Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
تفسير سورة النساء / الآيات : ٤٤ - ٤٦
أنصاف ذراعيه، ولم يقل بهذا الحديث أحد من العلماء فيما حفظت، وما حكي الداودي من أن الكوعين
فرض والمرافق سنة والآباط فضيلة، فكلام لا يعضده قياس ولا دليل، وإنما عمم قوم لفظة اليد فأوجبوه من
المنكب، وقاس قوم على الوضوء فأوجبوه من المرافق، وعمم جمهور الأمة، ووقف قوم مع الحديث في
الكوعين، وقيس أيضاً على القطع، إذ هو حكم شرعي وتطهير، كما هذا تطهير، ووقف آخرون مع حديث
عمار في الكفين، واختلف المذهب في تحريك الخاتم وتخليل الأصابع على قولين، يجب ولا يجب.
قوله تعالى :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِدُونَ أَن تَضِلُّواْالسَّبِيلَ ﴿ وَاللَّهُ
مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن
أَعْلَمُ بِأَعْدَابِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴾
مَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيَّا بِأَلْسِلَئِمْ وَطَعْنَا فِى الدِّينِّ
وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعَ وَأَنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَّعَنَّهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا
يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
(٤٦
الرؤية في قوله ﴿ألم تر﴾ من رؤية القلب، وهي علم بالشيء، وقال قوم: معناه ((ألم تعلم)) وقال
آخرون: ((ألم تخبر))، وهذا كله يتقارب، والرؤية بالقلب تصل بحرف الجر وبغير حرف الجر، والمراد
بـ ﴿الذين﴾: اليهود، قاله قتادة وغيره، ثم اللفظ يتناول معهم النصارى، وقال ابن عباس: نزلت في
رفاعة بن زيد بن التابوت اليهودي، و﴿أوتوا﴾ أعطوا، و((النصيب)) الحظ، و﴿الكتاب): التوراة والإنجيل،
وإنما جعل المعطى نصيباً في حق كل واحد منفرد، لأنه لا يحصر علم الكتاب واحد بوجه، و ﴿يشترون﴾
عبارة عن إيثارهم الكفر وتركهم الإيمان، فكأنه أخذ وإعطاء، هذا قول جماعة، وقالت فرقة: أراد الذين
كانوا يعطون أموالهم للأحبار على إقامة شرعهم فهذا شراء على وجهه على هذا التأويل، ﴿ويريدون أن
تضلوا السبيل﴾، معناه أن تكفروا، وقرأ النخعي، ((وتريدون أن تضلوا))، بالتاء منقوطة من فوق في
تريدون .
قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية وما بعدها، تقتضي توبيخاً للمؤمنين على استنامة قوم منهم إلى
أحبار اليهود، في سؤال عن دين، أو في موالاة أو ما أشبه ذلك، وهذا بيّن في ألفاظها، فمن ذلك،
﴿ويريدون أن تضلوا﴾، أي تدعوا الصواب في اجتنابهم، وتحسبوهم غير أعداء، والله أعلم بهم، وقوله:
﴿والله أعلم بأعدائكم﴾ خبر في ضمنه التحذير منهم، وبالله، في قوله: ﴿وكفى بالله﴾ في موضع رفع
بتقدير زيادة الخافض، وفائدة زيادته تبيين معنى الأمر في لفظ الخبر، أي اكتفوا بالله، فالباء تدل على
المراد من ذلك، ﴿ولياً﴾ فعيلاً، و﴿نصيراً﴾ كذلك، من الولاية والنصر.
