Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ تفسير سورة هود / الآيات : ٥٣ - ٥٦ إِن تَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُءَالِهَتِنَا بِسُوْءٍ قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُ وْ أَنِّ بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ، فَكِيدُوِ جَمِيعًا ثُمَّلَا نُظِرُونٍ ٥٥ ﴿ إِنِى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِرَبِ وَرَبِّكُمْمَا مِن دَآبَّةٍ إِلَّهُوَ ج ءَاخِذُ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطِ مُسْتَقِيمٍ ٥٦ المعنى: ﴿ما جئتنا﴾ بآية تضطرنا إلى الإيمان بك ونفوا أن تكون معجزاته آية بحسب ظنهم وعماهم عن الحق، كما جعلت قريش القرآن سحراً وشعراً ونحو هذا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر)) الحديث، وهذا يقضي بأن هوداً وغيره من الرسل لهم معجزات وإن لم يعين لنا بعضها. وقوله: ﴿عن قولك﴾ أي لا يكون قولك سبب تركنا إذ هو مجرد عن آية، وقولهم: ﴿إِن نقول﴾ الآية، معناه ما نقول إلا أن بعض الآلهة لما سببتها وضللت عبدتها أصابك بجنون، يقال: عر يعر واعترى يعتري إذا ألم بالشيء، فحينئذ جاهرهم هود عليه السلام بالتبري من أوثانهم وحضهم على كيده هم وأصنامهم، ويذكر أن هذه كانت له معجزة وذلك أنه حرض جماعتهم عليه مع انفراده وقوتهم وكفرهم فلم يقدروا على نيله بسوء. و﴿تنظرون﴾ معناه تؤخروني أي عاجلوني بما قدرتم عليه، وقوله تعالى: ﴿إني توكلت على الله﴾ الآية، المعنى: أن توكلي على الله الذي هو ربي وربكم مع ضعفي وانفرادي وقوتكم وكثرتكم يمنعني منكم ويحجز بيني وبينكم؛ ثم وصف قدرة الله تعالى وعظم ملكه بقوله: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾ وعبر عن ذلك بـ((الناصية))، إذ هي في العرف حيث يقبض القادر المالك ممن يقدر عليه، كما يقاد الأسير والفرس ونحوه حتى صار الأخذ بالناصية عرفاً في القدرة على الحيوان، وكانت العرب تجز ناصية الأسير الممنون عليه لتكون تلك علامة أنه قدر عليه وقبض على ناصيته. و((الدابة)): جميع الحيوان، وخص بالذكر إذ هو صنف المخاطبين والمتكلم. وقوله: ﴿إن ربي على صراط مستقيم) يريد أن أفعال الله عز وجل هي في غاية الإحكام، وقوله الصدق، ووعده الحق؛ فجاءت الإستقامة في كل ما ينضاف إليه عز وجل. فعبر عن ذلك بقوله: ﴿إِن ربي على صراط مستقيم) على تقدير مضاف. قوله عز وجل : فَإِن تَوَلَّوْ فَقَدْ أَبْلَغْشُكُمْ مَّا أَزْسِلْتُ بِهِ، إِلَيْكُمْ وَيَسْنَخْلِفُ رَبِ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّرَبِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيُظُ ﴿وَلَمَّاجَآءَ أَمْرُ نَا فَجَيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَاوَنَجَيْنَهُم مِّنْعَذَابٍ وَأَتَبِعُواْ غَلِظِ (*) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُ واْبِنَايَتٍ رَبِّهِمْ وَعَصَوْارُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمَكُلِجَبَّارٍعَنِيدٍ i i ١٨٢ تفسير سورة هود / الآيات : ٥٧ - ٦٠ فِي هَذِهِالدُّنْيَا لَغْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةُ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَتَّهُمْ أَلَا بُعْدًّا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ! ٦٠ قرأ الجمهور: ((تولَّوا)) بفتح اللام والتاء على معنى تتولوا، وقرأ عيسى الثقفي والأعرج: ((تُولُوا)) بضم التاء واللام، و﴿إن﴾ شرط، والجواب في الفاء وما بعدها من قوله ﴿فقد أبلغتكم﴾، والمعنى أنه ما علي كبير همّ منكم إن توليتم فقد برئت ساحتي بالتبليغ، وأنتم أصحاب الذنب في الإعراض عن الإيمان. ويحتمل أن يكون ﴿تولوا﴾ فعلاً ماضياً، ويجيء في الكلام رجوع من غيبة إلى خطاب، أي فقل: قد أبلغكم. وقرأ جمهور ((ويستخلفُ)) بضم الفاء على معنى الخبر بذلك، وقرأ عاصم - فيما روى هبيرة عن حفص عنه - ((ويستخلفْ)) بالجزم عطفاً على موضع الفاء من قوله ﴿فقد﴾. وقوله: ﴿ولا تضرونه شيئاً﴾ يحتمل من المعنى وجهين: أحدهما ولا تضرونه بذهابكم وهلاككم شيئاً أي لا ينتقص ملكه، ولا يختل أمره، وعلى هذا المعنى قرأ عبد الله بن مسعود: ((ولا تنقصونه شيئاً)). والمعنى الآخر: ﴿ولا تضرونه﴾ أي ولا تقدرون إذا أهلككم على إضراره بشيء ولا على الانتصار منه ولا تقابلون فعله بكم بشيء يضره. ثم أخبرهم أن ربه ﴿حفيظ﴾ على كل شيء عالم به، وفي ترديد هذه الصفات ونحوها تنبيه وتذكير، و((الأمر)) واحد الأمور، ويحتمل أن يكون مصدر أمر يأمر، أي أمرنا للريح أو لخزنتها ونحو ذلك، وقوله ﴿برحمة﴾، إما أن يكون إخباراً مجرداً عن رحمة من الله لحقتهم، وإما أن يكون قصداً إلى الإعلام أن النجاة إنما كملت بمجرد رحمة الله لا بأعماله؛ فتكون الآية - على هذا - في معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل أحد الجنة بعمله)). قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمته)). وقوله ﴿ونجيناهم من عذاب غليظ﴾ يحتمل أن يريد: عذاب الآخرة، ويحتمل أن يريد: وكانت النجاة المتقدمة من عذاب غليظ يريد الريح، فيكون المقصود على هذا، تعديد النعمة ومشهور عذابهم بالريح هو أنها كانت تحملهم وتهدم مساكنهم وتنسفها وتحمل الظعينة كما هي ونحو هذا. وحكى الزجاج أنها كانت تدخل في أبدانهم وتخرج من أدبارهم وتقطعهم عضواً عضواً. وتعدی ﴿جحدوا﴾ بحرف جر لما نزل منزلة كفروا، وانعكس ذلك في الآية بعد هذا، وقوله: ﴿وعصوا رسله﴾، شنعة عليهم وذلك أن في تكذيب رسول واحد تكذيب سائر الرسل وعصيانهم، إذ النبوات كلها مجمعة على الإيمان بالله والإقرار بربوبيته: ويحتمل أن يراد هود. وآدم، ونوح و((العنيد)): فعيل من ((عَنِدَ)) إذا عتا. ومنه قول الشاعر: [الرجز]. إني كبير لا أطيق العندا أي الصعاب من الإبل، وكان التجبر والعناد من خلق عاد لقوتهم، وقوله ﴿وأتبعوا في هذه الدنيا ١٨٣ تفسير سورة هود / الآيتان : ٦٢،٦١ لعنة﴾ الآية، حكم عليهم بهذا الحكم لكفرهم وإصرارهم حتى حل العذاب بهم، و((اللعنة)): الإبعاد والخزي، وقد تيقن أن هؤلاء وافوا على الكفر فيلعن الكافر الموافي على كفره ولا يلعن معين حي، لا من. كافر، ولا من فاسق، ولا من بهيمة، كل ذلك مكروه بالأحاديث. و﴿يوم﴾ ظرف معناه أن اللعنة عليهم في الدنيا وفي يوم القيامة. ثم ذكرت العلة الموجبة لذلك وهي كفرهم بربهم؛ وتعدى ((كفر)» بغير الحرف إذ هو بمعنى ﴿جحدوا﴾ كما تقول شكرت لك وشكرتك، وكفر نعمته وكفر بنعمته، و﴿بعداً﴾ منصوب بفعل مقدر وهو مقام ذلك الفعل . قوله عز وجل : وَإِلَى ثَمُودَأَخَاهُمْ صَلِحًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ اْأَرْضِ ﴿ قَالُوْ يَصَالِحُ قَذْكُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا وَأَسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْءٍ إِنَّرَبِ قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَبْلَ هَذَا أَنَتْهَمُنَّا أَنْ تَّعْبُدَ مَا يَقْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَالَفِى شَكٍ مِّمَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ مُرِيدٍ ٦٢ التقدير: وأرسلنا إلى ثمود