Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٦٣، ٦٤ والمراد بذلك الملائكة الموكلون بكتب الأعمال، وروي أنهم الملائكة الذين قال فيهم النبي عليه السلام ((تتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)) وقاله السدي وقتادة، وقال بعض المفسرين ﴿حفظة﴾ يحفظون الإنسان من كل شيء حتى يأتي أجله، والأول أظهر، وكلهم غير حمزة قرأ (توفيه رسلنا)) على تأنيث لفظ الجمع. كقوله عز وجل: ﴿ولقد كذبت رسل من قبلك﴾ [الأنعام: ٣٤] وقرأ حمزة ((توفاه رسلنا))، وحجته أن التأنيث غير حقيقي، وظاهر الفعل أنه ماضٍ كقوله تعالى: ﴿وقال نسوة﴾ [يوسف: ٣٠] ويحتمل أن يكون بمعنى تتوفاه فتكون العلامة مؤنثة، وأمال حمزة من حيث خط المصحف بغير ألف فكأنها إنما كتبت على الإمالة، وقرأ الأعمش ((يتوفيه رسلنا)) بزيادة ياء في أوله والتذكير، وقوله تعالى: ﴿رسلنا﴾ يريد به على ما ذكر ابن عباس وجميع أهل التأويل ملائكة مقترنين بملك الموت يعاونونه ويأتمرون له، وقرأ جمهور الناس ((لا يفرّطون)) بالتشديد، وقرأ الأعرج ((يفرطون)) بالتخفيف، ومعناه يجاوزون الحد مما أمروا به، قال أبو الفتح: فكما أن المعنى في قراءة العامة لا يقصرون فكذلك هو في هذه لا يزيدون على أمروا به، ورجح اللفظ في قوله ﴿ردوا﴾ من الخطاب إلى الغيبة، والضمير في ﴿ردوا﴾ عائد على المتقدم ذكرهم، ويظهر أن يعود على العباد فهو إعلام برد الكل، وجاءت المخاطبة بالكاف في قوله ﴿عليكم﴾ تقريباً للموعظة من نفوس السامعين، و﴿مولاهم﴾ لفظ عام لأنواع الولاية التي تكون بين الله وبين عبيده من الرزّق والنصرة والمحاسبة والملك وغير ذلك، وقوله ﴿الحق﴾ نعت لـ ﴿مولاهم﴾، ومعناه الذي ليس بباطل ولا مجاز، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والأعمش ((الحقَّ)) بالنصب، وهو على المدح، ويصح على المصدر، ﴿ألا له الحكم﴾ ابتداء كلام مضمنه التنبيه وهز نفس السامع، ((الحكم)) تعريفه للجنس أي جميع أنواع التصرفات في العباد و﴿أسرع الحاسبين﴾ متوجه على أن الله عز وجل حسابه لعبيده صادر عن علمه بهم فلا يحتاج في ذلك إلى إعداد ولا تكلف سبحانه لا رب غيره، وقيل لعلي بن أبي طالب كيف يحاسب الله العباد في حال واحدة؟ قال: كما يرزقهم في حال واحدة في الدنيا. قوله عز وجل : قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَتِ الْبَرِّوَاُلْبَحْرِتَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّيِنْ أَنْجَمِنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيَكُمْ مِّنْهَا وَ مِنْ كَلِ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (9) ٦٣ هذا تماد في توبيخ العادلين بالله الأوثان، وتوقيفهم على سوء الفعل في عبادتهم الأصنام وتركهم الذي ينجي من المهلكات ويلجأ إليه في الشدائد، و﴿من﴾ استفهام رفع بالابتداء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ((من ينَجّيكم قل الله ينَجّيكم)) بتشديد الجيم وفتح النون، وقرأ أبو عمرو في رواية علي بن نصر عنه وحميد بن قيس ويعقوب. ((يُنْجِيكم)) فيها بتخفيف الجيم وسكون النون، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالتشديد في الأولى والتخفيف في الثانية فجمعوا بين التعدية بالألف والتعدية بالتضعيف كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿فمهِّل الكافرين أمْهِلهم رويداً﴾ [الطارق: ١٧] و﴿ظلمات البر والبحر﴾ يراد به شدائدهما، فهو لفظ عام يستغرق ما كان من الشدائد بظلمة حقيقية وما كان بغير ظلمة، والعرب تقول عام ٣٠٢ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٦٥ - ٦٧ أسود ويوم مظلم ويوم ذو كواكب ونحو هذا يريدون به الشدة، قال قتادة: المعنی من کرب البر والبحر، وقاله الزّاج و﴿تدعونه﴾ في موضع الحال و﴿تضرعاً﴾ نصب على المصدر والعامل فيه ﴿تدعونه﴾، والتضرع صفة بادية على الإنسان، ﴿وخفية﴾ معناه الاختفاء والسر، فكأن نسق القول: تدعونه جهراً وسراً هذه العبارة بمعان زائدة، وقرأ الجميع غير عاصم: ((وخفية)) بضم الخاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ((وخفية)) بكسر الخاء، وقرأ الأعمش: ((وخيفة)) من الخوف وقرأ الحجازيون وأهل الشام: ((أنجيتنا))، وقرأ الكوفيون (أنجانا) على ذكر الغائب، وأمال حمزة والكسائي الجيم، و﴿من الشاكرين﴾ أي على الحقيقة، والشكر على الحقيقة يتضمن الإيمان، وحكى الطبري في قوله ﴿ظلمات﴾ أنه ضلال الطرق في الظلمات ونحوه المهدوي أنه ظلام الليل والغيم والبحر. 1 قال القاضي أبو محمد: وهذا التخصيص كله لا وجه له وإنما هو لفظ عام لأنواع الشدائد في المعنى، وخص لفظ ((الظلمات)) بالذكر لما تقرر في النفوس من هول الظلمة، وقوله تعالى: ﴿قل الله ينجيكم) الآية: سبق في المجادلة إلى الجواب، إذ لا محيد عنه، ﴿ومن كل كرب﴾ لفظ عام أيضاً ليتضح العموم الذي في الظلمات، ويصح أن يتأول من قوله ﴿ومن كل كرب﴾ تخصيص الظلمات قبل، ونص عليها لهولها، وعطف في هذا الموضع بـ ﴿ثم﴾ للمهلة التي تبين قبح فعلهم، أي ثم بعد معرفتكم بهذا كله وتحققکم به أنتم تشرکون. قوله عز وجل : قُلْ هُوَالْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَالْحَقُّ قُل لَّسْتُ ٦٥ بَأْسَ بَعْضُِ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اْلْأَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ٦٧ لِكُلِّ نَبَلٍ مُسْتَقَرُ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ٦٦ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ هذا إخبار يتضمن الوعيد، والأظهر من نسق الآيات أن هذا الخطاب للكفار الذين تقدم ذكرهم وهو مذهب الطبري، وقال أبيّ بن كعب وأبو العالية وجماعة معهما: هي للمؤمنين وهم المراد، قال أبي بن كعب: هي أربع خلال وكلهن عذاب وكلهن واقع قبل يوم القيامة فمضت اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، ثم لبسوا شيعاً وأذيق بعضهم بأس بعض، واثنتان واقعتان لا محالة الخسف والرجم، وقال الحسن بن أبي الحسن: بعضها للكفار وبعضها للمؤمنين بعث العذاب من فوق وتحت للكفار وسائرها للمؤمنين، وهذا الاختلاف إنما هو بحسب ما يظهر من أن الآية تتناول معانيها المشركين والمؤمنين، وروي من حديث جابر وخالد الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت ﴿أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم﴾ قال أعوذ بوجهك فلما نزلت ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ قال: أعوذ بوجهك فلما نزلت ﴿أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ قال هذه أهون أو هذه أيسر، فاحتج بهذا من قال إنها نزلت في المؤمنين، وقال الطبري: وغير ممتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تعوذ لأمته من هذه الأشياء التي توعد بها الكفار، وهون الثالثة لأنها بالمعنى هي التي دعا بها فمنع حسب حديث ٣٠٣ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٦٨، ٦٩ الموطأ وغيره، وقد قال ابن مسعود: إنها أسوأ الثلاث، وهذا عندي على جهة الإغلاظ في الموعظة، والحق أنها أيسرها كما قال عليه السلام، و﴿من فوقكم ومن تحت أرجلكم﴾ لفظ عام للمنطبقين على الإنسان وقال السدي عن أبي مالك ﴿من فوقكم﴾ الرجم ﴿ومن تحت أرجلكم﴾ الخسف وقاله سعيد بن جبير ومجاهد، وقال ابن عباس رضي الله عنه: ﴿من فوقكم) ولاة الجور ﴿ومن تحت أرجلكم﴾ سفلة السوء وخدمة السوء. