Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٢٣،١٢٢
١٢٣
أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُ واْ فِيهَا وَ مَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُونَ
تقدم في هذه الآية السالفة ذكر قوم مؤمنين أمروا بترك الإثم وباطنه وغير ذلك، وذكر قوم كافرين
يضلون بأهوائهم وغير ذلك، فمثل الله عز وجل في الطائفتين بأن شبه الذين آمنوا بعد كفرهم بأموات
أحيوا، هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وشبه الكافرين وحيرة جهلهم بقوم في ظلمات يترددون
فيها ولا يمكنهم الخروج منها ليبين عز وجل الفرق بين الطائفتين والبون بين المنزلتين.
وقرأ جمهور الناس ((أوَ من)) بفتح الواو فهي ألف استفهام دخلت على واو عطف جملة على جملة،
و﴿من﴾ بمعنى الذي، وقرأ طلحة بن مصرف: ((أفمن)) بالفاء، والمعنى قريب من معنى الواو، والفاء في قوله
﴿فأحييناه﴾ عاطفة، و﴿نوراً﴾ أمكن ما يعنى به الإيمان و﴿يمشي به﴾ يراد به جميع التصرف في الأفعال
والأقوال، قال أبو علي: ويحتمل أن يراد النور الذي يؤتاه المؤمنون يوم القيامة، و﴿في الناس﴾ متعلق
بـ ﴿يمشي﴾، ويصح أن يتعلق بـ ﴿كان ميتاً﴾ وقوله تعالى: ﴿كمن مثله﴾ بمنزلة كمن هو، والكاف في قوله
﴿كذلك زين﴾ متعلقة بمحذوف يدل ظاهر الكلام عليه، تقديره وكما أحيينا المؤمنين وجعلنا لهم نوراً
كذلك زين للكافرين، ويحتمل أن يتعلق بقوله ﴿كمن مثله﴾ أي كهذه الحال هو التزيين، وقرأ نافع وحده
(ميِّتا)) بكسر الياء وشدها، وقرأ الباقون ((ميْتاً)) بسكون الياء، قال أبو علي: التخفيف كالتشديد، والياء
المحذوفة هي الثانية المنقلبة عن واو أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب، وقالت طائفة إن هذه الألفاظ التي
مثل بها وإن كانت تعم كل مؤمن وكل كافر فإنما نزلت في مخصوصين، فقال الضحاك: المؤمن الذي كان
ميتاً فأحيي عمر بن الخطاب، وحكى المهدوي عن بعضهم أنه حمزة بن عبد المطلب، وقال عكرمة:
عمار بن ياسر، وقال الزجاج: جاء في التفسير أنه يعني به النبي عليه السلام.
قال القاضي أبو محمد: واتفقوا على أن الذي في الظلمات أبو جهل بن هشام، إلى حاله وحال أمثاله
هي الإشارة والتشبيه بقوله ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية﴾ وهذه الآية تتضمن إنذاراً بفساد حال الكفرة
المتقدم ذكرهم، لأنه مقتضى حال من تقدمهم من نظرائهم، وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في المستهزئين.
قال القاضي أبو محمد: يعني أن التمثيل لهم، و﴿جعلنا﴾ في هذه الآية بمعنى صيرنا، فهي تتعدى
إلى مفعولين الأول ﴿مجرميها﴾ والثاني ﴿أكابر﴾ وفي الكلام على هذا تقديم وتأخير تقديره وكذلك جعلنا
في كل قرية مجرميها أكابر، وقدم الأهم إذ لعلة كبرهم أجرموا، ويصح أن يكون المفعول الأول ﴿أكابر﴾
و﴿مجرميها﴾ مضاف والمفعول الثاني قوله ﴿في كل قرية﴾ و﴿ليمكروا﴾ نصب بلام الصيرورة، والأكابر
جمع أكبر كما الأفاضل جمع أفضل، ويقال أكابرة كما يقال أحمر وأحامرة، ومنه قول الشاعر [الأعشى]: [الكامل]
إِنَّ الأَحَامِرَة الثّلاثة أَتْلَفَتْ مالي وكنتُ بهنَّ قَدْماً مُولَعا
يريد الخمر واللحم والزعفران، و ((المكر)) التخيل بالباطل والخديعة ونحوهما، وقوله ﴿وما يمكرون
إلا بأنفسهم) يريد لرجوع وبال ذلك عليهم، ﴿وما يشعرون﴾ أي ما يعلمون، وهي لفظة مأخوذة من
الشعار وهو الشيء الذي يلي البدن، فكأن الذي لا يشعر نفي عنه أن يعلم علم حس، وفي ذلك مبالغة في

٣٤٢
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٢٥،١٢٤
صفة جهله، إذ البهائم تعلم علوم الحس وأما هذه الآية فإنما نفي فيها الشعور في نازلة مخصوصة.
قوله عز وجل :
وَإِذَا جَآءَ تَّهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْلَن نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْثَى مِثْلَ مَا أُوِىَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رِسَالَتَهُسَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ
١٢٤
فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِ يَهُ يَشْرَحْ صَدْرَُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًّا حَرَجًا
كَأَنَّمَا يَصَّغَّدُ فِ السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الْرّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
١٢٥
هذه الآية آية ذم للكفار وتوعد لهم، يقول وإذا جاءتهم علامة ودليل على صحة الشرع تشططوا
وتسحبوا وقالوا إنما يقلق لنا البحر إنما يحبي لنا الموتى ونحو ذلك، فرد الله عز وجل عليهم بقوله: ﴿الله
أعلم حيث يجعل رسالاته﴾ أي فيمن اصطفاه وانتخبه لا فيمن كفر وجعل يتشطط على الله، قال الزجاج:
قال بعضهم: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل المبعث مطاعين في قومهم، و﴿أعلم﴾ معلق
العمل، والعامل في ﴿حيث﴾ فعل تقديره: يعلم حيث، ثم توعد تعالى بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا
سيصيبهم عند اللّه صغار وذلة، و﴿عند الله﴾ متعلقة بـ ﴿سيصيب﴾، ويصح أن تتعلق بـ ﴿صغار﴾ لأنه
مصدر، قال الزجاج: التقدير صغار ثابت عند الله، قال أبو علي: وهو متعلق بـ ﴿صغار﴾ دون تقدير ثابت ولا
شيء غيره، وقوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾، الآية، ((من)) أداة شرط،
و﴿يشرح﴾ جواب الشرط، والآية نص في أن الله عز وجل يريد هدى المؤمن وضلال الكافر، وهذا
عند جميع أهل السنة بالإرادة القديمة التي هي صفة ذاته تبارك وتعالى، و((الهدى))
في هذه الآية هو خلق الإيمان في القلب واختراعه، و((شرح الصدر)» هو تسهيل الإيمان وتحبيبه
وإعداد القلب لقبوله وتحصيله، والهدى لفظة مشتركة تأتي بمعنى الدعاء كقوله عز وجل: ﴿وإنك لتهدي
إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢] وتأتي بمعنى إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق والأعمال
المعصية إليها، كقوله تعالى: ﴿فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم﴾ [محمد: ٥] وغير ذلك، إلا
أنها في هذه الآية وفي قوله ﴿من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون﴾
[الأعراف: ١٧٨]، وفي قوله ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] ونحوها لا يتجه حملها إلا على
خلق الإيمان واختراعه، إذ الوجوه من الهدى تدفعها قرائن الكلام مما قبل وبعد، وقوله ﴿يشرح صدره﴾
ألفاظ مستعارة ها هنا إذ الشرح التوسعة والبسط في الأجسام وإذا كان الجرم مشروحاً موسعاً كان معداً
ليحل فيه، فشبه توطئة القلب وتنويره وإعداده للقبول بالشرح والتوسيع، وشبه قبوله وتحصيله للإيمان
بالحلول في الجرم المشروح، و((الصدر)) عبارة عن القلب وهو المقصود، إذ الإيمان من خصاله، وكذلك
الإسلام عبارة عن الإيمان إذ الإسلام أعم منه، وإنما المقصود هنا الإيمان فقط بدليل قرينة الشرح
والهدى، ولكنه عبر بالإسلام إذ هو أعم وأدنى الهدى حب الأعمال وامتثال العبادات، وفي ﴿يشرح﴾ ضمير
عائد على الهدى، قال: وعوده على الله عز وجل أبين.

