Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ٢٣ - ٣٠
اَلْمَلَوْاُلَّذِينَ كُفَرُوا مِن قَوْمِهِ ، مَا هَذَا إِلََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْشَاءَ اللَّهُلَأَنْزَلَ مَلَئِكَةً
مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّءَابَآبِنَا الْأَوَّلِينَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ، ◌ِنَّةٌ فَتَرَبَّصُواْبِهِ، حَقَّ حِينٍ ﴾ قَالَ
رَبِّ أَنصُرْنِ بِمَاكَذَّبُونِ
هذا ابتداء تمثيل لكفار قريش بأمم كفرت بأنبيائها فأهلكوا، ففي ضمن ذلك الوعيد بأن يحل بهؤلاء
نحو ما حل بأولئك، و((نوح)) عليه السلام أول نبي أرسل إلى الناس وإدريس أول من نبيّ ولم يرسل،
و﴿الملأ﴾ الأشراف لأنهم عنهم يصدر الملأ وهو جمع القوم، وفي قوله ﴿هؤلاء﴾ استبعاد بعثة البشر وهم
قوم مقرون بالملائكة وذلك لا شك متقرر عندهم من بقايا نبوءة آدم وإدريس وغيرهما. ولم يكن عن علم
صحيح ولا معرفة بأخبار نبوءة والجنة الجنون، ﴿فتربصوا﴾ معناه فاصبروا وانتظروا هلاكه، و﴿حتى
حين﴾ معناه إلى وقت ولم يعينوه وإنما أرادوا إلى وقت يريحكم القدر منه، ثم إن نوحاً عليه السلام دعا على
قومه حين يئس منهم وإن كان دعاؤه في هذه الآية ليس بنص وإنما هو ظاهر من قوله ﴿بما كذبون﴾ فهذا
يقتضي طلبه العقوبة وأما النصرة بمجردها فكانت تكون بردهم إلى الإيمان، وقرأ أبو جعفر وابن محيصن
(ربُّ انصرني)) برفع الباء وكذلك (ربُّ احكم)) وشبهه.
قوله عز وجل :
فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنْ أَصْنَعِالْفُلْكَ بِأَعُْلِنَاوَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّوُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن
كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَطِبْنِى فِىِ الَّذِينَ ظَلَمُوَأَ
إِنَّهُم ◌ُغَفُونَ ﴿ فَإِذَا أَسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِاَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ نَنَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
أَوَقُل رَبِّ أَنْزِلْفِى مُنَلَّا مُبَارَكَاوَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِينَ (٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ وَإِنْ كُنَّ لَمُبْتَلِينَ
٣٠
(٢٨
قد تقدم القول في صفة السفينة وقدرها في سورة هود، و﴿الفلك﴾ هنا مفرد لا جمع، وقوله تعالى
﴿بأعيننا﴾ عبارة عن الإدراك، هذا مذهب الحذاق، ووقفت الشريعة على أعين وعين ولا يجوز أن يقال
عينان من حيث لم توقف الشريعة على التثنية و﴿وحينا﴾ معناه في كيفية العمل ووجه البيان، وذلك أن
جبريل عليه السلام نزل إلى نوح فقال له اصنع كذا وكذا لجميع حكم السفينة وما تحتاج إليه واستجن
الكفار نوحاً لادعائه النبوءة بزعمهم أنها دعوى وسخروا منه لعمله السفينة على غير مجرى، ولكونها أول
سفينة إن صح ذلك، وقوله، ﴿أمرنا﴾، يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى أن نأمر الماء بالفيض ويحتمل أن
يريد واحد الأمور أي هلاكنا للكفرة، وقد تقدم القول في معنى قوله ﴿وفار التنور﴾ والصحيح من الأقوال
فيه أنه تنور الخبز وأنها أمارة كانت بين الله تعالى وبين نوح عليه السلام وقوله ﴿فاسلك﴾ معناه فادخل ومنه
قول الشاعر: [البسيط]
حتى سلكن الشوى منهن في مسلك
من نسل جوابة الآفاق مهداج
-

١٤٢
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ٣١ -٣٤
وقول الآخر: [الوافر]
وكنت لزاز خصمك لم أعرد وقد سلكوك في يوم عصيب
يقال سلك وأسلك بمعنى، وقرأ حفص عن عاصم ((من كلٍّ)) بتنوين ((كلّ))، وقرأ الباقون وأبو بكر
عن عاصم بإضافة ((كلِّ) دون تنوين و((الزوجان)) كل ما شأنه الاصطحاب من كل شيء كالذكر والأنثى من
الحيوان ونحو النعال وغيرها كل واحد زوج للآخر هذا موقع اللفظة في اللغة، والعدديون يوقعون الزوج
على الاثنين وعلى هذا أمر استعمال العامة للزوج، وقوله ﴿وأهلك) يريد قرابته ثم استثنى ﴿من سبق عليه
القول﴾ بأنه كافر وهو ابنه وامرأته، ثم أمر نوح عليه السلام أن لا يراجع ربه ولا يخاطبه شافعاً في أحد من
الظالمين، والإشارة إلى من استثنى إذ العرف من البشر الحنو على الأهل، ثم أمره تعالى بأن يحمد ربه
على النجاة من الظلمة عند استوائه وتمكنه في الفلك، ثم أمره بالدعاء في بركة المنزل، وقرأ عاصم في
رواية أبي بكر (مَنزِلاً)) بفتح الميم وكسر الزاي وهو موضع النزول، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم ((مُنزَلاً))
وهو مصدر بمعنى الإنزال بضم الميم وفتح الزاي، ويجوز أن يراد موضع النزول وقوله ﴿إن في ذلك
لآيات﴾، خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم أي أن فيما جرى على هذه الأمم لعبراً ودلائل لمن له نظر
وعقل، ثم أخبر أنه تعالى يبتلي عباده الزمن بعد الزمن على جهة الوعيد لكفار قريش بهذا الإخبار،
و﴿إن﴾ عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة واللام لام تأكيد، والفراء يقول ﴿إن﴾ نافية واللام بمعنى إلا
و ﴿لمبتلین﴾ معناه لمصیبین بیلاء ومختبرين اختباراً يؤدي إلى ذلك.
قوله عز وجل :
ثُمََّنشَأْنَا مِنْ بَعْدِ هِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ (٦) فَأَرْسَلْنَافِيهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَالَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلاَ
نَتَّقُونَ ﴿ وَقَالَ الْعَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُواْ بِقَآءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مَاهَذَآ
وَلَيِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِنْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْ كُلُّ مِمَّاتَأْ كُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
أَخَسِرُونَ
قال الطبري رحمه الله: إن هذا ((القرن)) هم ثمود و ((رسولهم)) صالح.
قال القاضي أبو محمد: وفي جل الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدم إلا أنهم لم يهلكوا بصيحة،
وفي هذا احتمالات كثيرة والله أعلم، ﴿وأترفناهم﴾ معناه نعمناهم وبسطنا لهم الآمال والأرزاق، ومقالة
هؤلاء أيضاً تقتضي استبعاد بعثة البشر وهذه الطائفة وقوم نوح لم يذكر في هذه الآيات أن المعجزة ظهرت
لهم وأنهم كذبوا بعد وضوحها ولكن ذلك مقدر معلوم وإن لم تعين لنا المعجزة والعقاب لا يتعلق بأحد إلا
بعد تركه الواجب عليه، ووجوب الاتباع إنما هو بعد قيام الحجة على المرء أو على من هو المقصد،
والجمهور كالعرب في معجزة القرآن والأطباء لعيسى، والسحرة لموسى، فبقيام الحجة على هؤلاء قامت
دعلى جميع من وراءهم.

١٤٣
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ٣٥ - ٣٩
قوله عز وجل :
أَيَعِدُ كُمْأَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ تُخْرَبُونَ
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٦) إِنْ هِىَ
٣٥
إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (*) إِنْ هُوَ إِلََّ رَجُلُّ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا وَمَا
◌َحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِ بِمَا كَذَّبُونِ
قوله ﴿أيعدكم﴾ استفهام بمعنى التوقيف على جهة الاستبعاد وبمعنى الهزء بهذا الوعد.
و﴿أنكم﴾ الثانية بدل من الأولى عند سيبويه وفيه معنى تأكيد الأولى وكررت لطول الكلام، وكأن
المبرد أبى عبارة البدل لكونه من غير مستقل إذ لم يذكر خبر ((أن)) الأولى والخبر عند سيبويه محذوف تقديره
أنكم تبعثون إذا متم، وهذا المقدر هو العامل في ﴿إذا﴾ وفي قراءة عبد الله بن مسعود ((أيعدكم إذا متم
وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون)) بحذف ﴿أنكم﴾ الأولى، ويعنون بالإخراج النشور من القبور، وقوله
﴿هيهات هيهات﴾ استبعاد، وهذه كلمة لها معنى الفعل، التقدير بعد كذا، فطوراً تلي الفاعل دون لام
تقول هيهات مجيء زيد أي بعد ذلك، ومنه قول جرير: [الطويل]
فأيهات أيهات العقيق ومن به وأيهات خل بالعقيق نواصله
وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً وذلك عند اللام كهذه الآية، التقدير بعد الوجود لما توعدون، ومن
حيث كانت هذه اللفظة بمعنى الفعل أشبهت الحروف مثل صه وغيرها، فلذلك بنيت على الفتح، وهذه
قراءة الجماعة بفتح التاء وهي مفرد سمي به الفعل في الخبر، أي بعد، كما أن شتان اسم افترق وعرف
تسمية الفعل أن يكون في الأمر كصه وحسن، وقرأ أبو جعفرٍ ((هيهات هيهاتٍ)) بكسر التاء غير منونة، وقرأها
عيسى بن عمر وأبو حيوة بخلاف عنه ((هيهاتٍ هيهاتٍ)) بتاء مكسورة منونة وهي على هاتين القراءتين عند
سيبويه جمع ((هيهات)) وكان حقها أن تكون «هيهاتي)) إلا أن ضعفها لم يقتض إظهار الياء فقال سيبويه رحمه
الله هي مثل بيضات أراد في أنها جمع فظن بعض النحاة أنه أراد في اتفاق المفرد فقال واحد ((هيهات)) هيهة
وليس كما قال، وتنوين عيسى على إرادة التنكير وترك التعريف، وقرأ عيسى الهمداني ((هيهاتْ)) بتاء ساكنة
وهي على هذا جماعة لا مفرد، وقرأها كذلك الأعرج، ورويت عن أبي عمرو وقرأ أبو حيوة ((هيهاتٌ)) بتاء
مرفوعة منونة وهذا على أنه اسم معرب مستقل وخبره ﴿توعدون﴾ أي البعد لوعدكم، كما تقول النجح
لسعيكم، وروي عن أبي حيوة ((هيهاتُ)) بالرفع دون تنوين، وقرأ خالد بن إلياس ((هيهاتاً هيهاتاً)) بالنصب
والتنوين والوقف على ((هيهات)) من حيث هي مبنية بالهاء، ومن قرأ بكسر التاء وقف بالتاء، وفي اللفظة
لغات «هيها وهيهات وهيهان وأيهات وهيهات وهيهاتاً وهيهاء)) قال رؤبة، ((هيهاه)) من منخرق ((هيهاوه))، وقرأ
ابن أبي عبلة «هيهات هيهات ما توعدون)) بغير لام، وقولهم ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ أرادوا أنه لا وجود لنا
غير هذا الوجود، وإنما تموت منا طائفة فتذهب وتجيء طائفة جديدة، وهذا كفر الدهرية و﴿بمؤمنين﴾
معناه بمصدقين، ثم دعا عليهم نبيهم وطلب عقوبتهم على تكذيبهم.