وقوله تعالى: ﴿من الذين هادوا﴾ قال بعض المتأولين ﴿من﴾ راجعة على ﴿الذين﴾ الأولى، فهي على
هذا متعلقة بـ ﴿تر﴾، وقالت طائفة، هي متعلقة بـ ﴿نصيراً﴾ والمعنى ينصركم من الذين هادوا، فعلى

٦٢
تفسير سورة النساء / الآيات : ٤٦٠٤٤
هذين التأويلين لا يوقف في قوله: ﴿نصيراً﴾ وقالت فرقة: هي لابتداء الكلام، وفيه إضمار تقديره قوم
يحرفون، هذا مذهب أبي علي، ونظيره قول الشاعر [النابغة الذبياني]: [الوافر]
كأنك مِنْ جِمَالِ أَبي أُقَيْشٍ يُقَعْقِعُ خَلْفَ رِجْلِيهِ بِشْنٌّ
وقال الفراء وغيره: تقديره من، ومثله قول ذي الرمة: [الطويل]
فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ لَهُ وَآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ الْعَيْنِ بِالْيَدِ
فعلى هذا التأويل يوقف في قوله: ﴿نصيراً﴾ وقول سيبويه أصوب لأن إضمار الموصول ثقيل،
وإضمار الموصوف أسهل، و﴿هادوا﴾ مأخوذ من هاد إذا تاب أو من يهود بن يعقوب وغيره التعريب، أو
من التهود وهو الرويد من المشي واللين في القول، ذكر هذه كلها الخليل، وقد تقدم شرحها وبيانها في
سورة البقرة، و((تحريف الكلم)) على وجهين، إما بتغيير اللفظ، وقد فعلوا ذلك في الأقل، وإما بتغيير
التأويل، وقد فعلوا ذلك في الأكثر، وإليه ذهب الطبري، وهذا كله في التوراة على قول الجمهور، وقالت
طائفة: هو كلم القرآن، وقال مكي : كلام النبي محمد عليه السلام، فلا يكون التحريف على هذا إلا في
التأويل، وقرأ النخعي وأبو رجاء: يحرفون الكلام بالألف، ومن جعل ((من)) متعلقة ((بنصيراً)) جعل
((يحرفون)) في موضع الحال، ومن جعلها منقطعة جعل ((يحرفون)) صفة، وقوله تعالى عنهم ﴿سمعنا
وعصينا﴾ عبارة عن عتوهم في كفرهم وطغيانهم فيه، و﴿مسمع﴾ لا يتصرف إلا من أسمع، و﴿غير
مسمع﴾ يتخرج فيه معنيان: أحدهما غير مأمور وغير صاغر، كأنه قال: غير أن تسمع مأموراً بذلك، والآخر
على جهة الدعاء، أي لا سمعت، كما تقول: امض غير مصيب، وغير ذلك، فكانت اليهود إذا خاطبت
النبي بغير مسمع، أرادت في الباطن الدعاء عليه، وأرت ظاهراً أنها تريد تعظيمه، قال نحوه ابن عباس
وغيره، وكذلك ﴿راعنا﴾ كانوا يريدون منه في نفوسهم معنى الرعونة، وحكى مكي معنى رعاية الماشية،
ويظهرون منه معنى المراعاة، فهذا معنى ((ليّ اللسان))، فقال الزجّاج: كانوا يريدون: اجعل سمعك
لكلامنا مرعى .
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا جفاء لا يخاطب به نبي، وفي مصحف ابن مسعود ((راعونا)) ومن
قال: ﴿غير مسمع﴾ غير مقبول منك فإنه لا يساعده التصريف، وقد حكاه الطبري عن الحسن ومجاهد،
و﴿ليّا﴾ أصله لوياً، قلبت الواو ياء وأدغمت. ﴿وطعناً في الدين﴾ أي توهينا له وإظهاراً للاستخفاف به
قال القاضي أبو محمد: وهذا الليّ باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى الآن في بني
إسرائيل، ويحفظ منه في عصرنا أمثلة، إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب، وقوله تعالى: ﴿ولو أنهم﴾
الآية، المعنى: لو أنهم آمنوا وسمعوا وأطاعوا، واختلف المتأولون في قوله، ﴿وانظرنا﴾ فقال مجاهد
وعكرمة وغيرهما: معناه انتظرنا، بمعنى: افهمنا وتمهل علينا حتى نفهم عنك ونعي قولك، وهذا كما قال
الحطيئة :
وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ إِيناءَ صادِرَةٍ لِلْخَمْسِ طَالَ بِهَا مَسْحِي وَتَنَّاسي

٦٣
تفسير سورة النساء / الآيتان: ٤٧، ٤٨
وقالت فرقة: انظر - معناه: انظر إلينا، فكأنه استدعاء اهتبال وتحف، ومنه قول ابن الرقيات
[الخفيف]:
ظاهراتُ الجمالِ والْحُسْنِ يَنْظُرْ نَ كَمَا تَنْظُرُ الأَرَاكَ الظَّبَاءُ
﴿وأقوم﴾ معناه: أعدل وأصوب، ((واللعنة)): الإبعاد، فمعناه: أبعدهم من المهدي، و﴿قليلاً﴾:
نعت، إما لإيمان وإما لنفر أو قوم، والمعنى مختلف، فمن عبر بالقلة عن الإيمان قال: إما هي عبارة عن
عدمه على ما حكى سيبويه من قولهم: أرض قل ما تنبت كذا وهي لا تنبته جملة، وإما قلل الإيمان لما قلت
الأشياء التي آمنوا بها فلم ينفعهم ذلك، وذلك أنهم كانوا يؤمنون بالتوحيد ويكفرون بمحمد وبجميع أوامر.