٣٤٣
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٢٤، ١٢٥
قال القاضي أبو محمد: والقول بأن الضمير عائد على المهدي قول يتركب عليه مذهب القدرية في
خلق الأفعال وينبغي أن يعتقد ضعفه وأن الضمير إنما هو عائد على اسم الله عز وجل فإن هذا يعضده اللفظ
والمعنى، وروي عن النبي عليه السلام أنه لما نزلت هذه الآية، ((قالوا يا رسول الله، كيف يشرح الصدر؟
قال: إذا نزل النور في القلب انشرح له الصدر وانفسح، قالوا وهل لذلك علامة يا رسول الله؟ قال: نعم:
الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل الفوت)). والقول في قوله ﴿ومن يرد
أن يضله﴾ كالقول في قوله ﴿فمن يرد الله أن يهديه﴾، وقوله ﴿يجعل صدره ضيقاً حرجاً﴾ ألفاظ مستعارة تضاد
شرح الصدر للإسلام ويجعل في هذا الموضع تكون بمعنى يحكم له بهذا الحكم، كما تقول هذا يجعل
البصرة مصراً أي يحكم لها بحكمها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى يقرب من صير، وحكاه أبو علي الفارسي، وقال أيضاً يصح أن
يكون ((جعل)) بمعنى سمى، كما قال تعالى ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثاً﴾
[الزخرف: ١٩] أي سموهم، قال وهذه الآية تحتمل هذا المعنى.
قال القاضي أبو محمد: وهذا الوجه يضعف في هذه الآية، وقرأ جمهور الناس والسبعة سوى ابن
كثير ((ضيِّقاً)) بكسر الياء وتشديدها، وقرأ ابن كثير ((ضيْقاً)) بسكون الياء وكذلك قرأ في الفرقان، قال أبو علي
وهما بمنزلة الميِّت والميْت، قال الطبري وبمنزلة الهيِّن واللّيِّن والهيْن والليْن، قال ويصح أن يكون الضيق
مصدراً من قولك ضاق والأمر يضيق ضيقاً وضيقاً، وحكي عن الكسائي أنه قال الضَّيق بشد الضاد وكسرها
في الأجرام والمعاش، والضَّيق بفتح الضاد: في الأمور والمعاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر
وحمزة والكسائي (حرجاً)) بفتح الراء وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر ((حرِجا)) بكسرها، قال أبو علي فمن
فتح الراء كان وصفاً بالمصدر كما تقول رجل قمَن بكذا وحرَى بكذا ودنَف، ومن كسر الراء فهو كدنف
وقمِن وفرِق، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأها يوماً بفتح الراء فقرأها له بعض الصحابة بكسر
الراء، فقال: ابغوني رجلاً من كنانة وليكن راعياً من بني مدلج، فلما جاءه قال له: يا فتى ما الحرجة
عندكم، قال: الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية .
قال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير، وقوله تعالى: ﴿كأنما يصعد في
السماء﴾ أي كأن هذا الضيق الصدر يحاول الصعود في السماء حتى حاول الإيمان أو فكر فيه ويجد
صعوبته عليه كصعوبة الصعود في السماء، قال بهذا التأويل ابن جريج وعطاء الخراساني والسدي، وقال
ابن جبير: المعنى لا يجد مسلكاً إلا صعداً من شدة التضايق، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة
والكسائي ((يصعد)) بإدغام التاء من يتصعد في الصاد، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ((يصاعد)) بإدغام التاء
من يتصاعد في السماء، وقرأ ابن كثير وحده ((يصعد))، وقرأ ابن مسعود والأعمش وابن مصرف ((يتصعد))
بزيادة تاء، و﴿في السماء﴾ يريد من سفل إلى علو في الهواء، قال أبو علي: ولم يرد السماء المظلة بعينها،
وإنما هو كما قال سيبويه والقيدود: الطويل في غير سماء، يريد في غير ارتفاع صعداً قال ومن هذا قوله عز
وجل: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤] أي في وجهة الجو.

٣٤٤
تفسير سورة الأنعام / الآيتان : ١٢٧،١٢٦
قال القاضي أبو محمد: وهذا على غير من تأول تقلب الوجه أنه الدعاء إلى الله عز وجل في الهداية
إلى قبلة فإن مع الدعاء يستقيم أن يقلب وجهه في السماء المظلة حسب عادة الداعين إذ قد ألفوا مجيء
النعم والآلاء من تلك الجهة، وتحتمل الآية أن يكون التشبيه بالصاعد في عقبة كؤود كأنه يصعد بها الهواء،
و﴿يصعد﴾ معناه يعلو، و﴿يصعد﴾ معناه يتكلف من ذلك ما يشق عليه. ومنه قول عمر بن الخطاب:
((ما تصعدني شيء كما تصعدني خطبة النكاح))، إلى غير ذلك من الشواهد، (ويصاعد)) في المعنى
مثل ((يصعد))، وقوله تعالى: ﴿كذلك يجعل الله الرجس﴾ أي وكما كان هذا كله من الهدى والضلال بإرادة
الله عز وجل ومشيئته كذلك يجعل الله الرجس، قال أهل اللغة ﴿الرجس﴾ يأتي بمعنى العذاب ويأتي بمعنى
النجس، وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال: ﴿الرجس﴾ كل ما لا خير فيه وقال بعض الكوفيين: الرجس
والنجس لغتان بمعنى، ((ويجعل)) في هذا الموضع يحسن أن تكون بمعنى يلقي كما تقول جعلت متاعك
بعضه على بعض، وكما قال عز وجل ﴿ويجعل الخبيث بعضه على بعض﴾ [الأنفال: ٣٧].
قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى في جعل حكاه أبو علي الفارسي، ويحسن أن تكون ﴿يجعل﴾
في هذه الآية بمعنى يصير ويكون المفعول الثاني في ضمن ﴿على الذين لا يؤمنون﴾، كأنه قال قرين الذين
أو لزیم الذين ونحو ذلك.
قوله عز وجل :
ـَلَمْ دَارُ السَّلَمِ عِندَ رَبِهِمٌّ وَهُوَ
١٢٦
وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمَاقَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَذَّ كْرُونَ
وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْيَعْمَلُونَ
١٢٧
هذا إشارة إلى القرآن والشرع الذي جاء به محمد عليه السلام، قاله ابن عباس، و((الصراط»
الطريق، وإضافة الصراط إلى الرب على جهة أنه من عنده وبأمره و﴿مستقيماً﴾ حال مؤكدة وليست كالحال
في قولك جاء زيد راكباً بل هذه المؤكدة تتضمن المعنى المقصود. و﴿فصلنا﴾ معناه بينا وأوضحنا، وقوله
﴿لقوم يذكرون﴾ أي للمؤمنين الذين يعدون أنفسهم للنظر ويسلكون طريق الاهتداء، والضمير في قوله
﴿لهم﴾ عائد على القوم المتذكرين و﴿السلام﴾ يتجه فيه معنيان، أحدهما أن السلام اسم من أسماء الله عز
وجل فأضاف ((الدار) إليه هي ملكه وخلقه، والثاني أنه المصدر بمعنى السلامة، كما تقول السلام عليك،
وكقوله عز وجل ﴿تحيتهم فيها سلام﴾ [يونس: ١٠] يريد في الآخرة بعد الحشر، و﴿وليهم﴾ أي ولي
الانعام عليهم، و﴿بما كانوا يعملون﴾ أي مسبب ما كانوا يقدمون من الخير ويفعلون من الطاعة والبر.
قوله عز وجل :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ الجِنِّ قَدٍ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ اُلْإِنِسِّ وَقَالَ أَوْ لِيَآؤُهُم مِّنَ الْإِنِسِ رَبَّنَا
أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضِ وَبَلَغْنَا أَجَنَا الَّذِىَ أَخَلْتَ لَنَّأَقَالَ النَّارُ مَنْوَرَنَكُمْ خَلِلِينَ فِيهَآ إِلَّا مَاشَآءَ
1
:
:

٣٤٥
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٢٨، ١٢٩
١٢٩
اُللَّهَ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضَاً بِمَا كَانُوايَكْسِبُونَ
﴿يوم﴾ نصب بفعل مضمر تقديره واذكر يوم، ويحتمل أن يكون العامل ﴿وليهم﴾ [الأنعام: ١٢٧]
والعطف على موضع قوله ﴿بما كانوا﴾ [الأنعام: ١٢٧]، والضمير في ﴿يحشرهم﴾ عائد على الطائفتين
الذين يجعل الله الرجس عليهم وهم جميع الكفار جناً وإنساً، والذين لهم دار السلام جناً، وإنساً، ويدل
على ذلك التأكيد العام بقوله ﴿جميعاً﴾ .
وقرأ حفص عن عاصم ((يحشرهم)» بالياء، وقرأ الباقون بالنون وكلُّ متجه، ثم ذكر عز وجل ما يقال
للجن الكفرة، وفي الكلام فعل مضمر يدل عليه ظاهر الكلام تقديره نقول يا معشر الجن، وقوله ﴿قد
استكثرتم﴾ معناه فرطتم، و﴿من الإنس﴾ يريد في إضلالهم وإغوائهم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقال
الكفار من الإنس وهم أولياء الجن الموبخين على جهة الاعتذار عن الجن ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾
أي انتفع .
قال القاضي أبو محمد: وذلك في وجوه كثيرة، حكى الطبري وغيره أن الإنس كانت تستعيذ بالجن
في الأودية ومواضع الخوف وكانت الجن تتعظم على الإنس وتسودها كما يفعل الربي بالكاهن والمجير
بالمستجير إذ كان العربي إذا نزل وادياً ينادي يا رب الوادي إني أستجير بك هذه الليلة ثم يرى أن سلامته
إنما هي بحفظ جني ذلك الوادي فهذا استمتاع بعضهم ببعض .
قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال في الاستمتاع ولو تتبع لبينت له وجوه أخر كلها دنياوية، وبلوغ
الأجل المؤجل قال السدي هو الموت الذي انتهى الكل منهم إليه، وقيل هو الحشر، وقيل هو الغاية التي
انتهى جميعهم إليها من الاستمتاع، كأنهم أشاروا إلى أن ذلك بقدرك وقضائك إذ لكل كتاب أجل، وقرأ
الحسن ((وبلِّغنا أجلنا)) بكسر اللام مشددة، وقوله تعالى: ﴿قال النار مثواكم﴾ الآية، إخبارٌ من الله عز وجل
عما يقول لهم يوم القيامة إثر كلامهم المتقدم، وجاء الفعل بلفظ الماضي وهو في الحقيقة مستقبل لصحة
وقوعه، وهذا كثير في القرآن وفصيح الكلام و﴿مثواكم﴾ أي موضع ثوابكم كمقامكم الذي هو موضع
الإقامة، هذا قول الزجّاج وغيره، قال أبو علي في الإغفال: المثوى عندي مصدر لا موضع وذلك لعمله في
الحال التي هي ﴿خالدين﴾ والموضع ليس فيه معنى فعل فيكون عاملاً، والتقدير النار ذات ثوابكم،
والاستثناء في قوله ﴿إلا ما شاء الله﴾ قالت فرقة ﴿ما﴾ بمعنى من، فالمراد إلا من شاء ممن آمن في الدنيا بعد
أن آمن من هؤلاء الكفرة.
قال القاضى أبو محمد: ولما كان هؤلاء صنفاً ساغت في العبارة عنهم ﴿ما﴾، وقال الفراء (إلا ﴾ بمعنى
سوى، والمراد سوى ما يشاء من زيادة في العذاب، ونحا إليه الزجاج، وقال الطبري: إن المستثنى هي المدة
التي بين حشرهم إلى دخولهم النار.
قال القاضي أبو محمد: وساغ هذا من حيث العبارة بقوله ﴿النار مثواكم﴾ لا تخص بصيغتها مستقبل
الزمان دون غيره، وقال الطبري عن ابن عباس انه كان يتناول في هذا الاستثناء أنه مبلغ حال هؤلاء في علم
---
٠