١٤٤
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ٤٠ - ٤٨
قوله عز وجل:
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ ثُتَاءَ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ
٤٠
قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّنَدِمِينَ
اَلظَّالِمِينَ * ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِ هِمْ قُرُوْنَاءَاخَرِينَ (٤٢ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَنْخِرُونَ
ثُمََّرْسَلْنَارُسُلَنَا تَتْرَا كُلّ مَاجَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَحَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدَالْقَوْمٍ
لَايُؤْمِنُونَ
[ ٤٤
المعنى ﴿قال﴾ الله لهذا النبي الداعي ﴿عما قليل﴾ يندم قومك على كفرهم حين لا ينفعهم الندم،
ومن ذكر ﴿الصيحة﴾ ذهب الطبري إلى أنهم قوم ثمود، وقوله ﴿بالحق﴾ معناه بما استحقوا من أفعالهم
وبما حق منا في عقوبتهم، و((الغثاء)) ما يحمله السيل من زبده ومعتاده الذي لا ينتفع به فيشبه كل هامد
وتالف بذلك و﴿بعداً﴾ منصوب بفعل مضمر متروك إظهاره ثم أخبر تعالى عن أنه ((أنشأ) بعد هؤلاء أمماً
كثيرة كل أمة بأجل في كتاب لا تتعداه في وجودها وعند موتها و﴿تترا﴾ مصدر بمنزلة فعلى مثل الدعوى
والعدوى ونحوها، وليس تترى بفعل وإنما هو مصدر من تواتر الشيء، وقرأ الجمهور (تترا)) كما تقدم
ووقفهم بالألف، وحمزة والكسائي يميلانها، قال أبو حاتم هي ألف تأنيث، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((تترأ)»
بالتنوين ووقفهما بالألف وهي ألف إلحاق قال ابن سيده يقال جاءو ((تَتْراً وِتْراً)) أي متواترين التاء مبدلة من
الواو على غير قياس لأن قياس إبدال الواو تاء إنما هو في افتعل وذلك نحو اتزر واتجه، وقوله ﴿أتيعنا
بعضهم بعضاً﴾ أي في الإهلاك، وقوله ﴿وجعلناهم أحاديث﴾ يريد أحاديث مثل، وقلّما يستعمل الجعل
حديثاً إلا في الشر.
قوله عز وجل :
ثُمَّأَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بِشَايَتِنَا وَسُلْطَنِ مُّبِينٍ (٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَايْهِ، فَاسْتَكْبَرُواْ
وَكَانُوْقَوْمًا عَالِينَ (٤٦)فَقَالُوْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَبِدُونَ (®] فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْمِن
الْمُهْلَكِينَ
٤٨
﴿ثم﴾ هنا على بابها لترتيب الأمور واقتضاء المهلة، و((الآيات)) التي جاء بها ﴿موسى﴾ و﴿هارون﴾
هي اليد والعصا اللتان اقترن بهما التحدي وهما ((السلطان المبين))، ويدخل في عموم اللفظ سائر آياتهما
كالبحر والمرسلات الست، وأما غير ذلك مما جرى بعد الخروج من البحر فليست تلك لفرعون بل هي
خاصة ببني إسرائيل. و((الملأ)) هنا الجمع يعم الأشراف وغيرهم، و﴿استكبروا﴾، معناه عن الإيمان
بموسى وأخيه لأنهم أنفوا من ذلك، و﴿عالين﴾، معناه قاصدين للعلو بالظلم والكبرياء، وقوله ﴿عابدون﴾
معناه خامدون متذللون، ومن هنا قيل لعرب الحيرة العباد لأنهم دخلوا من بين العرب في طاعة كسرى،
هذا أحد القولين في تسميتهم والطريق المعبد المذلل وعلو هؤلاء هو الذي ذكر الله تعالى في قوله ﴿تلك

...
١٤٥
تفسير سورة المؤمنون / الآيات ٤٩ - ٥١
الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً﴾ [القصص: ٨٣] و﴿من المهلكين﴾
یرید بالغرق.
قوله عز وجل :
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ لَعَلَّهُمْ ◌َهَنَدُونَ * وَحَعَلْنَا أَبْنَ مَنْيَمَ وَأُمَّهُ دْءَايَةً وَءَاوَيْنَهُمَآ إِلَى رَبْوَقٍ
ذَاتٍ قَرَارٍ وَ مَعِينٍ ﴿﴿ يَأَيُها الرُّسُلُ كُوْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّىِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
﴿الكتاب﴾ التوراة، و﴿لعلهم) يريد بني إسرائيل لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون والقبط،
والترجي في ((لعل)) في حيز البشر أي كان من فعلنا معهم ما يرجو معه ابن آدم إيمانهم وهداهم والقضاء قد
حتم بما حتم، و﴿ابن مريم﴾، عيسى عليه السلام وقصتهما كلها آية عظمى بمجموعها وهي آيات مع
التفصيل وأخذها من كلا الوجهين متمكن، و((آوى)) معناه ضم واستعمل اللفظة في الأماكن أي أقررناهما،
و ((الربوة)) المرتفع من الأرض، وقرأ جمهور الناس ((رُبوة)) بضم الراء، وقرأ عاصم وابن عامر بفتحها وهي
قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن، وقرأ ابن عباس ونصر عن عاصم بكسرها، وقرأ محمد بن إسحاق «رُباوة))
بضم الراء، وقرأ الأشهب العقيلي بفتحها، وقرأت فرقة بكسرها وكلها لغات قرىء بها، و((القرار))، التمكن
فمعنى هذا أنها مستوية بسيطة للحرث والغراسة قاله ابن عباس، وقال قتادة ((القرار)) هنا الحبوب والثمار،
ومعنى الآية أنها من البقاع التي كملت خصالها فهي أهل أن يستقر فيها وقد يمكن أن يستقر على الكمال
في البقاع التي ماؤها آبار فبين بعد أن ماء هذه الربوة يرى معيناً جارياً على وجه الأرض قاله ابن عباس وهذا
كمال الكمال، و((المعين))، الظاهر الجري للعين فالميم زائدة وهو الذي يعاين جريه لا كالبئر ونحوه،
وكذلك أدخل الخليل وغيره هذه اللفظة في باب. ع، ي، ن، وقد يحتمل أن تكون من قولهم معن الماء
إذا كثر، ومنه قولهم المعن المعروف والجود، فالميم فاء الفعل، وأنشد الطبري على هذا قول عبيد بن الأبرص:
واهية أو معين ممعن وهضبة دونها لهوب
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يرحم الله هاجر لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً،
وهذا يحتمل الوجهين، وهذه الربوة هي الموضع الذي فرت إليه مريم حين استحيت في قصة
عيسى عليه السلام وهو الذي قيل لها فيه ﴿قد جعل ربك تحتك سرياً﴾ [مريم: ٢٤] هذا قول
بعض المفسرين واختلف الناس في موضع الربوة فقال ابن المسيب سعيد: هي الغوطة بدمشق
وهذا أشهر الأقوال لأن صفة الغوطة أنها ﴿ذات قرار ومعين﴾ على الكمال، وقال أبو هريرة هي
الرملة من فلسطين وأسنده الطبري عن كريب البهزي عن النبي عليه السلام، ويعارض هذا القول أن
الرملة ليس يجري بها ماء البتة وذكره الطبري وضعف القول به، وقال كعب الأحبار ((الربوة)) بيت المقدس
وزعم أن في التوراة أن بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء وأنه يزيد على أعلى الأرض ثمانية عشر
ميلًا. ع ويترجح أن ((الربوة)» بيت لحم من بيت المقدس لأن ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذ كان
الإيواء، وقال ابن زيد ((الربوة) بأرض مصر وذلك أنها رُبا يجيء فيض النيل إليها فيملأ الأرض ولا ينال تلك
الربا وفيها القرى وبها نجاتها ع ويضعف هذا القول أنه لم يرو أن عيسى عليه السلام ومريم كانا بمصر ولا

