب الحديث المشهور، وقال عطاء بن أبي رباح الاستئذان واجب على كل محتلم
وسيأتي ذكر هذا، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((رسول الرجل إذنه)) أي إذا
أرسل في أحد فقد أذن له في الدخول وقوله: ﴿ذلكم خير لكم﴾ تم الكلام عنده، وقوله: ﴿لعلكم
تذكرون﴾ معناه فعلنا ذلك بكم ونبهناكم ﴿لعلكم﴾ والضمير في قوله ﴿تجدوا فيها﴾ للبيوت التي هي
بيوت الغير، وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال معنى قوله ﴿فإن لم تجدوا فيها أحداً﴾ إن لم يكن لكم فيها
متاع وضعف الطبري هذا التأويل وكذلك هو في غاية الضعف، وكأن مجاهداً رأى أن البيوت غير المسكونة
إنما تدخل دون إذن. إذا كان فيها للداخل متاع، ورأى لفظة المتاغ: متاع البيت الذي هو البسط والثياب
وهذا كله ضعيف وأسند الطبري عن قتادة أنه قال: قال رجل من المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الآية
فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وأنا مغتبط لقوله تعالى: ﴿هو أزكى لكم﴾
وقوله تعالى: ﴿والله بما تعملون عليم) توعد لأهل التجسس على البيوت وطلب الدخول على غفلة
للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولغيرهم مما يقع في محظور.
قوله عز وجل :

١٧٧
تفسير سورة النور / الآيتان: ٢٩، ٣٠
لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَدْ خُلُواْ بُيُوتًّا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيَهَا مَتَنْهُ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا
تَكْتُمُونَ
٢٩٦
روي أن بعض الناس لما نزلت آية الاستئذان تعمق في الأمر فكان لا يأتي موضعاً خرباً ولا مسكوناً
إلا سلم واستأذن فنزلت هذه الآية أباح الله فيها رفع الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد، لأن العلة إنما
هي في الاستئذان خوف الكشفة على الحرامات فإذا زالت العلة زال الحكم، ومثل أهل التأويل من هذه
البيوت أمثلة فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد هي الفنادق التي في طرق المسافرين، قال مجاهد لا
يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل و﴿فيها متاع﴾ لهم أي استمتاع بمنفعتها، ومثل عطاء
في بيوت غير مسكونة بالخرب التي يدخلها الإنسان للبول والغائط ففي هذا أيضاً متاع، وقال ابن زيد
والشعبي هي حوانيت القيساريات والسوق، وقال الشعبي لأنهم جاؤوا ببيوعهم فجعلوها فيها وقالوا للناس
هلم، ع هذا قول غلط قائله لفظ المتاع، وذلك أن بيوت القيسارية محظورة بأموال الناس غير مباحة لكل
من أراد دخولها بإجماع، ولا يدخلها إلا من أذن له بها، بل أربابها موكلون بدفع الناس عنها، وقال
محمد بن الحنفية أيضاً أراد تعالى دور مكة، وهذا على القول بأنها غير متملكة وأن الناس شركاء فيها وأن
مكة أخذت عنوة، وهذا هو في هذه المسألة القول الضعيف، يرده قوله عليه السلام ((وهل ترك لنا عقيل
منزلاً)) وقوله ((من دخل دار أبي سفيان)) ((ومن دخل داره)) وغير ذلك من وجوه النظر وباقي الآية بين ظاهره
التوعد .
قوله عز وجل :
قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُ و ◌ْفُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَكَى لَهُمْ إِنَّاللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
ج
أَوَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّ مَاظَهَرَ
٣٠
مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِثُمُرِ هِنَ عَلَى جُيُوبِنَ
قوله ﴿قل للمؤمنين﴾ بمنزلة قوله إنهم، فقوله ﴿يغضوا﴾ جواب الأمر، وقال المازني المعنى قل لهم
غضوا ﴿يغضوا﴾. ويلحق هذين من الاعتراض أن الجواب خبر من الله وقد يوجد من لا يغض وينفصل
بأن المراد يكونون في حكم من يغض، وقوله ﴿من أبصارهم﴾ أظهر ما في ﴿من﴾ أن تكون للتبعيض
وذلك أن أول نظرة لا يملكها الإنسان وإنما يغض فيما بعد ذلك فقد وقع التبعيض، ويؤيد هذا التأويل ما
روي من قوله عليه السلام لعلي بن أبي طالب ((لا تتبع النظرة فإن الأولى لك وليست لك الثانية)) الحديث.