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه كلها أمثلة لا أنها هي المقصود، إذ هذه وغيرها من القحوط والغرق وغير ذلك داخل في عموم اللفظ و﴿يلبسكم﴾ على قراءة الستة معناه يخلطكم شيعاً فرقاً يتشيع بعضها لبعض، واللبس الخلط، وقال المفسرون هو افتراق الأهواء والقتال بين الأمة، وقرأ أبو عبد الله المدني ((يُلبسكم)) بضم الياء من ألبس فهو على هذه استعارة من اللباس، فالمعنى أو يلبسكم الفتنة شيعاً و﴿شيعاً﴾ منصوب على الحال وقد قال الشاعر [النابغة الجعدي]: [المتقارب] لِبِسْت أناساً فأقْنَيْتهم فهذه عبارة عن الخلطة والمقاساة، والبأس القتل وما أشبهه من المكاره، ﴿ويذيق﴾ استعارة إذ هي من أجل حواس الاختبار، وهي استعارة مستعملة في كثير من كلام العرب وفي القرآن، وقرأ الأعمش ((ونذيق)) بنون الجماعة، وهي نون العظمة في جهة الله عز وجل، وتقول أذقت فلاناً العلقم تريد كراهية شيء صنعته به ونحو هذا، وفي قوله تعالى ﴿انظر كيف نصرف﴾ الآية، استرجاع لهم وإن كان لفظها لفظ تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم فمضمنها أن هذه الآيات والدلائل إنما هي لاستصرافهم عن طريق غيهم، و((الفقه)) الفهم، والضمير في ﴿به﴾ عائد على القرآن الذي فيه جاء تصريف الآيات، قاله السدي وهذا هو الظاهر، وقيل يعود على النبي عليه السلام وهذا بعيد لقرب مخاطبته بعد ذلك بالكاف في قوله: ﴿قومك﴾ ويحتمل أن يعود الضمير على الوعيد الذي تضمنته الآية ونحا إليه الطبري، وقرأ ابن أبي عبلة ((وكذبت قومك)) بزيادة تاء، و﴿بوكيل﴾ معناه بمدفوع إلى أخذكم بالإيمان والهدى، والوكيل بمعنى الحفيظ، وهذا كان قبل نزول الجهاد والأمر بالقتال ثم نسخ، وقيل لا نسخ في هذا إذ هو خبر. قال القاضي أبو محمد: والنسخ فيه متوجه لأن اللازم من اللفظ لست الآن، وليس فيه أنه لا يكون في المسأنف وقوله: ﴿لكل نبأ مستقر﴾ أي غاية يعرف عندها صدقه من كذبه، ﴿وسوف تعلمون﴾ تهدید محض ووعید. قوله عز وجل : وَإِذَا رَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَإِمَّايُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَنَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ ٦٩ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ لفظ هذا الخطاب مجرد للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، واختلف في معناه فقيل إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه . ٣٠٤ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٦٨، ٦٩ قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصحيح، لأن علة النهي وهي سماع الخوض في آيات الله تسلهم وإياه وقيل: بل بالمعنى أيضاً إنما أريد به النبي صلى الله عليه وسلم وحده، لأن قيامه عن المشركين كان يشق عليهم وفراقه لهم على معارضته وإن لم يكن المؤمنون عندهم كذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينابذهم بالقيام عنهم إذا استهزؤوا وخاضوا ليتأدبوا بذلك ويدعوا الخوض، والاستهزاء، وهذا التأويل يتركب على كلام ابن جرير يرحمه الله ، والخوض أصله في الماء ثم يستعمل بعد في غمرات الأشياء التي هي مجاهل تشبيهاً بغمرات الماء، ﴿وإما﴾ شرط وتلزمها النون الثقيلة في الأغلب، وقد لا تلزم كما قال: إِمَّا يُصِبْكَ عَدُوٌّ فِي مُنَاوَأَةٍ إلى غير ذلك من الأمثلة، وقرأ ابن عامر وحده ((ينسّنَّك)) بتشديد السين وفتح النون والمعنى واحد، إلا أن التشديد أكثر مبالغة، و﴿الذكرى﴾ والذكر واحد في المعنى وإنما هو تأنيث لفظي، ووصفهم هنا بـ ﴿الظالمين﴾ متمكن لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، و﴿أعرض﴾ في هذه الآية بمعنى المفارقة على حقيقة الإعراض وأكمل وجوهه، ويدل على ذلك ﴿فلا تقعد﴾. وقوله تعالی : ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم) الآية، المراد بـ ﴿الذين﴾ هم المؤمنون. والضمير في ﴿حسابهم﴾ عائد على ﴿الذين يخوضون﴾ ومن قال إن المؤمنين داخلون في قوله: ﴿فأعرض﴾ قال إن النبي عليه السلام داخل في هذا القصد بـ ﴿الذين يتقون﴾، والمعنى عندهم على ماروي أن المؤمنين قالوا لما نزلت فلا تقعد معهم قالوا: إذا كنا لا نضرب المشركين ولا نسمع أقوالهم فما يمكننا طواف ولا قضاء عبادة في الحرم فنزلت لذلك ﴿وما على الذين يتقون﴾. قال القاضي أبو محمد: فالإباحة في هذا هي في القدر الذي يحتاج إليه من التصرف بين المشركين في عبادة ونحوها، وقال بعض من يقول إن النبي عليه السلام داخل في ﴿الذين يتقون﴾ وإن المؤمنين داخلون في الخطاب الأول أن هذه الآية الأخيرة ليست إباحة بوجه، وإنما معناها لا تقعدوا معهم ولا تقربوهم حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود لأن عليكم شيئاً من حسابهم وإنما هو ذكرى لكم، ويحتمل المعنى أن يكون لهم لعلهم إذا جانبتموهم يتقون بالإمساك عن الاستهزاء، وأما من قال إن الخطاب الأول هو مجرد للنبي صلى الله عليه وسلم لثقل مفارقته مغضباً على الكفار فإنه قال في هذه الآية الثانية إنها مختصة بالمؤمنين، ومعناها الإباحة، فكأنه قال فلا تقعد معهم يا محمد وأما المؤمنون فلا شيء عليهم من حسابهم فإن قعدوا فليذكروهم لعلهم يتقون الله في ترك ما هم فيه . قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أشار إليه النقاش ولم يوضحه، وفيه عندي نظر، وقال قائل هذه المقالة: إن هذه الإباحة للمؤمنين نسخت بآية النساء قوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ [النساء: ٧٤٠] وكذلك أيضاً من قال أولاً إلا أن الإباحة كانت بحسب العبادات يقول إن هذه الآية التي في النساء ناسخة لذلك إذا هي مدنية، والإشارة بقوله: ﴿وقد نزل﴾ [النساء: ١٤٠] إليها بنفسها فتأمله، وإلا فيجب أن يكون الناسخ ٣٠٥ تفسير سورة الأنعام / الآية: ٧٠ غيرها، و﴿ذكرى﴾ على هذا القول يحتمل أن يكون ذكروهم ذكرى، ويحتمل ولكن أعرضوا متى أعرضتم في غير وقت العبادة ذكرى، و﴿ذكرى﴾ على كل قول يحتمل أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل أو رفع بإضمار مبتدأ، وينبغي للمؤمن أن يمتثل حكم هذه الآية مع الملحدين وأهل الجدال والخوض فيه، وحكى الطبري عن أبي جعفر أنه قال لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله . قوله عز وجل : وَذَرِ الَّذِينَ أَتَّخَذُوْدِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَّ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ- أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُلٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَيْكَ صلے الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُوْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْيَكْفُرُونَ ٧٠ هذا أمر بالمشاركة وكان ذلك بحسب قلة أتباع الإسلام حينئذ، قال قتادة: ثم نسخ ذلك وما جرى مجراه بالقتال، وقال مجاهد: الآية إنما هي للتهديد والوعيد فهي كقوله تعالى: ﴿ذرني ومن خلقت وحيداً﴾ [المدثر: ١١] وليس فيها نسخ لأنها متضمنة خبراً وهو التهديد، وقوله: ﴿لعباً ولهوأ﴾ يريد إذ يعتقدون أن لا بعث فهم يتصرفون بشهواتهم تصرف اللاعب اللاهي، ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ أي خدعتهم من الغرور وهو الإطماع بما لا يتحصل فاغتروا بنعم الله ورزقه وإمهاله وطمعهم ذلك فيما لا یتحصل من رحمته . قال القاضي أبو محمد: ويتخرج في ﴿غرتهم﴾ هنا وجه آخر من الغرور بفتح الغين أي ملأت أفواههم وأشبعتهم، ومنه قول الشاعر: [الطويل] ولما الْتَقْنَا بالحَنِيَّةِ غَرَّنِي بِمَعْروفِهِ حَتّى خَرَجتُ أُفَوِّقُ ومنه غر الطائر فرخه، ولا يتجه هذا المعنى في تفسير ((غر)» في كل موضع وأضاف الدين إليهم على معنى أنهم جعلوا اللعب واللهو ديناً، ويحتمل أن يكون المعنى اتخذوا دينهم الذي كان ينبغي لهم لعباً ولهواً، والضمير في ﴿به﴾ عائد على الدين، وقيل: على القرآن، و﴿أن تبسل﴾ في موضع المفعول أي لئلا تبسل أو كراهية أن تبسل، ومعناه تسلم، قال الحسن وعكرمة، وقال قتادة: تحبس وترتهن، وقال ابن عباس: تفضي وقال الكلبي وابن زيد: تجزى، وهذه كلها متقاربة بالمعنى، ومنه قول الشنفرى: [الطويل] هنالك لا أَرْجُو حَيَاةٌ تَسُرُّنِي سَمِيرَ اللَّيالي مُبْسَلا بِالجَرَائِرِ وقال بعض الناس هو مأخوذ من البَسَل أي من الحرام كما قال الشاعر [ضمرة النهشاني]: [الكامل] بَسل عَلْيْك مَلامَتِي وعِتابي الندى مُدَ وَهْن في بَكَرَتْ تَلَومُكَ بِعْدَ قال القاضى أبو محمد: وهذا بعيد، و﴿نفس﴾ تدل على الجنس، ومعنى الآية وذكر بالقرآن والدين وادع إليه لئلا تبسل نفس التارك للإيمان بما كسبت من الكفر وآثرته من رفض الإسلام، وقوله تعالى: ﴿ليس ٣٠٦ تفسير سورة الأنعام / الآية: ٧١ لها من دون الله﴾ في موضع الحال، و﴿من﴾ لابتداء الغاية ويجوز أن تكون زائدة و ﴿دون﴾ ظرف مكان وهي لفظة تقال باشتراك، وهي في هذه الآية الدالة على زوال من أضيفت إليه من نازلة القول كما في المثل: وأمر دون عبيدة الودم