Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
تفسير سورة المائدة / الآيتان : ٤٩، ٥٠
المعتقدات فقط، وأما أحكام الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾.
قال القاضي أبو محمد: والتأويل الأول عليه الناس. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿لكل جعلنا
منكم﴾ الأمم كما قدمنا. ويحتمل أن يكون المراد الأنبياء لا سيما وقد تقدم ذكرهم وذكر ما أنزل عليهم،
وتجيء الآية مع هذا الاحتمال في الأنبياء تنبيهاً لمحمد صلى الله عليه وسلم أي فاحفظ شرعتك ومنهاجك
لئلا يستزلك اليهود وغيرهم في شيء منه، والمتأولون على أن الشرعة والمنهاج في هذه الآية لفظان بمعنى
واحد، وذلك أن الشرعة والشريعة هي الطريق إلى الماء وغيره مما يورد كثيراً فمن ذلك قول الشاعر:
بالي الثياب خفي الصوت مندوب
وفي الشرائع من جلان مقتنص
أراد في الطرق إلى المياه، ومنه الشارع وهي سكك المدن، ومنه قول الناس وفيها يشرع الباب،
والمنهاج أيضاً الطريق، ومنه قول الشاعر:
ماء رواء وطريق نهج
من يك في شك فهذا نهج
أراد واضحاً والمنهاج بناء مبالغة في ذلك، وقال ابن عباس وغيره: ﴿شرعة ومنهاجاً﴾ معناه سبيلاً
وسنة .
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: ويحتمل لفظ الآية أن يريد بالشرعة الأحكام، وبالمنهاج
المعتقد أي وهو واحد في جميعكم، وفي هذا الاحتمال بعد، والقراء على ((شرعة)) بكسر الشين وقرأ
إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب ((شَرعة)) بفتح الشين، ثم أخبر تعالى بأنه لو شاء لجعل العالم أمة واحدة
ولكنه لم يشأ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم من الكتب والشرائع، كذا قال ابن جريج وغيره،
فليس لهم إلا أن يجدّوا في امتثال الأوامر وهو استباق الخيرات، فلذلك أمرهم بأحسن الأشياء عاقبة لهم،
ثم حثهم تعالى بالموعظة والتذكير بالمعاد في قوله ﴿إلى الله مرجعكم جميعاً﴾ والمعنى فالبدار البدار،
وقوله تعالى: ﴿فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ معناه يظهر الثواب والعقاب فتخبرون به إخبار إيقاع، وإلا
فقد نبأ الله في الدنيا بالحق فيما اختلفت الأمم فيه.
قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية بارعة الفصاحة جمعت المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، وكل
كتاب الله كذلك، إلا أنا بقصور أفهامنا يبين في بعض لنا أكثر مما يبين في بعض.
قوله عز وجل :
وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ وَلَا تَقَّبِعْ أَهْوَاءَ هُمْ وَأَحْذَرُهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَـ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ
إِلَيْكٌ فَإِن تَوَلَّوْ فَأَعْلَمْ أَنََّا يُرِبِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ
٤٩٦
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
٥٠
﴿وأن احكم﴾ معطوف على ﴿الكتاب﴾ في قوله: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال
مكي: هو معطوف على ((الحق)) في قوله: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق﴾ [المائدة: ٤٨]، والوجهان حسنان، ويقرأ

٢٠٢
تفسير سورة المائدة / الآيتان: ٤٩، ٥٠
بضم النون من ((أنّ احكم)) مراعاة للضمة في عين الفعل المضارع، ويقرأ بكسرها على القانون في التقاء
الساكنين، وهذه الآية ناسخة عند قوم للتخيير الذي في قوله ﴿أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: ٤٢] وقد تقدم
ذكر ذلك، ثم نهاه تعالى عن اتباع أهواء بني إسرائيل إذ هي مضلة، والهوى في الأغلب إنما يجيء عبارة
عما لا خير فيه، وقد يجيء أحياناً مقيداً بما فيه خير، من ذلك قول عمر بن الخطاب في قصة رأيه ورأي
أبي بكر في أسرى بدر: فهوى رسول الله رأي أبي بكر، ومنه قول عمر بن عبد العزيز وقد قيل له ما ألذ
الأشياء عندك؟ قال: حق وافق هوى، والهوى مقصور ووزنه فعل، ويجمع على أهواء، والهواء ممدود
ويجمع على أهوية، ثم حذر تبارك وتعالى من جهتهم ((أن يفتنوه)) أي يصرفوه بامتحانهم وابتلائهم عن شيء
مما أنزل الله عليه من الأحكام، لأنهم كانوا يريدون أن يخدعوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا له مراراً
احكم لنا في نازلة كذا بكذا ونتبعك على دينك، وقوله تعالى: ﴿فإن تولوا﴾ قبله محذوف من الكلام يدل
عليه الظاهر، تقديره لا تتبع واحذر، فإن حكموك مع ذلك واستقاموا فنعما ذلك وإن تولوا فاعلم، ويحسن
أن يقدر هذا المحذوف المعادل بعد قوله ﴿الفاسقون﴾، وقوله تعالى: ﴿فاعلم) الآية وعد للنبي صلى الله عليه
وسلم فيهم، وقد أنجزه بقصة بني قينقاع وقصة قريظة والنضير وإجلاء عمر أهل خيبر وفدك وغيرهم،
وخصص تعالى إصابتهم ببعض الذنوب دون كلها لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا وذنوبهم فيها نوعان:
نوع يخصهم كشرب الخمر ورباهم ورشاهم ونحو ذلك، ونوع يتعدى إلى النبي والمؤمنين كمعاملاتهم
للكفار وأقوالهم في الدين، فهذا النوع هو الذي يوجد إليهم السبيل وبه هلكوا وبه توعدهم الله في الدنيا،
فلذلك خصص البعض دون الكل، وإنما يعذبون بالكل في الآخرة، وقوله تعالى: ﴿وإن كثيراً من الناس
لفاسقون﴾ إشارة إليهم لكن جاءت العبارة تعمهم وغيرهم ليتنبه سواهم ممن كان على فسق ونفاق وتولٌ عن
النبي عليه السلام فيرى أنه تحت الوعيد.
واختلف القراء في قوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾ فقرأ الجمهور بنصب الميم على إعمال
فعل ما يلي ألف الاستفهام بينه هذا الظاهر بعد، وقرأ يحيى بن وثاب والسلمي وأبو رجاء والأعرج
((أُفحكمٌ)) برفع المیم، قال ابن مجاهد: وهي خطأ، قال أبو الفتح: ليس كذلك ولكنه وجه غيره أقوى منه.
وقد جاء في الشعر، قال أبو النجم:
قد أصبحت أم الخيار تدعي عليّ ذنباً كلُّه لم أصنع
برفع كلّ.
قال القاضي أبو محمد: وهكذا الرواية، وبها يتم المعنى الصحيح لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنب،
ولو نصب ((كل)) لكان ظاهر قوله إنه صنع بعضه، وهذا هو حذف الضمير من الخبر وهو قبيح، التقدير يبغونه
ولم أصنعه، وإنما يحذف الضمير كثيراً من الصلة كقوله تعالى: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولاً﴾
[الفرقان: ٤١]، وكما تقول مررت بالذي أكرمت، ويحذف أقل من ذلك من الصفة، وحذفه من الخبر قبيح
كما جاء في بيت أبي النجم، ويتجه بيته بوجهين: أحدهما أنه ليس في صدر قوله ألف استفهام يطلب
الفعل كما هي في قوله تعالى: ﴿أَفحكم﴾ والثاني أن في البيت عوضاً من الهاء المحذوفة، وذلك حرف

٢٠٣
تفسير سورة المائدة / الآيتان : ٥٢،٥١
الإطلاق أعني الياء في اصنعي فتضعف قراءة من قرأ ((أفحكمُ)) بالرفع لأن الفعل بعده لا ضمير فيه ولا عوض
من الضمير، وألف الاستفهام التي تطلب الفعل ويختار معها النصب وإن لفظ بالضمير حاضرة، وإنما تتجه
القراءة على أن يكون التقدير أفحكم الجاهلية حكم يبغون فلا تجعل يبغون خبراً بل تجعله صفة خبر
موصوف محذوف، ونظيره قوله تعالى: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم﴾ [النساء: ٤٦] تقديره قوم
يحرفون فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، ومثله قول الشاعر:
أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وما الدهر إلا تارتان فمنهما
وقرأ سليمان بن مهران (أفحَكَمَ)) بفتح الحاء والكاف والميم وهو اسم جنس، وجاز إضافة اسم
الجنس على نحو قولهم منعت العراق قفيزها ودرهمها ومصر أردبها، وله نظائر.
قال القاضي أبو محمد: فكأنه قال أفحكام الجاهلية يبغون؟ إشارة إلى الكهان الذين كانوا يأخذون
الحلوان ويحكمون بحسبه وبحسب الشهوات، ثم ترجع هذه القراءة بالمعنى إلى الأولى لأن التقدير
﴿أفحكم الجاهلية﴾، وقرأ ابن عامر ((تبغون)) بالتاء على الخطاب لهم أي قل لهم. وباقي السبعة ((يبغون))
بالياء من تحت، و﴿يبغون﴾ معناه يطلبون ويريدون، وقوله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله حكماً﴾ تقرير أي لا
أحد أحسن منه حكماً تبارك وتعالى وحسن دخول اللام في قوله: ﴿لقوم﴾ من حيث المعنى يبين ذلك
ويظهر لقوم يوقنون.
قوله عز وجل :
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نَتَّخِذُ واْيَهُودَ وَالنَّصَرَىَّ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَمَن يَتَوَلَهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّاللَّهَ
◌َ فَتَرَىَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا
لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ اُلَّلِينَ
٥١
دَآبِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِى بِالْفَتْحِ أَوْأَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ
٥٢
نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء في النصرة والخلطة المؤدية إلى
الامتزاج والمعاضدة. وحكم هذه الآية باق. وكل من أكثر مخالطة هذين الصنفين فله حظه من هذا المقت
الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿فإنه منهم﴾، وأما معاملة اليهودي والنصراني من غير مخالطة ولا ملابسة فلا
تدخل في النهي، وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودياً ورهنه درعه، واختلف المفسرون في
سبب هذه الآية، فقال عطية بن سعد والزهري وابن إسحاق وغيرهم: سببها أنه لما انقضت بدر وشجر أمر
بني قينقاع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلهم فقام دونهم عبد الله بن أبي ابن سلول وكان حليفاً
لهم، وكان لعبادة بن الصامت من حلفهم مثل ما لعبد الله، فلما رأى عبادة منزع رسول الله صلى الله عليه
وسلم وما سلكته يهود من المشاقة لله ورسوله جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني
أبرأ إلى الله من حلف يهود وولائهم ولا والي إلا الله ورسوله، وقال عبد الله بن أبي: أما أنا فلا أبرأ من ولاء
يهود، فإني لا بد لي منهم إني رجل أخاف الدوائر، وحكى ابن إسحاق في السير أنه قام إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأدخل يده في جيب درعه، وقال: يا محمد أحسن في مواليُّ، فقال له رسول الله :