١٤٦
تفسير سورة المؤمنون / الآيات : ٥٢ - ٥٦
حفظت لهما بهما قصة وقوله ﴿يا أيها الرسل﴾، يحتمل أن يكون معناه وقلنا يا أيها الرسل فتكون هذه بعض
القصص التي ذكر وكيفما حول المعنى فلم يخاطبوا قط مجتمعين، وإنما خوطب كل واحد في عصره،
وقالت فرقة: الخطاب بقوله ﴿يا أيها الرسل﴾ لمحمد عليه السلام، ثم اختلفت فقال بعضها: أقامه مقام
الرسل كما قال: الذين قال لهم الناس، وقيل غير هذا مما لا يثبت مع النظر، والوجه في هذا أن يكون
الخطاب لمحمد وخرج بهذه الصيغة ليفهم وجيزاً أن هذه المقالة قد خوطب بها كل نبي أو هي طريقتهم
التي ينبغي لهم الكون عليها وهذا كما تقول لتاجر يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا فأنت تخاطبه بالمعنى، وقد
اقترن بذلك أن هذه المقالة تصلح لجميع صنفه، وقال الطبري: الخطاب بقوله ﴿يا أيها الرسل﴾ لعيسى،
وروي أنه كان يأكل من غزل أمه، والمشهور عنه أنه كان يأكل من بقل البرية، ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه
من تقدير لمحمد صلى الله عليه وسلم، و﴿الطيبات﴾ هنا الحلال ملذة وغير ذلك، وفي قوله ﴿إني بما
تعملون عليم﴾ تنبيه ما على التحفظ وضرب من الوعيد بالمباحثة صلى الله على جميع رسله وأنبيائه وإذا
كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم.
قوله عز وجل :
وَإِنَّ هَذِهِأُمَّتِكُمْأُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَارَبُّكُمْ فَنَّقُونِ (٢) فَتَقَطَّعُوْأَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبْرً كُلُّ حِزْبٍ بِمَالَدَيْهِمْ
®] شَارِعُ لَهُمْ
لا
(@) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُرِيِهِ، مِن قَالٍ وَبَنِيِنَ
فَرِحُونَ ﴿﴿فَذَرُهُمْفِغَمْرَتِهِمْحَتَّىحِينٍ
فِ اَلْخَيْرَتِ بَلَّا يَشْعُرُونَ
٥٦
قرأ عاصم وحمزة والكسائي ((وإنّ)) بكسر الألف وشد النون، وقرأ ابن عامر ((وأن)) بفتح الألف
وتخفيف ((أن))، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ((وأنّ هذه)) بفتح الألف وتشديد ((أنّ))، فالقراءة الأولى بينة
على القطع، وأما فتح الألف وتشديد النون فمذهب سيبويه أنها متعلقة بقوله، آخراً ﴿فاتقون﴾ على تقدير
ولأن، أي فاتقون لأن ﴿أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾ وهذا عنده نحو قوله عز وجل: ﴿وأن
المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً﴾ [الجن: ١٨]. و((أن)) عنده في موضع خفض وهي عند الخليل في
موضع نصب لما زال الخافض، وقد عكس هذا الذي نسبت إليهما بعض الناس، وقال الفراء ((أن)) متعلقة
بفعل مضمر تقديره واعلموا أو واحفظوا، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ((أمةٌ واحدةٌ» بالرفع على البدل،
وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو ((أمة واحدةً)) بالنصب على الحال وقيل على البدل من ﴿هذه﴾ وفي هذا نظر،
وهذه الآية تقوي أن قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسل﴾ [المؤمنون: ٥١]، إنما هو مخاطبة لجميعهم وأنه بتقرير
حضورهم وتجيء هذه الآية بعد ذلك بتقدير وقلنا للناس، وإذا قدرت ﴿أيها الرسل﴾ [المؤمنون: ٥١]
مخاطبة لمحمد عليه السلام قلق اتصال هذه واتصال قوله ﴿فتقطعوا﴾، أما أن قوله ﴿وأنا ربكم فاتقون﴾
وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون بالمعنى فيحسن بعد ذلك اتصال ﴿فتقطعوا﴾، ومعنى ((الأمة)) هنا
الملة والشريعة والإشارة بهذه إلى الحنيفية السمحة ملة إبراهيم عليه السلام وهو دين الإسلام، وقوله
﴿فتقطعوا﴾ يريد الأمم أي افترقوا وليس بفعل مطاوع كما تقول تقطع الثوب بل هو فعل متعد بمعنى قطعوا

١٤٧
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ٥٧ - ٦١
ومثاله تجهمني الليل وتخوفني السير وتعرقني الزمن، وقرأ نافع (زُبرا)) بضم الزاي جمع زبور، وقرأ
الأعمش وأبو عمرو بخلاف ((زُبَرا)) بضم الزاي وفتح الباء، فأما القراءة الأولى فتحتمل معنيين أحدهما أن
الأمم تنازعت أمرها كتباً منزلة فاتبعت فرقة الصحف وفرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة
الإنجيل ثم حرف الكل وبدل، وهذا قول قتادة، والثاني أنهم تنازعوا أمرهم كتباً وضعوها وضلالات
ألفوها وهذا قول ابن زيد، وأما القراءة الثانية فمعناها فرقاً كزبر الحديد، ثم ذكر تعالى أن كل فريق منهم
معجب برأيه وضلالته وهذه غاية الضلال لأن المرتاب بما عنده ينظر في طلب الحق ومن حيث كان ذكر
الأمم في هذه الآية مثالاً لقريش خاطب محمداً عليه السلام في شأنهم متصلاً بقوله ﴿فذرهم﴾ أي فذر
هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم و«الغمرة))، ما عمهم من ضلالهم وفعل بهم فعل الماء الغمر لما حصل
فيهم، وقرأ أبو عبد الرحمن ((في غمراتهم))، و﴿حتى حين﴾ أي إلى وقت فتح فيهم غير محدود وفي هذه
الآية موادعة منسوخة بآية السيف، ثم وقفهم على خطأ رأيهم في أن نعمة الله عندهم بالمال ونحوه إنما هي
لرضاه عن حالهم وبين تعالى أن ذلك إنما هو إملاء واستدراج، وخبر ((أن)) في قوله ﴿نسارع﴾ بنون
العظمة، وفي الكلام على هذه القراءة ضمير عائد تقديره لهم به، وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة ((يسارع)»
بالياء من تحت وكسر الراء بمعنى أن إمدادنا يسارع ولا ضمير مع هذه القراءة إلا ما يتضمن الفعل، وروي
عن أبي بكرة المذكور ((يسارَع)) بفتح الراء، وقرأ الحر النحوي ((نسرع)) بالنون وسقوط الألف،
و﴿الخيرات﴾ هنا يعم الدنيا، وقوله ﴿بل لا يشعرون) وعيد وتهديد، والشعور مأخوذ من الشعار وهو ما
يلي الإنسان من ثيابه.
قوله عز وجل :
وَالَّذِينَ هُمِبِرَبِهِمْلَا
٥٨
وَاُلَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رَبِهِمْ يُؤْمِنُونَ
إِنَّالَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ّ
أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِى
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ
يُشْرِكُونَ ﴾ا
اْخَّرَتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ
لما فرغ ذكر الكفرة وتوعدهم عقب ذلك ذكر المؤمنين ووعدهم وذكرهم بأبلغ صفاتهم، و((الإشفاق»
أبلغ التوقع والخوف، و﴿من﴾، في قوله ﴿من خشية﴾ هي لبيان جنس الإشفاق، والإشفاق إنما هو من
عذاب الله، و﴿من﴾، في قوله ﴿من عذاب﴾ هي لابتداء غاية و(الآيات)) تعم القرآن وتعم العبر
والمصنوعات التي لله وغير ذلك مما فيه نظر واعتبار وفي كل شيء له آية، ثم ذكرهم تعالى من الطرف
الآخر وهو نفي الإشراك لأن لكفار قريش أن يقولوا ونحن نؤمن بآيات ربنا ويريدون نصدق بأنه المخترع
الخالق فذكر تعالى نفي الإشراك الذي لا حظ لهم فيه بسبب أصنامهم، وقوله ﴿والذين يؤتون ما آتوا﴾
على قراءة الجمهور، يعطون ما أعطوا وقال الطبري : يريد الزكاة المفروضة وسائر الصدقة، وروي نحوه عن
ابن عمر ومجاهدع وإنما ضمهم إلى هذا التخصيص أن العطاء مستعمل في المال على الأغلب، قال ابن
عباس وابن جبير: هو عام في جميع أعمال البر، وهذا أحسن كأنه قال: والذين يعطون من أنفسهم في طاعة الله