شريعته ونواهيها، ومن عبر بالقلة عن النفر قال: لا يؤمن منهم إلا قليل، كعبد الله بن سلام، وكعب
الأحبار، وغيرهما، وإذا قدرت الكلام نفراً قليلاً، فهو نصب في موضع الحال وفي هذا نظر
قوله تعالى :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا
إِنَّاللَّهَ لَا
فَتَرُدَّهَا عَلَ أَذْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِّ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
يَغْفِرُ أَن يُشْرَاءَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىَّ إِثْمًا عَظِيمًا
٤٨
هذا خطاب اليهود والنصارى، و﴿لما معكم﴾ معناه من شرع وملة، لا لما كان معهم من مبدل
ومغير، و((الطامس)): الدائر المغير الاعلام، كما قال ذو الرمة: [البسيط]
من كل نضّاخَةِ الذّفرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامسُ الاعلامِ مجهولُ
ومن ذلك قيل للأعمى المسدودة عيناه: أعمى مطموس، وقالت طائفة: ((طمس الوجوه)) هنا: أن
تعفى أثر الحواس فيها. وتزال الخلقة منه فيرجع كسائر الأعضاء في الخلو من أعضاء الحواس، فيكون أرد
على ((الأدبار)) في هذا الموضع بالمعنى، أي خلوه من الحواس دبراً لكونه عامراً بها، وقال ابن عباس
وعطية العوفي: ((طمس الوجوه)) أن تزال العينان خاصة منها وترد العينان في القفا فيكون ذلك رداً على الدبر
ويمشى القهقرى، وحكى الطبري عن فرقة: أن طمس الوجوه أن تتغير أعلامها وتصير منابت للشعر، فذلك
هو الرد على الدبر، ورد على هذا القول الطبري، وقال مالك رحمه الله: كان أول إسلام كعب أنه مر برجل
من أليل وهو يقرأ هذه الآية: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم﴾ فوضع كفيه على
وجهه ورجع القهقرى إلى بيته. فأسلم مكانه، وقال: والله لقد خفت أن لا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي،
وقال مجاهد والحسن والسدي والضحاك: ذلك تجوز، وإنما المراد به وجوه الهدى والرشد، وطمسها حتم
الإضلال والصد عنها والتصيير إلى الكفر، وهو الرد على الأدبار، وقال ابن زيد: الوجوه هي أوطانهم
وسكناهم في بلادهم التي خرجوا إليها، وطمسها: إخراجهم منها، والرد على الأدبار: هو رجوعهم إلى
الشام من حيث أتوا أولاً، و﴿أصحاب السبت﴾: هم أهل أيلة الذين اعتدوا في السبت في الصيد، حسبما

٦٤
تفسير سورة النساء / الآيتان: ٤٧، ٤٨
تقدم، وكانت لعنتهم أن مسخوا خنازير وقردة، قاله قتادة والحسن والسدي: وأمر الله في هذا الموضع واحد
الأمور، دال على جنسها، لا واحد الأوامر، فهي عبارة عن المخلوقات كالعذاب واللعنة هنا، أو ما اقتضاه
کل موضع مما يختص به.
وقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية، هذه مسألة الوعد والوعيد، وتلخيص الكلام فيها
أن يقال: الناس أربعة أصناف، كافر مات على كفره، فهذا مخلد في النار بإجماع، ومؤمن محسن لم
يذنب قطّ ومات على ذلك، فهذا في الجنة محتوم عليه حسب الخبر من الله تعالى بإجماع، وتائب مات
على توبته فهو عند أهل السنة وجمهور فقهاء الأمة لاحق بالمؤمن المحسن إلا أن قانون المتكلمين أنه في
المشيئة، ومذنب مات قبل توبته، فهذا موضع الخلاف، فقالت المرجئة: هو في الجنة بإيمانه ولا تضره
سيئاته، وبنوا هذه المقالة على أن جعلوا آيات الوعيد كلها مخصصة في الكفار، وآيات الوعد عامة في
المؤمنين، تقيّهم وعاصيهم. وقالت المعتزلة: إذا كان صاحب كبيرة فهو في النار ولا بد، وقالت الخوارج:
إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو في النار مخلد ولا إيمان له، لأنهم يرون كل الذنوب كبائر، وبنوا هذه
المقالة على أن جعلوا آيات الوعد كلها مخصصة في المؤمن المحسن الذي لم يعص قط، والمؤمن
التائب، وجعلوا آيات الوعيد عامة في العصاة كفاراً أو مؤمنين، وقال أهل السنة وأحق: آيات الوعد ظاهرة