٢٠٤
تفسير سورة المائدة / الآيتان : ٥٢،٥١
أرسل الدرع من يدك، فقال لا والله حتى تهبهم لي لأنهم ثلاثمائة دارع وأربعمائة حاسر أفأدعك تحصدهم
في غداة واحدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد وهبتهم لك، ونزلت الآية في ذلك، وقال
السدي: سبب هذه الآية أنه لما نزل بالمسلمين أمر أحد فزع منهم قوم وقال بعضهم لبعض نأخذ من اليهود
عصماً ليعاضدونا إن ألمّت بنا قاصمة من قريش وسائر العرب، فنزلت الآية في ذلك، وقال عكرمة: سبب
الآية أمر أبي لبابة بن عبد المنذر وإشارته إلى قريظة أنه الذبح حين استفهموه عن رأيه في نزولهم على
حکم سعد بن معاذ.
قال القاضي أبو محمد: وكل هذه الأقوال محتمل، وأوقات هذه النوازل مختلفة، وقرأ أبي بن كعب
وابن عباس ((لا تتخذوا اليهود والنصارى أرباباً بعضهم))، وقوله تعالى: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ جماعة مقطوعة
من النهي يتضمن التفرقة بينهم وبين المؤمنين، وقوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ إنحاء على
عبد الله بن أبيّ وكل من اتصف بهذه الصفة من موالاتهم، ومن تولاهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر
واستحقاق النقمة والخلود في النار، ومن تولاهم بأفعاله من العضد ونحوه دون معتقد ولا إخلال بإيمان فهو
منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم وعليه، وبهذه الآية جوز ابن عباس وغيره ذبائح النصارى من العرب
وقال: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ فقال من دخل في دين قوم فهو منهم، وسئل ابن سيرين رحمه الله
عن رجل أراد بيع داره من نصارى يتخذونها كنيسة فتلا هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿إن الله لا يهدي القوم
الظالمين) عموم فإما أن يراد به الخصوص فيمن سبق في علم الله أن لا يؤمن ولا يهتدي وإما أن يراد به
تخصيص مدة الظلم والتلبس بفعله، فإن الظلم لا هدى فيه، والظالم من حيث هو ظالم فليس بمهديّ في
ظلمه .
وقوله تعالى: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض) الآية، مخاطبة محمد صلى الله عليه وسلم والإشارة
إلى عبد الله بن أبيّ ابن سلول ومن تبعه من المنافقين على مذهبه في حماية بني قينقاع، ويدخل في الآية
من كان من مؤمني الخزرج يتابعه جهالة وعصبية، فهذا الصنف له حظه من مرض القلب، وقراءة جمهور
الناس ((ترى)) بالتاء من فوق، فإن جعلت رؤية عين ﴿فيسارعون﴾ حال وفيها الفائدة المقصودة، وإن جعلت
رؤية قلب فـ ﴿يسارعون﴾ في موضع المفعول الثاني، ويقولون حال، وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن
وثاب ((فيرى)) بالياء من تحت والفاعل على هذه القراءة محذوف ولك أن تقدر فيرى الله أو
غيرى الرأي و﴿الذين﴾ مفعول، ويحتمل أن يكون ﴿الذين﴾ فاعل والمعنى أن يسارعوا فحذفت ((أن))
إيجازاً ﴿يسارعون فيهم﴾ معناه في نصرتهم وتأنيسهم وتجميل ذكرهم، وقوله تعالى: ﴿يقولون نخشى أن
تصيبنا دائرة﴾ لفظ محفوظ عن عبد الله بن أبيّ، ولا محالة أنه قال بقوله منافقون كثير، والآية تعطي ذلك،
و﴿دائرة﴾ معناه نازلة من الزمان وحادثة من الحوادث تحوجنا إلى موالينا من اليهود، وتسمى هذه الأمور دوائر
علی قديم الزمان من حيث الليل والنهار في دوران، فكأن الحادث يدور بدورانها حتى ينزل فيمن نزل،
ومنه قول الله تعالى: ﴿دائرة السوء﴾ [التوبة: ٩٨، الفتح: ٦] و﴿يتربص بكم الدوائر﴾ [التوبة: ٩٨]
ومنه قول الشاعر:
والدهر بالإنسان دواريّ

٢٠٥
تفسير سورة المائدة / الآيتان : ٥٢،٥١
وقول الآخر:
ويعلم أن النائبات تدور
وقول الآخر:
يرد عنك القدر المقدورا
ودائرات الدهر أن تدورا
ويعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الزمان قد استدار)).
قال القاضي أبو محمد: وفعل عبد الله بن أبيّ في هذه النازلة لم يكن ظاهره مغالبة رسول الله صلى
الله عليه وسلم، ولو فعل ذلك لحاربه رسول الله، وإنما كان يظهر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يستبقيهم
لنصرة محمد ولأن ذلك هو الرأي، وقوله إني امرؤ أخشى الدوائر أي من العرب وممن يحارب المدينة
وأهلها، وكان يبطن فى ذلك كله التحرز من النبي والمؤمنين وألفت في أعضادهم، وذلك هو الذي أسر هو
في نفسه ومن معه على نفاقه ممن يفتضح بعضهم إلى بعض، وقوله تبارك وتعالى: ﴿فعسى الله﴾ مخاطبة
للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ووعد لهم، و((عسى)) من الله واجبة، واختلف المتأولون في معنى
﴿الفتح﴾ في هذه الآية فقال قتادة: يعني به القضاء في هذه النوازل، والفتاح القاضي، فكان هذا الوعد هو
مما نزل ببني قينقاع بعد ذلك وبقريظة والنضير، وقال السدي؛ يعني به فتح مكة.
قال القاضي أبو محمد: وظاهر الفتح في هذه الآية ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلو
كلمته، أي فيبدو الاستغناء عن اليهود ويرى المنافق أن الله لم يوجد سبيلاً إلى ما كان يؤمل فيهم من
المعونة على أمر محمد صلى الله عليه وسلم والدفع في صدر نبوته فيندم حينئذ على ما حصل فيه من محادة
الشرع، وتجلل ثوب المقت من الله تعالى ومن رسوله عليه السلام والمؤمنين كالذي وقع وظهر بعد، وقوله
تعالى: ﴿أو أمر من عنده﴾ قال السدي المراد ضرب الجزية.
قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن هذا التقسيم إنما هو لأن الفتح الموعود به هو ما يتركب على سعي
النبي وأصحابه ويسببه جدهم وعملهم، فوعد الله تعالى إما بفتح بمقتضى تلك الأفعال وإما بأمر من عنده
يهلك أعداء الشرع هو أيضاً فتح لا يقع للبشر فيه تسبيب، وقوله تعالى: ﴿فيصبحوا﴾ معناه يكونون كذلك
طول دهرهم، وخص الإصباح بالذكر لأن الإنسان في ليله مفكر متستر، فعند الصباح يرى بالحالة التي
اقتضتها فكره أو أمراضه ونحو ذلك ومنه قول الشاعر:
أصبحت لا أحمل السلاح
إلى غير هذا من الأمثلة، والذي أسروه هو ما ذكرناه من التمرس بالنبي صلى الله عليه وسلم وإعداد
اليهود للثورة عليه يوماً ما، وقرأ ابن الزهري ((فيصبح الفساق على ما أسروا في أنفسهم نادمين)).
قوله عز وجل.
وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْأَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ إِنَّهُمْلَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ

٢٠٦
تفسير سورة المائدة / الآيتان : ٥٤:٥٣
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَنْ يَرْتَكَّ مِنكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَأَذِلَّةٍ عَلَى
٥٣
خَسِرِينَ
اُلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَبِرٍ ذَلِكَ فَضْلُ اُللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن
٥٤
يَشَاءُ وَاَللَّهُ وَاسِعُ عَلِيهُ
اختلف القراء في هذه الآية فقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع ((يقول)) بغير واو عطف ويرفع اللام.
وكذلك ثبت في مصاحف المدينة ومكة. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ((ویقول)) بإثبات الواو. وكذلك ثبت
في مصاحف الكوفيين. وقال الطبري كذلك هي في مصاحف أهل الشرق. وقرأ أبو عمرو وحده «ويقولَ))
بإثبات الواو وبنصب اللام. قال أبو علي وروى علي بن نصر عن أبي عمرو النصب والرفع في اللام. فأما
قراءة ابن كثير ونافع فمتعاضدة مع قراءة حمزة والكسائي. لأن الواو ليست عاطفة مفرد على مفرد مشركة في
العامل وإنما هي عاطفة جملة على جملة وواصلة بينهما والجملتان متصلتان بغير واو. إذ في الجملة الثانية
ذكر من الجملة المعطوف عليها. إذ الذين يسارعون وقالوا نخشى ويصبحون نادمين هم الذين قيل فيهم.
﴿أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم) فلما كانت الجملتان هكذا حسن العطف بالواو
وبغير الواو. كما أن قوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم﴾
[الكهف: ٢٢] لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر مما تقدم اكتفى بذلك عن الواو، وعلى هذا قوله
تعالى: ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٣٩ الأعراف: ٣٦ يونس: ٢٧] ولو دخلت الواو
فقيل «وهم فيها خالدون)» كان حسناً .
قال القاضي أبو محمد: ولكن براعة الفصاحة في الإيجاز، ويدل على حسن دخول الواو قوله
تعالى: ﴿ويقولون سبعة وثامنهم كلهم﴾ [الكهف: ٢٢] فحذف الواو من قوله ﴿ويقول الذين آمنوا)
كحذفها من هذه الآية، وإلحاقها في قوله ﴿ثامنهم﴾ .
قال القاضي أبو محمد: وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا القول من المؤمنين إنما هو إذا جاء
الفتح حصلت ندامة المنافقين وفضحهم الله تعالى، فحينئذ يقول المؤمنون ﴿أهؤلاء الذين أقسموا﴾ [المائدة:
٥٣] الآية. وتحتمل الآية أن تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين في قلوبهم مرض
﴿نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ [المائدة: ٥٢] وعند أفعالهم ما فعلوا في حكاية بني قينقاع. فظهر فيها سرهم
وفهم منهم أن تمسكهم بهم إنما هو إرصاد لله ولرسوله. فمقتهم النبي والمؤمنون، وترك النبي صلى الله
عليه وسلم بني قينقاع لعبد الله بن أبيّ رغبة في المصلحة والألفة، وبحكم إظهار عبد الله أن ذلك هو الرأي
من نفسه وأن الدوائر التي يخاف إنما هي ما يخرب المدينة وعلم المؤمنون وكل فطن أن عبد الله في ذلك
بخلاف ما أبدى. فصار ذلك موطناً يحسن أن يقول فيه المؤمنون ﴿أهؤلاء الذين أقسموا﴾
الآية، وأما قراءة أبي عمرو ويقول بنصب اللام فلا يتجه معها أن يكون قول المؤمنين إلا عند الفتح وظهور
ندامة المنافقين وفضيحتهم، لأن الواو عاطفة فعل على فعل مشركة في العامل، وتوجه عطف ﴿ويقول﴾ مطرد
على ثلاثة أوجه، أحدها على المعنى، وذلك أن قوله ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾ [المائدة: ٥٢] إنما
المعنى فيه فعسى الله أن يأتي بالفتح فعطف قوله تعالى: ﴿ويقول﴾ على ﴿يأتي﴾ اعتماداً على المعنى، وإلا فلا

٢٠٧
تفسير سورة المائدة / الآيتان : ٥٣، ٥٤
يجوز أن يقال عسى الله أن يقول المؤمنون. وهكذا قوله تعالى: ﴿لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن﴾
[المنافقون: ١٠] لما كان المعنى ((أخرني إلى أجل قريب)» أصدق وحمل ﴿أكن﴾ على الجزم الذي يقتضيه
المعنى في قوله ﴿فأصدق﴾، والوجه الثاني أن يكون قوله ﴿أن يأتي بالفتح﴾ [المائدة: ٥٢] بدلاً من اسم
الله عز وجل كما أبدل من الضمير في قوله تعالى: ﴿وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره﴾ [الكهف: ٦٣] ثم
يعطف ﴿ويقول﴾ على أن يأتي لأنه حينئذ كأنك قلت عسى أن يأتي، والوجه الثالث أن يعطف قوله
﴿ويقول﴾ على ﴿فيصبحوا﴾ [المائدة: ٥٢] إذ هو فعل منصوب بالفاء في جواب التمني، إذ قوله عسى الله
تمن وترج في حق البشر، وفي هذا الوجه نظر وكذلك عندي في منعهم جواز عسى الله أن يقول المؤمنون
نظر، إذ الله تعالى يصيرهم يقولون بنصره وإظهار دينه، فينبغي أن يجوز ذلك اعتماداً على المعنى وقوله
تعالى: ﴿جهد أيمانهم) نصب جهد على المصدر المؤكد والمعنى أهؤلاء هم المقسمون باجتهاد منهم
في الأيمان ﴿ إنهم لمعكم﴾ ثم قد ظهر الآن منهم من موالاة اليهود وخذل الشريعة ما يكذب إيمانهم،
ويحتمل قوله تعالى: ﴿حبطت أعمالهم) أن يكون إخباراً من الله تعالى، ويحتمل أن يكون من قول
المؤمنين على جهة الإخبار بما حصل في اعتقادهم إذ رأوا المنافقين في هذه الأحوال، ويحتمل أن يكون
قوله ﴿حبطت أعمالهم﴾ على جهة الدعاء إما من الله تعالى عليهم وإما من المؤمنين، وحبط العمل إذا بطل
بعد أن كان حاصلاً، وقد يقال حبط في عمل الكفار وإن كان لم يتحصل على جهة التشبيه، وقرأ جمهور
الناس ((حبطت بكسر الباء وقرأ أبو واقد والجراح ((حبطت)) بفتح الباء وهي لغة.
وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه﴾ الآية قال فيها الحسن بن أبي الحسن
ومحمد بن كعب القرظي والضحاك وقتادة نزلت الآية خطاباًللمؤمنين عامة إلى يوم القيامة، والإشارة بالقوم
الذين يأتي الله بهم إلى أبي بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة، وقال هذا القول ابن جريج
وغيره.
قال القاضي أبو محمد: ومعنى الآية عندي أن الله وعد هذه الأمة من ارتد منها فإنه يجيء بقوم
ينصرون الدين ويغنون عن المرتدين فكان أبو بكر وأصحابه ممن صدق فيهم الخبر في ذلك العصر،
وكذلك هو عندي أمر عليّ مع الخوارج، وروى أبو موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية قرأها النبي
صلى الله عليه وسلم وقال: هم قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري وقال هذا القول عياض، وقال شريح بن
عبيد: لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنا وقومي هم يا رسول الله فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ولكنهم قوم هذا، وأشار إلى أبي موسى، وقال مجاهد ومحمد بن كعب
أيضاً: الإشارة إلى أهل اليمن، وقاله شهر بن حوشب.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله عندي قول واحد، لأن أهل اليمن هم قوم أبي موسى، ومعنى ؟
الآية على هذا القول مخاطبة جميع من حضر عصر النبي صلى الله عليه وسلم على معنى التنبيه لهم
والعتاب والتوعد، وقال السدي الإشارة بالقوم إلى الأنصار.

٢٠٨
تفسير سورة المائدة / الآيات: ٥٥ - ٥٧
قال القاضي أبو محمد: وهذا على أن يكون قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ خطاباً للمؤمنين
الحاضرين يعم مؤمنهم ومنافقهم. لأن المنافقين كانوا يظهرون الإيمان، والإشارة بالارتداد إلى المنافقين،
والمعنى أن من نافق وارتد فإن المحققين من الأنصار يحمون الشريعة ويسد الله بهم كل ثلم، وقرأ أبو عمرو
وابن كثير وحمزة والكسائي وعاصم ((يرتد)) بإدغام الدال في الدال، وقرأ نافع وابن عامر ((يرتدد)) بترك
الإدغام، وهذه لغة الحجاز، مكة وما جاورها، والإدغام لغة تميم، وقوله تعالى ﴿أذلة على المؤمنين﴾ معناه
متذللين من قبل أنفسهم غير متكبرين، وهذا كقوله تعالى: ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾
[الفتح: ٢٩]. وكقوله عليه السلام ((المؤمن هين لين))، وفي قراءة ابن مسعود ((أذلة على المؤمنين غلظاء
على الكافرين))، وقوله تعالى: ﴿ولا يخافون لومة لائم﴾ إشارة إلى الرد على المنافقين في أنهم كانوا
يعتذرون بملامة الأخلاق والمعارف من الكفار ويراعون أمرهم، وقوله تعالى: ﴿ذلك فضل الله﴾ الإشارة
بذلك إلى كون القوم يحبون الله ويحبهم، وقد تقدم القول غير مرة في معنى محبة الله للعبد وأنها إظهار
النعم المنبئة عن رضاه عنه وإلباسه إياها. و﴿واسع﴾ معناه ذو سعة فيما يملك ويعطي وينعم.
قوله عز وجل :.
إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَءَامَنُواْلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ (٢) وَمَن يَتَوَلَّ اُللَّهَ
◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ أَّخَذُ واْ دِيَنَّكُمْ هُزُوا
وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ
وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَاَلْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَتَّقُواْاللَّهَ إِنْ كُمْ مُؤْمِنِينَ
٥٧
الخطاب بقوله: ﴿إنما وليكم الله﴾ الآية للقوم الذين قيل لهم ﴿لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ [المائدة:
٥١]، و﴿إنما﴾ في هذه الآية حاصرة يعطي ذلك المعنى، وولي اسم جنس، وقرأ ابن مسعود ((إنما موليكم الله))
وقوله: ﴿والذين آمنوا﴾ أي ومن آمن من الناس حقيقة لا نفاقاً وهم ﴿الذين يقيمون الصلاة﴾ المفروضة بجميع
شروطها ﴿ويؤتون الزكاة﴾، وهي هنا لفظ عام الزكاة المفروضة وللتطوع بالصدقة ولكل أفعال البر، إذ هي تنمية
للحسنات مطهرة للمرء من دنس الذنوب، فالمؤمنون يؤتون من ذلك كل بقدر استطاعته، وقرأ ابن مسعود
((آمنوا والذين يقيمون)) بواو، وقوله تعالى: ﴿وهم راكعون﴾ جملة معطوفة على جملة، ومعناها وصفهم
بتكثير الصلاة وخص الركوع بالذكر لكونه من أعظم أركان الصلاة، وهو هيئة تواضع فعبر به عن جميع
الصلاة، كما قال ﴿والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥] وهي عبارة عن المصلين، وهذا قول جمهور
المفسرين، ولكن اتفق أن علياً بن أبي طالب أعطى صدقة وهو راكع، قال السدي: هذه الآية في جمع
المؤمنين ولكن علياً بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه، وروي في ذلك أن النبي
صلى الله عليه وسلم خرج من بيته وقد نزلت عليه الآية فوجد مسكيناً فقال له هل أعطاك أحد شيئاً فقال
نعم، أعطاني ذلك الرجل الذي يصلي خاتماً من فضة، وأعطانيه وهو راكع، فنظر النبي صلى الله عليه
وسلم فإذا الرجل الذي أشار إليه علي بن أبي طالب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، الله أكبر وثلا الآية
على الناس.