٣٤٦
تفسير سورة الأنعام / الآيات: ١٣٠ - ١٣٢
الله ثم أسند إليه أنه قال: إن هذه الآية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا ناراً.
قال القاضي أبو محمد: والإجماع على التخليد الأبدي في الكفار ولا يصح هذا عن ابن عباس
رضي الله عنه.
قال القاضي أبو محمد: ويتجه عندي في هذا الاستثناء أن يكون مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم
وأمته، وليس مما يقال يوم القيامة، والمستثنى هو من كان من الكفرة يومئذ يؤمن في علم الله كأنه لما
أخبرهم أنه قال للكفار: ﴿النار مثواكم﴾ استثنى لهم من يمكن أن يؤمن ممن يرونه يومئذ كافراً، وتقع ﴿ما﴾
على صفة من يعقل، ويؤيد هذا التأويل اتصال قوله ﴿إن ربك حكيم عليم﴾ أي بمن یمکن أن يؤمن منهم،
و﴿حكيم عليم﴾ صفتان مناسبتان لهذه الآية، لأن تخلد هؤلاء الكفرة في النار فعل صادر عن حكم وعلم
بمواقع الأشياء، وقوله تعالى: ﴿وكذلك نولي﴾ قال قتادة ﴿نولي﴾ معناه نجعل بعضهم ولي بعض في الكفر
والظلم .
قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل ما تقدم من ذكر الجن والإنس ((واستمتاع بعضهم ببعض))،
وقال قتادة أيضاً: معنى ﴿نولي﴾ نتبع بعضهم بعضاً في دخول النار، أي نجعل بعضهم يلي بعضاً، وقال ابن
زيد معناه نسلط بعض الظالمين على بعض ونجعلهم أولياء النقمة منهم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل لا تؤيده ألفاظ الآية المتقدمة، أما أنه حفظ في استعمال
الصحابة والتابعين من ذلك ما روي أن عبد الله بن الزبير لما بلغه أن عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن
سعيد الأشدق صعد المنبر فقال إن فم الذبان قتل لطيم الشيطان ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما
کانوا یکسبون﴾.
قوله عز وجل :
يَمَعْشَرَ أَلْجِنّ وَالْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ
يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَّ أَنفُسِنَّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَوَةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُ واْعَلَىَ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ
وَلِكُلِ
١٣١
كَفِرِينَ ﴿﴿ ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ
ج
دَرَجَتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَارَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
١٣٢
قوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس﴾ داخل في القول يوم الحشر، والضمير في ﴿منكم﴾ قال ابن
جريج وغيره عمم بظاهرة الطائفتين والمراد الواحدة تجوزاً، وهذا موجود في كلام العرب، ومنه قوله
تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ [الرحمن: ٢٢] وذلك إنما يخرج من الأجاج، وقال الضحاك
الضمير عائد على الطائفتين وفي الجن رسل منهم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقال ابن عباس الضمير عائد على الطائفتين ولكن رسل

٣٤٧
تفسير سورة الأنعام / الآيات: ١٣٣ - ١٣٥
الجن هم رسل الإنس، فهم رسل الله بواسطة إذ هم رسل رسله، وهم النذر، و﴿يقصون﴾ من القصص، وقرأ
عبد الرحمن الأعرج ((ألم تكن تأتيكم)) بالتاء على تأنيث لفظ ((الرسل))، وقولهم: ﴿شهدنا﴾ إقرار منهم
بالكفر واعتراف أي شهدنا على أنفسنا بالتقصير، وقوله ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ التفاتة فصيحة تضمنت أن
كفرهم كان بأذم الوجوه لهم وهو الاغترار الذي لا يواقعه عاقل، ويحتمل ﴿غرتهم﴾ أن يكون بمعنى أشبعتهم
وأطعمتهم بحلوائها كما يقال غر الطائر فرخه وقوله ﴿وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾ تظهر بينه
وبين ما في القرآن من الآيات التي تقتضي إنكار المشركين الإشراك مناقضة، والجمع بينهما هو إما بأنها
طوائف، وإما طائفة واحدة في مواطن شتى، وإما أن يريد بقوله هاهنا: ﴿وشهدوا على أنفسهم﴾، شهادة
الأيدي والأرجل والجلود بعد إنكارهم بالألسنة .
قال القاضي أبو محمد: واللفظ ها هنا يبعد من هذا، وقوله تعالى: ﴿ذلك أن لم يكن﴾ الآية،
﴿ذلك﴾ يصح أن يكون في موضع رفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره ذلك الأمر، ويصح أن يكون في
موضع نصب بتقدير فعلنا و﴿أن﴾ مفعول من أجله و﴿القرى) المدن، والمراد أهل القرى، و﴿بظلم﴾ يتوجه
فيه معنيان، أحدهما أن الله عز وجل لم يكن ليهلك المدن دون نذارة، فيكون ظلماً لهم إذا لم ينذرهم،
والله ليس بظلام للعبيد، والآخر أن الله عز وجل لم يهلك أهل القرى بظلم إذ ظلموا دون أن ينذرهم، وهذا
هو البين القويّ. وذكر الطبري رحمه الله التأويلين، وقوله تعالى: ﴿ولكل درجات) الآية إخبار من الله عز
وجل أن المؤمنين في الآخرة على درجات من التفاضل بحسب أعمالهم وتفضل الله عليهم، والمشركين
أيضاً على درجات من العذاب.
قال القاضي أبو محمد: ولكن كل مؤمن قد رضي بما أعطي غاية الرضى، وقرأت الجماعة سوى ابن
عامر ((يعملون)) على لفظ كل، وقرأ ابن عامر وحده ((تعملون)) على المخاطبة بالتاء.
قوله عز وجل :
وَرَبِّكَ الْغَنِىُّ ذُوَ الرَّحْمَةِ إِن يَشَأَ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ
أَنْشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ،َآخَرِينَ ﴿٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتِّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِينَ
قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّيِ عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ
١٣٤
١٣٥
الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الَّالِمُونَ
﴿الغني﴾ صفة ذات الله عز وجل لأنه تبارك وتعالى لا يفتقر إلى شيء من جهة من الجهات، ثم
تليت هذه الصفة بقوله ﴿ذو الرحمة﴾ فأردف الاستغناء بالتفضل وهذا أجمل تناسق، ثم عقب بهذه الألفاظ
المضمنة الوعيد المحذرة من بطش الله عز وجل في التعجيل بذلك وأما مع المهلة ومرور الجديدين، ؟
فكذلك عادة الله في الخلق، وأما ((الاستخلاف)) فكما أوجد الله تعالى هذا العالم الآدمي بالنشأة من ذرية
قوم متقدمين أصلهم آدم عليه السلام، وقرأت الجماعة (ذُرِّية)) بضم الذال وشد الراء المكسورة، وقرأ
1