وقد تقدم القول في مثل هذا وفي معنى الأخوة في قصة هود. وقرأ الجمهور: ((وإلى ثمودَ)) بغير صرف، وقرأ ابن وثاب والأعمش ((وإلى ثمود)» بالصرف حيث وقع، فالأولى على إرادة القبيلة، والثانية على إرادة الحي، وفي هذه الألفاظ الدالة على الجموع ما يكثر فيه إرادة الحي كقريش وثقيف وما لا يقال فيه بنو فلان؛ وفيها ما يكثر فيه إرادة القبيلة كتميم وتغلب، ألا ترى أنهم يقولون تغلب ابنة وائل، وقال الطرماح: [الطويل] ((إذا نهلت منه تميم وعلّت)) وقال الآخر: [المتقارب] ((تميم ابن مر وأشياعها)) وفيها ما يكثر فيه الوجهان كثمود وسبأ، فالقراءتان هنا فصيحتان مستعملتان. وقرأت فرقة ((غيرُه)) برفع الراء، وقد تقدم آنفاً . و﴿أنشأكم من الأرض﴾، أي اخترعكم وأوجدكم، وذلك باختراع آدم عليه السلام: فكأن إنشاء آدم إنشاء لبنيه. ﴿واستعمركم﴾، أي اتخذكم عماراً، كما تقول: استكتب واستعمل. وذهب قوم إلى أنها من العمر أي عمركم، وقد تقدم مثل قوله: ﴿فاستغفروه ثم توبوا إليه﴾. ﴿إن ربي قريب مجيب﴾، أي إجابته وغفرانه قريب ممن آمن وأناب، و﴿مجيب﴾، معناه بشرط المشيئة والظاهر الذي حكاه جمهور المفسرين أن قوله: ﴿مرجواً﴾ معناه: مسوداً؛ نؤمل فيك أن تكون سيداً سادّاً مسدّ الأكابر، ثم قرروه على جهة التوبيخ في زعمهم بقولهم: ﴿أتنهانا﴾ وحكى النقاش عن بعضهم أنه قال: معناه حقيراً . ١٨٤ تفسير سورة هود / الآيات : ٦٣ - ٦٥ قال القاضي أبو محمد: فأما أن يكون لفظ(مرجواً﴾ بمعنى حقير فليس ذلك في كلام العرب، وإنما يتجه ذلك على جهة التفسير للمعنى، وذلك أن القصد بقولهم: ﴿مرجواً﴾ يكون: لقد كنت فينا سهلاً مرامك قريباً رد أمرك، ممن لا يظن أن يستفحل من أمره مثل هذا فمعنى ((مرجو)) أي مرجو اطراحه وغلبته ونحو هذا، فيكون ذلك على جهة الاحتقار، فلذلك فسر بحقير، ويشبه هذا المعنى قول أبي سفيان بن حرب: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ... الحديث؛ ثم يجيء قولهم: ﴿أتنهانا﴾ على جهة التوعد والاستشناع لهذه المقالة منه . و﴿ما يعبد آباؤنا﴾ يريدون به الأوثان والأصنام، ثم أوجبوا أنهم في شك من أمره وأقاويله، وأن ذلك الشك يرتابون به زائداً إلى مرتبته من الشك قال القاضي: ولا فرق بين هذه الحال وبين حالة التصميم على الكفر، و﴿مريب﴾ معناه ملبس متهم، ومنه قول الشاعر: [الرجز] كنت إذا أتيته من غيب يا قوم ما بال أبي ذؤيب كأنني أربته بريب يشم عطفي ويمس ثوبي قوله عز وجل : قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَءَاتَنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُفِىِ مِنَ اْللَّهِ إِنْ عَصَيْنُ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَّخْسِيرٍ ﴿ وَيَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِلَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَ كُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِىِ دَارِكُمْ ثَثَةَ أَتَّامٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوپٍ ٦٥ قوله: ﴿أرأيتم﴾ هو من رؤية القلب، أي أتدبرتم؟ والشرط الذي بعده وجوابه يسد مسد مفعولي ﴿أرأيتم﴾؛ و((البينة)): البرهان واليقين، والهاء في ((بيّنة)) للمبالغة، ويحتمل أن تكون هاء تأنيث، ((الرحمة)) في هذه الآية: النبوة وما انضاف إليها، وفي الكلام محذوف تقديره أيضرني شككم أو أيمكنني طاعتكم ونحو هذا مما يليق بمعنى الآية. وقوله ﴿فما تزيدونني غير تخسير﴾ معناه: فما تعطونني فيما أقتضيه منكم من الإيمان وأطلبكم به من الإنابة غير تخسير لأنفسكم، وهو من الخسارة، وليس التخسير في هذه الآية إلا لهم وفي حيزهم، وأضاف الزيادة إليه من حيث هو مقتض لأقوالهم موكل بإيمانهم، كما تقول لمن توصيه: أنا أريد بك خيراً وأنت تريد بي شراً. فكأن الوجه البيّن؛ وأنت تزيد شراً ولكن من حيث كنت مريد خير به ومقتضي ذلك - حسن أن تضيف الزيادة إلى نفسك. وقوله تعالى: ﴿ويا قوم هذه ناقة الله﴾ الآية، اقتضب في هذه الآية ذكر أول أمر الناقة، وذلك أنه ١٨٥ تفسير سورة هود / الآيات : ٦٣ - ٦٥ روي أن قومه طلبوا منه آية تضطرهم إلى الإيمان، فأخرج الله، جلت قدرته، لهم الناقة من الجبل، وروي أنهم اقترحوا تعيين خروج الناقة من تلك الصخرة، فروي أن الجبل تمخض كالحامل، وانصدع الحجر، وخرجت منه ناقة بفصيلها، وروي أنها خرجت عشراء، ووضعت بعد خروجها، فوقفهم صالح وقال لهم: ﴿هذه ناقة الله لكم آية﴾، ونصب (آية﴾ على الحال. وقرأت فرقة ((تأكلٌ)) بالجزم على جواب الأمر، وقرأت فرقة: ((تأكلُ)) على طريق القطع والاستئناف، أو على أنه الحال من الضمير في ﴿ذروها﴾. وقوله ﴿ولا تمسوها بسوء﴾ عام في العقر وغيره، وقوله: ﴿فيأخذكم عذاب قريب﴾ هذا بوحي من الله إليه أن قومك إذا عقروا الناقة جاءهم عذاب قريب المدة من وقت المعصية، وهي الأيام الثلاثة التي فهمها صالح عليه السلام من رغاء الفصيل على جبل القارة. وأضاف العقر إلى جميعهم لأن العاقر كان منهم وكان عن رضى منهم وتمالؤ، وعاقرها قدار، وروي في خبر ذلك أن صالحاً أوحى الله إليه أن قومك سيعقرون الناقة وينزل بهم العذاب عند ذلك، فأخبرهم بذلك فقالوا: عياذاً بالله أن نفعل ذلك، فقال: إن لم تفعلوا أنتم ذلك أوشك أن يولد فيكم من يفعله، وقال لهم: صفة عاقرها أحمر أزرق أشقر، فجعلوا الشرط مع القوابل وأمروهم بتفقد الأطفال، فمن كان على هذه الصفة قتل، وكان في المدينة شيخان شريفان عزيزان، وكان لهذا ابن ولهذا بنت، فتصاهرا فولد بين الزوجين قدار، على الصفة المذكورة، فهم الشرط بقتله، فمنع منه جداه حتى كبر، فكان الذي عقرها بالسيف في عراقيبها، وقيل: بالسهم في ضرعها وهرب فصيلها عن ذلك، فصعد على جبل يقال له القارة، فرغا ثلاثاً، فقال صالح: هذا ميعاد ثلاثة أيام للعذاب، وأمرهم قبل رغاء الفصيل أن يطلبوه عسى أن يصلوا إليه فيندفع عنه العذاب به، فراموا الصعود إليه في الجبل، فارتفع الجبل في السماء حتى ما تناله الطير، وحينئذ رغا الفصيل. 1 وقوله ﴿في داركم﴾ هي جمع دارة كما تقول ساحة وساح وسوح، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الوافر] له داع بمكةً مشمعلّ وآخر عند دارته ينادي ويمكن أن يسمى جميع مسكن الحي داراً، و((الثلاثة الأيام)) تعجيز قاس الناس عليه الاعذار إلى المحكوم عليه ونحوه . قال القاضي أبو محمد: وذلك عندي مفترق لأنها في المحكوم عليه والغارم في الشفعة ونحوه توسعة، وهي هنا توقيف على الخزي والتعذيب، وروى قتادة عن ابن عباس أنه قال: لو صعدتم على القارة لرأيتم عظام الفصيل. قوله عز وجل : فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَخَيْنَا صَلِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَا وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ ١٨٦ تفسير سورة هود / الآيات: ٦٦ - ٦٨ هُوَ اُلْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَّرِهِمْ حَثِمِينَ كَأَن ٦٨ لَّ يَغْتَوْفِهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُواْرَّهُمْ أَلَأَبَعْدَالْشَمُودَ ((الأمر)) جائز أن يراد به المصدر من أمر، وجائز أن يراد به: واحد الأمور. وقوله: ﴿برحمة منا﴾ يحتمل أن يقصد أن التنجية إنما كانت بمجرد الرحمة، ويحتمل