٢٠٩
تفسير سورة المائدة / الآيات: ٥٥ - ٥٧
قال القاضي أبو محمدرضي الله عنه: وقال مجاهد: نزلت الآية في علي بن أبي طالب تصدق وهو
راكع، وفي هذا القول نظر، والصحيح ما قدمناه من تأويل الجمهور، وقد قيل لأبي جعفر نزلت هذه الآية
في علي، فقال علي من المؤمنين، والواو على هذا القول في قوله ﴿وهم﴾ واوا الحال، وقال قوم نزلت
الآية من أولها بسبب عبادة بن الصامت وتبريه من بني قينقاع، وقال ابن الكلبي نزلت بسبب قوم أسلموا من
أهل الكتاب فجاؤوا فقالوا يا رسول الله بيوتنا بعيدة ولا متحدث لنا إلا مسجدك وقد أقسم قومنا أن لا
يخالطونا ولا يوالونا، فنزلت الآية مؤنسة لهم.
ثم أخبر تعالى أن من يتول الله ورسوله والمؤمنين فإنه غالب كل من ناوأه، وجاءت العبارة عامة ﴿فإن
حزب الله هم الغالبون﴾ اختصاراً لأن المتولي هو من حزب الله، وحزب الله غالب، فهذا الذي تولى الله
ورسوله والمؤمنين غالب، و﴿من﴾ يراد بها الجنس لا مفرد بعينه، و((الحزب)) الصاغية والمنتمون إلى صاحب
الحزب والمعاونون فيما يحزب، ومنه قول عائشة في حمنة: وكانت تحارب في أمر الإفك فهلكت فيمن
هلك، ثم نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، فوسمهم بوسم يحمل النفوس على
تجنبهم، وذلك اتخاذهم دين المؤمنين ﴿هزواً ولعباً﴾ والهزء السخرية والازدراء ويقرأ ((هزُؤاً) بضم الزاي
والهمز، و((هزْؤاً)) بسكون الزاي والهمز ويوقف عليه هزاً بتشديد الزاي المفتوحة، و((هزُوا)) بضم الزاي
وتنوين الواو، و((هزآ)) بزاي مفتوحة منونة، ثم بين تعالى جنس هؤلاء أنهم من أهل الكتاب اليهود
والنصارى، واختلف القراء في إعراب ﴿الكفار﴾ فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة: ((والكفار))
نصباً، وقرأ أبو عمرو والكسائي ((والكفارِ)) خفضاً، وروى حسين الجعفي عن أبي عمرو النصب، قال أبو
علي : حجة من قرأ بالخفض حمل الكلام على أقرب العاملين وهي لغة التنزيل.
قال القاضي أبو محمد: ويدخل ((الكفار)) على قراءة الخفض فيمن اتخذ دين المؤمنين هزؤاً، وقد
ثبت استهزاء الكفار في قوله: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ [الحجر: ٩٥] وثبت استهزاء أهل الكتاب في لفظ
هذه الآية، وثبت استهزاء المنافقين في قولهم لشياطينهم ﴿إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ [البقرة: ١٤]،
ومن قرأ ((الكفارَ)) بالنصب حمل على الفعل الذي هو ﴿لا تتخذوا﴾، ويخرج الكفار من أن يتضمن لفظ هذه،
الآية استهزاءهم، وقرأ أبيّ بن كعب ((ومن الكفار)) بزيادة ((من)) فهذه تؤيد قراءة الخفض، وكذلك في قراءة
ابن مسعود ((من قبلكم من الذي أشركوا))، وفرقت الآية بين الكفار وبين الذين أوتوا الكتاب من حيث الغلب
في اسم الكفار أن يقع على المشركين بالله إشراك عبادة أوثان، لأنهم أبعد شأواً في الكفر، وقد قال تعالى :
﴿جاهد الكفار والمنافقين﴾ [التوبة: ٧٣] ففرق بينهم إرادة البيان والجمع كفار وكان هذا لأن عباد الأوثان
هم كفار من كل جهة، وهذه الفرق تلحق بهم في حكم الكفر وتخالفهم في رتب، فأهل الكتاب يؤمنون
بالله وببعض الأنبياء، والمنافقون بألسنتهم، ثم أمر تعالى بتقواه ونبه النفوس بقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي
حق مؤمنين .
قوله عز وجل :
٥٨
قُلْ يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ هَلْ
وَإِذَانَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ أَتَّخَذُوهَا هُزُوًّا وَلَعِبَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ

٢١٠
تفسير سورة المائدة / الآيات: ٥٨ - ٦٠
تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَسِقُونَ [® ◌َقُلْ هَلْ أَنَّبِّئُكُمْ بِشَرٍ
مِّن ذَلِكَ مَثُّوَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَازِيَرَ وَعَبَدَ الطَّغُونَ أُوْلَبِّكَ
شَرٌ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنِ سَوَآءِ السَّبِيلِ
٦٠
قوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم﴾ الآية إنحاء على اليهود وتبيين لسوء فعلهم فإنهم كانوا إذا سمعوا قيام
المؤمنين إلى الصلاة قال بعضهم لبعض، قد قاموا لا قاموا، إلى غير هذا من الألفاظ التي يستخفون بها في
وقت الأذان وغيره، وكل ما ذكر من ذلك فهو مثال، وقد ذكر السدي أنه كان رجل من النصارى بالمدينة
فكان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن محمداً رسول الله، قال حرق الله الكاذب، فما زال كذلك حتى سقط
مصباح في بيته ليلة فأحرقه واحترق النصراني لعنه الله، ثم ذكر تعالى أن فعلهم هذا إنما هو لعدم عقولهم،
وإنما عدموها إذ لم تتصرف كما ينبغي بها، فكأنها لم توجد.
ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لأهل الكتاب ﴿هل تتقمون منا﴾ ومعناه هل تعدون
علينا ذنباً أو نقيصة، يقال ((نقَم)) بفتح القاف ينقِم بكسرها، وعلى هذه اللغة قراءة الجمهور، ويقال ((نقِم))
بكسر القاف ينقَم بفتحها وعلى هذه اللغة قرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو البرهسم ،والنخعي، وهذه الآية
من المحاورة البليغة الوجيزة، ومثلها قوله تعالى: ﴿وما نقموا منهم، إلا أن يؤمنوا بالله﴾ [البروج: ٨] ونظير
هذا الغرض في الاستثناء قول النابغة :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
وقرأ الجمهور ((أنزل)) بضم الهمزة، وكذلك في الثاني، وقرأ أبو نهيك ((أنزل)) بفتح الهمزة والزاي
فيهما، وقوله تعالى: ﴿وأن أكثركم فاسقون﴾ هو عند أكثر المتأولين معطوف على قوله: ﴿أن آمنا﴾ فيدخل
كونهم فاسقين فيما نقموه، وهذا لا يتجه معناه، وروي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال في ذلك بفسقهم
نقموا علينا الإيمان .
قال القاضي أبو محمد: وهذا الكلام صحيح في نفسه لكنه غير مغن في تقويم معنى الألفاظ ،
وإنما يتجه على أن يكون معنى المحاورة هل تنقمون منا إلا عموم هذه الحال من إنا مؤمنون وأنتم فاسقون،
ويكون ﴿وأن أكثركم فاسقون﴾ مما قرره المخاطب لهم، وهذا كما تقول لمن تخاصمه هل تنقم مني إلا
أن صدقت أنا وكذبت أنت، وهو لا يقر بأنه كاذب ولا ينقم ذلك، لكن معنى كلامك: هل تنقم إلا مجموع
هذه الحال، وقال بعض المتأولين قوله: ﴿وأن أكثركم﴾ معطوف على (ما﴾، كأنه قال ﴿إلا أن آمنا بالله﴾
وبکتبه وبأن أکثرکم .
قال القاضي أبو محمد: وهذا مستقيم المعنى، لأن إيمان المؤمنين بأن أهل الكتاب المستمرين على
الكفر بمحمد فسقة هو مما ينقمونه، وذكر تعالى الأكثر منهم من حيث فيهم من آمن واهتدى.
وقوله تعالى: ﴿قل هل أنبئكم﴾ قرأ الجمهور بفتح النون وشد الباء، وقرأ ابن وثاب والنخعي
(أنْبتكم)) بسكون النون وتخفيف الباء من أنبأ وقرأ أكثر الناس: ((مثوبة)) بضم الثاء وسكون الواو، وقرأ ابن