العموم، وآيات الوعيد ظاهرة العموم، ولا يصح نفوذ كلها لوجهه بسبب تعارضها، كقوله تعالى: ﴿لا
يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]، وهذه الآية هي الحاكمة ببيان ما تعارض من
آيات الوعد والوعيد وقوله: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾ [الجن: ٢٣] فلا بد أن نقول: إن
آيات الوعد لفظها لفظ عموم، والمراد بها الخصوص في المؤمن المحسن، وفي التائب، وفيمن سبق في
علمه تعالى العفو عنه دون تعذيب من العصاة، وأن آيات الوعيد لفظها عموم، والمراد بها الخصوص في
الكفرة وفيمن سبق في علمه تعالى أنه يعذبه من العصاة، وتحكم بقولنا: هذه الآية النص في موضع
النزاع، وهي قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فإنها جلت الشك
وردت على الطائفتين، المرجئة والمعتزلة، وذلك أن قوله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ فصل مجمع
عليه، وقوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ فصل قاطع بالمعتزلة راد على قولهم رداً لا محيد عنه، ولو وقفنا في
هذا الموضع من الكلام لصح قول المرجئة، فجاء قوله ﴿لمن يشاء﴾ راداً عليهم، موجباً أن غفران ما دون
الشرك إنما هو لقوم دون قوم، بخلاف ما زعموه من أنه مغفور لكل مؤمن.
قال القاضي أبو محمد: ورامت المعتزلة أن ترد هذه الآية إلى قولها، بأن قالوا: ((من يشاء)) هو
التائب، وما أرادوه فاسد، لأن فائدة التقسيم في الآية كانت تبطل، إذ التائب من الشرك يغفر له.
قال القاضي أبو محمد: ورامت المرجئة أن ترد الآية إلى قولها، بأن قالوا: ﴿لمن يشاء﴾ معناه:
يشاء أن يؤمن، لا يشاء أن يغفر له. فالمشيئة معلقة بالإيمان ممن يؤمن، لا بغفران الله لمن يغفر له، ويرد
ذلك بأن الآية تقتضى على هذا التأويل أن قوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ عام في كافر ومؤمن، فإذا خصص
المؤمنون بقوله ﴿لمن يشاء﴾ وجب أن الكافرين لا يغفر لهم ما دون ذلك، ويجازون به.

٦٥
تفسير سورة النساء / الآيات : ٤٩ - ٥٢
قال القاضي أبو محمد: وذلك وإن كان مما قد قيل - فهو مما لم يقصد بالآية على تأويل أحد من
العلماء، ويرد على هذا المنزع بطول التقسيم، لأن الشرك مغفور أيضاً لمن شاء الله أن يؤمن.
قال القاضي أبو محمد: ومن آيات الوعيد التي احتج بها المعتزلة، قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً
متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً﴾ [النساء: ٩٣] والآية مخرجة
عنهم لوجوه، منها: أن الأصح في تأويل قوله تعالى ﴿متعمداً﴾ ما قال ابن عباس: إنه أراد مستحلاً، وإذا
استحل أحد ما حرم الله عليه فقد كفر، ويدل على ما قال ابن عباس: إنّا نجد الله تعالى في أمر القتل إذا
ذكر القصاص لم يذكر الوعيد، وإذا ذكر الوعيد بالنار لم يذكر القصاص، فيظهر أن القصاص للقاتل المؤمن
العاصي، والوعيد للمستحل الذي في حكم الكافر، ومنها من جهة أخرى أن الخلود إذا لم يقرن بقوله
((أبداً)) فجائز أن يراد به الزمن المتطاول، إذ ذلك معهود في كلام العرب، ألا ترى أنهم يحيّون الملوك بخلد
الله ملكك، ومن ذلك قول امرىء القيس: [الطويل]
وَهَلْ يَعِمَنْ إلّ سعيدٌ مُخَلَّدٌ قَليلُ الهمومِ ما يَبِيتُ بِأَوْجَالِ
وقال عبد الله بن عمرو لما نزلت ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله،
إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾ [الزمر: ٥٣] قال بعض أصحاب النبي عليه السلام: والشرك يا رسول الله،
فنزلت: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ولما حتم على أنه لا يغفر الشرك ذكر
قبح موضعه وقدره في الذنوب، والفرية: أشد مراتب الكذب قبحاً، وهو الاختلاق للعصبية.