أن يكون وصف حال فقطن أخبر أنه رحمهم في حال التنجية. وقوله: ﴿منا﴾ الظاهر أنه متعلق بـ ﴿رحمة) ويحتمل أن يتعلق بقوله ﴿نجينا﴾. وقرأت فرقة: «ومن خزيٍ يومئذ) بتنوین خزي وفتح الميم من ﴿يومئذ﴾ وذلك يجوز فيه أن تكون فتحة الميم إعراباً، ويجوز أن يكون بني الظرف لما أضيف إلى غير متمكن، فأنت مخير في الوجهين. والروايتان في قول الشاعر :.. على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألمًا أصح والشيب وازع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((ومن خزي يومئذ)) بإضافة ((خزي)) وكسر الميم من ﴿يومئذ) وهذا توسع في إضافة المصدر إلى الظرف كما قال: ﴿مكر الليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣] ونحو هذا، وقياس هذه القراءة أن يقال سير عليه ((يومئذ)» برفع الميم، وهذه قراءتهم في قوله تعالى: ﴿من عذاب يومئذ﴾ [المعارج: ١١]، و﴿من فزع يومئذ﴾ [النمل: ٨٩]، وقرأ عاصم وحمزة كذلك إلاّ في قوله ﴿من فزع يومئذ﴾ [النمل: ٨٩] فإنهما نونا العين وفتحا الميم واختلفت عن نافع في كسر الميم وفتحها، وهو يضيف في الوجهين، وقرأ الكسائي ((من خزي يومَئذ)» بترك التنوين وفتح الميم من ﴿يومئذ﴾ وهذا جمع بين الإضافة وبناء الظرف. وقرأ ﴿ومن فزع﴾ [النمل: ٨٩] كعاصم وحمزة وأما ((إذ)) فكان حقها: ((إذ)) ساكنة إلا أنها من حقها أن تليها الجمل فلما حذفت لها ها هنا الجملة عوضت بالتنوين، والإشارة بقوله: ﴿يومئذ) إلى يوم التعذيب، وقوله تعالى: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة﴾ الآية، روي أن صالحاً عليه السلام قال لهم حين رغا الفصيل: ستصفر وجوهكم في اليوم الأول وتحمر في الثاني وتسود في الثالث، فلما كان كذلك تكفنوا في الأنطاع واستعدوا للهلاك وأخذتهم صيحة فيها من كل صوت مهول، صدعت قلوبهم وأصابت كل من كان منهم في شرق الأرض وغربها، إلا رجلاً كان في الحرم فمنعه الحرم من ذلك ثم هلك بعد ذلك: ففي مصنف أبي داود: قيل يا رسول الله من ذلك الرجل؟ قالوا أبو رغال. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وخلافه في السير. وذكر الفعل المسند إلى الصيحة إذ هي بمعنى الصياح، وتأنيثها غير حقيقي. وقيل: جاز ذلك وهي مؤنثة لما فصل بين الفعل وبينها. كما ثالوا: حضر القاضي اليوم امرأة؛ والأول أصوب، و((الصيحة)) إنما تجيء مستعملة في ذكر العذاب لأنها فعلة تدل على مرة واحدة شاذة، والصياح يدل على مصدر متطاول، وشذ في كلامهم قولهم: لقيته لقاءة واحدة، والقياس لقية، و﴿جاثمين﴾ أي باركين قد صعق بهم، وهو تشبيه بجثوم الطير، وبذلك يشبه جثوم الأثافي ١٨٧ تفسير سورة هود / الآيات : ٦٩ - ٧١ وجثوم الرماد. و﴿يغنوا﴾ مضارع من غني في المكان إذا أقام فيه في خفض عيش وهي المغاني: وقرأ حمزة وحده: ((ألا ان ثمود)) وكذلك في الفرقان والعنكبوت والنجم، وصرفها الكسائي كلها. وقوله: ﴿ألا بعداً لثمود﴾ واختلف عن عاصم: فروى عنه حفص ترك الإجراء كحمزة، وروى عنه أبو بكر إجراء الأربعة وتركه في قوله: ﴿إلا بعداً لثمود﴾ وقرأ الباقون: ((ألا إن ثموداً)) فصرفت ((ألا بعد لثمود)) غير مصروف؛ والقراءتان فصيحتان؛ وكذلك صرفوا في الفرقان والعنكبوت والنجم. قوله عز وجل : وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَا إِبْزَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلَمَّا قَالَ سَلَّ فَمَا لَيِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ ٦٩ فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَّخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى وَأَمْرَ أَتُمُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ قَوْمِ لُوطٍ ◌ّ ((الرسل)) الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقالت فرقة: بدل إسرافيل عزرائيل - ملك الموت - وروي أن جبريل منهم كان مختصاً بإهلاك قرية لوط، وميكائيل مختصاً بتبشير إبراهيم بإسحاق. وإسرافيل مختصاً بإنجاء لوط ومن معه . قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية تقضي باشتراكهم في البشارة بإسحاق وقالت فرقة - وهي الأكثر - ((البشرى)) هي بإسحاق. وقالت فرقة: ((البشرى)) هي بإهلاك قوم لوط. وقوله: ﴿سلامً﴾ نصب على المصدر، والعامل فيه فعل مضمر من لفظه كأنه قال: أسلم سلاماً، ويصح أن يكون: ﴿سلاماً﴾ حكاية لمعنى ما قالوه لا للفظهم - قاله مجاهد والسدي - فلذلك عمل فيه القول، كما تقول - الرجل قال: لا إله إلّ الله - قلت حقاً أو إخلاصاً؛ ولو حكيت لفظهم لم يصح أن تعمل فيه القول وقوله: ﴿قال: سلام﴾ حكاية للفظه، و﴿سلام﴾ مرتفع إما على الابتداء، والخبر محذوف تقديره عليكم؛ وإما على خبر ابتداء محذوف تقديره أمري سلام، وهذا كقوله: ﴿فصبر جميل﴾ [يوسف: ١٨] إما على تقدير فأمري صبر جميل، وإما على تقدير: فصبر جميل أجمل. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم: ((قالوا: سلاماً قال: سلام)) وقرأ حمزة والكسائي: ((قالوا سلاماً، قال: سلم» وكذلك اختلافهم في سورة الذاريات. وذلك على وجهين: يحتمل أن يريد به السلام بعينه، كما قالوا حل وحلال وحرم وحرام ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] مررنا فقلنا ابه سلم فسلمت كما اكتلّ بالبرق الغمام اللوائح اكتلّ: اتخذ إكليلاً أو نحو هذا قال الطبري وروي: كما انكلّ - ويحتمل أن يريد بـ((السلم)) ضد الحرب، تقول نحن سلم لكم. ... ١٨٨ - تفسير سورة هود / الآيات: ٦٩ - ٧١ وكان سلام الملائكة دعاء مرجواً - فلذلك نصب - وحيي الخليل بأحسن مما حيي وهو الثابت المتقرر ولذلك جاء مرفوعاً . وقوله: ﴿فما لبث أن جاء﴾ يصح أن تكون ﴿ما) نافية، وفي ﴿لبث﴾ ضمير إبراهيم، وإن جاء في موضع نصب أي بأن جاء، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ نافية وإن جاء بتأويل المصدر في موضع رفع ب﴿لیث﴾ أي ما لبث مجيئه، وليس في ﴿لبث﴾ على هذا ضمير إبراهيم، ويصح أن يكون ﴿ما﴾ بمعنى الذي وفي ﴿لبث﴾ ضمير إبراهيم - وإن جاء خبر ﴿ما﴾ أي فلبث إبراهيم مجيئه بعجل حنيذ، وفي أدب الضيف أن يجعل قراه من هذه الآية. و((الحنيذ)) بمعنى المحنوذ ومعناه بعجل مشوي نضج يقطر ماؤه، وهذا القطر يفصل الحنيذ من جملة المشويات، ولكن هيئة المحنوذ في اللغة الذي يغطى بحجارة أو رمل محمي أو حائل بينه وبين النار يغطى به والمعرض من الشواء الذي يصفف على الجمر؛ والمهضب: الشواء الذي بينه وبين النار حائل، يكون الشواء عليه لا مدفوناً له، والتحنيذ في تضمير الخيل هو أن يغطى الفرس بجل على جل لينتصب عرقه. وقوله تعالى: ﴿فلما رأى أيديهم ... ) الآية، روي أنهم كانوا ينكتون بقداح كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل أيديهم إليه، وفي هذه الآية من أدب الطعام أن لصاحب الضيف أن ينظر من ضيفه هل يأكل أم لا؟ 