٢١١
تفسير سورة المائدة / الآيات: ٥٨ - ٦٠
بريدة والأعرج ونبيح وابن عمران ((مثْوَبة)) بسكون الثاء وفتح الواو، وقال أبو الفتح هذا مما خرج عن أصله
شاذاً عن نظائره، ومثله قول العرب: الفاكهة مقْوَدة إلى الأذى، بسكون القاف وفتح الواو، والقياس مثابة
ومقادة، وأما مثُوبة بضم الثاء فأصلها مثوبة وزنها مفعلة بضم العين نقلت حركة الواو إلى الثاء وكانت قبل
مثوبة مثل مقولة، والمعنى في القراءتين مرجعاً عند الله أي في الحشر يوم القيامة، تقول العرب: ثاب يثوب
إذا رجع، منه قوله تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً﴾ [البقرة: ١٢٥] ومشى المفسرون في هذه.
الآية على أن الذين أمر أن يقول لهم ﴿هل أنبئكم﴾ هم اليهود والكفار المتخذون ديننا هزؤاً ولعباً، قال ذلك،
الطبري وتوبع عليه ولم يسند في ذلك إلى متقدم شيئاً، والآية تحتمل أن يكون القول للمؤمنين، أي قل یا
محمد للمؤمنين هل أنبئكم بشرٌّ من حال هؤلاء الفاسقين في وقت الرجوع إلى الله، أولئك أسلافهم الذين
لعنهم الله وغضب عليهم، فتكون الإشارة بذلك إلى حالهم من كون أكثرهم فاسقين، وتحتمل الآية أن
يكون القول للحاضرين من بني إسرائيل وتكون الإشارة بذلك إلى حال الحاضرين من كون أكثرهم فاسقين
ويكون قوله ﴿شر وأضل﴾ صفتي تفضيل بين شيئين لهما اشتراك في الشر والضلال، وتحتمل الآية أن يكون،
القول للحاضرين من بني إسرائيل والإشارة بذلك إلى إيمان المؤمنين وجميع حالهم ويوجه التفضيل بـ ﴿شر
وأضل﴾ على أن الاشتراك في الشر والضلال هو في معتقد اليهود فأما في الحقيقة فلا شر ولا ضلال عند
المؤمنين، ولا شركة لهم في ذلك مع اليهود والكفار، ويكون على هذا الاحتمال قوله: ﴿من لعنه الله﴾
الآية يراد به جميع بني إسرائيل الأسلاف والأخلاف، لأن الخلف يذم ويعير بمذمات السلف إذا كان
الخلف غير مراجع ولا ذام لما كان عليه سلفه، فهو في حكمه، وفي قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود
((من غضب الله عليهم وجعلهم قردة وخنازير))، واللعنة الإبعاد عن الخير، وقوله تعالى: ﴿وجعل) هي بمعنى،
صير، وقال أبو علي في كتاب الحجة هي بمعنى خلق.
قال القاضي أبو محمد: وهذه منه رحمه الله نزعة اعتزالية، لأن قوله: ﴿وعبد الطاغوت﴾ تقديره ومن
عبد الطاغوت، والمعتزلة لا ترى أن الله يصير أحداً عابد الطاغوت، وقد تقدم قصص مسخهم قردة في
سورة البقرة، وأما مسخهم خنازير، فروي أن ذلك بسبب امرأة كانت مؤمنة من بني إسرائيل وكفر ملك منهم
في مدينة من مدنهم وكفر معه أهل مملكته، فدعت المرأة قوماً إلى نصرة الدين فأجابوها فخرجت بهم
فهزموا ثم فعلت ذلك ثانية وثالثة في كل مرة يهزم جمعها، فيئست وباتت مهمومة، فلما أصبح رأت أهل
تلك المدينة ينفقون في نواحيها خنازير فقالت: الآن أعلم أن الله أعز دينه وآثر دينه، قال عمرو بن كثير بن
أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري ما كان مسخ بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة، وقوله تعالى: ﴿وعبد
الطاغوت﴾ تقديره ومن عبد الطاغوت، وذلك عطف على قوله: ﴿من لعنه الله﴾ أو معمول لـ ﴿جعل) وفي
هذا يقول أبو علي: إن ﴿جعل﴾ بمعنى خلق، واختلفت القراءة في هذا الحرف فقرأ حمزة وحده ((وعَبُد
الطاغوت)) بفتح العين وضم الباء وكسر التاء من الطاغوت وذلك أن ((عبد)) لفظ مبالغة كيقظ وندس فهو لفظ
مفرد يراد به الجنس وبني بناء الصفات، لأن ((عبدآ)) في الأصل صفة وإن كان استعمل استعمال الأسماء،
وذلك لا يخرجه عن حكم الصفة فلذلك لم يمتنع أن يبنى منه بناء الصفات، وقرأ بهذه القراءة الأعمش
ويحيى بن وثاب، ومنه قول الشاعر: [أوس بن حجر].

٢١٢
تفسير سورة المائدة / الآيات: ٥٨ - ٦٠
أبني لبينى إن أمكم أمة وإن أباكم عبد
ذكره الطبري وغيره بضم الباء وقرأ الباقون ((وعَبَد الطاغوت)) بفتح العين والباء على الفعل الماضي
وإعماله في الطاغوت وقد تقدم ذكره، وقرأ أبي بن كعب ((عبدوا الطاغوت))، على إسناد الفعل الماضي إلى
ضمير جمع، وقرأ ابن مسعود فيما روى عبد الغفار عن علقمة عنه ((وعَبُد الطاغوتُ)) بفتح العين وضم الباء
ورفع التاء من الطاغوت، وذلك على أن يصير له أن ((عبد)) كالخلق والأمر المعتاد المعروف، فهي في معنى
فقه وشرف وظرف، وقرأ ابن عباس وإبراهيم بن أبي عبلة ((وعَبَد الطاغوتِ)) بفتح العين والباء وكسر التاء من
الطاغوت، وذلك على أن المراد عبدة الطاغوت وحذفت الهاء تخفيفاً ومثله قول الراجز:
قام ولاها فسقوها صرخدا
أراد ولاتها فحذف تخفيفاً، وقرأ الحسن بن أبي الحسن في رواية عباد عنه ((وعَبْد الطاغوتِ)) بفتح
العين وسكون الباء وكسر التاء من الطاغوت وهذا على أنه اسم جنس مفرد يراد به جميع، وروي عن
الحسن من غير طريق عباد أنه قرأ بفتح العين والدال وسكون الباء ونصب التاء من الطاغوت، وهذه تتجه
على وجهين أحدهما أنه أراد و ((عبدآ الطاغوت)) فحذف التنوين كما حذف في قول الشاعر:
ولا ذاكر الله إلا قليلا
والوجه الآخر أن يريد ((عبد» الذي هو فعل ماض وسكن الباء على نحو ما هي عين الفعل مسكنة في
قول الشاعر:
وما كل مغبون ولو سلْف صفقة
فإن اللام من سلف مسكنة ونحو هذا قول أبي السمال ((ولعْنوا بما قالوا)) بسكون العين، فهذه قراءات
العين فيها مفتوحة، وقرأ أبو واقد الأعرابي في رواية العباس بن الفضل عنه ((وعُبَّادَ الطاغوتِ)) بضم العين
وشد الباء المفتوحة وألف بعدها وفتح الدال وكسر التاء من الطاغوت وذلك جمع عابد، وقرأ عون العقيلي
فيما روى عنه العباس بن الفضل أيضاً ((وعابدُ الطاغوت)) على وزن فاعل، والدال مرفوعة، قال أبو عمرو
تقديره وهم عابد الطاغوت.
قال القاضي أبو محمد: فهو اسم جنس، وروى عكرمة عن ابن عباس ((وعابدو الطاغوت)) بضمير
جمع، وقد قال بعض الرواة في هذه الأخيرة إنها تجويز لا قراءة، وقرأ ابن بريدة ((وعابد الطاغوتِ)) بفتح
العين والدال وكسر الباء والتاء، وقرأ بعض البصريين و((عباد الطاغوت)) بكسر العين وفتح الباء والدال وألف
بينهما وكسر التاء، قال أبو الفتح فيحتمل أن يكون ذلك جمع عابد كقائم وقيام وصائم وصيام، وقد يجوز
أن يكون جمع عبد، وقل ما يأتي عباد مضافاً إلى غير الله، وأنشد سيبويه:
أشابات يخالون العبادا
أتوعدني بقومك يا ابن حجل
قال أبو الفتح يريد عباد آدم عليه السلام، ولو أراد عباد الله فليس ذلك شيء يسب به أحد، وجميع
الخلق عباد الله .