٣٤٨
تفسير سورة الأنعام / الآية: ١٣٦
زيد بن ثابت بكسر الذال وكذلك في سورة آل عمران وحكى أبو حاتم عن أبان بن عثمان أنه قرأ «ذَرِية»
بفتح الذال وتخفيف الراء المكسورة، وحكى عنه أبو الزناد أنه قرأ على المنبر ((ذَرْية)) بفتح الذال وسكون
الراء على وزن فعلة، قال فسألته فقال أقرأنيها زيد بن ثابت، و﴿من﴾ في قوله ﴿من ذرية﴾ للتبعيض وذهب
الطبري إلى أنها بمعنى قولك أخذت من ثوبي ديناراً بمعنى عنه وعوضه و﴿توعدون﴾ مأخوذ من الوعيد
بقرينة ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ والإشارة إلى هذا الوعيد المتقدم خصوصاً .. وأما أن يكون العموم مطلقاً
فذلك يتضمن إنفاذ الوعيد، والعقائد ترد ذلك، و﴿بمعجزين﴾ معناه بناجين هرباً أي يعجزون طالبهم.
ثم أمر الله عز وجل نبيه عليه السلام أن يتوعدهم بقوله ﴿اعملوا﴾ أي فسترون عاقبة عملكم الفاسد،
وصيغة افعل هاهنا بمعنى الوعيد والتهديد، و﴿على مكانتكم﴾ معناه على حالكم وطريقتكم، وقرأ أبو بكر
عن عاصم ((على مكاناتكم)) بجمع المكانة في كل القرآن، وقرأ الجميع بالإفراد في كل القرآن، و﴿مَنْ﴾
يتوجه أن يكون بمعنى الذي، فتكون في موضع نصب بـ ﴿تعلمون﴾، ويتوجه أن يكون استفهاماً في موضع
رفع بالابتداء والخبر في قوله ﴿تكون له﴾، و﴿عاقبة الدار﴾ أي مآل الآخرة، ويحتمل أن يراد مآل الدنيا
بالنصر والظهور ففي الآية إعلام بغيب، ثم جزم الحكم بـ ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ أي ينجح سعيهم، وقرأ
حمزة والكسائي من ((يكون له عاقبة)) بالياء ها هنا وفي القصص على تذكير معنى العاقبة.
قوله عز وجل :
وَجَعَلُوْلِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَاُلْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعِْهِمْ وَهَذَا
لِشُرَكَبِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَ كَآَبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ
يَصِلُ إِلَ شُرَكَابِهِمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
٣٦
الضمير في ﴿جعلوا﴾ عائد على كفار العرب العادلين بربهم الأوثان الذين تقدم الرد عليهم من أول
السورة، و﴿ذرأ﴾ معناه خلق وأنشأ وبث في الأرض، يقال ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءاً وذروءاً أي خلقهم،
وقوله وجعلوا من كذا وكذا نصيباً يتضمن بقاء نصيب آخر ليس بداخل في حكم الأول، فبينه بقوله:
﴿فقالوا هذا الله وهذا لشركائنا﴾، ثم اعترضهم أثناء القول بأن ذلك زعم وتقول، والزعم في كثير كلام
العرب أقرب إلى غير اليقين والحق، يقال ((زَعم)) بفتح الزاي وبه قرأت الجماعة، ((وزُعم)) بضمها، وقرأ
الكسائي وحده في هذه الآية ((زِعم)) بكسر الزاي، ولا أحفظ أحداً قرأ به و ﴿الحرث﴾ في هذه الآية يريد به الزرع
والأشجار وما يكون من الأرض، وقوله ﴿لشركائنا﴾ يريد به الأصنام والأوثان، وسموهم شركاء على
معتقدهم فيهم أنهم بساهمونهم في الخير والشر ويكسبونهم ذلك، وسبب نزول هذه الآية أن العرب كانت
تجعل من غلّاتها وزرعها وثمارها ومن أنعامها جزءاً تسميه لله وجزءاً تسميه لأصنامها، وكانت عادتها
التحفي والاهتبال بنصيب الأصنام أكثر منها بنصيب الله إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فقر وليس ذلك بالله
فكانوا إذا جمعوا الزرع فهبت الريح فحملت من الذي لله إلى الذي لشركائهم أقروه، وإذا حملت من الذي
لشركائهم إلى الله ردوه، وإذا تفجر من سقي ما جعلوا لله في نصيب شركائهم تركوه، وإن بالعكس سدوه،

٠
٣٤٩
تفسير سورة الأنعام / الآية : ١٣٧
وإذا لم يصيبوا في نصيب شركائهم شيئاً قالوا لا بد للآلهة من نفقة فيجعلون نصيب الله تعالى في ذلك.
قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم أنهم كانوا يفعلون هذا ونحوه من الفعل وكذلك
في الأنعام وكانوا إذا أصابتهم السنة أكلوا نصيب الله وتحاموا نصيب شركائهم، وقوله تعالى: ﴿فما كان
لشركائهم﴾ الآية قال جمهور المتأولين إن المراد بقوله ﴿فلا يصل﴾ وقوله ﴿يصل﴾ ما قدمنا ذكره من
حمايتهم نصيب آلهتهم في هبوب الريح وغير ذلك، وقال ابن زيد إنما ذلك في أنهم كانوا إذا ذبحوا لله
ذكروا آلهتهم على ذلك الذبح وإذا ذبحوا لآلهتهم لم يذكروا الله، فكأنه قال ((فلا يصل)» إلى ذكر الله وقال
فهو ((يصل)) إلى ذكر شركائهم، و﴿ما﴾ في موضع رفع كأنه قال ساء الذي يحكمون، ولا يتجه عندي أن
يجري هنا ﴿ساء﴾ مجرى نعم وبئس لأن المفسر هنا مضمر ولا بد من إظهاره باتفاق من النحاة، وإنما اتجه
أن تجري مجرى بئس في قوله ﴿ساء مثلاً القوم﴾ [الأعراف: ١٧٧]. لأن المفسر ظاهر في الكلام.
قوله عز وجل :
وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ
لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَّرُونَ
(١٣٧
((الكثير)) في هذه الآية يراد به من كان يئد من مشركي العرب، و((الشركاء)) ها هنا الشياطين الآمرون
بذلك المزينون له والحاملون عليه أيضاً من بني آدم الناقلين له عصراً بعد عصر إذ كلهم مشتركون في قبح
هذا الفعل وتباعته في الآخرة، ومقصد هذه الآية الذم للوأد والإنحاء على فعلته، واختلفت القراءة فقرأت
الجماعة سوى ابن عامر ((وكذلك زين)) بفتح الزاي ((قتلَ)) بالنصب ((أولادهم)) بكسر الدال ((شركاؤهم))،
وهذه أبين قراءة، وحكى سيبويه أنه قرأت فرقة ((وكذلك زين)) بضم الزاي ((قتل أولادِهم)) بكسر الدال
(شركاؤهم)) بالرفع.
قال القاضي أبو محمد: وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي والحسن وأبي عبد الملك قاضي الجند
صاحب ابن عامر، كأنه قال: زينه شركاؤهم قال سيبويه: وهذا كما قال الشاعر: [الطويل]
ليبك يزيد ضارعٌ لخصومة ومختبط مما يطيح الطوائح
كأنه قال يبكيه ضارع لخصومة، وأجاز قطرب أن يكون الشركاء في هذه القراءة ارتفعوا بالقتل كأن
المصدر أضيف إلى المفعول، ثم ذكر بعده الفاعل كأنه قال إن قتل أولادهم شركاؤهم كما تقول حبب إليَّ
رکوب الفرس زيد أي أن رکب الفرس زید.
قال القاضي أبو محمد: والفصيح إذا أضيف مصدر إلى مفعول أن لا يذكر الفاعل، وأيضاً فالجمهور
في هذه الآية على أن الشركاء مزينون لا قاتلون، والتوجيه الذي ذكر سيبويه هو الصحيح، ومنه قوله عز
وجل على قراءة من قرأ ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال﴾ [النور: ٣٦] بفتح الباء المشددة أي ((يسبَّح
رجال))، وقرأ ابن عامر ((وكذلك زين)) بضم الزاي ((قتلُ)) بالرفع ((أولادهم)) بنصب الدال ((شركائهم» بخفض

٣٥٠
تفسير سورة الأنعام / الآية: ١٣٨
الشركاء، وهذه قراءة ضعيفة في استعمال العرب، وذلك أنه أضاف القتل إلى الفاعل وهو الشركاء، ثم فصل
بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول ورؤساء العربية لا يجيزون الفصل بالظروف في مثل هذا إلا في
الشعر كقوله [أبو حية النميري]: [الوافر]
كما خُطَّ بكفِّ يوماً يهوديِّ يقارِبُ أو يزيلُ:
فكيف بالمفعول في أفصح الكلام؟ ولكن وجهها على ضعفها أنها وردت شاذة في بيت أنشده أبو
الحسن الأخفش وهو: [مجزوء الكامل]
فَزَجَجْتُهُ بِمِزَجَّةٍ زَجِّ القُلُوصَ أَبيَّ مزادة
وفي بيت الطرماح وهو قوله: [الطويل]
بواديهِ من قَرْعِ القِيُّ الكنائِن
يطفن بحوزيّ المرابعِ لَمْ يُرَغْ
والشركاء على هذه القراءة هم الذين يتأولون وأد بنات الغير فهم القاتلون، والصحيح من المعنى
أنهم المزينون لا القاتلون، وذلك مضمن قراءة الجماعة .
وقرأ بعض أهل الشام ورويت عن ابن عامر ((زِيْن)) بكسر الزاي وسكون الياء على الرتبة المتقدمة من
الفصل بالمفعول، وحكى الزهراوي أنه قرأت فرقة من أهل الشام ((وكذلك زين)) بضم الزاي ((قتلُ)) بالرفع
((أولادِهم)) بكسر الدال ((شركائهم)) بالخفض والشركاء على هذه القراءة هم الأولاد الموءودون لأنهم شركاء
في النسب والمواريث، وكأن وصفهم بأنهم شركاء يتضمن حرمة لهم وفيها بيان لفساد الفعل إذ هو قتل من
له حرمة. و﴿ليردوهم﴾ معناه ليهلكوهم من الردى، ﴿وليلبسوا﴾ معناه ليخلطوا، والجماعة على كسر
الباء، وقرأ إبراهيم النخعي ((وليلبسوا)) بفتح الباء، قال أبو الفتح: هي استعارة من اللباس عبارة عن شدة
المخالطة، وهذان الفعلان يؤيدان أول قراءة في ترتيبنا في قوله ﴿وكذلك زين﴾. وقوله تعالى: ﴿ولو شاء
الله ما فعلوه﴾ يقتضي أن لا شيء إلا بمشيئة الله عز وجل، وفيها رد على من قال بأن المرء يخلق أفعاله،
وقوله تعالى: ﴿فذرهم﴾ وعيد محض، و﴿يفترون﴾ معناه يختلقون من الكذب في تشرعهم بذلك
واعتقادهم أنها مباحات لهم.
قوله عز وجل :
وَقَالُواْ هَذِهِ، أَنْعَمُ وَحَرْثُ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّ مَن نَشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَلَمُ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا
وَأَنْعَهُ لَّ يَذْكُرُونَ أَسْمَ اُللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَآءَ عَلَيْهٍ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
١٣٨
هذه الآية تتضمن تعديد ما شرعوه لأنفسهم والتزموه على جهة القربة كذباً منهم على الله وافتراء
عليه، فوصف تعالى أنهم عمدوا إلى بعض أنعامهم وهي الإبل والبقر والغنم أو الإبل بانفرادها، وما غيرها
إذا انفرد فلا يقال له أنعام، وإلى بعض زروعهم وثمارهم، وسمي ذلك «حرثاً» إذ عن الحرث یکون، وقالوا
هذه حجر أي حرام، وقرأ جمهور الناس ((حِجْر)) بكسر الحاء وسكون الجيم، وقرأ قتادة والحسن والأعرج