1 قال القاضي أبو محمد: وذلك ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر، فروي أن أعرابياً أكل مع سليمان بن عبد الملك، فرأى سليمان في لقمة الأعرابي شعرة فقال له: أزل الشعرة عن لقمتك، فقال له: أتنظر إلي نظر من يرى الشعر في لقمتي والله لا أكلت معك. : و﴿نكرهم﴾ - على ما ذكر كثير من الناس - معناه: أنكرهم، واستشهد لذلك بالبيت الذي نحله أبو عمروبن العلاء الأعشى وهو: [البسيط] وأنكرتني وما كان الذي نكرت : من الحوادث إلا الشيب والصلعا وقال بعض الناس: ((نكر)) هو مستعمل فيما يرى بالبصر فينكر، وأنكر هي مستعملة فيما لا يقرر من المعاني، فكأن الأعشى قال: وأنكرتني مودتي وأدمتي ونحوه، ثم جاء ب(نكر)) في الشيب والصلع الذي هو مرئي بالبصر، ومن هذا قول أبي ذؤيب: [الكامل] هوجاء هادية وهاد جرشع. فنكرنه فتفرن وامترست به والذي خاف منه إبراهيم عليه السلام ما يدل عليه امتناعهم من الأكل، فعرف من جاء بشر أن لا يأكل طعام المنزول به، و﴿أوجس﴾ معناه أحس في نفسه خيفة منهم، و((الوجيس)): ما يعتري النفس عند الحذر وأوائل الفزع، فأمنوه بقولهم: ﴿لا تخف﴾ وعلم أنهم الملائكة، ثم خرجت الآية إلى ذكر المرأة وبشارتها فقالت فرقة: معناه: ﴿قائمة﴾ خلف ستر تسمع محاورة إبراهيم مع أضيافه، وقالت فرقة: معناه ﴿قائمة﴾ في صلاة، وقال السد معناه ﴿قائمة﴾ تخدم القوم، وفي قراءة ابن مسعود: ((وهي قائمة وهو جالس)). وقوله : ١٨٩ تفسير سورة هود / الآيات : ٦٩ - ٧١ ﴿فضحكت﴾ قال مجاهد: معناه: حاضت، وأنشد على ذلك اللغويون: كمثل دم الجوق يوم اللقاء وضحك الأرانب فوق الصفا وهذا القول ضعيف قليل التمكن، وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى: حاضت وقرره بعضهم، ويقال ضحك إذا امتلأ وفاض: ورد الزجّاج قول مجاهد، وقال الجمهور: هو الضحك المعروف، واختلف مم ضحكت؟ فقالت فرقة: ضحكت من تأمينهم لإبراهيم بقولهم: ﴿لا تخف﴾. وقال قتادة: ضحكت هزؤاً من قوم لوط أن يكونوا على غفلة وقد نفذ من أمر الله تعالى فيهم ما نفذ. وقال وهب بن منبه: ضحكت من البشارة بإسحاق، وقال: هذا مقدم بمعنى التأخير، وقال محمد بن قيس: ضحكت لظنها بهم أنهم يريدون عمل قوم لوط؛ قال القاضي: وهذا قول خطأ لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقد حكاه الطبري، وإنما ذكرته لمعنى التنبيه على فساده، وقالت فرقة: ضحكت من فزع إبراهيم من ثلاثة وهي تعهده يغلب الأربعين من الرجال، وقيل: المائة. وقال السدي: ضحكت من أن تكون هي تخدم وإبراهيم يحفد ويسعى والأضياف لا يأكلون. وقيل: ضحكت سروراً بصدق ظنها، لأنها كانت تقول لإبراهيم، إنه لا بد أن ينزل العذاب بقوم لوط، وروي أن الملائكة مسحت العجل فقام حياً فضحكت لذلك. وقرأ محمد بن زياد الأعرابي: ((فضحكت)) بفتح الحاء. وامرأة إبراهيم هذه هيّ سارة بنت هارون بن ناحور، وهو إبراهيم بن آزربن ناحور فهي ابنة عمه، وقيل: هي أخت لوط. قال القاضي أبو محمد: وما أظن ذلك إلا أخوة القرابة لأن إبراهيم هو عم لوط فيما روي: وذكر الطبري أن إبراهيم لما قدم العجل قالوا له: إنَّا لا نأكل طعاماً إلا بثمن، فقال لهم: ثمنه أن تذكروا الله تعالى عليه في أول، وتحمدوه في آخر، فقال جبريل لأصحابه: بحق اتخذ الله هذا خليلاً. وقوله: ﴿فبشرناها﴾ أضاف فعل الملائكة إلى ضمير اسم الله تعالى إذ كان بأمره ووحيه، وبشر الملائكة سارة ﴿بإسحاق﴾ وبأن إسحاق سيلد يعقوب، ويسمى ولد الولد الولد من الوراء، وهو قريب من معنى وراء في الظروف إذ هو ما يكون خلف الشىء وبعده؛ ورأى ابن عباس رجلا معه شاب، فقال له: من هذا؟ فقال له: ولد ولدي، فقال: هو ولدك من الوراء، فغضب الرجل، فذكر له ابن عباس الآية. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي ((يعقوبُ)) بالرفع على الابتداء والخبر المقدم، وهو على هذا دخل في البشرى، وقالت فرقة: رفعه على القطع بمعنى: ومن وراء إسحاق يحدث يعقوب، وعلى هذا لا يدخل في البشارة وقرأ ابن عامر وحمزة ((يعقوب)» بالنصب واختلف عن عاصم، فمنهم من جعله معطوفاً على ﴿إسحاق﴾ إلا أنه لم ينصرف، واستسهل هذا القائل أن فرق بين حرف العطف والمعطوف بالمجرور، وسيبويه لا يجيز هذا إلا على إعادة حرف الجر، وهو كما تقول: مررت بزيد اليوم وأمس عمرو، فالوجه ١٩٠ تفسير سورة هود / الآيتان: ٧٣،٧٢ عنده: وأمس بعمرو، وإذا لم يعد ففيه كبير قبيح، والوجه في نصبه أن ينتصب بفعل مضمر، تدل عليه البشارة وتقديره: ومن وراء إسحاق وهبنا يعقوب، وهذا رجح أبو علي. قال القاضي أبو محمد: وروي أن سارة كانت في وقت هذه البشارة بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة . وهذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسماعيل وأنه أسن من إسحاق وذلك أن سارة كانت في وقت إخدام الملك الجائر هاجر أم إسماعيل امرأة شابة جميلة حسبما في الحديث، فاتخذها إبراهيم عليه السلام أم ولد، فغارت بها سارة، فخرج بها وبابنها إسماعيل من الشام على البراق وجاء من يومه مكة فتركهما - حسبما في السير - وانصرف إلى الشام من يومه ثم كانت البشارة بإسحاق، وسارة عجوز متجالة، وأما وجه دلالة الآية على أن إسحاق ليس بالذبيح فهو أن سارة وإبراهيم بشرا بإسحاق وأنه يولد له يعقوب، ثم أمر بالذبح حين بلغ ابنه معه السعي، فكيف يؤمر بذبح ولد قد بشر قبل أنه سيولد لابنه ذلك، وأيضاً فلم يقع قط في أثر أن إسحاق دخل الحجاز وإجماع أن أمر الذبح كان بمنى، ويؤيد هذا الغرض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا ابن الذبيحين)) يريد أباه عبد الله وأباه إسماعيل، ويؤيده ما نزع به مالك رحمه الله من الاحتجاج برتبة سورة الصافات فإنه بعد كمال أمر الذبيح قال: ﴿وبشرناه بإسحاق نبّاً: من الصالحين﴾ [الصافات: ١١٢]. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا كله موضع معارضات لقائل القول الآخر: إن الذبيح هو إسحاق، ولكن هذا الذي ذكرناه هو الأرجح والله أعلم. قوله عز وجل : قَالَتْ يَوَيِّلَتَّءَأَلِّدُ وَأَنَاْ عَجُوزُ وَهَذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ [٨] قَالُواْأَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَانُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اختلف الناس في الألف التي في قوله: ﴿يا ويلتى﴾ وأظهر ما فيها أنها بدل یاء الإضافة، أضلها: یا ويلتي، كما تقول: يا غلاما ويا غوثا؛ وقد تردف هذه الألف بهاء في الكلام، ولم يقرأ بها، وأمال هذه الألف عاصم والأعمش وأبو عمرو. ومعنى ﴿يا ويلتى﴾ في هذا الموضع؛ العبارة عما دهم النفس من العجب في ولادة عجوز، وأصل هذا الدعاء بالويل ونحوه في التفجع لشدة أو مكروه يهم النفس، ثم استعمل بعد في عجب يدهم النفس وقال قوم: إنما قالت: ﴿يا ويلتى﴾ لما مر بفكرها من ألم الولادة وشدتها، ثم رجعت بفكرها إلى التعجب ونطقت بقولها ﴿أألد وأنا عجوز﴾؟ الآية. وقرأت فرقة: ((أألد)) بتحقيق الهمزتين، وقرأت فرقة بتخفيف الأولى وتحقيق الثانية، وفي النطق بهذه ١٩١ تفسير سورة هود / الآيتان : ٧٢، ٧٣ عسر، وقرأت فرقة: بتحقيق الأولى وتخفيف الثانية، والتخفيف هنا مدها، وقرأت فرقة ((ءا ألد)) بتحقيق الهمزتين ومدة بينهما . و((العجوز)) المسنة، وقد حكى بعض الناس: أن العرب تقول: العجوزة، و((البعل)): الزوج، و﴿شيخاً﴾ نصب على الحال وهي حال من مشار إليه لا يستغنى عنها لأنها مقصود الإخبار، وهي لا تصح إلا إذا لم يقصد المتكلم التعريف بذي الحال، مثل أن يكون المخاطب يعرفه؛ وأما إذا قصد التعريف به لزم أن يكون التعريف في الخبر قبل الحال، وتجيء الحال على بابها مستغنى عنها، ومثال هذا قولك: هذا زيد قائماً، إذا أردت التعريف بزيد. أو كان معروفاً وأردت التعريف بقيامه، وأما إن قصد المتكلم أن زيديته إنما هي مادام قائماً، فالكلام لا يجوز. وقرأ الأعمش ((هذا بعلي شيخ))، قال أبو حاتم وكذلك في مصحف ابن مسعود، ورفعه على وجوه: منها: أنه خبر بعد خبر كما تقول: هذا حلو حامض، ومنها: أن يكون خبر ابتداء مضمر تقديره: هو شيخ وروي أن بعض الناس قرأه: ((وهذا بعلي هذا شيخ))، وهذه القراءة شبيهة بهذا التأويل. ومنها: أنه بدل من ﴿يعلي﴾ ومنها: أن يكون قولها ﴿بعلي﴾ بدلاً من ﴿هذا﴾ أو عطف بيان عليه، ويكون ((شيخ)) خبر ﴿هذا﴾ . ويقال شيخ وشيخة - وبعض العرب يقول في المذكر والمؤنث شيخ. وروي أن سارة كانت وقت هذه المقالة من تسع وتسعين سنة، وقيل: من تسعين - قاله ابن إسحاق - وقيل من ثمانين؛ وكذلك قيل في سن إبراهيم، إنه كان مائة وعشرين سنة، وقيل: مائة سنة، وغير ذلك مما يحتاج إلى سند. والضمير في قوله: ﴿قالوا﴾ للملائكة، وقوله: ﴿من أمر الله﴾ يحتمل أن يريد واحد الأمور، أي من الولادة في هذه السن، ويحتمل أن يريد مصدر أمر، أي مما أمر الله في هذه النازلة . وقوله: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ يحتمل اللفظ أن يكون دعاء وأن يكون إخباراً، وكونه إخباراً أشرف، لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم، وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد. ونصب ﴿أهلَ البيت﴾ على الاختصاص - هذا مذهب سيبويه، ولذلك جعل هذا والنصب على المدح في بابين. كأنه ميز النصب على المدح بأن يكون المنتصب لفظاً يتضمن بنفسه مدحاً كما تقول: هذا زيد عاقل قومه، وجعل الاختصاص إذا لم تتضمن اللفظة ذلك، كقوله: إنا معاشر الأنبياء وإنا بني نهشل. قال القاضي أبو محمد: ولا يكون الاختصاص إلا بمدح أو ذم، لكن ليس في نفس اللفظة المنصوبة . وهذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل بيته لأنها خوطبت بهذا، فيقوى القول في زوجات النبي عليه السلام بأنهن من أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس، بخلاف ما تذهب إليه الشيعة، وقد قاله أيضاً بعض أهل العلم، قالوا: ((أهل بيته)) الذين حرموا الصدقة، والأول أقوى وهو ظاهر جلي من سورة : ١٩٢ تفسير سورة هود / الآيات : ٧٤ - ٧٦ الأحزاب لأنه ناداهن بقوله: ﴿يا نساء النبي﴾ [الأحزاب: ٣٢] ثم بقوله: ﴿أهل البيت﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قال القاضي أبو محمد: ووقع في البخاري عن ابن عباس قال: أهل بيته الذين حرموا الصدقة بعده؛ فأراد ابن عباس: أهل بيت النسب الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: إن الصدقة لا تحل لأهل بيتي إنما هي أوساخ الناس. و﴿البيت﴾ في هذه الآية وفي سورة الأحزاب بيت السكنى ففي اللفظ اشتراك ينبغي أن يتحسس إليه. ففاطمة رضي الله عنها من أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم بالوجهين وعلي رضي الله عنه بالواحد، وزوجاته بالآخر، وأما الشيعة فيدفعون الزوجات بغضاً في عائشة رضي الله عنها. و﴿حميد﴾ أي أفعاله تقتضي أن يحمد، و﴿مجيد﴾ أي متصف بأوصاف العلو، ومجد الشيء إذا حسنت أوصافه. قوله عز وجل : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِزَهِيمَ الرَّوْعُ وَجَآءَتُهُ اَلْبُشْرَى يُحَدِ لُنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ ﴿ إِنَّ ◌ِبَرِهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَةٌ مُنِيِبٌ أَيَا بَهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُرَيِّكَ وَ إِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَنْ دُودٍ لَّا ﴿الروع﴾: الفزع والخيفة التي تقدم ذكرها، وكان ذهابه بإخبارهم إياه أنهم ملائكة. و﴿البشرى﴾: تحتمل أن يريد الولد، ويحتمل أن يريد البشرى بأن المراد غيره، والأول أبين. وقوله: ﴿يجادلنا﴾ فعل مستقبل جائز أن يسد مسد الماضي الذي يصلح لجواب ﴿لما﴾، لا سيما والإشكال مرتفع بمضي زمان الأمر ومعرفة السامعين بذلك، ويحتمل أن يكون التقدير ظل أو أخذ ونحوه يجادلنا، فحذف اختصاراً لدلالة ظاهر الكلام عليه، ويحتمل أن يكون قوله، ﴿يجادلنا﴾ حالاً من ﴿إبراهيم﴾ أو من الضمير في قوله: ﴿جاءته﴾، ويكون جواب ﴿لما﴾ في الآية الثانية: ((قلنا: يا إبراهيم أعرض عن هذا)) واختار هذا أبو علي، و((المجادلة)): المقابلة في القول والحجج، وكأنها أعم من المخاصمة فقد ينجادل من لا يخاصم كإبراهيم. وفي هذه النازلة وصف إبراهيم ((بالحلم)) قيل: إنه لم يغضب قط لنفسه إلا أن يغضب الله. و((الحلم)): العقل إلا إذا انضاف إليه أناة واحتمال. وال﴿أواه﴾ معناه: الخائف الذي يكثر التأوه من خوف الله تعالى؛ ويروى أن إبراهيم عليه السلام كان يسمع وجيب قلبه من الخشية، قيل: كما تسمع أجنحة النسور والمفسرين في ((الأواه)) عبارات كلها ترجع إلى ما ذكرته وتلزمه. وال﴿منيب﴾: الرجاع إلى الله تعالى في كل أمره. وصورة جدال إبراهيم عليه السلام كانت أن قال إبراهيم: إن كان فيهم مائة مؤمن أتعذبونهم؟ قالوا لا. قال: أفتسعون؟ قالوا لا. قال: أفثمانون؟ فلم يزل كذلك حتى بلغ خمسة ووقف عند ذلك؛ وقد عد في بيت لوط امرأته فوجدهم ستة بها فطمع في نجاتهم ولم يشعر أنها من الكفرة، وكان ذلك من إبراهيم حرصاً على إيمان تلك الأمة ونجاتها، وقد كثر اختلاف رواة المفسرين لهذه الأعداد في قول إبراهيم عليه السلام، والمعنى كله نحو مما ذكرته، وكذلك ذكروا أن قوم لوط كانوا أربعمائة ألف في خمس قرى . .. ١٩٣ تفسير سورة هود / الآيات: ٧٧ - ٨٠ - وقالت فرقة: المراد ﴿يجادلنا﴾ في مؤمني قوم لوط - وهذا ضعيف - وأمره بالإعراض عن المجادلة يقتضي أنها إنما كانت في الكفرة حرصاً عليهم، والمعنى: قلنا يا إبراهيم أعرض عن المجادلة في هؤلاء القوم والمراجعة فيهم، فقد نفذ فيهم القضاء، وجاء أمر ربك﴾ الأمر هنا: واحد الأمور بقرينة وصفه بالمجيء، فإن جعلناه مصدر أمر قدرنا حذف مضاف، أي جاء مقتضى أمر ربك ونحو هذا؛ وقوله ﴿آتيهم عذاب﴾ ابتداء وخبر؛ جملة في موضع خبر ((إن)) وقيل: ﴿آتيهم) خبر ((إن)) فهو اسم فاعل معتمد، و﴿عذاب﴾ فاعل بـ ﴿آتيهم﴾. وهذه الآية مقتضية أن الدعاء إنما هو أن يوفق الله الداعي إلى طلب المقدور، فأما الدعاء في طلب غير المقدور فغير مجد ولا نافع. قوله عز وجل : وَجَاءَهُقَوْمُهُ VV وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوَطَّاسِيَّ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَِّئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّأَظْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ قَالُو ◌ْلَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَافِىِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ VA اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِىّ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِدُ (٦)قَالَ لَوْأَنَّلِبِكُمْ قُوَّةً أَوْءَاوِىَ إِلَى رَكْنٍ شَدِيدٍ ٨٠ (الرسل)) هنا هم الملائكة الذين كانوا أضياف إبراهيم عليه السلام، وذلك أنهم لما خرجوا إلى بلد لوط - وبينه وبين قرية إبراهيم ثمانية أميال - وصلوه، فقيل: وجدوا لوطاً في حرث له، وقيل: وجدوا ابنته تستقي ماء في نهر سدوم - وهي أكبر حواضر قوم لوط - فسألوها الدلالة على من يضيفهم، ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم؛ وذهبت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليهم، فقالوا له: نريد أن تضيفنا الليلة، فقال لهم: أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا وما عملهم؟ فقال أشهد بالله لهم شر قوم في الأرض وقد كان الله عز وجل قال للملائكة: لا تعذبوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما قال لوط هذه قال جبريل لأصحابه: هذه واحدة وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ثم دخل لوط بهم المدينة وحينئذ ﴿سيء بهم﴾ أي أصابه سوء. و﴿سيء﴾ فعل بني للمفعول، و((الذرع)): مصدر مأخوذ من الذراع، ولما كان الذراع موضع قوة الإنسان قيل في الأمر الذي لا طاقة له به: ضاق بهذا الأمر ذراع فلان، وذرع فلان، أي حيلته بذراعه، وتوسعوا في هذا حتى قلبوه فقالوا: فلان رحب الذراع، إذا وصفوه باتساع القدرة ومنه قول الشاعر: موطأ الأكناف رحب الذراع يا سيد ما أنت من سيد وقوله: ﴿هذا يوم عصيب﴾ أشار به إلى ما كان يتخوفه من تعدي قومه على أضيافه واحتياجه إلى المدافعة مع ضعفه عنها، و﴿عصيب﴾ بناء اسم فاعل معناه: يعصب الناس بالشر كما يعصب الخابط السلمة إذا أراد خبطها ونفض ورقها، ومنه قول الحجاج في خطبته: ولأعصبنكم عصب السلمة، فهو من ١٩٤ تفسير سورة هود / الآيات: ٧٧ - ٨٨ العصابة ثم كثر وصفهم اليوم بعصيب، ومنه قول الشاعر، وهو عدي بن زيد: [الوافر] وقد سلكوك في يوم عصيب وكنت لزاز خصمك لم أعرد ومنه قول الآخر: [الطويل] فإنك إلا ترض بكربن وائل. يكنْ لك يوم بالعراق عصيب فـ((عصيب)) - بالجملة - في موضع شديد وصعب الوطأة، واشتقاقه كما ذكرنا !! وقوله تعالى: ﴿وجاءه قومه) الآية، روي أن امرأة لوط الكافرة لما رأت، الأضياف ورأت جمالهم وهيئتهم خرجت حتى أتت مجالس قومها فقالت لهم: إن لوطاً أضاف الليلة فتية ما ريء مثلهم جمالاً وكذا وكذا، فحينئذ جاءوا ﴿يهرعون إليه﴾، ومعناه يسرعون، والإهراع هو أن يسرع أمر بالإنسان حتى يسير بين الخبب والخَمَر، فهي مشية الأسير الذي يسرع به، والطامع المبادر إلى أمر يخاف فوته، ونحو هذا؛ يقال هرع الرجل وأهرعه طمع أو عدو أو خوف ونحوه، والقراءة المشهورة: ((يُهرعون)) بضم الياء أي يهرعون الطمع، وقرأت فرقة: ((يَهرعون)) بفتح الياء، من هرع، ومن هذه اللفظة قول مهلهل: [الوافر] تقودُهم على رغم الأنوف فجاءوا يَهرعون وهم أسارى وقوله: ﴿ومن قبل كانوا يعملون السيئات﴾، أي كانت عادتهم إتيان الفاحشة في الرجال، فجاءوا إلى الأضياف لذلك فقام إليهم لوط مدافعاً، وقال: ﴿هؤلاء بناتي﴾ فقالت فرقة أشار إلى بثات نفسه وندبهم في هذه المقالة إلى النكاح، وذلك على أن كانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة، أو على أن في ضمن كلامه أن يؤمنوا. وقالت فرقة: إنما كان الكلام مدافعة لم يرد إمضاؤه، روي هذا القول عن أبي عبيدة، وهو ضعيف، وهذا كما يقال لمن ينهى عن مال الغير: الخنزير أحل لك من هذا وهذا التنطع ليس من كلام الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، وقالت فرقة: أشار بقوله: ﴿بناتي﴾ إلى النساء جملة إذ نبي القوم أب لهم، ويقوي هذا أن في قراءة ابن مسعود ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أب لهم وأشار أيضاً لوط - في هذا التأويل - إلى النكاح. وقرأت فرقة - هي الجمهور - ((هن أطهرُ)) برفع الراء على خبر الابتداء، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر ومحمد بن مروان وسعيد بن جبير: ((أطهرَ)) بالنصب قال سبيويه: هو لحن، قال أبو عمرو بن العلاء: احتبى : ٠٠ فيه ابن مروان في لحنه، ووجهه عند من قرأ به النصب على الحال بأن يكون ﴿بناتي﴾ ابتداء و﴿هن﴾ خبره، والجملة خبر ﴿هؤلاء﴾. قال القاضي أبو محمد: وهو إعراب مروي عن المبرد، وذكره أبو الفتح وهو خطأ في معنى الآية، وإنما قوم اللفظ فقط والمعنى إنما هو في قوله: ﴿أُطهر﴾ وذلك قصد أن يخبر به فهي حال لا يستغنى عنها - كما تقدم في قوله: ﴿وهذا بعلي شيخاً﴾ [هود: ٧٢]، والوجه أن يقال: ﴿هؤلاء بناتي﴾ ابتداء وخبر، و﴿هن﴾ فصل و﴿أطهر﴾ حال وإن كان شرط الفصل أن يكون بين معرفثين ليفصل الكلام من النعت إلى ١٩٥ تفسير سورة هود / الآية: ٨١ الخبر، فمن حيث كان الخبر هنا في ﴿أطهر﴾ ساغ القول بالفصل، ولما لم يستسغ ذلك أبو عمرو ولا سيبويه لحنا ابن مروان، وما كانا ليذهب عليهما ما ذكر أبو الفتح، و((الضيف)): مصدر يوصف به الواحد والجماعة والمذكر والمؤنث؛ ثم وبخهم بقوله: ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾ أي يزعكم ويردكم. وقوله تعالى: ﴿قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق﴾ الآية، روي أن قوم لوط كانوا قد خطبوا بنات لوط فردهم، وكانت سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبداً، فلذلك قالوا: ﴿لقد علمت ما لنا في بناتك من حق﴾. قال القاضي أبو محمد: وبعد أن تكون هذه المخاطبة، فوجه الكلام: إنا ليس لنا إلى بناتك تعلق، ولا هم قصدنا ولا لنا عادة نطلبها في ذلك وقولهم: ﴿وإنك لتعلم ما نريد﴾، إشارة إلى الأضياف؛ فلما رأى استمرارهم في غيهم وغلبتهم وضعفه عنهم قال - على جهة التفجع والاستكانة - ﴿لو أن لي بكم قوة﴾ و﴿أن﴾ في موضع رفع بفعل مضمر تقديره: لو اتفق أو وقع ونحو هذا، - وهذا مطرد في ((أن)) التابعة لـ((لو)» - وجواب ﴿لو﴾ محذوف وحذف مثل هذا أبلغ، لأنه يدع السامعين ينتهي إلى أبعد تخيلاته، والمعنى لفعلت كذا وكذا. وقرأ جمهور: ((أو آوي)) بسكون الياء، وقرأ شيبة وأبو جعفر: ((أو آويَ)) بالنصب، التقدير أو أن آوي، فتكون ((أن)) مع ((آوي)) بتأويل المصدر، كما قالت ميسون بنت بحدل: للبس عباءة وتقرعيني ... ويكون ترتيب الكلام لو أن لي بكم قوة أو أوياً، و((أوى)) معناه: لجأ وانضوى، ومراد لوط عليه السلام بال﴿ركن﴾ العشيرة والمنعة بالكثرة، وبلغ به قبيح فعلهم إلى هذا - مع علمه بما عند الله تعالى -، فيروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إن ركنك الشديد؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي ﴿إلى ركن شديد﴾، فالعجب منه لما استكان. قال القاضي أبو محمد: وهذا نقد لأن لفظ بهذه الألفاظ، وإلا فحالة النبي صلى الله عليه وسلم وقت طرح سلا الجزور ومع أهل الطائف وفي غير ما موطن تقتضي مقالة لوط لكن محمداً صلى الله عليه وسلم لم ينطق بشيء من ذلك عزامة منه ونجدة، وإنما خشي لوط أن يمهل الله أولئك العصابة حتى يعصوه في الأضياف كما أمهلهم فيما قبل ذلك من معاصيهم، فتمنى ركناً من البشر يعاجلهم به، وهو يعلم أن الله تعالى من وراء عقابهم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لم يبعث الله تعالى بعد لوط نبياً إلا في ثروة من قومه)) أي في منعة وعزة. قوله عز وجل: قَالُوْ يَلُوطُ إِنَّارُسُلُ رَبِكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌّ فَأَسْرِبِأَ هْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّإِلَّا أَمَّكَ إِنَُّمُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَ هُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الُّبْحُ بِقَرِيبٍ ٨١ الضمير في ﴿قالوا﴾ ضمير الملائكة، ويروى أن لوطاً لما غلبوه وهموا بكسر الباب وهو يمسكه قالت ١٩٦ - تفسير سورة هود / الآية : ٨١ له الرسل: تنح عن الباب، فتنحى وانفتح الباب فضربهم جبريل عليه السلام بجناحه فطمس أعينهم وعموا، وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء النجاء، فعند لوط قوم سحرة، وتوعدوا لوطاً، ففزع حينئذ من وعيدهم، فحينئذ قالوا له: ﴿إنا رسل ربك﴾ فأمن، ذكر هذا النقاش؛ وفي تفسير غيره ما يقتضي أن قولهم: ﴿إنا رسل ربك) كان قبل طمس العيون، ثم أمروه بالسرى وأعلموه أن العذاب نازل بالقوم، فقال لهم لوط: فعذبوهم الساعة، قالوا له: ﴿إن موعدهم الصبح﴾ أي بهذا أمر الله، ثم أنسوه في قلقه بقولهم: ﴿أليس الصبح بقريب﴾. وقرأ نافع وابن كثير ((فأسر)) من سرى إذا سار في أثناء الليل، وقرأ الباقون ((فاسرٍ)) إذا سار في أول الليل و((القطع)) القطعة من الليل، ويحتمل أن لوطاً أسرى بأهله من أول الليل حتى جاوز البلد المقتلع، ووقعت نجاته بسحر فتجتمع هذه الآية مع قوله: ﴿إلا آل لوط نجيناهم بسحر﴾ [القمر: ٣٤] وبيت النابغة جمع بين الفعلين في قوله: [البسيط] تزجي الشمال عليه جامد البرد أسرت عليه من الجوزاء سارية فذهب قوم إلى أن سرى وأسرى بمعنى واحد واحتجوا بهذا البيت. قال القاضي أبو محمد: وأقول إن البيت يحتمل المعنيين، وذلك أظهر عندي لأنه قصد وصف هذه الديمة، وأنها ابتدأت من أول الليل وقت طلوع الجوزاء في الشتاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((إلا امرأتُك)) بالرفع على البدل من ﴿أحد﴾ وهذا هو الأوجه إذا استثني من منفي، كقولك: ما جاءني أحد إلا زيد، وهذا هو استثناء الملتفتين، وقرأ الباقون ((إلا أمرأتَك)) بالنصب، ورأت ذلك فرقة من النحاة الوجه في الاستثناء من منفي، إذ الكلام المنفي في هذا مستقل بنفسه كالموجب، فإذ هو مثله في الاستقلال، فحكمه كحكمه في نصب المستثنى؛ وتأولت فرقة ممن قرأ: ((إلا امرأتك)) بالنصب أن الاستثناء وقع من الأهل كأنه قال: ((فأسر بأهلك إلا امرأتك)). وعلى هذا التأويل لا يكون إلا النصب، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لو كان الكلام: ((ولا يلتفتُ)) - بالرفع ـ لصح الرفع في قوله: ((إلا أمرأتُك)) ولكنه نهي، فإذا استثنيت (المرأة)) من (أحد﴾ وجب أن تكون ((المرأة)) أبيح لها الالتفات فيفسد معنى الآية. قال القاضي أبو محمد: وهذا الاعتراض حسن، يلزم الاستثناء من (أحد﴾ رفعت التاء أو نصبت والانفصال عنه يترتب بكلام حكي عن المبرد، وهو أن النهي إنما قصد به لوط وحده، و((الالتفات)) منفي عنهم بالمعنى، أي لا تدع أحداً منهم يلتفت، وهذا كما تقول لرجل: لا يقم من هؤلاء أحد إلا زيد، وأولئك لم يسمعوك، فالمعنى: لا تدع أحداً من هؤلاء يقوم والقيام بالمعنى منفي عن المشار إليهم. قال القاضي أبو محمد: وجملة هذا أن لفظ الآية هو لفظ قولنا: لا يقم أحد إلا زيد، ونحن نحتاج أن يكون معناها معنى قولنا: لا يقم أحد إلا زيد وذلك اللفظ لا يرجع إلى هذا المعنى إلا بتقدير ما حكيناه عن المبرد، فتدبره. ويظهر من مذهب أبي عبيد أن الاستثناء، إنما هو من الأهل. وفي مصحف ابن مسعود: ((فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك)) وسقط قوله: ﴿ولا يلتفت ٠٠ ٠٠ .. ١٩٧ تفسير سورة هود / الآيتان: ٨٢، ٨٣ - منكم أحد﴾. والظاهر في ﴿يلتفت﴾ أنها من التفات البصر، وقالت فرقة: هي من لفت الشيء يلفته إذا ثناه ولواه، فمعناه: ولا يتثبط. وهذا شاذ مع صحته وفي كتاب الزهراوي: أن المعنى: ولا يلتفت أحد إلى ما خلف، بل يخرج مسرعاً مع لوط عليه السلام: وروي أن امرأة لوط لما سمعت الهدة ردت بصرها وقالت: واقوماه، فأصابها حجر فقتلها. وقرأت فرقة: ((الصبح)) بضم الباء. قوله عز وجل : ٨٢ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُ نَاجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ مَّنضُودٍ ٨٣ مُسَوَّمَةً عِندَرَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط واقتلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها معكوسة، وأتبعهم الحجارة من السماء، وروي أن جبريل عليه السلام أخذهم بخوافي جناحه: ويروى أن مدينة منها نجيت كانت مختصة بلوط عليه السلام يقال لها: زغر. و﴿أمرنا﴾ في هذه الآية يحتمل أن يكون مصدراً من أمر ويكون في الكلام حذف مضاف تقديره مقتضى أمرنا، ويحتمل أن يكون واحد الأمور، والضمير في قوله: ﴿عاليها سافلها﴾ للمدن، وأجري ﴿أمطرنا﴾ عليها كذلك، والمراد على أهلها، وروي أنها الحجارة استوفت منهم من كانوا خارج مدنهم حتى قتلتهم أجمعين. وروي أنه كان منهم في الحرم رجل فبقي حجره معلقاً في الهواء حتى خرج من الحرم فقتله الحجر، و((أمطر)) أبداً إنما يستعمل في المكروه، ومطر يستعمل في المحبوب، هذا قول أبي عبيدة . قال القاضي أبو محمد: وليس كذلك وقوله تعالى: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ [الأحقاف: ٢٤] يرد هذا القول لأنهم إنما ظنوه معتاد الرحمة، وقوله ﴿من سجيل﴾ اختلف فيه: فقال ابن زيد: ﴿سجيل﴾: اسم السماء الدنيا. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، ويرده وصفه ب﴿منضود﴾. وقالت فرقة هو مأخوذ من لفظ السجل، أي هي من أمر كتب عليهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، وقالت فرقة: هو مأخوذ من السجل إذا أرسل الشيء كما يرسل السجل وكما تقول: قالها مسجلة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقالت فرقة: ﴿من سجيل﴾ معناه: من جهنم لأنه يقال: سجيل وسجين حفظ فيها بدل النون لاماً، كما قالوا: أصيلال وأصيلان. وقالت فرقة: ﴿سجيل﴾ معناه: شديد وأنشد الطبري في ذلك [ابن مقبلٍ ]: ضرباً تواصى به الأبطال سجيلا ١٩٨ تفسير سورة هود / الآيات : ٨٤٠ _ ٨٦ والبيت في قصيدة نونية: سجينا، وقالت فرقة: ﴿سجيل﴾ لفظة أصلها غير عربية عربت أصلها سنج وكل. وقيل غير هذا في أصل اللفظة. ومعنى هذا اللفظ ماء وطين. هذا قول ابن عباس ومجاهد وابن جبير وعكرمة والسدي وغيرهم، وذهبت هذه الفرقة إلى أن الحجارة التي رموا بها كانت كالآجر المطبوخ كانت من طين قد تحجر - نص عليه الحسن -. .!.. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يشبه. وهو الصواب الذي عليه الجمهور. وقالت فرقة: معنى ﴿سجيل﴾ حجر مخلوط بطين أي حجر وطين. قال القاضي أبو محمد: ويمكن أن يرد هذا إلى الذي قبله، لأن الآجر وما جرى مجراه يمكن أن يقال فيه حجر وطين لأنه قد أخذ من كل واحد منهما بحظه. هي طين من حيث هو أصلها. وحجر من حيث صلبت . و﴿منضود﴾ معناه بعضه فوق بعض. أي تتابع؛ وهي صفة ل﴿سجيل﴾ وقال الربيع بن أنس: ((نضده)): إنه في السماء منضود معد بعضه فوق بعض. و﴿مسومة﴾ معناه معلمة بعلامة، فقال عكرمة وقتادة: إنه كان فيها بياض وحمرة: ويحكى أنه كان في كل حجر اسم صاحبه، وهذه اللفظة هي من سوم إذا أعلم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: ((سوموا فقد سومت الملائكة)). ويحتمل أن تكون ﴿مسومة﴾ ها هنا بمعنى: مرسلة، وسومها من الهبوط. وقوله ﴿وما هي﴾ إشارة إلى الحجارة. و﴿الظالمين) قيل: يعني قريشاً. وقيل: يريد عموم كل من اتصف بالظلم، وهذا هو الأصح لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سيكون في أمتي خسف ومسخ وقذف بالحجارة))، وقد ورد أيضاً حديث: ((إن هذه الأمة بمنجاة من ذلك)). وقيل يعني ب﴿هي﴾: المدن، ويكون المعنى: الإعلام بأن هذه البلاد قريبة من مكة - والأول أبين - وروي أن هذه البلاد كانت بين المدينة والشام، وحكى الطبري في تسمية هذه المدن: صيعة، وصعدة وعمزة، ودوما وسدوم وهي القرية العظمى. فوله عز وجل : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ صى وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ وَالْمِيزَانَ إِّي أَرَئِكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾ اَلْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الْأَرْضِ ◌َ يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ مُؤْ مِنِينٌّ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ٨٦ ٨٥ مُفْسِدِينَ التقدير: ﴿وإلى مدين﴾ أرسلنا ﴿أخاهم شعيباً﴾، واختلف في لفظة (مدين) فقيل: هي بقعة، فالتقدير على هذا: وإلى أهل مدين - كما قال: ﴿واسأل القرية﴾ [يونس: ٤٢] - وقيل كان هذا القطر في : ١٩٩ تفسير سورة هود / الآيات: ٨٤ - ٨٦ ناحية الشام، وقيل ﴿مدين﴾ اسم رجل كانت القبيلة من ولده فسميت باسمه، و﴿مدين) لا ينصرف في الوجهين، حكى النقاش أن ﴿مدين﴾ هو ولد إبراهيم الخليل لصلبه. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعید وقد قيل: إن ﴿شعيباً﴾ عربي، فکیف یجتمع هذا وليس للعرب اتصال بإبراهيم إلا من جهة إسماعيل فقط، ودعاء ((شعيب)) إلى ((عبادة الله)) يقتضي أنهم كانوا يعبدون الأوثان، وذلك بين من قولهم فيما بعد، وكفرهم هو الذي استوجبوا به العذاب لا معاصيهم، فإن الله لم يعذب قط أمة إلا بالكفر، فإن انضافت إلى ذلك معصية كانت تابعة، وأعني بالعذاب عذاب الاستئصال العام، وكانت معصية هذه الأمة الشنيعة أنهم كانوا تواطأوا أن يأخذوا ممن يرد عليهم من غيرهم وافياً ويعطوا ناقصاً في وزنهم وكيلهم، فنهاهم شعيب بوحي الله تعالى عن ذلك، ويظهر من كتاب الزجاج أنهم كانوا تراضوا بينهم بأن يبخس بعضهم بعضاً. وقوله ﴿بخير﴾ قال ابن عباس: معناه في رخص من الأسعار، و﴿عذاب اليوم المحيط﴾ هو حلول الغلاء المهلك. وينظر هذا التأويل إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما نقص قوم المكيال والميزان إلا ارتفع عنهم الرزق وقيل لهم قوله: ﴿بخير﴾ عام في جميع نعم الله تعالى، و﴿عذاب اليوم﴾ هو الهلاك الذي حل بهم في آخر، وجميع ما قيل في لفظ ((خير)) منحصر فيما قلناه. ووصف ((اليوم)) بـ ((الإحاطة)) وهي من صفة العذاب على جهة التجوز إذ كان العذاب في اليوم: وقد يصح أن يوصف ((اليوم)) بـ ((الإحاطة)) على تقدير: محيط شره. ونحو هذا. وكرر عليهم الوصية في ((الكيل والوزن)) تأكيداً وبياناً وعظة لأن ﴿لا تنقصوا﴾ هو ﴿أوفوا﴾ بعينه. لکنهما منحیان إلی معنی واحد. قال القاضي أبو محمد: وحدثني أبي رضي الله عنه، أنه سمع أبا الفضل بن الجوهري على المنبر بمصر يعظ الناس في الكيل والوزن فقال: اعتبروا في أن الإنسان إذا رفع يده بالميزان فامتدت أصابعه الثلاث والتقى الإبهام والسبابة على ناصية الميزان جاء من شكل أصابعه صورة المكتوبة فكأن الميزان يقول: الله الله. قال القاضي أبو محمد: وهذا وعظ مليح مذكر. و﴿القسط﴾ العدل ونحوه، و((البخس)) النقصان، و﴿تعثوا﴾ معناه: تسعون في فساد، وكرر ﴿مفسدين﴾ على جهة التأكيد، يقال عثا يعثر أو عثى يعثي، وعث بعث، وعاث يعيث - إذا أفسد ونحوه من المعنى، والعثة: الدودة التي تفسد ثياب الصوف. وقوله: ﴿بقيت الله﴾ قال ابن عباس معناه الذي يبقي الله لكم من أموالكم بعد توفيتكم الكيل والوزن خير لكم مما تستكثرون أنتم به على غير وجهه . قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير يليق بلفظ الآية وقال مجاهد: معناه طاعة الله، وقال ابن عباس - أيضاً - معناه رزق الله، وهذا كله لا يعطيه لفظ الآية، وإنما المعنى عندي - إبقاء الله عليكم إن أطعتم. وقرأ إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة بتخفيف الياء وهي لغة. ٢٠٠ تفسير سورة هود / الآيتان : ٨٨،٨٧ وقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين) شرط في أن تكون البقية خيراً لهم، وأما مع الكفر فلا خير لهم في شيء من الأعمال، وجواب هذا الشرط، متقدم، و((الحفيظ)) المراقب الذي يحفظ أحوال من يرقب، والمعنى: إنما أنا مبلغ والحفيظ المحاسب هو الذي يجازيكم بالأعمال. قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُ كَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْأَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَلِنَا مَا ذَشَؤُاْ عنا قوله عز وجل : إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴿ قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَّا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَدُكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ ٨٨ قرأ جمهور الناس ((أصلواتك)) بالجمع، وقرأ ابن وثاب ((أصلاتك)) بالإفراد، وكذلك قرأ في براءة ﴿إن صلاتك﴾ [التوبة: ٩] وفي المؤمنين: ﴿على صلاتهم﴾ [المؤمنون: ٩] كل ذلك بالإفراد. واختلف في معنى ((الصلاة)) هنا، فقالت فرقة: أرادوا الصلوات المعروفة، وروي أن شعيباً عليه السلام كان أكثر الأنبياء صلاة، وقال الحسن: لم يبعث الله نبياً إلا فرض عليه الصلاة والزكاة. وقيل: أرادوا قراءتك. وقيل أرادوا: أمساجدك؟ وقيل: أرادوا: أدعواتك. قال القاضي أبو محمد: وأقرب هذه الأقوال الأول والرابع وجعلوا الأمر من فعل الصلوات على جهة التجوز، وذلك أن كل من حصل في رتبة من خير أو شر ففي الأكثر تدعوه رتبته إلى التزيد من ذلك النوع: فمعنى هذا: ألما كنت مصلياً تجاوزت إلى ذم شرعنا وحالنا؟ فكأن حاله من الصلاة جسرته على ذلك فقيل: أمرته، كما قال تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقوله: ﴿أن نترك ما يعبد آباؤنا﴾ نص في أنهم كانوا يعبدون غير الله تعالى وقرأ جمهور الناس: ((فعل)) و((نشاء)) بنون الجماعة فيهما؛ وقرأ الضحاك بن قيس ((تفعل)) و((تشاء)) بتاء المخاطبة فيهما: ورويت عن أبي عبد الرحمن: ((نفعل)) بالنون. ((ما تشاء)) بالتاء، ورويت عن ابن عباس. فأما من قرأ بالنون فيهما ف﴿أن﴾ الثانية عظف على ﴿ما﴾ لا على ﴿أن﴾ الأولى، لأن المعنى يصير: أصلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ وهذا قلب ما قصدوه. وأما من قرأ بالتاء فيهما فيصح عطف ﴿أن﴾ الثانية على ﴿ما﴾ لا على ﴿أن﴾ الأولى، قال بعض النحويين، ويصح عطفها على ﴿ما﴾ ويتم المعنى في الوجهين. قال القاضي أبو محمد: ويجيء ﴿نترك﴾ في الأول بمعنى نرفض، وفي الثاني بمعنى نقرر، فيتعذر عندي هذا الوجه لما ذكرته من تنوع الترك على الحكم اللفظي أو على حذف مضاف، ألا ترى أن الترك في قراءة من قرأ بالنون في الفعلين إنما هو بمعنى الرفض غير متنوع، وأما من قرأ بالنون في ((نفعل)) والتاء في ((تشاء)» ف﴿أن﴾ معطوفة على الأولى، ولا يجوز أن تنعطف على ﴿ما﴾ لأن المعنى - أيضاً - ينقلب، فتدبره.