٢١٣
تفسير سورة المائدة / الآيات: ٥٨ - ٦٠ -
قال القاضي أبو محمد: وهذا التعليق بآدم صلى الله عليه وسلم شاذ بعيد والاعتراض فيه باق، وليس
هذا مما يتخيل أن الشاعر قصده، وإنما أراد العبيد فساقته القافية إلى العباد، إذ يقال ذلك لمن تملك ملكة
ما وقد ذكر أن عرب الحيرة من العراق إنما سمّوا العباد لأنهم دخلوا في طاعة كسرى فدانتهم مملكة، وذكر
الطبري عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرأ ((وعَابِدَ الشيطان)) بفتح العين والدال وكسر الباء وألف قبلها وذكر
الشيطان بدل الطاغوت فهذه قراءات فيها ألف، وقرأ ابن عباس فيما روى عنه عكرمة وقرأها مجاهد ویحیی
ابن وثاب ((وعُبُدَ الطاغوتِ)) بضم العين والباء وفتح الدال وكسر التاء، وذلك جمع عبد كرهن ورهن وسقف
وسقف، وقال أحمد بن يحيى ثعلب هو جمع عابد كشارف وشرف، ومنه قول القينة:
ألا يا حمز للشرف النواء
وهن معلقات بالفناء
وقال أبو الحسن الأخفش: هو جمع عبيد وأنشد:
أنسب العبد إلى آبائه أسود الجلدة من قوم عبد
وقرأ الأعمش وغيره ((وعُبَّدَ الطاغوتِ)) بضم العين وشد الباء المفتوحة وفتح الدال وكسر التاء وذلك
على جمع عابد كضارب وضرب. وقرأ إبراهيم النخعي وأبو جعفر بن القعقاع والأعمش في رواية هارون
((وُبِدَ الطاغوتُ)) بضم العين وكسر الباء وفتح الدال وضم التاء كما تقول ضرب زيد، وضعّف الطبري هذه
القراءة وهي متجهة، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ ((وعبدت الطاغوت)) كما تقول ضربت المرأة،
وروى علقمة عن عبد الله بن مسعود ((وعُبَدَ الطاغوتِ)) بضم العين وفتح الباء والدال وكسر التاء، وهذا أيضاً
بناء مبالغة اسم مفرد يراد به هنا الجمع بني كحطم ولبد، وروى عكرمة عن ابن عباس: ((وعُبَّدَ الطاغوت))
على وزن فعل بضم الفاء وشد العين المفتوحة وفتح اللام ونصب التاء وهذه تتخرج على أنه أراد وعبداً
منوناً ثم حذف التنوين كما قال، ولا ذاكر الله، وقد تقدم نظيره و ﴿الطاغوت﴾ كل ما عبد من دون الله من وثن
أو آدمي يرضى ذلك أو شيطان، وقد استوعبت تفسيره في سورة البقرة، و((مكان)) يحتمل أن يريد في
الآخرة، فالمكان على وجهه أي المحل إذ محلهم جهنم، وأن يريد في الدنيا فهي استعارة للمكانة
والحالة، ووسواء السبيل﴾ وسطه ومنه قول العرب قمت حتى انقطع سوائي، ومنه قوله تعالى: ﴿في سواء
الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥] وخط الاستقامة في السبل إنما هو متمكن غاية التمكن في الأوساط فلذلك
خص السواء بالذكر، ومن لفظ السواء قيل خط الاستواء.
قوله عز وجل :
وَإِذَا جَآءُ وَكُمْ قَالُوَأْءَامَنَّا وَقَدَ دَّخَلُواْبِالْكُفْرِوَهُمْ قَدْ خَرَجُواْبِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوْيَكْتُمُونَ (٦) وَتَرَى كَثِيرًا
مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِى الْإِثْمِ وَاُلْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوْيَعْمَلُونَ ﴿ لَوْلَا يَنْهَنُهُمُ الرَّبَّنِيُونَ
وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهُ الْإِثْمَوَأَ كْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْيَصْنَعُونَ (٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن

٢١٤
تفسير سورة المائدة / الآيات : ٦١ - ٦٤
رَّيِّكَ طُغْيَنًا وَكُفْرًا وَأَلْفَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُ واْنَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَ هَا الَّةً
٦٤
وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
الضمير في ﴿جاؤوكم﴾ لليهود المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم وخاصة للمنافقين. نص على
ذلك ابن عباس وقتادة والسدي، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم دخلوا وهم كفار وخرجوا كذلك لم تنفعهم
الموعظة ولا نفع فيهم التذكير، وقوله: ﴿وهم﴾ تخليص من احتمال العبارة أن يدخل قوم بالكفر ثم يؤمنوا
ويخرج قوم وهم كفرة فكان ينطبق على الجميع وقد دخلوا بالكفر وقد خرجوا به، فأزال الاحتمال قوله
تعالى: ﴿وهم قد خرجوا به﴾ أي هم بأعيانهم ثم فضحهم تعالى بقوله: ﴿والله أعلم بما كانوا يكتمون﴾
أي من الكفر.
وقوله تعالى لنبيه: ﴿وترى﴾ يحتمل أن يكون من رؤية البصر ويحتمل من رؤية القلب ويكون
المفعول الثاني ﴿يسارعون﴾، وعلى الاحتمال الأول ﴿يسارعون﴾ حال، و﴿في الإثم﴾ معناه في موجبات.
الإثم إذ الإثم إنما هو الحكم المعلق بصاحب المعصية والنسبة التي يصير إليها إذا وقع الذنب وهو من
هؤلاء كفرهم ﴿والعدوان﴾ مصدر من عدا الرجل إذا ظلم وتجاوز الحد، و﴿السحت﴾ هو الرشا وسائر
مكسبهم الخبيث، واللام في ﴿لبئس﴾ لام قسم، وقرأ أبو حيوة ((والعدوان)) بكسر العين.
وقوله تعالى: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار﴾ تخصيص في ضمنه توبيخ لهم إذ تركوا اللازم، قال
الطبري: كل العلماء يقولون ما في القرآن آية هي أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها،
وقال الضحاك بن مزاحم: ما في القرآن آية أخوف عندي منها إنا لا ننهى، وقال نحو هذا ابن عباس، وقرأ
الجراح وأبو واقد ((الربانيون)) بكسر الراء واحدهم ربي إما منسوب إلى علم الرب وإما من تربية الناس بصغار
العلم قبل كباره، وزيدت النون في نسبته مبالغة كشعراني ومنظراني ومخبراني، وقال الحسن: الرباني عالم
الإنجيل والحبر عالم التوراة.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقوله في الرباني شاذ بعيد. و﴿الأحبار﴾ واحدهم جبر بكسر
الحاء وفتحها وهم العلماء الذين لا يعنون لإصلاح الناس ولا يكلفون ذلك، والرباني هو العالم المدبر
المصلح، وقوله تعالى: ﴿عن قولهم الإثم﴾ ظاهر أن ﴿الإثم﴾ هنا يراد به الكفر، ويحتمل أن يراد به سائر
أقوالهم المنكرة في النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقرأ عباس ((بئس ما كانوا يصنعون)) بغير لام
قسم .
وقوله تعالى: ﴿وقالت اليهود) إلى قوله ﴿لا يحب المفسدين) هذه الآية تعديد كبيرة من أقوالهم
وكفرهم أي فمن يقول هذه العظيمة فلا يستنكر عليه أن ينافق عليك يا محمد ويسعى في رد أمر الله الذي
أوحاه إليك، وقال ابن عباس وجماعة من المتأولين معنى قولهم التبخيل، وذلك أنهم لحقتهم سنة وجهد
فقالوا هذه العبارة يعنون بها أن الله بخل عليهم بالرزق والتوسعة، وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى: ﴿ولا
تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ [الإسراء: ٢٩] فإنما المراد لا تبخل، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:

٢١٥
تفسير سورة المائدة / الآيات : ٦١ - ٦٤
مثل البخيل والمتصدق، الحديث وذكر الطبري والنقاش أن هذه الآية نزلت في فنحاص اليهودي وأنه
قالها، وقال الحسن بن أبي الحسن قولهم: ﴿يد الله مغلولة) إنما يريدون عن عذابهم فهي على هذا في
معنى قولهم ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ [المائدة: ١٨] وقال السدي أرادوا بذلك أن يده مغلولة حتى يرد علينا
ملكنا .
قال القاضي أبو محمد: فكأنهم عنوا أن قوته تعالى نقصت حتى غلبوا ملكهم، وظاهر مذهب اليهود
لعنهم الله في هذه المقالة التجسيم، وكذلك يعطي كثير من أقوالهم ، وقوله تعالى: ﴿غلت أيديهم﴾ دعاء
عليهم، ويحتمل أن يكون خبراً، ويصح على كلا الاحتمالين أن يكون ذلك في الدنيا وأن يراد به الآخرة،
وإذا كان خبراً عن الدنيا فالمعنى غلت أيديهم عن الخير والإنفاق في سبيل الله ونحوه وإذا كان خبراً عن
الآخرة فالمعنى غلت في نار جهنم أي حتم هذا عليهم ونفذ به القضاء كما حتمت عليهم اللعنة بقولهم هذا
وبما جرى مجراه، وقرأ أبو السمال ((ولعْنوا)) بسكون العين، وذلك قصد للتخفيف لا سيما هنا الهبوط من
ضمة إلى كسرة، وقوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ العقيدة في هذا المعنى نفي التشبيه عن الله تعالى
وأنه ليس بجسم ولا له جارحة ولا يشبه ولا يكيف ولا يتحيز في جهة كالجواهر ولا تحله الحوادث تعالى
عما يقول المبطلون .
ثم اختلف العلماء فيما ينبغي أن يعتقد في قوله تعالى: ﴿بل يداه﴾ وفي قوله: ﴿بيدي﴾ [ص: ٧٥]
و﴿عملت أيدينا﴾ [يس: ٧١] و﴿يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح: ١٠] و﴿لتصنع على عيني﴾ [طه: ٣٩]
و﴿تجري بأعيننا﴾ [القمر: ١٤] و﴿اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ [الطور: ٤٨] و﴿وكل شيء هالك
إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨] ونحو هذا، فقال فريق من العلماء منهم الشعبي وابن المسيب وسفيان يؤمن
بهذه الأشياء وتقرأ كما نصها الله ولا يعن لتفسيرها ولا يشقق النظر فيها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يضطرب لأن القائلين به يجمعون على أنها ليست على ظاهرها
في كلام العرب فإذا فعلوا هذا فقد نظروا وصار السكوت عن الأمر بعد هذا مما يوهم العوام ويتيه الجهلة.
وقال جمهور الأمة: بل تفسر هذه الأمور على قوانين اللغة ومجاز الاستعارة وغير ذلك من أفانين كلام
العرب. فقالوا في العين والأعين إنها عبارة عن العلم والإدراك، كما يقال فلان من فلان بمرأى ومسمع،
إذا كان يعنى بأموره وإن كان غائباً عنه، وقالوا في الوجه إنه عبارة عن الذات وصفاتها، وقالوا في اليد
واليدين والأيدي إنها تأتي مرة بمعنى القدرة كما تقول العرب لا يد لي بكذا، ومرة بمعنى النعمة كما يقال
لفلان عند فلان يد، وتكون بمعنى الملك كما يقال يد فلان على أرضه، وهذه المعاني إذا وردت عن الله
تبارك وتعالى عبر عنها باليد أو الأيدي أو اليدين استعمالاً لفصاحة العرب ولما في ذلك من الإيجاز، وهذا
مذهب أبي المعالي والحداق، وقال قوم من العلماء منهم القاضي ابن الطيب: هذه كلها صفات زائدة على
الذات ثابتة لله دون أن يكون في ذلك تشبيه ولا تحديد، وذكر هذا الطبري وغيره، وقال ابن عباس في هذه
الآية، ﴿يداه﴾ نعمتاه، ثم اختلفت عبارة الناس في تعيين النعمتين فقيل نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وقيل
النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة، وقيل نعمة المطر ونعمة النبات.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ عبارة عن إنعامه على الجملة