والولي والشفيع هما طريقا الحماية والغوث في جميع الأمور ﴿وإن تعدل كل عدل﴾ أي وإن تعط كل فدية، وإن عظمت فتجعلها عدلاً لها لا يقبل منها، وحكى الطبري عن قائل ان المعنى وإن تعدل من العدل المضاد للجور، ورد عليه وضعّفه بالإجماع على أن توبة الكافر مقبولة. قال القاضي أبو محمد: ولا يلزم هذا الرد لأن الأمر إنما هو يوم القيامة ولا تقبل فيه توبة ولا عمل، والقول نص لأبي عبيدة، و((العدل)) في اللغة مماثل الشيء من غير جنسه، وقبل العدل بالكسر المثل والعَدل بالفتح القيمة، و﴿أولئك﴾ إشارة إلى الجنس المدلول عليه بقوله ﴿تبسل نفس﴾، و﴿أبسلوا﴾ معناه أسلموا بما اجترحوه من الكفر، و((الحميم)) الماء الحار، ومنه الحمام والحمة ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل] إلا الحَمِيمَ فإنَّه يَتَبَصِّعُ ((وأليم)) فعيل بمعنى مفعل أي مؤلم. قوله عز وجل : قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَئِنَا اللَّهُ كَالَّذِى اُسْتَهُوَتَهُ الشَّيَطِيْنُ فِ اُلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ :أَصْحَبُ يَدْعُونَهُ: إِلَى الْهُدَى أَثْتِنَاقُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ ٧١ هُوَ اُلْهُدَىُّ وَأُمِرْ نَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ المعنى: قل في احتجاجك: أنطيع رأيكم في أن ندعو من دون الله، والدعاء يعم العبادة وغيرها لأن من جعل شيئاً موضع دعائه فإياه يعبد وعليه يتكل ﴿ما لا ينفعنا ولا يضرنا﴾ يعني الأصنام، إذ هي جمادات حجارة وخشب ونحوه، وضرر الأصنام في الدين لا يفهمه الكفار فلذلك قال: ﴿ولا يضرنا﴾ إنما الضرر الذي يفهمونه من نزول المكاره الدنياوية، ﴿ونرد على أعقابنا﴾ تشبيه، وذلك أن المردود على العقب هو أن يكون الإنسان يمشي قدماً وهي المشية الجيدة فيرد يمشي القهقرى، وهي المشية الدنية فاستعمل المثل بها فيمن رجع من خير إلى شر ووقعت في هذه الآية في تمثيل الراجع من الهدى إلى عبادة الأصنام، و﴿هدانا﴾ بمعنى أرشدنا، قال الطبري وغيره الرد على العقب يستعمل فيمن أمل أمراً فخاب أمله. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول قلق وقوله تعالى: ﴿كالذي استهوته الشياطين) الآية الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف تقديره رداً كرد الذي و﴿استهوته﴾ استفعلته بمعنى استدعت هواه وأمالته، قال أبو عبيدة: ويحتمل هويه وهو جده وركوب رأسه في النزوع إليهم، والهوى من هوى يهوي يستعمل في السقوط من علو إلى أسفل، ومنه قول الشاعر: : هوى ابْنِي مِنْ دَار أشرف رجُلَهُ وَبَدُه فَزَلّتْ ٣٠٧ تفسير سورة الأنعام / الآية: ٧١ وهذا المعنى لا مدخل له في هذه الآية إلا أن تتأول اللفظة بمعنى ألقته الشياطين في هوة، وقد ذهب إليه أبو علي وقال: هو بمعنى أهوى كما أن استزل بمعنى أزل. قال القاضي أبو محمد: والتحرير: أن العرب تقول: هوى وأهواه غيره واستهواه بمعنى طلب منه أن يهوي هو أو طلب منه أن يهوي شيئاً، وبيستعمل الهوى أيضاً في ركوب الرأس في النزوع إلى الشيء ومنه قوله تعالى: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ [إبراهيم: ٣٧]، ومنه قول شاعر الجن: [السريع] تهوي إلى مَكّةَ تَبْغِي الهُدَى ما مؤمنُ آلجِنّ كأنجاسِها وهذا المعنى هو الذي يليق بالآية، وقرأ الجمهور من الناس ((استهوته الشياطين)) وقرأ الحسن (استهوته الشياطون)). وقال بعض الناس: هو لحن، وليس كذلك بل هو شاذ قبيح وإنما هو محمول على قولهم، سنون وأرضون إلا أن هذه في جمع مسلم وشياطون في جمع مكسر فهذا موضع الشذوذ، وقرأ حمزة ((استهواه الشياطين)) وأمال استهواه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والأعمش وطلحة ((استهويه الشيطان)» بالياء وإفراد الشيطان، وذكر الكسائي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود، وقوله: ﴿في الأرض﴾ يحكم بأن ﴿استهوته﴾ إنما هو بمعنى استدعت هويه الذي هو الجد في النزوع و﴿حيران﴾ في موضع الحال، ومؤنثه حيرى فهو لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، ومعناه ضالاً متحيراً وهو حال من الضمير في ﴿استهوته﴾ والعامل فيه ﴿استهوته﴾، ويجوز أن يكون من الذي والعامل فيه المقدر بعد الكاف، وقوله ﴿استهوته﴾ يقتضي أنه كان على طريق فاستدعته. قال القاضي أبو محمد: فسياق هذا المثل كأنه قال أيصلح أن يكون بعد الهدى نعبد الأصنام فيكون ذلك منا ارتداداً على العقب فيكون كرجل على طريق واضح فاستهوته عنه الشياطين فخرج عنه إلى دعوتهم فبقي حائراً وقوله: ﴿له أصحاب﴾ يحتمل أن يريد له أصحاب على الطريق الذي خرج منه فيشبه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يدعون من ارتد إلى الرجوع إلى الهدى، وهذا تأويل مجاهد وابن عباس ويحتمل أن يريد له أصحاب أي من الشياطين الدعاة أولاً يدعونه إلى الهدى بزعمهم وإنما يوهمونه فيشبه بالأصحاب على هذا الكفرة الذين يثبتون من ارتد عن الإسلام على ارتداده، وروي هذا التأويل عن ابن عباس أيضاً، و﴿ائتنا﴾ من الإتيان بمعنى المجيء، وفي مصحف عبد الله ((إلى الهدى بيناً» وهذه تؤيد تأويل من تأول الهدى حقيقة إخبار من الله، وحكى مكي وغيره أن المراد بـ ((الذي)) في هذه الآية عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وبـ ((الأصحاب)) أبوه وأمه. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن في الصحيح أن عائشة رضي الله عنها لما سمعت قول قائل: إن قوله تعالى: ﴿والذي قال لوالديه أف لكما﴾ [الأحقاف: ١٧] نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قالت: كذبوا والله ما نزل فينا من القرآن شيء إلا براءتي. قال القاضي أبو محمد: حدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت الفقيه الإمام أبا عبد الله المعروف بالنحوي المجاور بمكة يقول: من نازع أحداً من الملحدة فإنما ينبغي أن يرد عليه وينازعه بالقرآن والحديث فيكون كمن يدعو إلى الهدى بقوله: ﴿ائتنا﴾، ومن ينازعهم بالجدل ويحلق عليهم به فكأنه بعد ٣٠٨ تفسير سورة الأنعام / الآيتان : ٧٣،٧٢ عن الطريق الواضح أكثر ليرد هذا الزائغ فهو يخاف عليه أن يضل. قال القاضي أبو محمد: وهذا انتزاع حسن جداً، وقوله تعالى: ﴿قل إن هدی الله﴾ الآية، من قال إن ((الأصحاب)) هم من الشياطين المستهزئين وتأول إلى الهدى بزعمهم قال: إن قوله: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى﴾ رد عليهم في زعمهم فليس ما زعموه صحيحاً وليس بهدى بل هو نفسه كفر وضلال، وإنما الهدى هدى الله وهو الإيمان، ومن قال: إن ((الأصحاب)) هم على الطريق المدعو إليها وإن المؤمنين الداعين للمرتدين شبهوا بهم وإن الهدى هو هدى على حقيقته يجيء على قوله: ﴿قل إن هدى الله﴾ بمعنى أن دعاء الأصحاب وإن كان إلى هدى فليس بنفس دعائهم تقع الهداية وإنما يهتدي بذلك الدعاء من هداه الله تعالى بهداه، ﴿وأمرنا لنسلم﴾ اللام لام كي ومعها أن مقدرة ويقدر مفعول لـ ﴿أمرنا﴾ مضمر تقديره وأمرنا بالإخلاص أو بالإيمان ونحو هذا، فتقدير الجملة كلها وأمرنا بالإخلاص لأن نسلم، ومذهب سيبويه في هذه أن ﴿لنسلم﴾ هو موضع المفعول وأن قولك: أمرت لأقوم وأمرت أن أقوم يجريان سواء ومثله قول الشاعر: [الطويل] أردت لأنسی ذکرها إلى غير ذلك من الأمثلة، ((ونسلم)) يعم الدين والاستسلام. قوله عز وجل : وَأَنْ أَقِيمُواْالصَلَوَةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِىَّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٦]وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيُكُونٌ قَوْلُهُ الْحَقّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الضُّورِ ٧٣ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿وأن أقيموا﴾ يتجه أن يكون بتأويل وإقامة فهو عطف على المفعول المقدر في ﴿أمرنا﴾ [الأنعام: ٧١]، وقيل بل هو معطوف على قوله ﴿لنسلم﴾ [الأنعام: ٧١] تقديره لأن نسلم ﴿وأن أقيموا﴾. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول الزجاج واللفظ يمانعه وذلك أن قوله ((لأن نسلم» معرب، وقوله ﴿أن أقيموا﴾ مبني وعطف المبني على المعرب لا يجوز لأن العطف يقتضي التشريك في العامل اللهم إلا أن تجعل العطف في ((أن)) وحدها وذلك قلق وإنما يتخرج على أن يقدر قوله ﴿وأن أقيموا﴾ بمعنى لنقيم ثم خرجت بلفظ الأمر لما في ذلك من جزالة اللفظ فجاز العطف على أن يلغى حكم اللفظ ويعول على المعنى، ويشبه هذا من جهة ((ما)) ما حكاه يونس عن العرب: أدخلوا الأول فالأول بالنصب، وقال الزجّاج أيضاً: يحتمل أن يكون ﴿وأن أقيموا﴾ معطوفاً على ﴿ائتنا﴾ [الأنعام: ٧١]. قال القاضي أبو محمد: وفيه بعد، والضمير في قوله ﴿واتقوه﴾ عائد على رب العالمين ﴿وهو﴾ ابتداء وما بعده وهو لفظ خبر يتضمن التنبيه والتخويف، وقوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق﴾ الآية، ﴿خلق﴾ ابتدع وأخرج من العدم إلى الوجود، و﴿بالحق﴾، أي لم يخلقها باطلاً بغير معنى بل لمعان مفيدة ولحقائق بينة منها ما يحسه البشر من الاستدلال بها على الصانع ونزول الأرزاق وغير ذلك، وقيل المعنى بأن حق له ٣٠٩ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٧٣،٧٢ أن يفعل ذلك، وقيل ﴿بالحق﴾ معناه بكلامه في قوله للمخلوقات ﴿كن﴾ وفي قوله: ﴿ائتيا طوعاً أو كرها﴾ [فصّلت: ١١]. قال القاضي أبو محمد: وتحرير القول أن المخلوقات إنما إيجادها بالقدرة لا بالكلام، واقتران ((كن)) بحالة إيجاد المخلوق فائدته إظهار العزة والعظمة ونفوذ الأوامر وإعلان القصد، ومثال ذلك في الشاهد أن يضرب إنسان شيئاً فيكسره ويقول في حال الكسر بلسانه: انكسر فإن ذلك إنفاذ عزم وإظهار قصد، ولله المثل الأعلى، لا تشبيه ولا حرف ولا صوت ولا تغير، أمره واحدة كلمح البصر فكأن معنى الآية على هذا القول وهو الذي خلق السماوات والأرض بقوله ﴿كن﴾ المقترنة بالقدرة التي بها يقع إيجاد المخلوق بعد عدمه، فعبر عن ذلك ﴿بالحق﴾، ﴿ويوم يقول﴾ نصب على الظرف وهو معلق بمعمول فعل مضمر، تقديره: واذكر الخلق والإعادة يوم، وتحتمل الآية مع هذا أن يكون معناها: واذكر الإعادة يوم يقول الله للأجساد كن معادة، ثم يحتمل أن يتم الكلام هنا ثم يبدأ بإخبار أن يكون قوله الحق الذي كان في الدنيا إخباراً بالإعادة، ويحتمل أن يكون تمام الكلام في قوله ﴿فيكون﴾ ويكون ﴿قوله الحق﴾ ابتداء وخبر أو على الاحتمال الذي قبل فـ ﴿قوله﴾ فاعل، قال الزجّاج قوله ﴿ويوم﴾ معطوف على الضمير من قوله ﴿واتقوه﴾ فالتقدير هنا على هذا القول واتقوا العقاب أو الأهوال والشدائد يوم، وقيل: إن الكلام معطوف على قوله ﴿خلق السماوات﴾ والتقدير على هذا: وهو الذي خلق السماوات والأرض والمعادات إلى الحشر يوم، ولا يجوز أن تعمل هذه الأفعال لا تقديرك اذكر ولا اتقوا ولا خلق في يوم لأن أسماء الزمان إذا بنيت مع الأفعال فلا يجوز أن تنصب إلا على الظرف، ولا يجوز أن يتعلق ﴿يوم﴾ بقوله: ﴿قوله الحق) لأن المصدر لا يعمل فيما تقدمه، وقد أطلق قوم أن العامل اذكر أو خلق، ويحتمل أن يريد بـ ((يقول)) معنى المضي كأنه قال: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق يوم يقول بمعنى قال لها ((كن))، فـ ﴿يوم﴾ ظرف معطوف على موضع ﴿قوله الحق) إذ هو في موضع نصب، ويجيء تمام الكلام في قوله ﴿فيكون﴾، ويجيء ﴿قوله الحق﴾ ابتداء وخبراً ويحتمل أن يتم الكلام في ﴿كن﴾، ويبتدأ ﴿فيكون قوله الحق) وتكون ((يكون)) تامة بمعنى يظهر، و﴿الحق﴾ صفة للقول، و﴿قوله﴾ فاعل، وقرأ الحسن: ((قُوله)) بضم القاف، ﴿وله الملك﴾ ابتداء وخبر ﴿يوم ينفخ في الصور﴾ (يوم)) بدل من الأولى على أن ((يقول)) مستقبل لا على تقدير مضيه، وقيل: بل متعلق بما تضمن الملك من معنى الفعل أو بتقدير ثابت أو مستقر يوم ، و﴿في الصور﴾ قال أبو عبيدة هو جمع صورة فالمعنى يوم تعاد العوالم، وقال الجمهور هو الصور القرن الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه ينفخ فيه للصعق ثم للبعث، ورجحه الطبري بقول النبي عليه السلام: إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينظر متى يؤمر فينفخ، وقرأ الحسن ((في الصور)) بفتح الواو وهذه تؤيد التأويل الأول وحكاها عمرو بن عبيد عن عياض ﴿عالم﴾ رفع بإضمار مبتدأ وقيل نعت لـ ﴿الذي﴾ وقرأ الحسن والأعمش ((عالمٍ)) بالخفض على النعت للضمير الذي في ﴿له﴾، أو على البدل منه من قوله ﴿له الملك﴾، وقد رويت عن عاصم، وقيل ارتفع ((عالم» بفعل مضمر من لفظ الفعل المبنى للمفعول تقديره ينفخ فيه عالم على ما أنشد سيبويه: [الطويل] لِيَْكِ يزيدَ ضارِعْ لخصومةٍ وآخرُ مِمّنْ طَوّحَتْهُ الطَّائِحُ التقدير يبكيه ضارع، وحكى الطبري هذا التأويل الذي يشبه ليبك يزيد عن ابن عباس ونظيرها من ٣١٠ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٧٤، ٧٥ القرآن قراءة من قرأ ﴿زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾ [الأنعام ١٣٧] بضم الزاي ورفع الشركاء وروي عن عبد الوارث عن أبي عمرو ((يوم ننفخ في الصور)» بنون العظمة، و﴿الغيب والشهادة﴾. معناه ما غاب عنا وما حضر، وهذا يعم جميع الموجودات. قوله عز وجل : -- : ٢ وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِهِ،َازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامَاءَالِهَةَّ إِّ أَرَنِكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَلِ مُبِينٍ (*) وَكَذَلِكَ ٧٥ نُرِىّ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ العامل في ﴿إذ﴾ فعل مضمر تقديره: واذكر أو قص، قال الطبري: نبه الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم على الاقتداء بإبراهيم في محاجته قومه إذ كانوا أهل أصنام وكان قوم محمد أهل أصنام . قال القاضي أبو محمد: وليس يلزم هذا من لفظ الآية، أما أن جميع ما يجيء من مثل هذا عرضة للاقتداء، وقرأ السبعة وجمهور الناس: ((آزَرَ)) بفتح الهمزة التي قبل الألف وفتح الزاي والراء. قال الشدي وابن إسحاق وسعيد بن عبد العزيز: هو اسم أبي إبراهيم. قال القاضي أبو محمد: وقد ثبت أن اسمه تارح فله على هذا القول اسمأن كيعقوب وإسرائيل، وهو في الإعراب على هذا بدل من الأب المضاف في موضع خفض وهو اسم علم، وقال مجاهد بل هو اسم صنم وهو في موضع نصب بفعل مضمر تقديره: أتتخذ أصناماً . قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ضعف، وقال بعضهم بل هو صفة ومعناه هو المعوج المخطىء. قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا بأن ((آزر)) إذا كان صفة فهو نكرة ولا يجوز أن تنعت المعرفة بالنكرة ويوجه ذلك على تحامل بأن يقال أريدت فيه الألف واللام وإن لم يلفظها، وإلى هذا أشار الزجاج لأنه قدر ذلك فقال لأبيه المخطىء، وبأن يقال إن ذلك مقطوع منصوب بفعل تقديره اذن المعوج أو المخطىء، والا تبقى فيه الصفة بهذه الحال. ١ قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقيل نصبه على الحال كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه وهو في حال عوج وخطأ، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم بضم الراء على النداء، ويصح مع هذا أن يكون ﴿آزر﴾ اسم أبي إبراهيم، ويصح أن يكون بمعنى المعوج والمخطىء، وقال الضحاك: ﴿آزر) بمعنى شيء، ولا يصح مع هذه القراءة أن يكون ﴿آزر﴾ صفة،" وفي مصحف أبيّ ((يا آزر)) بثبوت حرف النداء ((اتخذت أصناماً)) بالفعل الماضي، وقرأ ابن عباس فيما روي عنه أيضاً: ((أَزْراً تتخذ» بألف الاستفهام وفتح الهمزة من آزر وسكون الزاي ونصب الراء وتنوينها وإسقاط ألف الاستفهام من ((اتخذ))، ومعنى هذه القراءة عضداً وقوة ومظاهرة على الله تعالى تتخذ، وهو من نحو قوله تعالى: ﴿أشدد به أزري﴾ [طه: ٣١] وقرأ أبو اسماعيل رجل من أهل الشام بكسر الهمزة من هذا الترتيب ذكرها أبو الفتح، ومعناها: أنها مبدلة من واو كوسادة وإسادة فكأنه قال: أوزراً ومأثماً تتخذ أصناماً، ونصبه على هذا بفعل ٣١١ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٧٤، ٧٥ مضمر، ورويت أيضاً عن ابن عباس، وقرأ الأعمش: ((إِزْراً تتخذ)) بكسر الهمزة وسكون الزاي دون ألف توقيف، و﴿أصناماً آلهة﴾ مفعولان، وذكر: أن ((آزر)) أبا إبراهيم كان نجاراً محسناً ومهندساً وكان نمرود يتعلق بالهندسة والنجوم فحظي عنده آزر لذلك، وكان على خطة عمل الأصنام تعمل بأمره وتدبيره ويطبع هو في الصنم بختم معلوم عنده، وحينئذ يعبد ذلك الصنم، فلما نشأ إبراهيم ابنه على الصفة التي تأتي بعد كان أبوه يكلفه بيعها، فكان إبراهيم ينادي عليها: من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ ويستخف بها ويجعلها في الماء منكوسة، ويقول اشربي، فلما شهر أمره بذلك وأخذ في الدعاء إلى الله تعالى قال لأبيه هذه المقالة، و﴿أراك﴾ في هذا الموضع يشترك فيها البصر والقلب لأنها رؤية قلب ومعرفته وهي متركبة على رؤية بصر، و﴿مبين﴾ بمعنى واضح ظاهر، وهو من أبان الشيء، إذا ظهر ليس بالفعل المتعدي المنقول من بان يبين. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يكون المنقول، ويكون المفعول مقدراً تقديره: في ضلال مبين كفركم، وقيل كان آزر رجلاً من أهل كوثا من سواد الكوفة، قال النقاش وبها ولد إبراهيم عليه السلام، وقيل كان من أهل حران، وقوله تعالى: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض﴾ الآية المتقدمة تقضي بهداية إبراهيم عليه السلام والإشارة هنا بذلك هي إلى تلك الهداية أي وكما هديناه إلى الدعاء إلى الله وإنكار الكفر أريناه ملكوت، و﴿نْرِي﴾ لفظها الاستقبال ومعناها المضي، وحكى المهدوي: أن المعنى وكما هديناك يا محمد فكذلك نري إبراهيم. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد إذ اللفظ لا يعطيه، و﴿نُرِي﴾ هنا متعدية إلى مفعولين لا غير فهي إما من رؤية البصر وإما من أرى التي هي بمعنى عرف ولو كانت من أرى بمعنى أعلم وجعلنا أعلم منقولة من علم التي تتعدى إلى مفعولين لوجب أن تتعدى أرى إلى ثلاثة مفاعيل، وليس كذلك ولا يصح أن يقال: إن الثالث محذوف لأنه لا يجوز حذفه إذ هو الخبر في الجملة التي يدخل عليها علمت في هذا الموضع، وإنما هي من علم بمعنى عرف، ثم نقلت بالهمزة فتعدت إلى مفعولين ثم جعلت ((أرى)) بمنزلتها في هذه الحال، وهذه الرؤية قيل رؤية البصر، وروي في ذلك أن الله عز وجل فرج لإبراهيم السماوات والأرضين حتى رأى ببصره الملكوت الأعلى والملكوت الأسفل فإن صح هذا المنقول ففيه تخصيص لإبراهيم عليه السلام بما لم يدركه غيره، قبله ولا بعده، وهذا هو قول مجاهد قال: تفرجت له السماوات والأرضون فرأى مكانه في الجنة وبه قال سعيد بن جبير وسلمان الفارسي، وقيل: هي رؤية بصر في ظاهر الملكوت وقع له معها من الاعتبار ورؤية القلب ما لم يقع لأحد من أهل زمنه الذين بعث إليهم، قاله ابن عباس وغيره، ففي هذا تخصيص ما على جهة التقييد بأهل زمنه، وقيل هي رؤية قلب رأى بها ملكوت السماوات والأرض بفكرته ونظره، وذلك ولا بد متركب على ما تقدم من رؤيته ببصره وإدراكه في الجملة بحواسه. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان الأخيران يناسبان الآية، لأن الغاية التي نصبت له إنما هي أن يؤمن ويكون من جملة موقنين كثرة، والإشارة لا محالة إلى من قبله من الأنبياء والمؤمنين وبعده، واليقين يقع له ولغيره بالرؤية في ظاهر الملكوت والاستدلال به على الصانع والخالق لا إله إلا هو، و﴿ملكوت﴾ بناء مبالغة كجبروت ورهبوت ورحموت، وقال عكرمة هو ملكوتي باليونانية أو بالنبطية، وقرأ ((ملكوث)) بالثاء مثلثة وقرأ أبو السمال ((مَلْكوت)) بإسكان اللام وهي لغة، و ﴿ملكوت) بمعنى الملك، والعرب تقول لفلان ملكوت ٣١٢ تفسير سورة الأنعام / الآيتان : ٧٦، ٧٧ اليمن أي ملكه، واللام في ﴿ليكون﴾ متعلقة بفعل مؤخر تقديره وليكون من الموقنين أريناه، والموقن: العالم بالشيء علماً لا يمكن أن يطرأ له فيك شك، وقال الضحاك ومجاهد أيضاً إن الإشارة ها هتا ﴿بملكوت السماوات﴾ هي إلى الكواكب والقمر والشمس، وهذا راجع وداخل فيما قدمناه من أنها رؤية بصر في ظاهر الملكوت، وروي عن ابن عباس في تفسير ﴿وليكون من الموقنين﴾ قال جلى له الأمور سرها وعلانيتها فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله تعالى إنك لا تستطيع هذا، فرده لا يرى أعمالهم. قوله عز وجل : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوَكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ ﴿فَمَّارَءَا اُلْقَمَرَ بَازِغَا قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَبِن لَّمْ يَهْدِنِ رَبِىِ لَأَكُونَنَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ هذه الفاء في قوله ﴿فلما﴾ رابطة جملة ما بعدها وهي ترجح أن المراد بالملكوت هو هذا التفصيل الذي في هذه الآية، و((جن الليل)): ستر وغطى بظلامه، ويقال الجن، والأول أكثر، ويشبه أن يكون الجن والمجن والجنة والجنن وهو القبر مشتقة من جن إذا ستر، ولفظ هذه القصة يحتمل أن تكون وقعت له في حال صباه وقبل بلوغه كما ذهب إليه ابن عباس. فإنه قال: رأى كوكباً فعبده، وقاله ناس كثير إن النازلة قبل البلوغ والتكليف، ويحتمل أن تكون وقعت له بعد بلوغه وكونه مكلفاً، وحكى الطبري هذا عن فرقة وقالت إنه استفهم على جهة التوقيف بغير ألف، قال وهذا كقول الشاعر: [الطويل] رَقوني وقالوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ فَقُلْتُ وَأنْكَرْتُ الموُجُوهَ هُمُ هُمُ يريد أهم هم وكما قال الآخر: [الطويل] شَعِيتُ بْنُ سَهْمٍ أَمْ شَعِيثُ بْنُ مِنْقِرٍ لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وإنْ كُنْتُ دَارِياً یرید أُشعیٹ. قال القاضي أبو محمد: والبيت الأول لا حجة فيه عندي وقد حكي أن نمرود جبار ذلك الزمن رأى منجموه أن مولوداً يولد في سنة كذا في عمله، يكون خراب الملك على يديه فجعل يتبع الحبالى ويوكل بهن حراساً فمن وضعت أنثى تركت ومن وضعت ذكراً حمل إلى الملك فذبحه، وأن أم إبراهيم حملت وكانت شابة قوية فسترت حملها فلما قربت ولادتها بعثت تارخ أبا إبراهيم إلى سفر وتحيلت لمضيه إليه ثم خرجت هي إلى غار فولدت فيه إبراهيم وتركته في الغار وقد هيأت عليه، وكانت تفتقده فتجده يغتذي بأن یمص أصابعه فيخرج له منها عسل وسمن ونحوها، وحکي بل كان يغذيه ملك وحكي بل كانت تأتيه بأليان النساء اللاتي ذبح أبناؤهن، فشب إبراهيم أضعاف ما يشب غيره، والملك في خلال ذلك يحس بولادته ويشدد في طلبه فمكث في الغار عشرة أعوام وقيل خمس عشرة سنة، وأنه نظر أول ما عقل من الغار فرأى الكوكب وجرت قصة الآية. ٣١٣ تفسير سورة الأنعام / الآيتان : ٧٦، ٧٧ قال القاضي أبو محمد: وجلبت هذه القصص بغاية الاختصار في اللفظ وقصدت استيفاء المعاني التي تخص الآية ويضعف عندي أن تكون هذه القصة في الغار لقوله في آخرها ﴿إني بريء مما تشركون﴾ [الأنعام: ٧٨] وهي ألفاظ تقتضي محاجة ورداً على قوم، وحاله في الغار بعيدة عن مثل هذا اللهم إلا أن يتأول في ذلك أنه قالها بينه وبين نفسه، أي قال في نفسه معنى العبارة عنه: يا قوم إني بريء مما تشركون، وهذا كما قال الشاعر: [الرجز] ثم انثنى وَقَالَ في التّفكِيرِ إِنَّ الحياةَ اليومَ فِي الْكُرُورِ قال القاضي أبو محمد: ومع هذا فالمخاطبة تبعده، ولو قال يا قوم إني بريء من الإشراك لصح هذا التأويل وقوي، فإن قلنا بأنه وقعت له القصة في الغار في حال الصبوة وعدم التكليف على ما ذهب إليه بعض المفسرين ويحتمله اللفظ فذلك ينقسم على وجهين: إما أن يجعل قوله ﴿هذا ربي﴾ تصميماً واعتقاداً وهذا باطل لأن التصميم لم يقع من الأنبياء صلوات الله عليهم وإما أن يجعله تعريضاً للنظر والاستدلال كأنه قال هذا المنير البهي ربي إن عضدت ذلك الدلائل ويجيء إبراهيم عليه السلام كما قال الله تعالى لمحمد عليه السلام: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ [الضحى: ٦] أي مهمل المعتقد، وإن قلنا بأن القصة وقعت له في حال كفره وهو مكلف فلا يجوز أن يقول ﴿هذا ربي﴾ مصمماً ولا معرضاً للنظر، لأنها رتبة جهل أو شك وهو عليه السلام منزه معصوم من ذلك كله، فلم يبق إلا أن يقولها على جهة التقرير لقومه والتوبيخ لهم وإقامة الحجة عليهم في عبادة الأصنام، كأنه قال لهم: أهذا المنير ربي؟ أو هذا ربي وهو يريد على زعمكم؟ كما قال الله تعالى: ﴿أين شركائي﴾ [النحل: ٢٧، القصص: ٦٢ - ٧٤، فصلت: ٤٧] فإنما المعنى على زعمكم، ثم عرض إبراهيم عليهم من حركته وأفوله أمارة الحدوث، وأنه لا يصلح أن يكون ربّاً ثم في آخر أعظم منه وأحرى كذلك ثم في الشمس كذلك، فكأنه يقول: فإذا بان في هذه المنيرات الرفيعة أنها لا تصلح للربوبية فأصنامكم التي هي خشب وحجارة أحرى أن يبين ذلك فيها، ويعضد عندي هذا التأويل قوله: ﴿إني بريء مما تشركون﴾ [الأنعام: ٧٨] ومثل لهم بهذه الأمور لأنهم كانوا أصحاب علم نجوم ونظر في الأفلاك، وهذا الأمر كله إنما وقع في ليلة واحدة والكوكب وهو الزهرة، في قول قتادة وقال السدي وهو المشتري جانحاً للغروب، فلما أفل بزغ القمر وهو أول طلوعه فسرى الليل أجمع فلما بزغت الشمس زال ضوء القمر قبلها لانتشار الصباح وخفي نوره ودنا أيضاً من مغربه فسمي ذلك أفولاً لقربه من الأفول التام على تجوز في التسمية، ثم بزغت الشمس على ذلك، وهذا الترتيب يستقيم في الليلة الخامسة عشرة من الشهر إلى ليلة عشرين، وليس يترتب في ليلة واحدة كما أجمع أهل التفسير إلا في هذه الليالي، وبذلك التجوز في أفول القمر، و﴿أفل﴾ في كلام العرب معناه غاب، يقال: أين أفلت عنّا يا فلان، وقيل معناه ذهب. قال القاضي أبو محمد: وهذا خلاف في عبارة فقط، وقال ذو الرمة: [الطويل] مصابيحُ لَيْسَتْ بِاللّواتِي تَقُودُها نُجُومٌ ولا بالآفِلاتِ الدّوالِكِ وقال ﴿الآفلين﴾ فجمع بالياء والنون لما قصد الأرباب ونحو ذلك وعلى هذا يخرج قوله في الشمس ٣١٤ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٧٨ - ٨٠ ﴿هذا ربي﴾ فذكر الإشارة إليها لما قصد ربه وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: ((وَأَى)) بفتح الراء والهمزة، وقرأ نافع بین الفتح والکسر، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر وحمزة والكسائي بكسرهما، وقرأ أبو عمرو بن العلاء، بفتح الراء وكسر الهمزة، وقوله تعالى: ﴿فلما رأى القمر بازغاً﴾ الآية، البزوغ في هذه الأنوار: أول الطلوع، وقد تقدم القول فيما تدعو إليه ألفاظ الآية وكون هذا الترتيب في ليلة واحدة من التجوز في أفول القمر لأن أفوله لو قدرناه مغيبه في المغرب لكان ذلك بعد بزوغ الشمس وجميع ما قلتاه يعطيه الاعتبار و﴿يهدني﴾ يرشدني وهذا اللفظ يؤيد قول من قال: النازلة، في حال الصغر، و(«القوم الضالون)) عبدة المخلوقات، كالأصنام وغيرها وإن كان الضلال أعمّ من هذا فهذا هو المقصود في هذا الموضع . قوله عز وجل .. فَلَمَّارَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَارَبِى هَذَا أَكْبَرُ فَمَّا أَفَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنَّى بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ◌َإِنِ وَجَهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ج ٧٨ أَوَ حَاجَّهُ قَوْمُ قَالَ أَتُحَُّوْنِّي فِ اللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنٍّ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ، إِلَّآ أَنْ يَشَآءَرٍَّ شَيْئاً وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَّا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠ لما قصد قصد ربه قال هذا فذكر أي هذا المرئيّ أو المنير ونحو هذا، فلما أفلت الشمس لم يبق شيء يمثل لهم به، فظهرت حجته وقوي بذلك على منابذتهم والتبري من إشراكهم، وقوله: ﴿إني بريء مما تشركون﴾ يؤيد قول من قال: النازلة في حال الكبر والتكليف: و﴿وجهت وجهي﴾ أي أقبلت بقصدي وعبادتي وتوحيدي وإيماني وغير ذلك مما يعمه المعنى المعبر عنه بـ ﴿وجهي﴾، و﴿فطر﴾ معناه: ابتدع في أجرام، و﴿حنيفاً﴾ معناه مستقيماً، والحنف الميل في كلام العرب، وأصله في الأشخاص وهو في المعاني مستعار، فالمعوج في الأجرام أحنف على الحقيقة أي مائل والمستقيم فيها أحنف على تجوز كأنه مال عن كل جهة إلى القوام و﴿حاجه﴾ فاعله من الحجة، قال أتراجعوني في الحجة في توحيد الله، وقرأت فرقة ((أتحاجونني)) بإظهار النونين وهو الأصل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي (أتحاجوني)) بإدغام النون الأولى في الثانية، وقرأ نافع وابن عامر ((أتحاجوني)) بحذف النون الواحدة فقيل: هي الثانية وقيل هي الأولى، ويدل على ذلك أنها بقيت مكسورة، قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن تحذف الأولى لأنها للإعراب وإنما حذفت الثانية التي هي توطئة لياء المتكلم كما حذفت في (ليثي)) وفي قول الشاعر: [الوافرُ] يسوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْنِي وكسرت بعد ذلك الأولى الباقية لمجاورتها للياء ﴿وقد هداني﴾ أي أرشدني إلى معرفته وتوحيده، وأمال الكسائي ((هدانٍ))، والإمالة في ذلك حسنة وإذا جازت الإمالة في غزا ودبعا وهما من ذوات الواو فهي ٣١٥ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٨١ - ٨٣ في ((هدانٍ)) التي هي من ذوات الياء أجوز وأحسن، وحكي أن الكفار قالوا لإبراهيم عليه السلام خف أن تصيبك آلهتنا ببرص أو داء لإذايتك لها وتنقصك، فقال لهم لست أخاف الذي تشركون به، لأنه لا قدرة له ولا غناء عنده و﴿ما﴾ في هذا الموضع بمعنى الذي، والضمير في ﴿به﴾ يحتمل أن يعود على الله عز وجل فيكون على هذا في قوله ﴿تشركون﴾ ضمير عائد على ﴿ما﴾ تقدير الكلام ولا أخاف الأصنام التي تشركونها باللّه في الربوبية، ويحتمل أن يعود الضمير على ﴿ما﴾ فلا يحتاج إلى غيره، كأن التقدير ما تشركون بسببه، وقوله تعالى: ﴿إلا أن يشاء ربي شيئاً﴾ استثناء ليس من الأول و﴿شيئاً﴾ منصوب بـ ﴿يشاء﴾، ولما كانت قوة الكلام أنه لا يخاف ضراً استثنى مشيئة ربه تعالى في أن يريده بضر، و﴿علماً﴾ نصب على التمييز وهو مصدر بمعنى الفاعل، كما تقول العرب: تصبب زيد عرقاً، المعنى تصبب عرق زيد فكذلك المعنى هنا وسع علم ربي كل شيء ﴿أفلا تتذكرون﴾ توقيف وتنبيه وإظهار لموضع التقصير منهم. قوله عز وجل : وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَ كْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَ كْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَنَّ فَتِىّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ الَّذِينَءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ () وَتِلْكَ حُجَّتُّنَآءَ اتَيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ ٨٣ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ هذه الآية إلى ﴿تعلمون﴾ هي كلها من قول إبراهيم عليه السلام لقومه، وهي حجته القاطعة لهم، المعنى: وكيف أخاف الأصنام التي لا خطب لها وهي حجارة وخشب إذا أنا نبذتها ولم أعظمها، ولا تخافون أنتم الله عز وجل وقد أشركتم به في الربوبية أشياء لم ينزل بها عليكم حجة، و((السلطان)): الحجة، ثم استفهم على جهة التقرير ﴿فأي الفريقين أحق بالأمن﴾ أي من لم يشرك بالقادر العالم أحق أن يأمن وقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا) الآية، ﴿الذين﴾ رفع بالابتداء، و﴿يلبسوا﴾ معناه يخلطوا، و «الظلم)» في هذه الآية الشرك تظاهرت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة من الصحابة أنه لما نزلت هذه الآية أشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك كما قال لقمان: إن الشرك لظلم عظيم وروي أن عمر بن الخطاب قرأ في المصحف فلما أتى عليها عظمت عليه، فلبس رداءه ومر إلى أبي بن كعب، فقال: يا أبا المنذر وسأله عنها، فقال له إنه الشرك يا أمير المؤمنين فسري عن عمر، وجرى لزيد بن صوحان مع سلمان نحو مما جرى لعمر مع أبي بن كعب رضي الله عنهم، وقرأ مجاهد، ((ولم يلبسوا إيمانهم بشرك)) وقرأ عكرمة ((يُلبسوا)) بضم الياء، و﴿الأمن﴾ رفع بالابتداء وخبره في المجرور والجملة خبر ﴿أولئك﴾، ﴿وهم مهتدون﴾ أي راشدون، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: المراد بهذه الآية إبراهيم خاصة، وقال عكرمة: نزلت في مهاجري أصحاب محمد عليه السلام خاصة، وقالت فرقة: هي من قول إبراهيم لقومه فهي من الحجة التي أوتيها، وقال ابن جريج هي من قول قوم إبراهيم ويجيء هذا من الحجة أيضاً أن أقروا بالحق وهم قد ظلموا في ٣١٦ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٨٤ - ٨٦ الإشراك، وقال ابن إسحاق وابن زيد وغيرهما: بل ذلك قول من الله عز وجل ابتداء حكم فصل عام الوقت محاجة إبراهيم وغيره ولكل مؤمن تقدم أو تأخر .. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو البين الفصيح الذي يرتبط به معنى الآية ويحسن رصفها، وهو خبر من الله تعالى ﴿وتلك﴾ إشارة إلى هذه الحجة المتقدمة وهي رفع بالابتداء و﴿حجتنا﴾ خبره و﴿آتيتاها﴾ في موضع الحال، ويجوز أن تكون ﴿حجتنا﴾ بدلاً من تلك وآتيناها خبر ((تلك)) ((وإبراهيم)) مفعول بـ ((آتيناها))، والضمير مفعول أيضاً بـ ﴿آتيناها﴾ مقدم و﴿على﴾ متعلقة بقوله ﴿حجتنا﴾ وفي ذلك فصل كثير، ويجوز أن تتعلق على بـ ((آتيناها)) على المعنى إذ أظهرناها لإبراهيم على قومه ونحو هذا، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ((نرفع درجاتٍ من نشاء)) بإضافة الدرجات إلى ﴿من﴾، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي («نرفع درجاتٍ من نشاء)). قال القاضي أبو محمد: وهما مأخذان من الكلام، والمعنى المقصود بهما واحد، و﴿درجات﴾ على قراءة من نون نصب على الظرف، و﴿عليم حكيم﴾ صفتان تليق بهذا الموضع إذ هو موضع مشيئة واختيار فيحتاج ذلك إلى العلم والإحكام، والدرجات أصلها في الأجسام ثم تستعمل في المراتب والمنازل المعنوية . قوله عز وجل : وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلُّ هَدَيْنَاً وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ ج وَزَكَرِتَا وَيَحْبِى وَسُلَيْمَنَ وَأَتُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ فِيهَ وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلَّ مِنَ الصَّلِحِينَ ﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَاُلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلُّاً فَضَّلْنَا ٨٦ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿ووهبنا﴾ عطف على ﴿آتينا﴾ [الأنعام: ٨٣] و ﴿إسحاق) ابنه من سارة، ﴿ويعقوب﴾ هو ابن إسحاق، و﴿كلًا﴾ و﴿نوحاً﴾ منصوبان على المفعول مقدمان على الفعل، وقوله: ﴿من قبل﴾ لقومه صلى الله عليه وسلم، وقوله: ﴿ومن ذريته﴾ المعنى وهدينا من ذريته، والضمير في ﴿ذريته﴾ قال الزجّاج جائز أن يعود على إبراهيم، ويعترض هذا بذكر ((لوط)) عليه السلام وهو ليس من ذرية إبراهيم بل هو ابن أخيه وقيل ابن أخته ويتخرج عند من يرى الخال أباً وقيل: يعود الضمير على نوح وهذا هو الجيد، و﴿داود﴾ يقال هو ابن إيشى ﴿وسليمان﴾ ابنه، ﴿وأيوب) هو فيما يقال أيوب بن رازح بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، ﴿ويوسف﴾ هواين يعقوب بن إسحاق، ﴿وموسى وهارون﴾ هما ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، ونصب ﴿داود﴾ يحتمل أن يكون بـ ﴿وهبنا﴾ ويحتمل أن يكون بـ ﴿هدينا﴾ وهذه الأسماء كلها فيها العجمة والتعريف، فهي غير مصروفة، ﴿وموسى﴾ عند سيبويه وزنه مفعل فعلى هذا يتصرف في النكرة، وقيل وزنه فعلى، فعلى هذا لا يتصرف في معرفة ولا نكرة، ﴿وكذلك نجزي المحسنين﴾ وعد من الله عز وجل لمن أحسن في ٣١٧ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٨٤ - ٨٦ عمله وترغيب في الإحسان، ﴿وزكريا﴾ فيما يقال هو ابن آذر بن بركنا، ﴿وعيسى) ابن مريم بنت عمران بن ياشهم بن أمون بن حزينا، ﴿والياس﴾ هو ابن نسي بن فنحاص بن العیزان بن هارون بن عمران، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال إدريس هو الياس ورد ذلك الطبري وغيره بأن إدريس هو جد نوح تظاهرت بذلك الروايات، ((وزكرياء)) قرأته طائفة بالمد وقرأته طائفة بالقصر ((زكريا))، وقرأ ابن عامر باختلاف عنه، والحسن وقتادة بتسهيل الهمزة من الياس، وفي هذه الآية أن عيسى عليه السلام من ذرية نوح أو إبراهيم بحسب الاختلاف في عود الضمير من ذريته، وهو ابن ابنته، وبهذا يستدل في الأحباس على أن ولد البنت من الذرية، وإسماعيل هو أكبر ولدي إبراهيم عليه السلام وهو من هاجر واليسع قال زيد بن أسلم وهو يوشع بن نون، وقال غيره: هو أليسع بن أخطوب بن العجوز، وقرأ جمهور الناس ((وأليسع)) وقرأ حمزة والكسائي ((والليسع)) كأن الألف واللام دخلت على فيعل، قال أبو علي الفارسي: فالألف واللام في ((اليسع)) زائدة لا تؤثر معنى تعريف لأنها ليست للعهد كالرجل والغلام ولا للجنس كالإنسان والبهائم ولا صفة غالبة كالعباس والحارث لأن ذلك يلزم عليه أن يكون ((اليسع)) فعلًا، وحينئذ يجري صفة. وإذا كان فعلاً وجب أن يلزمه الفاعل ووجب أن يحكى إذ هي جملة ولو كان كذلك لم يجز لحاق اللام له إذ اللام لا تدخل على الفعل فلم يبق إلا أن تكون الألف واللام زائدة كما هي زائدة في قولهم الخمسة العشر درهماً، وفي قول الشاعر: [الرجز] يا ليت أمَّ العمرِ كَانَتْ صَاحبي بالعين غير منقوطة، وفي قوله: [الطويل] شديداً بأعباءِ الخلافةِ كاهِلُهْ وَجَدْنَا الوليدَ بْنَ اليزيدِ مُبَارَكاً . قال وأما الليسع فالألف واللام فيه بمنزلتها في الحارث والعباس لأنه من أبنية الصفات لكنها بمنزلة ((اليسع)) في أنه خارج عما عليه الأسماء الأعجمية إذ لم يجىء فيها شيء هو على هذا الوزن كما لم يجىء منها شيء فيه لام تعريف فهما من الأسماء الأعجمية إلا أنهما مخالفان للأسماء فيما ذكر. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وأما اليزيد فإنه لما سمي به أزيل منه معنى الفعل وأفردت فيه الاسمية فحصل علماً وزيدت فيه الألف واللام لا لتعريف، وقال الطبري دخلت الألف واللام إتباعاً للفظ الوليد، ﴿ويونس﴾ هو ابن متَّى ويقال يونس ويونَس ويونُس وكذلك يوسِف ويوسَف ويوسُف وبكسر النون من يونس والسين من يوسف قرأ الحسن وابن مصرف وابن وثاب وعيسى بن عمر والأعمش في جميع القرآن و ﴿العالمين﴾ معناه عالمي زمانهم. قوله عز وجل : وَمِنْ ءَابَآَبِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُواْلَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ ٨٧ ٣١٨ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٨٧ - ٩٠ ءَتََّهُمُ الْكِتَبَ وَاْحُكْمَ وَالنُُّوَّةُ فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمَّاً لَّيْسُواْبِهَا بِكَِّفِرِينَ ( أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَ هُمُ اقْتَدِةٌ قُل لَّ أَسْشَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ والمعنى وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعات، فـ ﴿من﴾ للتبعيض؛ والمراد من آمن منهم نبياً كان أو غير نبي، ويدخل عيسى عليه السلام في ضمير قوله: ﴿ومن آبائهم﴾، ولهذا قال محمد بن كعب الخال أب والخالة أم، ﴿واجتبيناهم﴾ معناه تخيرناهم وأرشدناهم وضممناهم إلى خاصتنا وأرشدناهم إلى الإيمان والفوز برضى الله تعالى. قال مجاهد معناه أخلصناهم، و((الذرية)) الأبناء وينطلق على جميع البشر ذرية لأنهم أبناء، وقال قوم: إن الذرية تقع على الآباء لقوله تعالى: ﴿وأية لهم أنَّا حملنا ذرياتهم في الفلك﴾ [يس: ٤١] يراد به نوع البشر وقوله تعالى: ﴿ذلك هدى الله يهدي به﴾ الآية، ﴿ذلك﴾ إشارة إلى النعمة في قوله: ﴿واجتبيناهم﴾ وإضافة الهدى إلى الله إضافة ملك، و﴿حبط﴾ معناه تلف وذهب لسوء غلب عليه، و﴿أولئك﴾ إشارة إلى من تقدم ذكره و﴿الكتاب﴾ يراد به المصحف والتوراة والإنجيل والزبور، و﴿الحكم﴾ يراد به اللب والفطنة والفقه في دين الله، و﴿هؤلاء﴾ إشارة إلى كفار قريش المعادين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى كل كفار في ذلك العصر، قاله قتادة وابن عباس والسدي وغيرهم، و﴿قوماً﴾ يراد به مؤمنو أهل المدينة، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم، فالآية على هذا التأويل وإن كان القصد في نزولها هذين الصنفين فهي تعم الكفرة والمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال قتادة أيضاً والحسن بن أبي الحسن المراد بـ((القوم)) من تقدم ذكره من الأنبياء والمؤمنين، وقال أبو رجاء: المراد الملائكة، والباء في ﴿به﴾ متعلقة بقوله: ﴿بكافرين) والباء في قوله ﴿بكافرين﴾ زائدة للتأكيد وقوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله﴾ الآية، الظاهر في الإشارة، بـ ﴿أولئك﴾ أنها إلى المذكورين قبل من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين المهديين ومعنى الاقتداء اتباع الأثر في القول والفعل والسيرة، وإنما يصح اقتداؤه بجميعهم في العقود والإيمان والتوحيد الذي ليس بينهم فيه اختلاف وأما أعمال الشرائع فمختلفة، وقد قال عز وجل: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨] ويحتمل أن تكون الإشارة بـ ﴿أولئك) إلى قوله ﴿قوماً﴾. قال القاضي أبو محمد: وذلك يترتب على بعض التأويلات في المراد بالقوم ويقلق بعضها، قال القاضي ابن الباقلاني: واختلف الناس هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه متعبدآ بشرع من كان قبله، فقالت طائفة كان متعبدأ، واختلف بشرع من؟ فقالت فرقة بشرع إبراهيم، وفرقة بشرع موسى، وفرقة بشرع عيسى، وقالت طائفة بالوقف في ذلك، وقالت طائفة لم يكن متعبداً بشرع من كان قبله وهو الذي يترجح . قال القاضي أبو محمد: ولا يحمل كلام القاضي على أنه لم يكن متعبداً بشوع من كان قبله في توحيد ولا معتقد لأنّا نجد شرعنا ينبىء أن الكفار الذين كانوا قبل النبي عليه السلام كأبويه وغيرهما في النار ولا يدخل الله تعالى أحداً النار إلا بترك ما كلف، وذلك في قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث ٠٠ ٣١٩ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٨٧ - ٩٠ رسولا﴾ [الإسراء: ١٥] وغير ذلك وقاعدة المتكلمين أن العقل لا يوجب ولا يكلف وإنما يوجب الشرع، فالوجه في هذا أن يقال إن آدم عليه السلام فمن بعده دعا إلى توحيد الله دعاء عاماً واستمر ذلك على العالم، فواجب على الآدمي البالغ أن يبحث على الشرع الآمر بتوحيد الله تعالى وينظر في الأدلة المنصوبة على ذلك بحسب إيجاب الشرع النظر فيها، ويؤمن ولا يعبد غير الله، فمن فرضناه لم يجد سبيلاً إلى العلم بشرع آمر بتوحيد الله وهو مع ذلك لم يكفر ولا عبد صنماً بل تخلى فأولئك أهل الفترات الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنة وهم بمنزلة الأطفال والمجانين، ومن قصر في النظر والبحث فعبد صنماً وكفر فهذا تارك للواجب عليه مستوجب العقاب بالنار، فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل المبعث ومن كان معه من الناس وقبله مخاطبون على ألسنة الأنبياء قبل بتوحيد الله عز وجل، وغير مخاطبين بفروع شرائعهم إذ هي مختلفة وإذ لم يدعهم إليها نبي، وأما بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فهل هو وأمته مخاطبون بشرع من تقدم فقالت فرقة لسنا مخاطبين بشيء من ذلك وقالت فرقة نحن مخاطبون بشرع من قبلنا. قال القاضي أبو محمد: ومن قال من هذه الطائفة إن محمداً عليه السلام وأمته مخاطبون بكل شرائع من تقدم على الإطلاق فقد أحال لأن أحكام الشرائع تأتي مختلفة، وإنما يتحدق قول من قال منها إنَّا متعبدون. بما صح نقله من شرائع من قبلنا ولم تختلف فيه الشرائع وبالآخر مما اختلفت فيه لأنه الناسخ المتقدم ويرتبط في صحة نقل ذلك إلى ما وقع في القرآن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من حكاية أحكام سالفة كقوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به﴾ [ص: ٤٤] وكقوله: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] وكحكاية تزويج شعيب ابنته بموسى عليهما السلام، وكحديث النبي عليه السلام في قضية سليمان بين المرأتين في الولد ونحو ذلك، ولا يقتضي قولهم أكثر من جواز أن يتعبد بذلك وأما وجوب أن تعبد فغير لازم، ولا يتعلق عندي أشبه في ذلك من أن يقال إن النبي عليه السلام شرع لأمته أن يصلي الناس صلاته إذا ذكرها، ثم مثل في ذلك لا على طريق التعليل بقوله عز وجل لموسى ﴿وأقم الصلاة الذكري﴾ [طه: ١٤] فننقل نحن هذا إلى غير ذلك من النوازل ونقول إنه كما شرع عندنا المثال في نسيان الصلاة كذلك نشرع هذه الأمثلة كلها. قال القاضي أبو محمد: وهذا قياس ضعيف، ولو ذكر النبي عليه السلام قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] على جهة التعليل لكانت الحجة به قوية، ولا يصح أن يقال يصح عندنا نقل ما في الشرائع. من جهة من أسلم منهم كعبد الله بن سلام وغيره صحة ننقلها، وكذلك ما شرعه الحواريون لا سبيل إلى صحة شرع عيسى عليه السلام له، وقرأ ابن كثير وأهل مكة ونافع وأبو عمرو وأهل المدينة وعاصم ((اقتده)) بهاء السكت ثابتة في الوقف والوصل، وقرأ حمزة والكسائي ((اقتد)) قال بحذف الهاء في الوصل وإثباتها في الوقف، وهذا هو القياس، وهي تشبه ألف الوصل في أنها تقطع في الابتداء وتوصل غير مبتدأ بها، فكذلك هذه تثبت في الوقف وتحذف في الوصل، وقرأ ابن عامر ((اقتدهٍ)) بكسر الهاء دون بلوغ الياء، قال ابن مجاهد وهذا غلط لأنها هاء وقف لا تعرب على حال، قال أبو علي ووجه ذلك أن تكون ضمير المصدر كأنه قال اقتد الاقتداء، وقرأ ابن ذكوان على هذه («اقتده)) بإشباع الياء بعد الهاء، وقالت فرقة إن كسر الهاء إنما هو في هاء السكت كما قد تسكن هاء الضمير أحياناً . - ٣٢٠ تفسير سورة الأنعام / الآية : ٩١ قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، ولا تجوز عليه القراءة بإشباع الياء، وقوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم﴾ الآية، المعنى قل يا محمد لهؤلاء الكفرة المعاندين لا أسألكم على دعائي إياكم بالقرآن إلى عبادة الله وتوحيده أستكثر بها وأختص بدنياها، إن القرآن إلا موعظة، وذكرى ودعاء لجميع العالمين. قوله عز وجل : وَمَا قَدَرُوْاَللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْقَالُواْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرِمِّنِ شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآَيٍِ، مُوسَى نُورًا وَهُدَّى لِلنَّاسِِّ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمِ مَا لَمْتَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلَا ءَآبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ٩١ الضمير في ﴿قدروا﴾ و ﴿قالوا﴾ قیل یراد به العرب قاله مجاهد وغيره، وقیل یراد به بنو إسرائيل، قاله ابن عباس، وقيل رجل مخصوص منهم يقال له مالك بن الصيف قاله سعيد بن جبير، وقيل في فنحاص قاله السدي، ﴿قدروا﴾ هو من توفية القدر والمنزلة فهي عامة يدخل تحتها من لم يعرف ومن لم يعظم وغير ذلك، غير أن تعليله بقولهم ﴿ما أنزل الله﴾ يقضي بأنهم جهلوا ولم يعرفوا الله حق معرفته إذ أحالوا عليه بعثه الرسل و﴿حق﴾ نصب على المصدر، ومن قال إن المراد كفار العرب فيجيء الاحتجاج عليهم بقوله: ﴿من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ احتجاجاً بأمر مشهور منقول بكافة قوم لم تكن العرب مكذبة لهم، ومن قال إن المراد بني إسرائيل فيجيء الاحتجاج عليهم مستقيماً لأنهم يلتزمون صحة نزول الكتاب على موسى عليه السلام، وروي أن مالك بن الصيف كان سميناً فجاء يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم بزعمه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أنشدك الله ألست تقرأ فيما أنزل على موسى أن الله يبغض الحبو السمين)) فغضب وقال والله ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ والآية على قول من قال نزلت في قول بني إسرائيل تلزم أن تكون مدنية، وكذلك حكى النقاش أنها مدنية، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي وغيرهما ((وما قدّروا)) بتشديد الدال ((الله حق قدره)) بفتح الدال، وقرأ الجمهور في الأول بالتخفيف وفي الثاني بإسكانه. وقوله تعالى : ﴿قل من أنزل الكتاب﴾ الآية، أمره الله تعالى أن يستفهم على جهة التقرير على موضع الحجة، والمراد بـ ﴿الكتاب﴾ التوراة، و﴿نوراً وهدى﴾ اسمان في موضع الحال بمعنى نيراً وهادياً، فإن جعلناه حالاً من ﴿الكتاب﴾ فالعامل فيه ﴿أنزل﴾، وإن جعلناه حالاً من الضمير في ﴿به﴾ فالعامل فيه ﴿جاء﴾، وقرأ جمهور الناس ((تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون)) بالتاء من فوق في الأفعال الثلاثة، فمن رأى أن الاحتجاج على بني إسرائيل استقامت له هذه القراءة وتناسقت مع قوله: ﴿وعلمتم ما لم تعلموا﴾ ومن رأى أن الاحتجاج إنما هو على كفار العرب فيضطر في هذه القراءة إذ لا يمكن دفعها إلى أن يقول إنه خرج من مخاطبة قريش في استفهامهم وتقريرهم إلى مخاطبة بني إسرائيل بتوبيخهم وتوبيخ أفعالهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا مع بعده أسهل من دفع القراءة، فكأنه على هذا التأويل قال لقريش من