٣٥١
تفسير سورة الأنعام / الآية : ١٣٩
-
((حُجْر)) بضم الحاء وسكون الجيم، وقرأ ابن عباس وأبيّ وابن مسعود وابن الزبير والأعمش وعكرمة
وعمرو بن دينار ((حِرْج)) بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم وسكونها، فالأولى والثانية بمعنى التحجير وهو
المنع والتحريم، والأخيرة من الحرج وهو التضييق والتحريم، وكانت هذه الأنعام على ما قال ابن زيد
محللة للرجال محرمة على النساء، وقيل كانت وقفاً لمطعم سدنة بيوت الأصنام وخدمتها، حكاه المهدوي،
فذلك المراد بقوله ﴿من نشاء﴾ وقوله ﴿بزعمهم﴾ أي بتقولهم الذي هو أقرب إلى الباطل منه إلى الحق،
و(زعمهم)) هنا هو في قولهم ((حجر)) وتحريمهم بذلك ما لم يحرم الله تعالى، وقرأ ابن أبي عبلة ((بزَعَمهم)) بفتح
الزاي والعين، وكذلك في الذي تقدم، ﴿وأنعام حرمت ظهورها﴾ كانت للعرب سنن، إذا فعلت الناقة كذا
من جودة النسل والمواصلة بين الإناث ونحوه حرم ظهورها فلم تركب وإذا فعل الفحل كذا وكذا حرم فعدد
الله ذلك على جهة الرد عليهم إذ شرعوا ذلك برأيهم وكذبهم، ﴿وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) قيل
كانت لهم سنة في أنعام ما أن لا يحج عليها فكانت تركب في كل وجه إلا في الحج، فذلك قوله ﴿وأنعام
لا يذكرون اسم الله عليها﴾ هذا قول جماعة من المفسرين.
ويروى ذلك عن أبي وائل، وقالت فرقة: بل ذلك في الذبائح يريد أنهم جعلوا لآلهتهم منها نصيباً لا
يذكرون الله على ذبحها، وقوله ﴿افتراء﴾ مصدر نصب على المفعول من أجله أو على إضمار فعل تقديره
يفترون ذلك، و﴿سيجزيهم﴾ وعيد بمجازاة الآخرة، والضمير في ﴿عليه﴾ عائد على اسم الله،
و﴿يفترون﴾ أي يكذبون ويختلفون.
قوله عز وجل :
وَقَالُواْمَا فِي بُطُونِ هَذِهِ اُلْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَ مُحَرَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَاً وَإِن يَكُنْ
مَّيْنَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءٌ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
١٣٩
هذه الآية تتضمن تعديد مذاهبهم الفاسدة، وكانت سنتهم في بعض الأنعام أن يحرموا ما ولدت على
نسائهم ويخصصونه لذكورهم، والهاء في ﴿خالصة﴾ قيل هي للمبالغة كما هي في رواية وغيرها، وهذا كما
تقول فلان خالصتي وإن كان باب هاء المبالغة أن يلحق بناء مبالغة كعلامة ونسابة وبصيرة ونحوه، وقيل هي
التأنيث الأنعام إذ ما في بطونها أنعام أيضاً، وقيل هي على تأنيث لفظ ﴿ما﴾ لأن ﴿ما﴾ واقعة في هذا الموضع
موقع قولك جماعة وجملة، وقرأ جمهور القراء والناس ((خالصةً)) بالرفع، وقرأ عبد الله بن مسعود وابن جبير
وابن أبي عبلة والأعمش ((خالصٌ)) دون هاء ورفع هاتين القراءتين على خبر الابتداء.
وقرأ ابن عباس بخلاف والأعرج وقتادة وسفيان بن حسين ((خالصةً)) بالنصب، وقرأ سعيد بن جبير
فيما ذكر أبو الفتح ((خالصاً))، ونصب هاتين القراءتين على أن الحال من الضمير الذي في قوله ﴿في بطون﴾،
وذلك أن تقدير الكلام: وقالوا ما استقر هو في بطون هذه الأنعام فحذف الفعل وحمل المجرور الضمير،
والحال من الضمير والعامل فيها معنى الاستقرار، قال أبو الفتح ويصح أن يكون حالاً من ﴿ما﴾ على مذهب!
أبي الحسن في إجازته تقديم الحال على العامل فيها، وقرأ ابن عباس أيضاً وأبو حيوة والزهري ((خالصه))
:

٣٥٢
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٤٠، ١٤١
بإضافة ((خالص)) إلى ضمير يعود على ﴿ما﴾، ومعناه ما خلص وخرج حياً، والخبر على قراءة من نصب
((خالصة)) في قوله ﴿الذكورنا﴾ والمعنى المراد بما في قوله ﴿ما في بطون﴾ قال السدي: هي الأجنة، وقال
ابن عباس وقتادة والشعبي: هو اللبن، قال الطبري واللفظ يعمهما، وقوله ﴿ومحرم﴾ يدل على أن الهاء في
﴿خالصة﴾ للمبالغة، ولو كانت التأنيث لقال ومحرمة، و﴿أزواجنا﴾ يريد به جماعة النساء التي هي معدة أن
تكون أزواجاً، قال مجاهد، وحكى الطبري عن ابن زيد أن المراد بـ ﴿أزواجنا﴾ البنات.
قال القاضي أبو محمد: وهذا يبعد تحليقه على المعنى، وقوله ﴿وإن يكن ميتة﴾ كان من سنتهم أن
ما خرج من الأجنة ميتاً من تلك الأنعام الموقوفة فهو حلال للرجال والنساء جميعاً وكذلك ما مات من الأنعام
الموقوفة نفسها، وقرأ ابن كثير ((وإن يكن)) بالياء ((ميتةٌ)) بالرفع فلم يلحق الفعل علامة التأنيث لما كان تأنيث
الفاعل المسند إليه غير حقيقي، والمعنى وإن وقع ميتة أو حدث ميتة، وقرأ ابن عامر ((وإن تكن)) بالتاء
((ميتةً)) بالرفع فألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل في اللفظ مؤنثاً، وأسند الفعل إلى الميتة كما فعل
ابن كثير، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه ((تكن)» بالتاء «ميتةً)) بالنصب فأنث وإن كان المتقدم مذكراً لأنه
حمله على المعنى.
قال القاضي أبو محمد: فالتقدير وإن تكن النسمة أو نحوها ميتة، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة
والكسائي وعاصم في رواية حفص ((يكن)) بالياء (ميتةً)) بالنصب، فذكروا الفعل لأنهم أسندوه إلى ضمير ما
تقدم من قوله ﴿ما في بطون هذه الأنعام) وهو مذكر، وانتصبت الميتة على الخبر، قال أبو عمرو بن العلاء
ويقوي هذه القراءة قوله ﴿فهم فيه﴾ ولم يقل فيها، وقرأ يزيد بن القعقاع ((وإن تكن ميّتة)) بالتشديد، وقرأ
عبد الله بن مسعود ((فهم فيه سواء))، ثم أعقب تعالى بوعيدهم على ما وصفوا أنه من القربات إلى الله تعالى
وشرعوه من الباطل والإفك ﴿إنه حكيم﴾ أي في عذابهم على ذلك ﴿عليم) بقليل ما تقوّلوه من ذلك
و كثيره .
قوله عز وجل :
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَآءَ عَلَى اللَّهِّ قَدْ
ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ()وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُ وشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُ وشَتٍ وَالنَّخْلَ
وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَبِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا
١٤١
ج
أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلَا تُشْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
هذا لفظ يتضمن التشنيع بقبح فعلهم والتعجب من سوء حالهم في وأدهم البنات وحجرهم الأنعام
والحرث، قال عكرمة: وكان الواد في ربيعة ومضر.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وكان جمهور العرب لا يفعله، ثم إن فاعليه كان منهم من
يفعله خوف العيلة والإقتار وكان منهم من يفعله غيرة مخافة السباء وقرأ ابن عامر وابن كثير: ((قتّلوا) بتشديد