١٤٨
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ٦٢ - ٦٤
ما بلغه جهدهم، وقرأت عائشة أم المؤمنين وابن عباس وقتادة والأعمش ((يأتون ما أتوا)) ومعناه يفعلون ما
فعلوا ورويت هذه القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذهبت فرقة إلى أن معناه من المعاصي، وذهبت
فرقة إلى أن ذلك في جميع الأعمال طاعتها ومعصيتها وهذا أمدح، وأسند الطبري عن عائشة أنها قالت يا
رسول الله قوله تعالى ﴿يؤتون ما آتوا﴾ هي في الذي يزني ويسرق قال ((لا يا بنت أبي بكر بل هي في الرجل
یصوم ويتصدق وقلبه وجل یخاف أن لا يتقبل منه)).
قال القاضي أبو محمد: ولا نظر مع الحديث، و((الوجل)» نحو الإشفاق والخوف وصورة هذا الوجل
أما المخلط فينبغي أن يكون أبداً تحت خوف من أن يكون ينفذ عليه الوعيد بتخليطه، وأما التقي والتائب
فخوفه أمر الخاتمة وما يطلع عليه بعد الموت، وفي قوله تعالى ﴿أنهم إلى ربهم راجعون﴾ تنبيه على
الخاتمة، وقال الحسن: معناه الذين يفعلون ما يفعلون من البر ويخافون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم
ع وهذه عبارة حسنة، وروي عن الحسن أيضاً أنه قال: المؤمن يجمع إحساناً وشفقة والمنافق يجمع إساءة
وأمناً، وقرأ الجمهور ((أنهم)) بفتح الألف والتقدير بأنهم أو لأنهم أو من أجل بأنهم ويحتمل أن يكون قوله
﴿وجلة﴾ عاملة في ((أن)) من حيث إنها بمعنى خائفة.
وقرأ الأعمش ((إنهم)) بالكسر على إخبار مقطوع في ضمنه تخويف، ثم أخبر تعالى عنهم بأنهم
يبادرون إلى فعل الخيرات، وقرأ الجمهور ((يسارعون))، وقرأ الحر النحوي ((يسرعون وأنهم إليها سابقون»،
وهذا قول بعضهم في قوله لها، وقالت فرقة : معناه وهم من أجلها سابقون، فالسابق على هذا التأويل هو إلى
رضوان الله تعالى وعلى الأول هو إلى الخيرات، وقال الطبري عن ابن عباس: المعنى سبقت لهم السعادة
في الأزل فهم لها ورجحه الطبري بأن اللام متمكنة في المعنى.
قوله عز وجل :
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِىِ غَمْرَةِ مِنْ هَذَا
٦٢
وَلَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَاَ كِنَبٌ يَنَطِقُّ بِالْحَقِّ وَهُمْلاَ يُظْلَمُونَ
◌َ حَتَّىَ إِذَا أَخَذْ نَا مُتْرَفِهِمْ بِلْعَذَابٍ إِذَا هُمْ يَحْتَرُونَ
٦٣
وَلَهُمْ أَعْمَلُ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ
(٦٤)
قوله تعالى: ﴿ولا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ نسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف ما لا يطاق
على الحقيقة، وتكليف ما لا يطاق أربعة أقسام، ثلاثة حقيقة ورابع مجازي وهو الذي لا يطاق للاشتغال
بغيره مثل الإيمان للكافر والطاعة للعاصي وهذا التكليف باق وهو تكليف أكثر الشريعة، وأما الثلاثة فورد
الاثنان منها وفيها وقع النسخ المحال عقلاً في نازلة أبي لهب والمحال عادة في قوله تعالى: ﴿إن تبدوا ما
في أنفسكم﴾ [البقرة: ٢٨٤]، والثالث لم يرد فيه شيء وهو النوع المهلك لأن الله تعالى لم يكلفه عباده،
فأما قتل القاتل ورجم الزاني فعقوبته بما فعل وقد مضى القول مستوعباً موجزاً في مسألة تكليف ما لا يطاق
في سورة البقرة وفي قولنا ناسخ نظر من جهة التواريخ، وما نزل بالمدينة وما نزل بمكة والله المعين، وقوله
تعالى: ﴿ولدينا كتاب﴾ أظهر ما قيل فيه أنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة، وفي الآية
على هذا التأويل تهديد وتأنيس من الحيف والظلم، وقالت فرقة الإشارة بقوله (ولدينا كتاب﴾ إلى القرآن.

١٤٩
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ٦٥ - ٦٨
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا يحتمل والأول أظهر، وقوله (في غمرة﴾ يريد في ضلال قد غمرها
كما يفعل الماء الغمر بما حصل فيه، وقوله ﴿من هذا﴾، يحتمل أن يشير إلى القرآن، ويحتمل أن يشير إلى
كتاب الإحصاء، ويحتمل أن يشير إلى الأعمال الصالحة المذكورة قبل، أي هم في غمرة من اطراحها
وتركها ويحتمل أن يشير إلى الدين بجملته أو إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وكل نأويل من هذه قالته
فرقة، وقوله تعالى: ﴿ولهم أعمال من دون ذلك﴾ الإشارة بذلك إلى الغمرة والضلال المحيط بهم فمعنى
الآية بل هم ضالون معرضون عن الحق ولهم مع ذلك سعايات فساد فوسمهم تعالى بحالتي شر، قال هذا
المعنى قتادة وأبو العالية، وعلى هذا التأويل فالإخبار عما سلف من أعمالهم وعماهم فيه، وقالت فرقة
الإشارة بذلك إلى قوله: ﴿من هذا﴾ فكأنه قال: لهم أعمال من دون الحق، وقال الحسن بن أبي الحسن
ومجاهد: إنما أخبر بقوله ﴿ولهم أعمال﴾ عما يستأنف من أعمالهم أي أنهم لهم أعمال من الفساد
يستعملونها، و﴿حتى﴾ حرف ابتداء لا غير، و﴿إذا﴾ والثانية التي هي جواب تمنعان من أن تكون
﴿حتى﴾ غاية لـ ﴿عاملون)، و((المترف)) هو المنعم في الدنيا الذي هو منها في سرف وهذه حال شائعة
في رؤساء الكفرة من كل أمة و﴿يجأرون﴾ معناه يستغيثون بصياح كصياح البقر وكثر استعمال الجوار في
البشر ومنه قول الأعشى : [المتقارب]
فطوراً سجوداً وطوراً جؤارا
يراوح من صلوات المليك
وذهب مجاهد وغيره إلى أن هذا العذاب المذكور هو الوعيد بيوم بدر وفيه نفذ على ﴿مترفيهم﴾
والضمير في قوله ﴿إذا هم﴾ يحتمل أن يعود على ((المترفين)) فقط لأنهم صاحوا حين نزل بهم الهزم والقتل
يوم بدر، ويحتمل أن يعود على الباقين بعد المعذبين وقد حكى ذلك الطبري عن ابن جريج قال:
المعذبون قتلى بدر والذين ﴿يجأرون﴾ قتلى مكة لأنهم ناحوا واستغاثوا.
قوله عز وجل :
لَ تَجَْرُ وا الْيَوْمَّ إِنَّكُرُ قِنَّا لَأَنْتُصَرُونَ(
أَ قَدْ كَانَتْ ءَايَتِى نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْنَنكِصُونَ
٦٥
مُسْتَكْبِنَ بِهِ، سَمِرًا تَهْجُرُونَ ﴿ أَفَلَمْ يَذَّبَّرُواْالْقَوْلَ أَمْ جَاءَ هُمْ مَّالَمْيَأْتِءَابَآءَ هُمُ الْأَوَّلِينَ
١٨
المعنى يقال لهم يوم العذاب وعند حلوله ﴿لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون) وهذا القول يجوز
أن يكون حقيقة، أي تقول ذلك لهم الملائكة ويحتمل أن يكون مجازاً أي لسان الحال يقول ذلك، وهذا
على أن الذين يجأرون هم المعذبون، وأما على قول ابن جريج فلا يحتمل أن تقول ذلك الملائكة، وقوله
﴿قد كانت آياتي تتلى عليكم﴾ يريد بها القرآن، و﴿تنكصون﴾ معناه ترجعون وراءكم وهذه استعارة
للإعراض والإدبار عن الحق، وقرأ علي بن أبي طالب ((على أدباركم تنكُصون)) بضم الكاف وبذكر الإدبار
بدل أعقاب، و﴿مستكبرين﴾ حال، والضمير في ﴿به﴾ قال الجمهور: هو عائد على الحرم والمسجد وإن
لم يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر، والمعنى أنكم تعتقدون في نفوسكم أن لكم بالمسجد والحرم أعظم
الحقوق على الناس والمنازل عند الله فأنتم تستكبرون لذلك وليس الاستكبار من الحق، وقالت فرقة:

١٥٠
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ٦٥ - ٦٨
الضمير عائد على القرآن من حيث ذكرت الآيات والمعنى يحدث لكم سماع آياتي كبراً وطغياناً.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول جيد وذكر منذر بن سعيد أن الضمير لمحمد صلى الله عليه
وسلم، وهو متعلق بما بعده كأن الكلام ثم في قوله ﴿مستكبرين﴾ ثم قال لمحمد صلى الله عليه
وسلم، ﴿سامراً تهجرون﴾، وقوله ﴿سامراً﴾ حال وهو مفرد بمعنى الجمع يقال قوم سمر وسمر
وسامر ومعناه سهر الليل مأخوذ من السمر وهو ما يقع على الأشخاص من ضوء القمر فكانت العرب
تجلس للسمر تتحدث وهذا أوجب معرفتها بالنجوم لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب،
وقرأ الجمهور ((سامراً))، وقرأ أبو رجاء ((سماراً))، وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن محيصن ((سمراً) ومن هذه
اللفظة قول الشاعر: [الكامل]
عزف القيان ومجلس غمر
من دونهم إن جئتهم سمراً
فكانت قريش سمر حول الكعبة مجالس في أباطيلها وكفرها، وقرأ الجمهور ((تَهجُرون)) بفتح التاء
وضم الجيم واختلف المتأولون في معناها فقال ابن عباس: معناها تهجرون الحق وذكر الله وتقطعونه من
الهجر المعروف، وقال ابن زيد: من هجر المريض إذا هذى أي تقولون اللغو من القول وقاله أبو حاتم، وقرأ
نافع وحده من السبعة ((تهجرون)) بضم التاء وكسر الجيم وهي قراءة أهل المدينة وابن محيصن وابن عباس
أيضاً ومعناه يقولون الفحش والهجر والعضاية من القول وهذه إشارة إلى سبهم لرسول الله صلى الله عليه
وسلم وأصحابه قاله ابن عباس أيضاً وغيره، وفي الحديث ((كنت نهيتكم عن زيادة القبور فزوروها ولا تقولوا
هجرا))، وقرأ ابن محيصن وابن أبي نهيك ((تُهَجّرون)) بضم التاء وفتح الهاء وشد الجيم مكسورة وهو
تضعيف هجر وتكثير الهجر والهجر على المعنيين المتقدمين، وقال ابن جني: لو قيل إن المعنى أنكم
تبالغون في المهاجرة حتى أنكم وإن كنتم سمراً بالليل فكأنكم تهجرون في الهاجرة على غاية الافتضاح
لکان وجهاً .
قال القاضي أبو محمد: ولا تكون هذه القراءة تكثير ((تُهجّرون)) بضم التاء، وكسر الجيم لأن أفعل لا
يتعامى ولا يكثر بتضعيف إذ التضعيف والهمزة متعاقبان ثم وبخهم على إعراضهم بعد تدبر القول لأنهم بعد التدبر
والنظر الفاسد، قال بعضهم شعر وبعضهم سحر وسائر ذلك، وقوله ﴿أم جاءهم﴾ كذلك توبيخ أيضاً
والمعنى أأبدع لهم أمر لم يكن في الناس قبلهم بل قد جاء الرسل قبل كنوح وإبراهيم وإسماعيل وفي هذا
التأويل من التجوز أن جعل سالف الأمم (آباء)) إذ الناس في الجملة آخرهم من أولهم، ويحتمل اللفظ
معنى آخر على أن يراد بـ ﴿آباءهم الأولين﴾ من فرط من سلفهم في العرب فكأنه قال: أفلم يدبروا القول أم
جاءهم أمر غريب من عند الله لم يأت ﴿آباءهم﴾ فبهر عقولهم ونبت أذهانهم عن أمر من أمور الله غريب في
سلفهم والمعنى الأول أبين.
قوله عز وجل :
:
(١) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، جِنَّةٌ بَلْ جَآءَ هُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ
أَمْلَمْ يَعْرِفُواْرَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنِكِّرُونَ

i
١٥١
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ٦٩ - ٧٥
كَزِهُونَ ﴿ وَلَوِأَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّْ بَلْ أَنَيْنَهُم
٧١
بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُعْرِضُونَ
هذا أيضاً توبيخ والمعنى ألم يعرفوه صادقاً مدة عمره ولم يقع منهم قط إنكار لمعرفة وجه محمد
صلى الله عليه وسلم وإنما أنكروا صدقه ، وقوله ﴿أم يقولون به جنة﴾ توبيخ أيضاً لأن الفرق بين الحكمة
وفصل الخطاب الذي جاء به وبين كلام ذي الجنة لا يخفى على ذي فطرة، ثم بين تعالى حاله عليه السلام
في مجيئه بالحق، وقوله تعالى: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم﴾ قال ابن جريج وأبو صالح ﴿الحق﴾ الله
تعالى ع وهذا ليس من نمط الآية، وقال غيرهما ﴿الحق﴾ هنا الصواب والمستقيمع وهذا هو الأجرى على
أن يكون المذكور قبل الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ويستقيم على هذا فساد ﴿السماوات
والأرض ومن فيهن﴾ لو كان بحكم هوى هؤلاء، وذلك أنهم جعلوا لله شركاء وأولاداً ولو كان هذا حقاً لم تكن
لله الصفات العالية، ولو لم تكن له لم تكن الصنعة والقدرة كما هي، وكان فساد ﴿السماوات والأرض ومن
فيهن﴾، ومن قال إن ﴿الحق) في الآية الله تعالى بشعت له لفظة (اتبع﴾ وصعب عليه ترتيب الفساد
المذكور في الآية لأن لفظة الاتباع على كلا الوجهين إنما هي استعارة بمعنى أن تكون أهواؤهم يصوبها
الحق ويقررها فنحن نجد الله تعالى قد قرر كفر أمم وأهواءهم فليس في ذلك فساد سماوات، وأما الحق
نفسه الذي هو الصواب فلو كان طبق أهوائهم لفسد كل شيء فتأمله، وقرأ ابن وثاب ((ولو اتبع)) بضم الواو
وقال أبو الفتح: الضم في هذه الواو قليل والوجه تشبيهها بواو الجمع كقوله ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: ١٦]
وقوله ﴿بذكرهم﴾ يحتمل أن يريد بوعظهم والبيان لهم قاله ابن عباس، وقرأ قتادة ((نُذَكِّرهم)) بنون مضمومة
وذال مفتوحة وكسر الكاف مشددة ويحتمل أن يريد بشرفهم، وهو مروي، وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي
إسحاق ((بل أتيتُهم بذكرهم)) بضم تاء المتكلم، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً ((بل أتيتَهم)) خطاباً لمحمد
صلى الله عليه وسلم، وقرأ الجمهور ((بل أتينهم بذكرهم)) وروي عن أبي عمرو و ((آتيناهم)) بالمد بمعنى
أعطيناهم .
قوله عز وجل :
(١) وَإِنَّكَ لَنَدْعُوهُمْإِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (*) وَإِنَ
أَمْنَسْئَلُهُمْ خَرْجَا فَخَرَجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيرُ الزَّزِقِينَ
وَلَوْرَحِمْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَابِهِم مِّنِ ضُرِّ لَّلَجُواْ
٠١٠٠٠
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الْصِرَطِ لَتَكِبُونَ ◌ّ
فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
٧٥
هذا توبيخ لهم كأنه قال: أم سألتهم مالاً فقلقوا بذلك واستثقلوا من أجله، وقرأ حمزة والكسائي
((خراجاً فخراج)) وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ((خرجاً فخراج)) وقرأ ابن عامر ((خرجاً فخرج)) وهو
المال الذي يجيء ويؤتى به لأوقات محدودة ، قال الأصمعي : الخرج الجعل مرة واحدة والخراج ما تردد
الأوقات ما، ع وهذا فرق استعمالي وإلا فهما في اللغة بمعنى، وقد قرىء ((خراجاً) في قصة ذي القرنين وقوله

١٥٢ -
تفسير سورة المؤمنون / الآيتان: ٧٦ ، ٧٧
﴿فخراج ربك﴾ يريد ثوابه سماه ((خراجاً)) من حيث كان معادلاً للخراج في هذا الكلام، ويحتمل أن يزيد
﴿فخراج ربك﴾ رزق ربك ويؤيد هذا قوله ﴿وهو خير الرازقين﴾، و﴿الصراط﴾ المستقيم، دين الإسلام
و﴿ناكبون﴾ معناه عادلون ومعرضون ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لو زال عنهم القحط ومنَّ الله عليهم
بالخصب ورحمهم بذلك لبقوا على كفرهم والجوا في طيفانهم﴾، وهذه الآية نزلت في المرة التي
أصابت قريشاً فيها السنون المجدبة والجوع الذي دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله اللهم سبعاً
کسني يوسف الحديث.
قوله عز وجل :
حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًاذَا عَذَابٍ
٧٦
وَلَقَدْ أَخَذْنَهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوْلِرَبِهِمْ وَمَا يَنَضَرَّعُونَ
٧٧
شَدِيدٍ إِذَاهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
هذا إخبار من الله تعالى عن استكبارهم وطغيانهم بعد ما نالهم من الجوع، هذا قول روي عن ابن
عباس وابن جريج أن ((العذاب)) هو الجوع والجدب المشهور نزوله بهم حتى أكلوا الجلود وما جرى مجراها
والباب والمتوعد به يوم بدر، وهذا القول یرده أن الجدب الذي نالهم إنما کان بعد وقعة بدر وروي أنهم لما
بلغهم الجهد جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ألست تزعم يا محمد أنك بعثت رحمة
العالمين؟ قال بلى قال قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع وقد أكلنا العهن فنزلت الآية، و﴿استكانوا﴾
معناه انخفضوا وتواضعوا، ويحتمل أن يكون من السكون ويلزمه أن يكون ((استكنوا)) ووجهه أن فتحة الكاف
مطلت فتولدت منه الألف ويعطي التصريف أنه من ((كان)) وأن وزنه استفعل وعلى الأول وزنه افتعل وكونه
من ((كان)) أبين والمعنى فما طلبوا أن يكونوا لربهم أي طاعة وعبيد خير، وروي عن الحسن رضي الله عنه
أنه قال: إذا أصاب الناس من قتل السلطان بلاء فإنما هي نقمة فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية ولكن استقبلوها
بالاستغفار واستكينوا وتضرعوا إلى الله وقرأ هذه الآية ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما
يتضرعون) و((العذاب الشديد))، إما يوم بدر بالسيوف كما قال بعضهم وإما توعد بعذاب غير معين وهو
الصواب لما ذكرناه من تقدم بدر للمجاعة، وروي عن مجاهد أن العذاب والباب الشديد هو كله مجاعة
قریش.
قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن كأن الأخذ كان في صدر الأمر ثم فتح الباب عند تناهيه حيث
أبلسوا وجاء أبو سفيان، والملبس: الذي قد نزل به شر ويئس من زواله ونسخه بخير.
قوله عز وجل :
وَهُوَ الَّذِى ذَرَأَ كُمْ فِ الْأَرْضِ
VA
وَهُوَ الَّذِ أَشَأَ لَكُالسَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ قَلِلًا مَّاتَشْكُرُونَ
٧٩
وَهُوَ الَّذِى يُحِيءٌ وَيُمِيتُ وَلَهُ أُخْتِلَفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿ بَلْ
وَإِلَيْهِ مُحْشَرُونَ لـ
قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ ﴿ قَالُواْ أَءِ ذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمًا أَعِنَّا لَمَبْعُوتُونَ
لَقَدْ
:
٠ ٠ ..