٢١٦
تفسير سورة المائدة / الآيات : ٦١ - ٦٤
وعبر عنه بيدين جرياً على طريقة العرب في قولهم فلان ينفق بكلتا يديه ومنه قول الشاعر وهو الأعشى:
يداك يدا مجد فكفّ مفيدة وكفّ إذا ما ضنَّ بالمال تنفق
ويؤيد أن اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق، قال أبو عمرو الداني: وقرأ أبو عبد الله ((بل يداه
بسطتان))، يقال يد بسطة أي مطلقة، وروي عنه ((بسطان))، وقوله تعالى: ﴿وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل
إليك من ربك طغياناً وكفراً﴾ إعلام لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء اليهود من العتو والبعد عن
الحق بحيث إذا سمعوا هذه الأسرار التي لهم والأقوال التي لا يعلمها غيرهم تنزل عليك، طغوا وكفروا،
وكان عليهم أن يؤمنوا إذ يعلمون أنك لا تعرفها إلا من قبل الله، لكنهم من العتو بحيث يزيدهم ذلك
طغياناً، وخص تعالى ذكر الكثير إذ فيهم من آمن بالله ومن لا يطغى كل الطغيان .
وقوله تعالى: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء﴾ معطوف على قوله ﴿وقالت اليهود) فهي قصص يعطف
بعضها على بعض، و ﴿العداوة﴾ أخص من ﴿البغضاء) لأن كل عدو فهو يبغض وقد يبغض من ليس بعدو،
وكأن العدواة شيء مشتهر يكون عنه عمل وحرب، والبغضاء قد لا تجاوز النفوس، وقد ألقى الله الأمرين على
بني إسرائيل، وقوله تعالى: ﴿كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله﴾ استعارة بليغة تنبىء عن فض جموعهم
وتشتيت آرائهم وتفريق كلمتهم، والآية تحتمل أن تكون إخباراً عن حال أسلافهم أي منذ عصوا وعتوا وهد
الله ملكهم رماهم بهذه الأمور، فهم لا ترتفع لهم راية إلى يوم القيامة ولا يقاتلون جميعاً إلا في قرى
محصنة، هذا قول الربيع والسدي وغيرهما. وقال مجاهد: معنى الآية كلما أوقدوا ناراً لحرب محمد
أطفأها الله، فالآية على هذا تبشير لمحمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإشارة إلى حاضريه من اليهود،
وقوله تعالى: ﴿ويسعون) معنى السعي في هذه الآية العمل والفعل، وقد يجيء السعي بمعنى الانتقال
على القدم، وذلك كقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩] وإن كان مالك رحمه الله قد قال
في الموطأ: إن السعي في قوله: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ إنه العمل والفعل، ولكن غيره من أهل العلم
جعله على الأقدام وهو الظاهر بقرينة ضيق الوقت وبالتعدية بـ ((إلى))، ويؤيده قراءة عمر بن الخطاب ((فامضوا إلى
ذكر الله)) وقوله تعالى: ﴿والله لا يحب المفسدين) أي لا يظهر عليهم من أفعاله في الدنيا والآخرة ما
يقتضي المحبة .
قوله عز وجل :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَكَفَرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْ خَلْنَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ
وَلَوْأَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِّن رَّبِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ
٦٥
(١) يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ
مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ, وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ
◌ْ قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ

٢١٧
تفسير سورة المائدة / الآيات : ٦٥ - ٦٨
1
٦٨
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ
هذه الآية تحتمل أن يراد بها معاصرو محمد صلى الله عليه وسلم، والأظهر أنه يراد بها الأسلاف
والمعاصرون داخلون في هذه الأحوال بالمعنى، والغرض الإخبار عن أولئك الذين أطفأ الله نيرانهم وأذلهم
بمعاصيهم لو آمنوا بالله وكتابه واتقوا في امتثال أوامره ونواهيه لكفرت سيئاتهم أي سترت وأذهبت ولأدخلوا
الجنة .
﴿ولو أنهم أقاموا التوراة﴾ أي أظهروا أحكامها فهي كإقامة السوق وإقامة الصلاة، وذلك كله تشبيه
بالقائم من الناس، إذ هي أظهر هيئات المرء، وقوله تعالى: ﴿والإنجيل) يقتضي دخول النصارى في لفظ
﴿أهل الكتاب﴾ في هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وما أنزل إليهم من ربهم﴾ معناه من وحي وسنن على ألسنة
الأنبياء، واختلف المفسرون في معنى ﴿من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد
والسدي: المعنى لأعطتهم السماء مطرها وبركتها والأرض نباتها بفضل الله تعالى. وحكى الطبري والزجّاج
وغيرهما أن الكلام استعارة ومبالغة في التوسعة كما يقال فلان قد عمه الخير من قرنه إلى قدمه، وذكر
النقاش أن المعنى: لأكلوا من فوقهم أي من رزق الجنة ومن تحت أرجلهم من رزق الدنيا، إذ هو من نبات
الأرض. قوله تعالى ﴿منهم أمة مقتصدة﴾ معناه: معتدلة، والقصد والاقتصاد: الاعتدال والرفق والتوسط
الحسن في الأقوال والأفعال، قال الطبري: معنى الآية أن من بني إسرائيل من هو مقتصد في عيسى عليه
السلام يقولون هو عبد الله ورسول وروح منه، والأكثر منهم غلا فيه فقال بعضهم هو إله وعلى هذا مشى
الروم ومن دخل بأخرة في ملة عيسى عليه السلام، وقال بعضهم وهم الأكثر من بني إسرائيل: هو آدمي لغير
رشدة، فكفر الطرفان، وقال مجاهد: المقتصدة مسلمة أهل الكتاب قديماً وحديثاً.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا يتخرج قول الطبري: ولا يقول في عيسى إنه عبد رسول إلا
مسلم، وقال ابن زيد: هم أهل طاعة الله من أهل الكتاب، وهذا هو المترجح، وقد ذكر الزجّاج أنه يعني
بالمقتصدة الطوائف التي لم تناصب الأنبياء مناصبة المتهتكين المجاهرين.
قال القاضي أبو محمد: وإنما يتوجه أن توصف بالاقتصاد بالإضافة إلى المتمردة كما يقال في أبي
البختري بن هشام إنه مقتصد بالإضافة إلى أبي جهل بن هشام لعنه الله، ثم وصف تعالى الكثير منهم بسوء
العمل عموماً، وذهب الطبري إلى أن ذلك في تكذيبهم الأنبياء، وكفر اليهود بعيسى والجميع من أهل
الكتابين بمحمد صلى الله عليه وسلم و﴿ساء﴾ في هذه الآية هي المتصرفة كما تقول ساء الأمر يسوء، وقد
تستعمل ﴿ساء﴾ استعمال نعم وبئس، كقوله عز وجل: ﴿ساء مثلاً﴾ [الأعراف: ١٧٧] فتلك غير هذه،
يحتاج في هذه التي في قوله ﴿ساء مثلاً﴾ من الإضمار والتقدير إلى ما يحتاج في نعم وبئس، وفي هذا
نظر.
وقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ إلى قوله ﴿على القوم الكافرين) هذه
الآية أمر من الله ورسوله بالتبليغ على الاستيفاء والكمال. لأنه قد كان بلغ، فإنما أمر في هذه الآية بأن لا يتوقف
عن شيء مخافة أحد، وذلك أن رسالته صلى الله عليه وسلم تضمنت الطعن على أنواع الكفرة وبيان فساد