٣٥٣
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٤١،١٤٠
التاء على المبالغة وقرأ الباقون: ((قتلوا)) بتخفيفها و﴿ما رزقهم الله﴾: هي تلك الأنعام والغلات التي توقف
بغير شرع ولا مثوبة في معاد بل بالافتراء على الله والكذب و﴿قد ضلوا﴾ إخباراً عنهم بالحيرة وهو من
التعجيب بمنزلة قوله ﴿قد خسر﴾، ﴿وما كانوا﴾ يريد في هذه الفعلة ويحتمل أن يريد: وما كانوا قبل
ضلالهم بهذه الفعلة مهتدين ولكنهم زادوا بهذه الفعلة ضلالاً وقوله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات
معروشات) الآية هذا تنبيه على مواضع الاعتبار و﴿أنشأ﴾ معناه خلق واخترع و((الجنة)): مأخوذة من جن
إذا ستر، و﴿معروشات﴾ قال ابن عباس: ذلك في ثمر العنب، ومنها ما عرش وسمك ومنها ما لم يعرش
وقال السدي ((المعروشات)) ما عرش كهيئة الكرم، وغيره البساتين وقيل: المعروش هو ما يعترشه بنو آدم من
أنواع الشجر وغير المعروش ما يحدث في الجبال والصحراء ونحو ذلك وقيل: المعروش ما خلق بحائط
وغير المعروش ما لم يخلق، و﴿مختلفاً﴾: نصب على الحال على تقدير حصول الاختلاف في ثمرها لأنها
حين الإنشاء لا ثمرة فيها فهي حال مقدرة تجيء بعد الإنشاء، و﴿متشابهاً﴾ يريد في المنظر، ﴿وغير
متشابه﴾ في المطعم قاله ابن جريج وغيره وقوله ﴿كلوا من ثمره﴾ نفس الإباحة وهو مضمن الإشارة إلى
النعمة بذلك، ويقرأ ((من ثُمره)) بضم الثاء وقد تقدم، ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ فقالت طائفة من أهل
العلم: هي في الزكاة المفروضة منهم ابن عباس وأنس بن مالك والحسن بن أبي الحسن وطاوس وجابر بن
زيد وسعيد بن المسيب وقتادة ومحمد بن الحنفية والضحاك وزيد بن أسلم وابنه، وقاله مالك بن أنس.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قول معترض بأن السورة مكية وهذه الآية على قول
الجمهور غير مستثناة، وحكى الزجّاج أن هذه الآية قيل فيها إنها نزلت بالمدينة، ومعترض أيضاً بأنه لا زكاة
فيما ذكر من الرمان وجميع ما هو في معناه، وقال ابن الحنفية أيضاً وعطاء ومجاهد وغيرهم من أهل العلم:
بل قوله ﴿وآتوا حقه﴾ ندب إلى إعطاء حقوق من المال غير الزكاة، والسنة أن يعطي الرجل من زرعه عند
الحصاد وعند الذرو وعند تكديسه في البيدر، فإذا صفا وكال أخرج من ذلك الزكاة، وقال الربيع بن أنس
حقه إباحة لقط السنبل، وقالت طائفة كان هذا حكم صدقات المسلمين حتى نزلت الزكاة المفروضة
فنسختها .
وروي هذا عن ابن عباس وابن الحنفية وإبراهيم والحسن، وقال السدي في هذه السورة مكية
نسختها الزكاة فقال له سفيان عمن قال عن العلماء.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والنسخ غير مترتب في هذه الآية، لأن هذه الآية وآية الزكاة لا
تتعارض بل تنبني هذه على الندب وتلك على الفرض، وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي ((حصاده)»،
وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر ((حَصاده)) بفتح الحاء وهما لغتان في المصدر، وقوله تعالى: ﴿ولا
تسرفوا﴾ الآية، من قال إن الآية في الزكاة المفروضة جعل هذا النهي عن الإسراف إما للناس عن التمنع
عن أدائها لأن ذلك إسراف من الفعل وقاله سعيد بن المسيب، وإما للولاة عن التشطط على الناس والإذاية
لهم فذلك إسراف من الفعل، وقاله ابن زيد، ومن جعل الآية على جهة الندب إلى حقوق غير الزكاة ترتب
له النهي عن الإسراف في تلك الحقوق لما في ذلك من الإجحاف بالمال وإضاعته.

٣٥٤
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٤٣،١٤٢
وروي أن الآية نزلت بسبب لأن ثابت بن قيس بن شماس حصد غلة له.فقال والله لا جاءفي اليوم أحد
إلا أطعمته فأمسى وليس عنده ثمرة، فنزلت هذه الآية، وقال أبو العالية كانوا يعطون شيئاً عند الحصاد ثم
تباروا وأسرفوا فنزلت الآية، ومن قال إنها منسوخة ترتب له النهي في وقت حكم الآية.
قوله عز وجل :
وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُوْلَةٌ وَفَرْشَاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَينِ الشَّيْطَنِ إِنَّهُ
ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ مِّنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْرِ اثْنَيْنِّ قُلْءَالذَّكَرَيْنِ
١٤٢
لَكُمْ عَدُمُبِينٌ
حَزَّمَ أَمِ الْأُنثَّيَيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَِّّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
١٤٣
﴿حمولة﴾ عطف على ﴿جنات معروشات﴾ [الأنعام: ١٤١] التقدير وأنشأنا من الأنعام حمولة،
والحمولة ما تحمل الأثقال من الإبل والبقر عند من عادته أن يحمل عليها والهاء في ﴿جمولة﴾ للمبالغة،، وقال
الطبري هو اسم جمع لا واحد من لفظه، و ((الفرش)) ما لا يحمل ثقلاً كالغنم وصغار البقر والإبل، هذا هو
المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وغيرهم، يقال له الفرش والفريش، وذهب بعض الناس إلى
أن تسميته ﴿فرشاً﴾ إنما هي لوطاءته وأنه مما يمتهن ويتوطأ ويتمكن من التصرف فيه إذ قرب جسمه من:
الأرض.
وروي عن ابن عباس أنه قال: ((الحمولة)) الإبل والخيل والبغال والحمير، ذكره الطبري.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا منه تفسير لنفس اللفظة لا من حيث هي في هذه الآية،
ولا تدخل في الآية لغير الأنعام وإنما خصت بالذكر من جهة ما شرعت فيها العرب، وقوله ﴿مما رزقكم)
نص إباحة وإزالة ما سنه الكفار من البحيرة والسائبة وغير ذلك، ثم تابع النهي عن تلك السنن الآفكة بقوله
﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ وهي جمع خطوة أي لا تمشوا في طرقه المضِلَّة، وقد تقدم في سورة البقرة
اختلاف القراء في ((خطوات))، ومن شاذها قراءة علي رضي الله عنه والأعرج وعمرو بن عبيد ((خُطُؤات))
بضم الخاء والطاء وبالهمزة، قال أبو الفتح وذلك جمع خطأة من الخطأ ومن الشاذ قراءة أبي السمال
((خطوات) بالواو دون همزة وهو جمع خطوة وهي ذرع ما بين قدمي الماشي، ثم علل النهي عن ذلك بتقرير
عداوة الشيطان لابن آدم، وقوله تعالى ﴿ثمانية﴾ اختلف في نصبها فقال الأخفش علي بن سليمان بفعل
مضمر تقديره كلوا لحم ثمانية أزواج فحذف الفعل والمضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل نصب على
البدل من ما في قوله ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾، وقيل نصبت على الحال، وقيل نصبت على البدل من قوله
﴿حمولة وفرشاً﴾، وهذا أصوب الأقوال وأجراها مع معنى الآية، وقال الكسائي نصبها ﴿أنشأ﴾
[الأنعام: ١٤١] والزوج الذكر والزوج الأنثى كل واحد منهما زوج صاحبه، وهي أربعة أنواع فتجيء ثمانية
أزواج، و﴿الضأن) جمع ضائنة وضائن، وقرأ طلحة بن مصرف وعيسى بن عمر والحسن من ((الضأن)) بفتح
الهمزة، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي ((ومن المعْز)) بسكون العين وهو جمع ماعز وماعزة، وقرأ ابن
کثیر وأبو عمرو وابن عامر ((ومن المعز)) بفتح العين فضأن ومعز كراكب وركب وتاجر وتجر وضان ومعز كخادم
/

٣٥٥
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٤٤، ١٤٥
وخدم ونحوه، وقرأ أبان بن عثمان ((من الضأن اثنان)) على الابتداء والخبر المقدم، ويقال في جمع ماعز معز
ومعز ومعيز وأمعوز وقوله تعالى: ﴿قل الذكرين﴾ هذا تقسيم على الكفار حتى يتبين كذبهم على الله، أي لا
بد أن یکون حرم الذکرین فیلزمکم تحریم جمیع الذکور أو الأنثیین فیلزمکم تحریم جمیع الإناث، أم ما
اشتملت عليه أرحام الأنثيين فيلزمكم تحريم الجميع وأنتم لم تلتزموا شيئاً مما يوجبه هذا التقسيم، وفي
هذه السؤالات تقرير وتوبيخ ثم اتبع تقريرهم وتوبيخهم بقوله ﴿نبئوني﴾ أخبروني ﴿بعلم﴾ أي من جهة
نبوءة أو كتاب من كتب الله ﴿إن كنتم صادقين﴾ و﴿إن﴾ شرط وجوابه في ﴿نبئوني﴾، وجاز تقديم جواب
هذا الشرط لما كانت ﴿إن﴾ لا يظهر لها عمل في الماضي، ولو كانت ظاهرة العمل لما جاز تقدم الجواب.
قوله عز وجل :
وَمِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ اُلْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ
أَرْحَامُ الْأَنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّنكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى
عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
١٤٤
القول في هذه الآية في المعنى وترتيب التقسيم كالقول المتقدم في قوله ﴿من الضأن اثنين ومن المعز
اثنين﴾ [الأنعام: ١٤٣] وكأنه قال أنتم الذين تدعون أن الله حرم خصائص من هذه الأنعام لا يخلو تحريمه
من أن يكون في ﴿الذكرين﴾ أو فيما ﴿اشتملت عليه أرحام الأنثيين) لكنه لم يحرم لا هذا ولا هذا فلم يبق إلا
أنه لم یقع تحریم.
وقوله تعالى: ﴿أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا﴾ الآية استفهام على جهة التوبيخ، إذ لم يبق لهم
الادعاء المحال والتقوّل أنهم شاهدوا وصية الله لهم بهذا، و﴿شهداء﴾ جمع شهيد، ثم تضمن قوله
تعالى: ﴿فمن أظلم﴾ ذكر حال مفتري الكذب على الله وتقرير إفراط ظلمه، وقال السدي: كان الذين سيبوا
وبحروا يقولون: الله أمرنا بهذا ثم بيّن تعالى سوء مقصدهم بالافتراء لأنه لو افترى أحد فرية على الله لغير
معنى لكان ظلماً عظيماً فكيف إذا قصد بهما إضلال أمة. وقد يحتمل أن تكون اللام في ﴿ليضل﴾ لام
صيرورة، ثم جزم الحكم لا رب غيره بأنه ﴿لا يهدي القوم الظالمين)، أي لا يرشدهم، وهذا عموم في
الظاهر وقد تبين تخصيصه مما يقتضيه الشرع أن الله يهدي ظلمة كثيرة بالتوبة .
قوله عز وجل :
قُل لَّا أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْدَمَا مَّسْفُوحًا أَوْ
لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِبِهِ، فَمَنِ اضْطَرَ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ
١٤٥
غَفُورٌ رَّحِيمٌ
هذا أمر من الله عز وجل بأن يشرع للناس جميعاً ويبين عن الله ما أوحي إليه، وهذه الآية نزلت بمكة