١٥٣
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ٧٨ - ٨٩
٨٣
وُعِدْنَا فَحْنُ وَءَابَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
ابتدأ تعالى بتعديد نعم في نفس تعديدها استدلال بها على عظيم قدرته وأنها لا يعزب عنها أمر
البعث ولا يعظم و ﴿أنشأ﴾ بمعنى اخترع و﴿السمع﴾ مصدر فلذلك وحد وقيل أراد الجنس، و﴿الأفئدة﴾
القلوب وهذه إشارة إلى النطق والعقل وقوله ﴿قليلاً﴾ نعت لمصدر محذوف تقديره شكراً قليلاً ما
تشكرون وذهبت فرقة إلى أنه أراد ﴿قليلاً﴾ منكم من يشكر أي يؤمن ويشكر حق الشكر.
قال الفقيه الإمام القاضي: والأول أظهر وزرأ معناه بث وخلق، وقوله ﴿وإليه﴾ فيه حذف مضاف أي
إلى حكمه وقضائه، و﴿تحشرون﴾ يريد البعث، وقوله ﴿وله اختلاف الليل والنهار﴾ أي له القدرة التي
عنها ذلك، والاختلاف هنا التعاقب، والكون خلفة، ويحتمل أن يكون الذي هو المغايرة البينة، وقوله
﴿بل﴾ إضراب والجحد مقدر كأنه قال ليس لهم نظر في هذه الآيات أو نحو هذا، و﴿الأولون﴾ يشير به
إلى الأمم الكافرة كعاد وثمود، وقوله ﴿المبعوثون﴾ أي لمعادون أحياء وقولهم ﴿وآباؤنا﴾ أي حكى المقالة
عن العرب فمرادهم من سلف من العالم جعلوهم آباء من حيث النوع واحد وإن حكى ذلك عن الأولين
فالأمر مستقيم فيهم، و((الأساطير)) قيل هي جمع أسطورة كأعجوبة وأعاجيب وأحدوثة وأحاديث وقيل هي
جمع سطر وأسطار وأساطير.
قوله عز وجل :
قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٨٤
أَسَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ
/٤٠١٢//
® قُلْ
٨٧
سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلَا نَتَّقُونَ
ج٢٠١/
مَنْ رَبُّ السَّمَوَتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيْرٌ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
سَيَقُولُونَ
٨٨
٨٩
لِلَّهِقُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
أمر الله تعالى نبيه بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها ويلزم من الإقرار بها أن
يؤمنوا بياريها ويذعنوا لشرعه ورسالة رسوله، وقرأ الجميع في الأول ﴿لله﴾ بلا خلاف وفي الثاني والثالث،
فقرأ أبو عمرو وحده (الله)) جواباً على اللفظ، وقرأ باقي السبعة، ((الله)) جواباً على المعنى كأنه قال في
السؤال لمن ملك ﴿السموات السبع﴾ إذ قولك لمن هذه الدار؟ وقولك من مالك هذه الدار؟ واحد في
المعنى ثم جعل التوبيخ مدرجاً بحسب وضوح الحجة شيئاً شيئاً فوقف على الأرض ومن فيها وجعل بإزاء .
ذلك التذكر، ثم وقف على ﴿السموات السبع﴾، و﴿العرش﴾، وجعل بإزاء ذلك التقية وهي أبلغ من
التذكر وهذا بحسب وضوح الحجة، وفي قوله تعالى: ﴿أفلا تتقون) وعيد، ثم وقف على ﴿ملكوت كل
شيء﴾ وفي الإقرار بهذا التزام كل ما تقع به الغلبة في الاحتجاج، فوقع التوبيخ بعد في غاية البلاغة بقوله
﴿فأنى تسحرون﴾ ومعنى ﴿أنى﴾ كيف ومن أين، وفي هذا تقرير سحرهم وهو سؤال عن الهيئة التي
سحروا بها، والسحر هنا مستعار لهم وهو تشبيه لما وقع منهم من التخليط ووضع الأفعال والأقوال غير
:

١٥٤
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ٩٠ -٩٨
مواضعها بما يقع من المسحور عبر عنهم بذلك، وقالت فرقة ﴿تسحرون﴾ معناه تمنعون، وحكى بعضهم
ذلك لغة، وقرأ ابن محيصن ((العظيمُ)) برفع الميم و﴿ملكوت﴾ مصدر في بناء مبالغة والإجارة المنع من
الإنسان والمعنى أن الله إذا منع أحداً فلا يقدر عليه، وإذا أراد أحداً فلا مانع له، وكذلك في سائر قدرته وما
نفذ من قضائه لا يعارض ذلك شيء ولا يحيله عن مجراه.
قوله عز وجل :
◌َ مَا أَتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَةٍ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ
بَلْ أَنْيََّهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (
إِلَاِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩) عَِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ()
المعنى ليس الأمر كما يقولون من نسبتهم إلى الله تعالى ما لا يليق به ﴿بل آتيناهم﴾ وقرأ ابن أبي
إسحاق ((بل آتيناك)) على الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ولكاذبون﴾ يراد فيما ذكروا الله تعالى به
من الصاحبة والولد والشريك، وفي قوله تعالى: ﴿وما كان معه من إله﴾ دليل على التمانع وهذا هو الفساد
الذي تضمنه قوله ﴿ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] والجزء المخترع محال أن يتعلق به
قدرتان فصاعداً أو يختلف الإلهان في إرادة فمحال نفوذهما ومحال عجزهما فإذا نفذت إرادة الواحد فهو
العالي والآخر ليس بإله، فإذا قيل نقدرهما لا يختلفان في إرادة قيل ذلك بفرض، فإذا جوزه الكفار قامت
الحجة فإن ما التزم جوازه جرى ما التزم وقوعه، وقوله ﴿إذاً﴾ جواب لمحذوف تقديره لو كان معه إله ﴿إذا
لذهب﴾ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم ((عالم)) بكسر الميم اتباعاً للمكتوبة في قوله
﴿سبحان الله﴾، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ((عالمٌ)) بالرفع والمعنى هو ((عالم)) قال الأخفش: الجر أجود
لیکون الكلام من وجه واحدٍ قال أبو علي: ووجهه الرفع إن الكلام قد انقطع .
قال الفقيه الإمام القاضي: والابتداء عندي أبرع والفاء في قوله ﴿فتعالى﴾ عاطفة بالمعنى كأنه قال:
علم الغيب والشهادة ﴿فتعالى﴾ وهذا كما تقول زيد شجاع فعظمت منزلته ويحتمل أن يكون المعنى فأقول
تعالى ﴿عما يشركون﴾ على إخبار مؤتنف، و﴿الغيب﴾ ما غاب عن الناس و ﴿الشهادة﴾ ما شهدوه.
قوله عز وجل :
قُل رَبِّ إِمَّاتُرِيَنَّ مَا يُوعَدُونَ الْثَارَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِ فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١) وَإِنَّا عَلَى أَنْ تُرِيَكَ
مَا فَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ ﴿ أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَِّّئَة ◌َحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴿ وَقُل ◌َّهِ ، أَعُوذُ
٠٫٠٠
٩٨
وَأَعُوذُبِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ
أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إن كان قضي أن يرى ذلك،
:

١٥٥
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ٩٩ - ١٠٢
و((إن)) شرط و((ما)) زائدة، و﴿تريني﴾ جزم بالشرط لزمت النون الثقيلة وهي لا تفارق ((إما)) عند المبرد،
ويجوز عن سيبويه أن تفارق فيقال ﴿إما تريني﴾ لكن استعمال القرآن لزومها فمن هنالك ألزمها المبرد،
وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله ثم نظيره لسائر الأمة دعاء في جودة
الخاتمة، وفي هذه الآية بجملتها إعلام بقرب العذاب منهم كما كان في يوم بدر، وقوله ثانياً اعتراض بين
الشرط وجوابه، وقوله ﴿ادفع بالتي هي أحسن) الآية أمر بالصفح ومكارم الأخلاق وما كان منها، لهذا فهو
حكم باق في الأمة أبداً وما فيها من معنى موادعة الكفار وترك التعرض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ
بالقتال، وقوله ﴿نحن أعلم بما يصفون﴾ يقتضي أنها آية موادعة، وقال مجاهد ((الدفع بالتي هي أحسن)) هو
السلام يسلم عليه إذا لقيه، وقال الحسن : والله لا يصيبها أحد حتى يكظم غيظه ويصفح عما يكره.
قال الفقيه الإمام القاضي: هذه الطرفان وفي هذه الآية عدة للنبي صلى الله عليه وسلم أي اشتغل
بهذا وكل تعذيبهم والنقمة منهم إلينا وأمره بالتعوذ من الشيطان في ((همزاته)) وهي سورات الغضب التي لا
يملك الإنسان فيها نفسه، وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة، فلذلك اتصلت
بهذه الآية، وقال ابن زيد: ((همز الشيطان)) الجنون .
قال الفقيه الإمام القاضي: وفي مصنف أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم إني
أعوذ بك من الشيطان، همزه ونفخه ونفثه» قال أبو داود همزه الموتة وهي الجنون ونفخه الكبر ونفثه
السحر.
قال الفقيه الإمام القاضي: والنزعات وسورات الغضب من الشيطان وهي المتعوذ منها في الآية،
والتعوذ من الجنون أيضاً وكيد، وفي قراءة أبي بن كعب ((رب عائذاً بك من همزات الشياطين وعائذاً بك
رب أن يحضرون))، وقوله ﴿أن يحضرون﴾ أن يكونوا معي في أموري فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا
معدین للهمز فإذا لم یکن حضور فلا همز.
قال الفقيه الإمام القاضي: وأصل الهمز الدفع والوخز بيد وغيرها ومنه همز الخيل وهمز الناس باللسان
وقيل لبعض العرب أتهمز الفأرة، سئل بذلك عن اللفظة فظن أن المراد شخص الفأرة فقال الهر يهمزها.
قوله عز وجل :
حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْنُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ (١٦) لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحَا فِيمَا تَرَّكْتُ كَلََّ إِنَّهَا كَلِمَهُ
هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآءِهِمْ بَرْزَعُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
روزجار
فَإِذَانُفِخَ فِي الصُّورِفَلَآ أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَیِدٍ
٠٠
وَلَا يَتَسَاءَ لُونَ (٤٦) فَمَن تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأَوْلِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
﴿حتى﴾ في هذا الموضع حرف ابتداء ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأول
أبين لأن ما بعدها هو المعنيّ به المقصود ذكره، والضمير في قوله ﴿أحدهم﴾ للكفار، وقوله ﴿ارجعون﴾
معناه إلى الحياة الدنيا، وجمع الضمير يتخرج على معنيين إما أن يخاطبه مخاطبة الجمع تعظيماً على نحو