٢١٨
تفسير سورة المائدة / الآيات: ٦٥ - ٦٨
حالهم فكان يلقى منهم عنتاً وربما خافهم أحياناً قبل نزول هذه الآية، فقال الله له ﴿بلغ ما أنزل إليك من
ربك﴾ أي كاملاً متمماً، ثم توعده تعالى بقوله: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته﴾، أي إنك إن تركت
شيئاً فكأنما قد تركت الكل، وصار ما بلغت غير معتدّ به، فقوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل﴾ معناه وإن لم
تستوف، ونحو هذا قول الشاعر:
سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلاً فسيان لا ذم عليك ولا حمد
أي ولم تعط ما يعد نائلاً وإلا فيتكاذب البيت، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ((فما بلغت رسالته))
على الإفراد. وقرؤوا في الأنعام ﴿حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤] على الجمع، وكذلك في الأعراف
﴿برسالاتي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وقرأ ابن كثير في المواضع الثلاثة بإفراد الرسالة، وقرأ نافع ((رسالاته)» بالجمع،
وكذلك في الأنعام، وأفرد في الأعراف، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بجمع الرسالة في المواضع
الثلاثة، وروى حفص عن عاصم الإفراد في العقود والأنعام، والجمع في الأعراف، فمن أفرد الرسالة فلأن
الشرع كله شيء واحد وجملة بعضها من بعض، ومن جمع فمن حيث الشرع معان كثيرة وورد دفعاً في
أزمان مختلفة، وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: من زعم أن محمداً كتم شيئاً من الوحي فقد
أعظم الفرية، والله تعالى يقول: ﴿يا أيها الرسول﴾ الآية، وقال عبد الله بن شقيق: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يتعقبه أصحابه يحرسونه، فلما نزلت ﴿والله يعصمك من الناس﴾ خرج فقال: يا أيها الناس الحقوا
بملاحقكم فإن الله قد عصمني، وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت ﴿والله يعصمك من الناس) بسبب
الأعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله به.
قال القاضي أبو محمد: هو غورث بن الحارث، والقصة في غزوة ذات الرقاع، وقال ابن جريج كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يهاب قريشاً فلما نزلت هذه الآية إلى قوله ﴿والله يعصمك من الناس﴾
استلقى وقال: من شاء فليخذلني، مرتين أو ثلاثاً، و﴿يعصمك﴾ معناه يحفظك ويجعل عليك وقاية، ومنه
قوله تعالى: ﴿يعصمني من الماء﴾ [هود: ٤٣] ومنه قول الشاعر:
فقلت عليكم مالكاً إن مالكاً
سيعصمكم إن كان في الناس عاصم
وهذه العصمة التي في الآية هي من المخاوف التي يمكن أن توقف عن شيء من التبليغ كالقتل
والأسر والأذى في الجسم ونحوه، وأما أقوال الكفار ونحوها فليست في الآية، وقوله تعالى: ﴿لا يهدي
القوم الكافرين﴾ إما على الخصوص فيمن سبق في علم أنه لا يؤمن، وإما على العموم على أن لا هداية
في الكفر، ولا يهدي الله الكافر في سبل كفره.
ثم أمر تعالى نبيه محمداً عليه السلام أن يقول لأهل الكتاب الحاضرين معه ﴿لستم على شيء﴾ أي
على شيء مستقيم حتى تقيموا التوراة والإنجيل، وفي إقامة هذين الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم،
وقوله تعالى: ﴿وما أنزل إليكم من ربكم﴾ يعني به القرآن، قاله ابن عباس وغيره ثم أخبر تعالى نبيه أنه
سيطغى كثير منهم بسبب نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويزيده نزول القرآن والشرع كفراً وحسداً، ثم
سلاه عنهم وحقرهم بقوله ﴿فلا تأس على القوم الكافرين﴾ أي لا تحزن إذا لم يؤمنوا ولا تبال عنهم،
:

٢١٩
تفسير سورة المائدة / الآيتان: ٦٩، ٧٠
والأسى الحزن يقال أسي الرجل يأسى أسىِّ إذا حزن، ومنه قول الراجز:
وانحلبت عيناه من فرط الأسى .
وأسند الطبري إلى ابن عباس قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن جارية وسلام بن مشكم
ومالك بن الصيف ورافع بن حريملة فقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم وأنك تؤمن بالتوراة
وبنبوة موسى وأن جميع ذلك حق؟ قال: بلى، ولكنكم أحدثتم وغيرتم وكتمتم، فقالوا: إنّا نأخذ بما في
أيدينا فإنه الحق ولا نصدقك ولا نتبعك، فنزلت الآية بسبب ذلك ﴿قل يا أهل الكتاب) الآية .
قوله عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئُونَ وَالنَّصَرَى مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ
لَقَدْ أَخَذْنَا مِثَقَ بَنِيّ إِسْرَءِ يلَ وَأَرْسَلْنَآ
١٠٠/٠٩
صَلِحَا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ
إِلَيْهِمْ رُسُلَا كُلَمَا جَاءَ هُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىَّ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ
٧٠
﴿الذين﴾ لفظ عام لكل مؤمن من ملة محمد ومن غيرها من الملل، فكأن ألفاظ الآية حصر بها الناس
كلهم وبينت الطوائف على اختلافها، وهذا تأويل جمهور المفسرين، وقال الزجاج المراد بقوله: ﴿إن
الذين آمنوا﴾ المنافقون، فالمعنى ان الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم.
قال القاضي أبو محمد: فكأن ألفاظ الآية عدت الطوائف التي يمكن أن تنتقل إلى الإيمان، ثم نفى
عنهم الخوف والحزن بشرط انتقالهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى التأويل الأول يكون قوله ﴿من
آمن﴾ في حيز المؤمنين بمعنى ثبت واستمر، وقد تقدم تفسير ﴿هادوا﴾ وتفسير ((الصابئين)) وتفسير ﴿النصارى)
في سورة البقرة، واختلف القراء في إعراب الصابئين في هذه الآية فقرأ الجمهور و ((الصابئون)» بالرفع وعليه
مصاحف الأمصار والقراء السبعة، وقرأ عثمان بن عفان وعائشة وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والجحدري
((والصابين)) وهذه قراءة بينة الإعراب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والزهري ((والصابيون)) بكسر الباء وضم
الياء دون همز ، وقد تقدم في سورة البقرة ، وأما قراءة الجمهور ((والصابئون)) فمذهب سيبويه والخليل
ونحاة البصرة أنه من المقدم الذي معناه التأخير وهو المراد به ، كأنه قال ((إن الذين آمنوا والذين هادوا من
آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى» كذلك،
وأنشد الزجاج نظيراً في ذلك:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق
فقوله وأنتم مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى أي وأنتم كذلك، وحكى الزجّاج عن الكسائي والفراء
أنهما قالا: و﴿الصابئون﴾ عطف على ﴿الذين﴾، إذ الأصل في ﴿الذين﴾ الرفع وإذ نصب ﴿إِن﴾ ضعيف وخطأ
الزجّاج هذا القول وقال: ﴿إن﴾ أقوى النواصب، وحكي أيضاً عن الكسائي أنه قال و ﴿الصابئون﴾ عطف على
الضمير في ﴿هادوا﴾ والتقدير هادوا هم والصابئون، وهذا قول يرده المعنى لأنه يقتضي أن الصابئين هادوا،
وقيل إن معنى نعم، وما بعدها مرفوع بالابتداء، وروي عن بعضهم أنه قرأ ((والصابئون)» بالهمز، واتصال هذه

٢٢٠
تفسير سورة المائدة / الآيتان: ٧٢،٧١
الآية بالتي قبلها هو أن قيل لهم ليس الحق في نفسه على ما تزعمون من أنكم أبناء الله وأحباؤه، بل لستم
على شيء مستقيم حتى تؤمنوا وتقيموا الكتب المنزلة، ثم استأنف الإخبار عن الحق في نفسه بأنه من آمن
في كل العالم فهو الفائز الذي لا خوف عليه.
قوله عز وجل: ﴿لقد أخذنا ميثاق بنى إسرائيل) الآية، استئناف خبر بفعل أوائلهم وما نقضوا من
العهود واجترحوا من الجرائم، أي إن العصا من العصية، وهؤلاء يا محمد من أولئك فليس قبيح فعلهم
يبدع، و﴿كلما﴾ ظرف والعالم فيه كذبوا ويقتلون .. وقوله تعالى: ﴿بما لا تهوى أنفسهم﴾ يقتضي أن
هواهم كان غير الحق وهو ظاهر هوى النفس متى أطلق ، فمتى قيد بالخير ساغ ذلك ، ومنه قول عمر
رضي الله عنه في قصة أسارى بدر: فهوى رسول الله ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت أنا ، وقوله تعالى:
﴿فريقاً كذبوا﴾ معناه كذبوه فقط، يريد الفريق من الرسل ولم يقتلوه، وفريقاً من الرسل كذبوه وقتلوه، فاكتفى
بذكر القتل إذ هو يستغرق التكذيب.
قوله عز وجل :
وَحَسِبُواْأَلَّاتَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَفُواْ كَثِيرٌ
مِّنْهُمْ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
ج
وَقَالَ الْمَسِيحُ يََبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ أُعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
٧٢
اُلْجَنَّةَ وَمَأْوَنُهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ
المعنى في هذه الآية وظن هؤلاء الكفرة والعصاة من بني إسرائيل أن لا يكون من الله ابتلاء لهم وأخذ
في الدنيا وتمحيص فلجوا في شهواتهم وعموا فيها إذ لم يبصروا الحق شبهوا بالصم، ونحو هذا قول
النبي صلى الله عليه وسلم: ((حبك الشيء يعمي ويصم)) وقوله تعالى: ﴿ثم تاب الله عليهم) قالت جماعة
من المفسرين: هذه التوبة هي ردهم إلى بيت المقدس بعد الإخراج الأول ورد ملكهم وحالهم، ثم عموا
وصموا بعد ذلك حتى أخرجوا الخرجة الثانية ولم ينجبروا أبداً وقالت جماعة ثم تاب الله عليهم ببعث عيسى
عليه السلام إليهم، وقالت جماعة: توبته تعالى عليهم بعث محمد عليه السلام وخص بهذا المعنى كثيراً
منهم لأن منهم قليلاً آمن، ثم توعدهم بقوله تعالى: ﴿والله بصير بما يعملون﴾ وقرأ ابن كثير ونافع
وعاصم وابن عامر ((ألا تكونَ)) بنصب النون، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ((أن لا تكونُ)) برفع النون،
ولم يختلفوا في رفع ﴿فتنةٌ﴾ لأن ((كان)) هنا هي التامة، فوجه قراءة النصب أن تكون ((أن)) هي الخفيفة
الناصبة، ووجه قراءة الرفع أن تكون المخففة من الثقيلة، وحسن دخولها لأن ((لا)) قد وطأت أن يليها الفعل
وقامت مقام الضمير المحذوف عوضاً منه ، ولا بد في مثل هذا من عوض ، مثل قولك علمت أن قد يقوم
زید، وقوله عز وجل ﴿علم أن سیکون منکم مرضی﴾ [المزمل: ٢٠] وقولك علمت أن سوف یقوم زید وأن لا تكون
فتنة، وقوله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩] حسن فيه أن لا يكون عوض لأن ليس بفعل
حقيقي والأفعال ثلاثة ضروب ضرب يجري مجرى تيقنت نحو علمت ودريت فهذا الضرب تليه ((أن)) الثقيلة