٣٥٦
تفسير سورة الأنعام/الآية: ١٤٥
ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد
في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، فإن هذه وإن كانت في حكم الميتة فكان في النظر
احتمال أن تلحق بالمذكيات لأنها بأسباب وليست حتف الأنف، فلما بين النص إلحاقها بالميتة كانت زيادة
في المحرمات، ثم نزل النص على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم الخمر بوحي غير مُنْجَز،
وبتحريم كل ذي ناب من السباع، فهذه كلها زيادات في التحريم ولفظة التحريم إذا وردت على لسان
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور إلى غاية المنع والحظر، وصالحة
بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهية ونحوها، فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة
المتأولين وأجمع عليه الكل منهم ولم يضطرب فيه ألفاظ الأحاديث وأمضاه الناس على إذلاله وجب بالشرع
أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر وما
اقترنت به قرينة ألفاظ الحديث واختلفت الأمة فيه مع علمهم بالأحاديث كقوله عليه السلام ((كل ذي ناب
من السباع حرام)).
وقد روي عنه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ثم اختلف
الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يجمل لفظ التحريم على المنع الذي
هو الكراهية ونحوها، وما اقترنت به قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الإنسية فتأول بعض
الصحابة الحاضرين ذلك لأنها لم تخمس، وتأول بعضهم أن ذلك لئلا تفنى حمولة الناس، وتأول بعضهم
التحريم المحض وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها فجائز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ
التحريم بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها.
وروي عن ابن عامر أنه قرأ ((فيما أُوحَى إلي)) بفتح الهمزة والحاء وقرأ جمهور الناس يطعمه وقرأ أبو
جعفر محمد بن علي ((يطّعِمه)) بتشديد الطاء وكسر العين، وقرأ محمد بن الحنفية وعائشة وأصحاب عبد الله
((طعمه)) بفعل ماض، وقرأ نافع والكسائي وأبو عمر وعاصم ((إلا أن يكون)) بالياء على تقدير إلا أن يكون
المطعوم، وقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو أيضاً (إلا أن تكون)) بالتاء من فوق (ميتة) على تقدير إلا أن تكون
المطعومة، وقرأ ابن عامر وحده وذكرها مكي عن أبي جعفر ((إلا أن تكون)) بالتاءُ ((ميتةً)) بالرفع على أن تجعل
((تكون)) بمعنى تقع، ويحتاج على هذه القراءة أن يعطف ﴿أو دماً﴾ على موضع ((أن تكون))، لأنها في
موضع نصب بالاستثناء، والمسفوح الجاري الذي يسيل وجعل الله هذا فرقاً بين القليل والكثير،
والمنسفح، السائل من الدم ونحوه، ومنه قول الشاعر وهو طرفة:
إذا ما عَادُهُ مِنّا نِساءٌ سَفَحْنَ الدِّمْعَ مِنْ بِعْدِ الرَّبِينِ
وقول امرىء القيس: وإن شفائي عبرة إن سفحتها.
فالدم المختلط باللحم والدم الخارج من مرق اللحم وما شاكل هذا حلال والدم غير المسفوح هو
هذا وهو معفوّ عنه، وقيل لأبي مجلز في القدر تعلوها الحمرة من الدم قال: إنما حرم الله المسفوح، وقالت
نحوه عائشة وغيرها وعليه إجماع العلماء.

٣٥٧
:
تفسير سورة الأنعام / الآية : ١٤٦
وقيل: الدم حرام لأنه إذا زايل فقد انسفخ، و((الرجس)) النتن والحرام، يوصف بذلك الأجرام والمعاني كما
قال عليه السلام: دعوها فإنها منتنة؛ الحديث، فكذلك قيل في الأزلام والخمر رجس، والرجس أيضاً
العذاب لغة بمعنى الرجز، وقوله ﴿أو فسقاً﴾ يريد ذبائحهم التي يختصون بها أصنامهم، وقوله تعالى:
﴿فمن اضطر﴾ الآية، أباح الله فيها مع الضرورة ركوب المحظور دون بغي.
واختلف الناس فيم ذا فقالت فرقة دون أن يبغي الإنسان في أكله فيأكل فوق ما يقيم رمقه وينتهي إلى
حد الشبع وفوقه، وقالت فرقة: بل دون أن يبغي في أن يكون سفره في قطع طريق أو قتل نفس أو يكون
تصرفه في معصية فإن ذلك لا رخصة له، وأما من لم يكن بهذه الأحوال فاضطر فله أن يشبع ويتزود، وهذا
مشهور قول مالك بن أنس رحمه الله، وقال بالأول الذي هو الاقتصار على سد الرمق عبد المالك بن حبيب
رحمه الله، وقوله ﴿فإن ربك غفور رحيم﴾ إباحة تعطيها قوة للفظ.
قوله عز وجل :
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواحَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَاُلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا
إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْمَا أَخْتَلَطَ بِعَظٍُّ ذَلِكَ جَزَيْنَهُمِ بِبَغْيِمٌ وَإِنَّا
لَصَدِقُونَ
١٤٦
لما ذكر الله عز وجل ما حرم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعقب ذلك بذكر ما حرم على
اليهود لما في ذلك من تكذيبهم في قولهم إن الله لم يحرم علينا شيئاً وإنما حرمنا على أنفسنا ما حرمه
إسرائيل على نفسه، وقد تقدم القول في سورة البقرة في ﴿هادوا﴾ ومعنى تسميتهم يهوداً، و﴿كل ذي
ظفر﴾ يراد به الإبل والنعام والإوز ونحوه من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع وله ظفر، وقال أبو زيد:
المراد الإبل خاصة وهذا ضعيف التخصيص، وذكر النقاش عن ثعلب أن كل ما لا يصيد فهو ذو ظفر وما
یصید فهو ذو مخلب.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا غير مطرد لأن الأسد ذو ظفر، وقرأ جمهور الناس ((ظُفُر))
بضم الظاء والفاء، وقرأ الحسن والأعرج ((ظفْر)) بسكون الفاء، وقرأ أبو السمال قعنب ((ظِفْر)) بكسر الظاء
وسكون الفاء .
وأخبرنا الله عز وجل في هذه الآية بتحريم الشحوم على بني إسرائيل وهي الثروب وشحم الكلى وما
كان شحماً خالصاً خارجاً عن الاستثناء الذي في الآية.
واختلف العلماء في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائح اليهود فحكى ابن المنذر في الأشراف عن
مالك وغيره منع أكل الشحم من ذبائح اليهود وهو ظاهر المدونة.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا على القول في قوله عز وجل: ﴿وطعام الذين أوتوا
الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] بأنه المطعوم من ذبائحهم وأما ما لا يحل لهم فلا تقع عليه ذكاة بل هو