وقال جرير بن عبد الله سألت النبي عليه السلام. عن نظرة الفجأة فقال ((اصرف بصرك)) ويصح أن تكون
﴿من﴾ لبيان الجنس، ويصح أن تكون لابتداء الغاية، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق
الحواس إليه وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه، و((حفظ الفروج)) يحتمل أن يريد في
الزنى ويحتمل أن يريد في ستر العورة والأظهر أن الجميع مراد واللفظ عام، وبهذه الآية حرم العلماء دخول

١٧٨
تفسير سورة النور / الآية : ٣١
الحمام بغير مئزر وقال أبو العالية كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا إلا هذه الآيتين فإنه يعني التستر.
قال الفقيه الإمام الإمام القاضي: ولا وجه لهذا التخصيص عندي وباقي الآية بين وظاهره التوعد،
وقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات) الآية أمر الله تعالى النساء في هذه الآية بغض البصر عن كل ما يكره من
جهة الشرع النظر إليه، وفي حديث أم سلمة قالت: كنت أنا وعائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم فدخل
ابن أم مكتوم فقال النبي عليه السلام ((احتجبن)) فقلنا: أعمى، فقال النبي عليه السلام ((أفعمياوان أنتما))؟
و﴿من﴾ تحتمل ما تقدم في الأولى، و((حفظ الفروج)) يعم الفواحش وستر العورة وما دون ذلك مما فيه
حفظ، وأمر الله تعالى بأن ﴿لا يبدين زينتهن﴾ للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية، ثم
استثنى ما يظهر من الزينة، فاختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود ظاهر الزينة هو الثياب، وقال
سعيد بن جبير الوجه والثياب، وقال سعيد بن جبير أيضاً وعطاء والأوزاعي الوجه والكفان والثياب، وقال
ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة ظاهر الزينة هو الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة
والفتخ ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس، وذكر الطبري عن قتادة في معنى
نصف الذراع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آخر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الفقيه الإمام القاضي: ويظهر لي في محكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد
في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كل ما غلبها فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو
إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه فغالب الأمر أن الوجه بما
فيه والكفين يكثر فيهما الظهور، وهو الظاهر في الصلاة، ويحسن بالحسنة الوجه أن تستره إلا من ذي
حرمة ((محرمة))، ويحتمل لفظ الآية أن الظاهر من الزينة لها أن تبديه ولكن يقوي ما قلناه الاحتياط ومراعاة
فساد الناس فلا يظن أن يباح للنساء من إبداء الزينة إلا ما كان بذلك الوجه والله الموفق للصواب برحمته،
وقرأ الجمهور ((وليضربن)) بسكون اللام التي هي للأمر، وقرأ أبو عمر في رواية عباس عنه
و(ليضربن)) بكسر اللام على الأصل لأن أصل لام الأمر الكسر في ((ليذهب وليضرب))، وإنما
تسكينها كتسكين عضد وفخذ، وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة
سدلنها من وراء الظهر قال النقاش كما يصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك فأمر الله
. تعالى بـ ((الخمار على الجيوب)) وهيئة ذلك يستر جميع ما ذكرناه، وقالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله
المهاجرات الأول لما نزلت هذه الآية عمدن إلى أكثف المروط فشققنها أخمرة وضربن بها على الجيوب.
ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك فشقته
عليها وقالت إنما يضرب بالكثيف الذي يستر، ومشهور القراءة ضم الجيم من ((جُيوبهن))، وقرأ بعض
الكوفيين بكسرها بسبب الياء كقراءتهم ذلك في بيوت وشيوخ ذكره الزهراوي.
قوله عز وجل :
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَبَّ بِهِنَ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَ أَوْأَبْنَاءِهِرَ

١٧٩
تفسير سورة النور / الآية: ٣١
أَوْأَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْبَنِيّ إِخْوَانِهِنَّ أَوْبَنِىّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْنِسَابِهِنَّ أَوْمَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُ واْ عَلَى عَوْرَتِ
النِّسَاءِ
المعنى في هذه الآية ولا يقصدن ترك الإخفاء للزينة الباطنة كالخلخال والأقراط ونحوه ويطرحن
مؤونة التحفظ إلا مع من سمي وبدأ تعالى بـ ((البعولة)) وهم الأزواج لأن إطلاعهم يقع على أعظم من هذا،
ثم ثنى به المحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ولكنهم تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس
البشر، فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها، وتختلف مراتب ما يبدي
لهم فيبدي للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج، وقوله ﴿أو نسائهن﴾ يعني جميع المؤمنات فكأنه قال أو
صنفهن، ويدخل في هذا الإماء المؤمنات ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم، وكتب عمر
رضي الله عنه إلى أبي عبيدة: ((أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين فامنع
من ذلك وحل دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة. قال فعند ذلك قام أبو عبيدة فابتهل وقال:
أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه. وقوله :
﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ يدخل فيه الإماء الكتابيات ويدخل فيه العبيد عند جماعة من أهل العلم، وهو
الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، وقال ابن عباس وجماعة من العلماء لا يدخل
العبد على سيدته فيرى شعرها ونحو ذلك إلا أن يكون وغداً، فمنعت هذه الفرقة الكشف بملك اليمين
وأباحته بأن يكون من ﴿التابعين غير أولي الإربة﴾ وفي بعض المصاحف ((ملكت أيمانكم)) فيدخل فيه
عبد الغير، وقوله ﴿أو التابعين﴾ يريد الأتباع ليطعموا المفسول من الرجال الذين لا إربة لهم في الوطء
فهي شرطان، ويدخل في هذه الصفة المجبوب والمعتوه والمخنث والشيخ الفاني والزمن الموقوذ بزمانته
ونحو هذا هو الغالب في هذه الأصناف، ورب مخنث لا ينبغي أن یکشف، ألا تری إلی حدیث هند، ونھی
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كشفه على النساء لما وصف بادنة بنت غيلان بن معتب، وتأمل ما روي
في أخبار الدلال المخنث وكذلك الحمقى والمعتوهون فيهم من لا ينبغي أن يكشف، والذي ((لا إربة له))
من الرجال قليل و﴿الإربة﴾ الحاجة إلى الوطء، وعبر عن هذا بعض المفسرين، قال هو الذي يتبعك لا يريد
إلا الطعام وما تؤكله، وقرأ عاصم وابن عامر ((غيرَ)) بالنصب وهو على الحال من الذكر
الذي في ﴿التابعين﴾، وقرأ الباقون ((غيرٍ)) بالخفض على النعت لـ ﴿التابعين﴾ والقول فيها كالقول في ﴿غير
المغضوب﴾ [الفاتحة: ٧] وقوله ﴿أو الطفل) اسم جنس بمعنى الجمع ويقال طفل ما لم يراهق الحلم،
و﴿يظهروا﴾ معناه يطلعون بالوطء، والجمهور على سكون الواو من ((عورات))، وروي عن ابن عامر فتح
الواو، وقال الزجاج الأكثر سكون الواو، كجوزات وبيضات لثقل الحركة على الواو والياء، ومن قرأ بالفتح
فعلى الأصل في فعلة وفعلات.