١٥٦
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ١٠٣ - ١٠٨
إخباره تعالى عن نفسه بنون الجماعة في غير موضع، وإما أن تكون استغاثة بربه أولاً ثم خاطب ملائكة
العذاب بقوله ﴿أرجعون﴾، وقال الضحاك هي في المشرك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، لعائشة ((إذا
عاين المؤمن قالت الملائكة نرجعك فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدماً إلى الله وأما الكافر فيقول
﴿ارجعون لعلي أعمل صالحاً﴾، وقرأ الحسن والجمهور ((لعلي)) بسكون الياء، وقرأ طلحة بن مصرف
(لعليّ)) بفتح الياء، و﴿كلا﴾ رد وزجر وهي من كلام الله تعالى، وقوله ﴿إنها كلمة هو قائلها﴾ يحتمل ثلاثة
معان: أحدها الإخبار المؤكد بأن هذا الشيء يقع ويقول هذه الكلمة، والآخر أن يكون المعنى إنها كلمة لا
تغني أكثر من أن يقولها ولا نفع له فيها ولا غوث، والثالث أن تكون إشارة إلى أنه لورد لعاد فتكون آية ذم
لهم، والضمير في ﴿ورائهم﴾ للكفار أي يأتي بعد موتهم حاجز من المدة ((البرزخ))، في كلام العرب
الحاجز بين المسافتين، ثم يستعار لما عدا ذلك فهو هنا للمدة التي بين موت الإنسان وبين بعثه، هذا إجماع
من المفسرين، وقرأ الجمهور ((في الصور)) وهو القرن، وقرأ ابن عباس ((الصور)) بفتح الواو جمع صورة،
و﴿يوم﴾ مضاف إلى ﴿يبعثون﴾ وقوله ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ﴾ اختلف المتأولون في صفة ارتفاع الأنساب
فقال ابن عباس وغيره: هذا في النفخة الأولى وذلك أن الناس بأجمعهم يموتون فلا يكون بينهم نسب في
ذلك الوقت وهم أموات .
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل يزيل ما في الآية من ذكر هول الحشر، وقال ابن مسعود
وغيره : إنما المعنى أنه عند النفخة الثانية وقيام الناس من القبور فهم حينئذ لهول المطلع واشتغال كل امرىء
بنفسه قد انقطعت بينهم الوسائل وزال انتفاع الأنساب فلذلك نفاها فالمعنى ﴿فلا أنساب﴾ وروي عن قتادة
أنه قال: ليس أحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم ممن يعرف لأنه يخاف أن تكون له عنده مظلمةٍ وفي
ذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ويفرح كل أحد يومئذ أن يكون له حق على ابنه
وأبيه، وقد ورد بهذا حديث، وكذلك ارتفاع التساؤل والتعارف لهذه الوجوه التي ذكرناها ثم تأتي في القيامة
مواطن يكون فيها السؤال والتعارف.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل حسن وهو مروي المعنى عن ابن عباس و((ثقل الموازين))
هو الحسنات، والثقل والخفة إنما يتعلق بأجرام يخترع الله فيها ذلك وهي فيما روي براءات.
قوله عز وجل :
تَلْفَحَ وَجُوهُهَمْ
١٠٣
وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِيُّهُ فَأُوْلَكِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ ل
النَّارُوَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ ﴿ أَلَمْ تَكُنْءَايَتِى تُنْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمِهَا تُكَذِّبُونَ (٥َّ قَالُواْرَبَّنَا غَلَبَتْ
عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِينَ [٨٦ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ (*) قَالَ
١٠٨
أَخْسَتُواْفِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ
جمع ((الموازين)) من حيث الموزون جمع وهي الأعمال ع ومعنى الوزن إقامة الحجة على الناس

١٥٧
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ١٠٩ - ١١١
بالمحسوس على عادتهم وعرفهم ، ووزن الكافر على أحد وجهين : إما أن يوضع كفره في كفة فلا يجد
شيئاً يعادله في الكفة الأخرى، وإما أن توضع أعماله من صلة رحم ووجه بر في كفة الحسنات ثم يوضع كفره
في الكفة الأخرى فتخف أعماله، و((لفح النار)) إصابتها بالوهج والإحراق، وقرأ أبو حيوة ((كلحون)) بغير
ألف والكلوح انكشاف الشفتين عن الأسنان، وهذا يعتري الإنسان عند المباطشة مع الغضب، ويعتري
الرؤوس عند النار، وقد شبه عبد الله بن مسعود ما في هذه الآية مما يعتري رؤوس الكباش إذا شيطت بالنار
فإنها تكلح ومنه كلوح الكلب والأسد ويستعار للزمن والخطوب. وقوله ﴿ألم تكن آياتي﴾ قبله محذوف
تقديره يقال لهم، و((الآيات)) هنا القرآن وأخبر عنهم تعالى أنهم إذا سمعوا هذا التقرير أذعنوا وأقروا على
أنفسهم وسلموا بقولهم ﴿غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين﴾ وقرأ الجمهور ((شقوتنا)) بكسر الشين دون
ألف بعد القاف وهي قراءة الحرميين، وقرأ الحمزة والكسائي ((شَقاوتنا)) بفتح الشين وألف بعد القاف وهي
قراءة ابن مسعود، وخير عاصم في الوجهين وهما مصدران من شقي يشقى، ثم تدرجوا من الإقرار إلى
الرغبة والتضرع وذلك أنهم ذلوا لأن الإقرار بالذنب اعتذار وتنصل، فوقع جواب رغبتهم بحسب ما حتمه
الله من عذابهم بقوله تعالى: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ وجاء ﴿ولا تكلمون﴾ بلفظ نهي وهم لا
يستطيعون الكلام على ما روي فهذا مبالغة في المنع، ويقال إن هذه الكلمة إذا سمعوها يئسوا، وحكى
الطبري حديثاً طويلاً في مقاولة تكون بين الكفار وبين مالك خازن النار، ثم بينهم وبين ربهم وآخرها هذه
الكلمة ﴿اخسؤوا فيها﴾ قال فتنطبق عليهم جهنم ويقع اليأس ويبقون ينبح بعضهم في وجه بعض .
قال الفقيه الإمام القاضي: واختصرت هذا الحديث لعدم صحته لكن معناه صحيح عافانا الله من ناره
بمنه، وقوله ﴿اخسؤوا﴾ زجر يستعمل في زجر الكلاب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد
اخسأ فلن تعدو قدرك.
قوله عز وجل :
إِنَُّ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآءَ امَنَا فَاغْفِرْلَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِمِينَ (٢) فَتَّخَذْ تُمُوهُ
سِخْرِ تَّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمِ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴿ إِى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ
اُلْفَآبِزُونَ
قرأ هارون ((أنه كان)) بفتح الألف وهي قراءة أبي بن كعب، وروي أن في مصحف أبي بن كعب ((أن
كان)) وهذا كله متعاضد، وفي قراءة ابن مسعود ((تكلمون كان فريق)) بغير ((إنه)) وهذه تعضد كسر الألف من
(إنه)) لأنها استئناف، وهذه الهاء هى مبهمة ضمير للأمر، والكوفيون يسمونها المجهولة وهي عبارة فاسدة،
وهذه الآية كلها مما يقال للكفار على جهة التوبيخ، و((الفريق)) المشار إليه كل مستضعف من المؤمنين
يتفق أن تكون حاله مع كفار في مثل هذه الحال، ونزلت الآية في كفار قريش مع صهيب وبلال وعمار
ونظرائهم ثم هي عامة فيمن جرى مجراهم قديماً وبقية الدهر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي ((سُخريا)) بضم
السين، وقرأ الباقون ((سخرياً)) بكسرها، فقالت طائفة هما بمعنى واحد وذكر ذلك الطبري، وقال ذلك أبو
1