٣٥٨
تفسير سورة الأنعام / الآية: ١٤٦
كالدم في ذبائح المسلمين، وعلى هذا القول يجيء قول مالك رحمه الله في المدونة فيما ذبحه اليهودي
مما لا يحل لهم كالجمل والأرنب أنه لا يؤكل.
وروي عن مالك رحمه الله كراهية الشحم من ذبائح أهل الكتاب دون تحريم وأباح بعض الناس
الشحم من ذبائح أهل الكتاب وذبحهم ما هو عليهم حرام إذا أمرهم بذلك مستنيباً أو نحوه.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا على أن يجعل قوله ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾
[المائدة: ٥] يراد به الذبائح فمتى وقع الذبح على صفته وقعت الإباحة، وهذا قول ضعيف لأنه جرد لفظة. ﴿وطعام﴾
من معنى أن تكون مطعوماً لأهل الكتاب وخلصها لمعنى الذبح وذلك حرج لا يتوجه، وأما الطريق فجرمه
قوم وكرهه قوم وأباحه قوم وخففه مالك في المدونة ثم رجع إلى منعه، وقال ابن حبيب ما كان محرماً عليهم
وعلمنا ذلك من كتابنا فلا يحل لنا من ذبائحهم، وما لم نعلم تحريمه إلا من أقوالهم فهو غير محرم علينا من
ذبائحهم، وقوله ﴿إلا ما حملت ظهورهما﴾ يريد ما اختلط باللحم في الظهر والأجناب ونحوه، قال السدي
وأبو صالح : الألیات مما حملت ظهورهما ﴿أو الحوایا﴾ قال هو جمع حویة علی وزن فعلية، فوزن ((حوایا)»
على هذا فعائل كسفينة وسفائن، وقيل هو جمع حاوية على وزن فاعلة، فحوايا على هذا فواعل كضاربة
وضوارب وقيل جمع حاوياء، فوزنها على هذا أيضاً فواعل كقاصعاء وقواصع وأما ((الحوايا)) على الوزن
الأول فأصلها حوابي فقلب الياء الأخيرة ألفاً فانفتحت لذلك الهمزة ثم بدلت ياء، وأما على الوزنين
الأخيرين فأصل ((حوايا)) حواوي وبدلت الوو الثانية همزة، والحوية ما تحوى في البطن واستدار وهي
المصارين والحشوة ونحوهما، وقال مجاهد وقتادة وابن عباس والسدي وابن زيد: ((الحوايا)) المباعر وقال
بعضهم: هي المرابط التي تكون فيها الأمعاء وهي بنات اللبن، وقوله ﴿أو ما اختلط بعظم﴾ يريد في سائر
الشخص، و﴿الحوايا﴾ معطوف على ﴿ما﴾ في قوله ﴿إلا ما حملت﴾ فهي في موضع نصب عطفاً على
المنصوب بالاستثناء، وقال الكسائي ﴿الحوايا﴾ معطوف على الظهور، كأنه قال ((إلا ما حملت ظهورهما أو
حملت الحوايا))، وقال بعض الناس ﴿الحوايا﴾ معطوف على الشحوم.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وعلى هذا تدخل ﴿الحوايا) في التحريم، وهذا قول لا يعضده
اللفظ ولا المعنى بل يدفعانه، وقوله تعالى: ﴿ذلك جزيناهم بيغيهم﴾ ﴿ذلك﴾ في موضع .. وفع
وجزيناهم بيغيهم﴾ يقتضي أن هذا التحريم إنما كان عقوبة لهم على ذنوبهم وبغيهم واستعصائهم على
الأنبياء، وقوله ﴿وإنَّا لصادقون﴾ إخبار يتضمن التعريض بكذبهم في قولهم ما حرم الله علينا شيئاً وإنما
اقتدينا بإسرائيل فيما حرم على نفسه ويتضمن إدحاض قولهم ورده عليهم.
قوله عز وجل:
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُورَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
١٤٧)
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوْلَوَّشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ

٣٥٩
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٤٧، ١٤٨
صِے
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ بَأَسَنَا قُلْ هَلْ عِندَ كُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّ
١٤٨
اُلَكَنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
يريد ﴿فإن كذبوك﴾ فيما أخبرت به أن الله حرمه عليهم وقالوا لم يحرم الله علينا شيئاً وإنما حرمنا ما
حرم إسرائيل على نفسه، قال السدي وهذه كانت مقالتهم ﴿فقل﴾ يا محمد على جهة التعجب من حالهم
والتعظيم لفريتهم في تكذيبهم لك مع علمهم بحقيقة ما قلت، ﴿ربكم ذو رحمة واسعة﴾، إذ لا يعاجلكم
بالعقوبة مع شدة جرمكم .
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا كما تقول عند رؤية معصية أو أمر مبغي ما أحلم الله،
وأنت تريد لإمهاله على مثل ذلك في قوله ﴿ربكم ذو رحمة واسعة﴾ قوة وصفهم بغاية الاجترام وشدة
الطغيان، ثم أعقب هذه المقالة بوعيد في قوله ﴿ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين﴾ فكأنه قال: ولا تغتروا
أيضاً بسعة رحمته فإن له بأساً لا يرد عن المجرمين إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانسها من
آيات مكة مرتفع حكمه بالقتال، وأخبر الله عز وجل نبيه عليه السلام: أن المشركين سيحتجون لصواب ما
هم عليه من شركهم وتدينهم بتحريم تلك الأشياء بإمهال الله تعالى وتقريره حالهم وأنه لو شاء غير ذلك لما
تركهم على تلك الحال.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وبين أن المشركين لا حجة لهم فيما ذكروه لأنّا نحن نقول: إن
الله عز وجل لو شاء ما أشركوا ولكنه عز وجل شاء إشراكهم وأقدرهم على اكتساب الإشراك والمعاصي
ومحبته والاشتغال به ثم علق العقاب والثواب على تلك الأشياء والاكتسابات، وهو الذي يقتضيه ظواهر
القرآن في قوله ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ [التوبة: ٨٢ -٩٥] ونحو ذلك، ويلزمهم على احتجاجهم أن
تكون كل طريقة وكل نحلة صواباً، إذ كلها لو شاء الله لم تكن.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقال بعض المفسرين: إنما هذه المقالة من المشركين على
جهة الاستهزاء، وهذا ضعيف، وتعلقت المعتزلة بهذه الآية فقالت: إن الله قد ذم لهم هذه المقالة وإنما
ذمها لأن كفرهم ليس بمشيئة الله تعالى بل هو خلق لهم.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وليس الأمر على ما قالوا، وإنما ذم الله تعالى ظن المشركين
أن ما شاء الله لا يقع عليه عقاب وأما أنه ذم قولهم: لولا المشيئة لم نكفر فلا، ثم قال ﴿كذلك كذب الذين
من قبلهم) وفي الكلام حذف يدل عليه تناسق الكلام، كأنه قال: سيقول المشركون كذا وكذا وليس في
ذلك حجة لهم، ولا شيء يقتضي تكذيبك ولكن ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم﴾ بنحو هذه الشبهة من
ظنهم أن ترك الله لهم دليل على رضاه بحالهم، وفي قوله ﴿حتى ذاقوا بأسنا﴾ وعيد بيّن، وليس في الآية رد
منصوص على قولهم: لو شاء الله ما أشركنا، وإنما ترك الرد عليهم مقدراً في الكلام لوضوحه وبيانه، وقوله
﴿ولا آباؤنا﴾ معطوف على الضمير المرفوع في ﴿أشركنا﴾ والعطف على الضمير المرفوع لا يرده قياس،
بخلاف المظنون، لكن سيبويه قد قبح العطف على الضمير المرفوع، ووجه قبحه أنه لما بني الفعل صار

٣٦٠
تفسير سورة الأنعام / الإيمان : : ١٤٩، ١٥٠
كحرف من الفعل فقبح العطف عليه لشبهه بالحرف، وكذلك كقولك: قمت وزيد، لأن تأكيده فيه يبين
معنى الاسمية، ويذهب عنه شبه الحرف، وحسن عند سيبويه العطف في قوله ﴿ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ لما
طال الكلام، بـ ﴿لا﴾، فكان معنى الاسمية اتضح واقتضت - لا ما يعطف بعدها وقوله تعالى: ﴿قل هل
عندكم من علم﴾ الآية: المعنى قل يا محمد للكفرة: هل عندكم من علم من قبل الله تعالى فتبينوه حتى
تقوم به الحجة، و﴿من﴾ في قوله ﴿من علم﴾ زائدة مؤكدة وجاءت زيادتها لأن الاستفهام داخل في غير
الواجب، ﴿إن تتبعون إلا الظن﴾ أي لا شيء عندكم إلا الظن وهو أكذب الحديث.
:
وقرأ جمهور الناس: ((تتبعون)) على المخاطبة، وقرأ النخعي وإبراهيم وابن وثاب: ((إن يتبعوا)) بالياء
حكاية عنهم.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه قراءة شاذة يضعفها قوله ﴿وإن أنتم﴾ و﴿تخرصون﴾
معناه: تقدرون وتظنون وترجمون.
قوله عز وجل :
قُلْ فِّهِ اَ لْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَوْ شَآءَ لَهَدَ نَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءُ كُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ
اُللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا
١٥٠
وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِ لُون
ثم أعقب تعالى أمره نبيه صلى الله عليه وسلم بتوقيف المشركين على موضع عجزهم بأمره إياه بأن
يقول مبيناً مفصحاً ﴿فلله الحجة البالغة﴾ يريد البالغة غاية المقصد في الأمر الذي يحتج فيه، ثم أعلم بأنه
لو شاء لهدی العالم بأسره.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه الآية ترد على المعتزلة في قولهم إن الهداية والإيمان
إنما هي من العبد لا من الله، فإن قالوا معنى ﴿لهداكم﴾ لاضطركم إلى الهدى فسد ذلك بمعتقدهم أن الإيمان
الذي يريد الله من عباده ويثيب عليه ليس الذي يضطر إليه العبد، وإنما هو عندهم الذي يقع من العبد
وحده، و﴿هلم﴾ معناها هات، وهي حينئذ متعدية، وقد تكون بمعنی أقبل، فهي حينئذ لا تتعدى، وبعض
العرب يجعلها اسماً للفعل كرويدك، فيخاطب بها الواحد والجميع والمذكر والمؤنث على حد واحد،
وبعض العرب يجعلها فعلاً فيركب عليها الضمائر فيقول هلم يا زيد وهلموا أيها الناس وهلمي يا هند ونحو
هذا، وذكر اللغتين أبو علي في الإغفال، وقال أبو عبيدة اللغة الأولى لأهل العالية واللغة الثانية لأهل نجد،
وقال سيبويه والخليل: أصلها هالم، وقال بعضهم: أصلها هالمم، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين فجاء
هلمم فحذف من قال أصلها هالم وأدغم من قال أصلها هلمم على غير قياس، ومعنى هذه الآية قل هاتوا
شهداءكم على تحريم الله ما زعمتم أنه حرمه، ثم قال الله تعالى لنبيه عليه السلام ﴿فإن شهدوا﴾ أي فإن
افترى لهم أحداً وزور شهادة أو خبراً عن نبوة ونحو ذلك فتجنب أنت ذلك ولا تشهد معهم.