قوله عز وجل :
وَلَيَضْرِنَ بِأَرْ جُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْإِلَى الَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ

١٨٠
تفسير سورة النور / الآيتان: ٣٢،٣١
تُفْلِحُونَ ﴿ وَأَنْكِحُواْ الْأَمَى مِنْكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَا ◌ٍ-ِكُمْإِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ
اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ!
أسند الطبري عن المعتمر عن أبيه قال: زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة واتخذت
جزءاً فجعلت في ساقيها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت
فنزلت هذه الآية، وسماع هذه الزينة أشد تحريكاً للشهوة من إبدائها، ذكره الزجاج، قال مكي رحمه
الله ليس في كتاب الله آية أكثر ضمائر من هذه جمعت خمسة وعشرين ضميراً للمؤمنات
من مخفوض ومرفوع، وقرأ عبد الله بن مسعود ((ليعلم ما سر من زينتهن))، ثم أمر عز وجل بالتوبة مطلقة
وقد قيد توبة الكفار بالإخلاص. وبالانتهاء في آية أخرى، وتوبة أهل الذمة بالتبيين، يريد لأمر محمد عليه
السلام وأمر بهذه التوبة مطلقة عامة من كل شيء صغير وكبير، وقرأ الجمهور ((أيَُّ)) بفتح الهاء، وقرأ ابن
عامر ((أيُّهَ)) بضم الهاء ووجهه أن تجعل الهاء كأنها من نفس الكلمة فيكون إعراب المنادى فيها، وضعف أبو
علي ذلك جداً، وبعضهم يقف ((أيه)) وبعضهم يقف ((أيها)) بالألف، وقوى أبو علي الوقف بالألف لأن علة
حذفها في الوصل إنما هي سكونها وسكون اللام فإذا كان الوقف ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء
إذا وقفت على ﴿محلي﴾ [المائدة: ١] من قوله ﴿غير محلي الصيد﴾ [المائدة: ١]، والاختلاف الذي
ذكرناه في ﴿أيه المؤمنون﴾ كذلك هو في ﴿أيه الساحر﴾ [الزخرف: ٤٩] و﴿أيه الثقلان﴾ [الرحمن: ٣١]
وقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى﴾ هذه المخاطبة لكل من تصور أن ينكح في نازلة ما، فهم المأمورون
بتزويج من لا زوج له وظاهر الآية أن المرأة لا تتزوج إلا بولي، والأيم يقال للرجل والمرأة ومنه قول
الشاعر:
(لله در بني على أيم منهم وناكح))، ولعموم هذا اللفظ قالت فرقة إن هذه الآية ناسخة لحكم قوله
تعالى: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور: ٣] وقوله: ﴿والصالحين)
يريد للنكاح، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((من عبيدكم)) والجمهور على ((عبادكم)) والمعنى واحد إلا أن
قرينة الترفيع بالنكاح يؤيد قراءة الجمهور، وهذا الأمر بالإنكاح يختلف بحسب شخص شخص، ففي نازلة
· يتصور وجوبه، وفي نازلة الندب وغير ذلك وهذا بحسب ما قيل في النكاح، ثم وعد الله تعالى بإغناء الفقراء
المتزوجين طلب رضى الله عنهم واعتصاماً من معاصيه، وقال ابن مسعود التمسوا الغنى في النكاح، وقال
عمر رضي الله عنه عجبي ممن لا يطلب الغنى بالنكاح وقد قال تعالى: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من
فضله﴾، قال النقاش هذه الآية حجة على من قال إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيراً لا
يقدر على النفقة لأن الله قال ﴿يغنهم﴾ ولم يقل يفرق بينهما، وهذا انتزاع ضعيف، وليست هذه الآية حكماً
فيمن عجز عن النفقة وإنما هي وعد بالإغناء كما وعد به مع التفرق في قوله: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من
سعته﴾ [النساء: ١٣] ونفحات رحمة الله مأمولة في كل حال موعود بها، وقوله: ﴿واسع عليم) صفتان نحو
المعنى الذي فيه القول أي ﴿واسع﴾ الفضل ﴿عليم﴾ بمستحق التوسعة والإغناء.