١٥٨
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ١١٢ - ١١٥
زيد الأنصاري إنهما بمعنى الهزء، وقال أبو عبيدة وغيره: إن ضم السين من ((السخرة)) والتخديم وكسر السين
من السخر وهو الاستهزاء ومنه قول الأعشى: [البسيط]
إني أتاني حديث لا أسرّ به
من علو لا كذب فيه ولا، سخر
قال أبو علي قراءة كسر السين أوجه لأنه بمعنى الاستهزاء والكسر فيه أكثر وهو أليق بالآية ألا ترى إلى
قوله: ﴿و کنتم منهم تضحكون﴾ ..
قال القاضي أبو محمد: ألا ترى إلى إجماع القراء على ضم السين في قوله ﴿لتخذ بعضهم بعضاً
سخرياً﴾ [الزخرف: ٣٢] لما تخلص الأمر للتخديم، قال يونس إذا أريد التخديم فضم السين لا غير، وإذا
أريد تخلص الاستهزاء فالضم والكسر، وقرأ أصحاب عبد الله والأعرج وابن أبي إسحاق كل ما في القرآن
بضم السين، وقرأ الحسن وأبو عمرو كل ما في القرآن بالكسر إلا التي في الزخرف فإنهما ضما السين كما
فعل الناس لأنها من التخديم، وأضاف ((الإنسان)) إلى ((الفريق)) من حيث كان بسببهم والمعنى أن اشتغالهم
بالهزء بهؤلاء أنساهم ما ينفعهم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ((أنهم هم الفائزون)) بفتح
الألف، فـ ﴿جزيتهم﴾ عامل في ((أن))، ويجوز أن يعمل في مفعول محذوف ويكون التقدير لأنهم، وقرأ
حمزة والكسائي وخارجة عن نافع ((إنهم)) بكسر الألف فالمفعول الثاني لـ ((جزية)) مقدر تقديره الجنة أو
الرضوان، و ﴿الفائزون﴾ المنتهون إلى غايتهم التي كانت أملهم، ومعنى الفوز النجاة من هلكة إلى نعمة.
قوله عز وجل :
قَالَ كُمْ لَبِئْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (*) قَالُوْلِتْنَا يَوْمَا أَوْ بَعْضَ يَوْمِ فَسْئَلِ الْعَآَدِينَ (®] قَلَ إِن
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَفْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا
◌َبِئْتُمْ إِلَّا قَلِيلًاٌ لَّوْأَنَّكُمْ كُمْ تَعْلَمُونَ
١١٥
تُرْجَعُونَ
قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ((قال كم لبثتم)) و((قل إن لبثتم))، وقرأ حمزة والكسائي فيهما
((قل لكم لبثتم)) و((قل إن لبثتم))، وروى البزي عن ابن كثير ((قل كم)) على الأمر ((قال إن)) على الخبر،
وأدغم أبو عمرو وحمزة والكسائي التاء، والباقون لا يدغمون. فمعنى الأول إخبار عن الله بوقفهم بالسؤال
عن المدة ثم يعلمهم آخراً بلبثهم قليلاً، ومعنى الثانية الأمر لواحد منهم مشار إليه بمعنى يقال لأحدهم قل
كذا فإذا قال غير القويم قيل له ((قل إن لبثتم))، ومعنى رواية البزي التوقيف ثم الإخبار وفي المصاحف قال
فيهما إلا في مصحف الكوفة فإن فيه ((قل)) بغير الألف، وقوله ﴿في الأرض﴾ قال الطبري معناه في الدنيا
أحياء وعن هذا وقع السؤال ونسوا لفرط هول العذاب حتى قالوا ﴿يوماً أو بعض يوم﴾.
قال الفقيه الإمام القاضي: والغرض من هذا توقيفهم على أن أعمارهم قصيرة أداهم الكفر فيها إلى
عذاب طويل، وقال جمهور المتأولين معناه في جوف التراب أمواتاً .
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا هو الأصوب من حيث أنكروا البعث، وكان قوله إنهم لا يقومون من:
.............
:
:

١٥٩
١١٨٠
تفسير سورة المؤمنون / الآيات: ١١٦ - ١١٨
التراب قيل لهم لما قاموا ﴿كم لبثتم﴾؟ وقوله آخراً ﴿وأنكم إلينا لا ترجعون) يقتضي ما قلناه، و ﴿عدد﴾
نصب بـ ﴿كم﴾ على التمييز، وقرأ الأعمش ((عدداً سنين)) بتنوين ((عدداً))، وقال مجاهد أرادوا بـ ﴿العادين
الملائكة، وقال قتادة أرادوا أهل الحساب.
قال الفقيه الإمام القاضي : وظاهر اللفظ أنهم أرادوا سل من يتصف بهذه الصفة، ولم يعينوا ملائكة
ولا غيرها لأن النائم والميت لا يعد الحركة فيقدر له الزمن، وقوله ﴿إن لبثم إلا قليلاً﴾ مقصده على القول
بأن اللبث في الدنيا، أي قليل القدر في جنب ما تعذبون، وعلى القول بأن اللبث في القبور معناه أنه قليل
إذ كل آت قريب ولكنكم كذبتم به إذ كنتم لا تعلمون إذ لم ترغبوا في العلم والهدى، و﴿عبئاً﴾ معناه باطلاً
لغير غاية مرادة، وقرأ الجمهور ((ترجعون)) بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ حمزة والكسائي ((تَرجِعون)) بفتح التاء
وكسر الجيم والمعنى فيهما بين.
قوله عز وجل :
ـصى
فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيِ
وَمَن يَدْعُ مَعَاللَّهِ إِلَاهَا
١١٦
ءَاخَرَلَا بُرْهَنَ لَهُرِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابٌ عِندَرَبِّهِ إِنَُّ لَا يُفْلِحُ اَلْكَفِرُونَ [®) وَقُل رَّبِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ
وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِمِينَ
١١٨
المعنى ﴿فتعالى الله﴾ عن مقالتهم في جهته من الصاحبة والولد ومن حسابهم أنهم لا يرجعون، أي
تنزه الله عن تلك الأمور وتعالى عنها، وقرأ ابن محيصن ((الكريمُ)) برفع صفة للرب، ثم توعد جلت قدرته عبدة
الأصنام بقوله: ﴿ومن يدع مع الله﴾ الآية والوعيد قوله ﴿فإنما حسابه عند ربه﴾ والبرهان الحجة وظاهر
الكلام أن ﴿من﴾ شرط وجوابه في قوله: ﴿فإنما حسابه عند ربه) وقوله: ﴿لا برهان له به﴾ في موضع
الصفة وذهب قوم إلى أن الجواب في قوله ﴿لا برهان﴾ وهذا هروب من دليل الخطاب من أن يكون ثم داع
له البرهان .
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا تحفظ مما لا يلزم ويلحقه حذف الفاء من جواب الشرط وهو غير
فصيح قاله سيبويه، وفي حرف عبد الله ((عند ربك)) وفي حرف أبي عند الله وروي أن فيه ((على الله))، ثم
حتم وأكد أن الكافر لا يبلغ أمنيته ولا ينجح سعيه، وقرأ الجمهور ((إنه)) بكسر الألف، وقرأ الحسن وقتادة
((أنه)) بفتحها، والمعنى أنه إذ لا يذكر و﴿لا يفلح﴾ يؤخر حسابه وعذابه حتى يلقى ربه. وقرأ الحسن
(يَفلَح)) بفتح الياء واللام، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء في المغفرة والرحمة والذكر له
تعالى بأنه ﴿خير الراحمين﴾ لأن كل راحم فمتصرف على إرادة الله وتوقيفه وتقديره لمقدار هذه الرحمة،
ورحمته تعالى لا مشاركة لأحد فيها، وأيضاً فرحمة كل راحم في أشياء وبأشياء حقيرات بالإضافة إلى
المعاني التي تقع فيها رحمة الله تعالى من الاستنقاذ من النار، وهيئة نعيم الجنة وعلى ما في الحديث
فرحمة كل راحم بمجموعها كلها جزء من مائة رحمة الله جلت قدرته: إذ بث في العالم واحدة وأمسك عنده
تسعة وتسعين، وقرأ ابن محيصن ((ربُّ اغفر)) بضم الباء.
:
1

١٦٠
تفسير سورة النور / الآيتان: ٢،١
بسم الله الرَّحْمِنِ الزَّهية
شُورَةُ السَّنُّورِ
هذه السورة كلها مدنية.
قوله عز وجل :
◌َالزَّانِيَةُ وَالزَّانِ فَجْلِدُ واكُلَّ وَحِدٍمِنْهُمَا
سُورَةُ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَآءَايَتِ بِنَتٍ لَّعَلَّكُمْنَذَّكُرُونَ
مِائَةَ جَدَّةٍ وَلاَتَأْخُذْكُمْ بِهِمَارَأْفَةٌ فِبِالَّهِإِنَّ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ
٢
اُلْمُؤْمِنِينَ
قوله ﴿سورة﴾ قرأ الجمهور، (سورة» بالرفع، وقرأ عیسی بن عمر ومجاهد «سورةً» بالنصب، وروي
ذلك أيضاً عن عمر بن عبد العزيز وعن أبي الدرداء، فوجه الرفع خبر ابتداء مضمر تقديره هذه سورة، أو
ابتداء وخبره مقدم تقديره فيما يتلى عليكم، ويحتمل أن يكون قوله ((سورة)) ابتداء وما بعدها صفة لها
أخرجتها عن حد النكرة المحضة، فحسن الابتداء لذلك ويكون الخبر في قوله: ﴿الزانية﴾ وفيما بعد
ذلك، والمعنى السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا، إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها بدء وختم ولكن
يلحق هذا القول: إن كون الابتداء هو الخبر ليس بالبين إلا أن نقدر الخبر في السورة بأسرها وهذا بعيد في
القياس، وقول الشاعر ((فارس ما تركوه))، ووجه النصب إضمار فعل قدره بعضهم اتلوا سورة أو نحوه،
وجعله بعضهم أنزلنا ﴿سورة أنزلناها﴾، وقال الفراء هي حال من الهاء والألف والحال من المكنى يجوز أن
يتقدم عليه، وقرأ جمهور الناس ((وفرضناها)) بتخفيف الراء، ومعناه الإثبات والإيجاب بأبلغ وجوهه إذ هو
مشبه بالفرض في الأجرام، وقرأ مجاهد وغيره وأبو عمرو وابن كثير وعمر بن عبد العزيز وابن مسعود
((وفرّضناها)) بشد الراء ومعناه جعلناها فرائض فرائض، فمن حيث تردد ذلك ضعف الفعل للمبالغة
والتكثير، وقرأ الأعمش ((وفرضناها لكم))، وحكى الزهراوي عن بعض العلماء أنه قال كل ما في السورة من
أمر ونهي فرض لا حض بهذه اللفظة، و((الآيات البينات)). أمثالها ومواعظها وأحكامها، وقال الزهراوي
:
المعنى ليس فيها مشكل تأويلها موافق لظاهرها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تحكم، وقوله ﴿لعلكم﴾ أي على توقع البشر ورجائهم، وقرأ جمهور
الناس ((الزانيةُ)) بالرفع، وقرأ عيسى الثقفي ((الزانيةَ)) بالنصب وهو أوجه عند سيبويه لأنه عنده كقولك زيداً
أضرب، ووجه الرفع عنده خبر ابتداء تقديره فيما يتلى عليكم ﴿الزانية والزاني﴾، وأجمع الناس على