قوله تعالى :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَّكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَّكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (® انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ
عَلَى اَللَّهِ الْكَذِّبَ وَكَفَى بِهِإِثْمًا تُِينًا (٥ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ
بِالْجِبْتِ وَالطَّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا (٩) أُوْ لَئِكَ
الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ وَ مَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيًّاَ﴾
هذا لفظ عام في ظاهره، ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود، واختلف في المعنى
الذي به ((زكوا أنفسهم))، فقال قتادة والحسن: ذلك قولهم ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ [المائدة: ١٨]
وقولهم: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً﴾ [البقرة: ١١١] وقال الضحاك والسدي: ذلك قولهم: لا
ذنوب لنا وما فعلناه نهاراً غفر ليلاً، وما فعلناه ليلًا غفر نهاراً، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب، وقال
مجاهد وأبو مالك وعكرمة: تقديمهم أولادهم الصغار للصلاة لأنهم لا ذنوب لهم.
قال المؤلف: وهذا يبعد من مقصد الآية وقال ابن عباس: ذلك قولهم أبناؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا
ويزكوننا، وقال عبد الله بن مسعود: ذلك ثناء بعضهم على بعض، ومدحهم لهم وتزكيتهم لهم.
قال القاضي أبو محمد: فتقتضي هذه الآية الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكي

٦٦
تفسير سورة النساء / الآيات: ٤٩ - ٥٢
المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل، والضمير في ﴿يزكون﴾ عائد على المذكورين ممن زكى
نفسه أو ممن يزكيه الله تعالى، وغير هذين الصنفين علم أن الله تعالى لا يظلمهم من غير هذه الآية، وقرأت
طائفة ((ولا تظلمون)) بالتاء على الخطاب، ((والفتيل)): هو ما فتل، فهو فعيل بمعنى مفعول، وقال ابن عباس
وعطاء ومجاهد وغيرهم: ((الفتيل)): الخيط الذي في شق نواة التمرة، وقال ابن عباس وأبو مالك والسدي:
هو ما خرج من بين إصبعيك أو كفيك إذا فتلتهما، وهذا كله يرجع إلى الكناية عن تحقير الشيء وتصغيره،
وأن الله لا يظلمه، ولا شيء دونه في الصغر، فكيف بما فوقه، ونصبه على مفعول ثان بـ ﴿يظلمون﴾.
وقوله تعالى: ﴿انظر كيف يفترون) الآية، يبين أن تزكيتهم أنفسهم كانت بالباطل والكذببنة، ويقوي
أن التزكية كانت بقولهم ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ [المائدة: ١٨] إذ الافتراء في هذه المقالة أمكن،
و﴿كيف﴾ يصح أن يكون في موضع نصب بـ ﴿يفترون﴾، ويصح أن تكون في موضع رفع بالابتداء،
والخبر في قوله: ﴿يفترون﴾ ﴿وكفى به إثماً مبيناً﴾ خبر في مضمنه تعجب وتعجيب من الأمر، ولذلك
دخلت الباء لتدل على معنى الأمر بالتعجب، وأن يكتفى لهم بهذا الكذب إثماً ولا يطلب لهم غيره، إذ هو
موبق ومهلك و﴿إثماً﴾ نصب على التمييز.
وقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين) الآية، ظاهرها يعم اليهود والنصارى، ولكن أجمع المتأولون على
أن المراد بها طائفة من اليهود، والقصص يبين ذلك، واختلف في ﴿الجبت والطاغوت﴾، فقال عكرمة
وغيره: هما في هذا الموضع صنمان كانا لقريش، وذلك أن كعب بن الأشرف وجماعة معه وردوا مكة
محرضين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت لهم قريش: إنكم أهل الكتاب، ومحمد
صاحب كتاب، ونحن لا نأمنكم أن تكونوا معه، إلا أن تسجدوا لهذين الصنمين اللذين لنا، ففعلوا، ففي
ذلك نزلت هذه الآية، وقال ابن عباس: ﴿الجبت﴾ هنا: حيي بن أخطب ﴿والطاغوت﴾: كعب بن
الأشرف. فالمراد على هذه الآية القوم الذين كانوا معهما من بني إسرائيل لإيمانهم بهما واتباعهم لهما،
وقال ابن عباس: ﴿الجبت﴾. الأصنام، ﴿والطاغوت﴾. القوم المترجمون عن الأصنام، الذين يضلون الناس
بتعليمهم إياهم عبادة الأصنام، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ﴿الجبت﴾ السحر،
﴿والطاغوت﴾: الشيطان، وقاله مجاهد والشعبي، وقال زيد بن أسلم: ﴿الجبت﴾: الساحر، ﴿والطاغوت﴾:
الشيطان، وقال سعيد بن جبير ورفيع: ﴿الجبت): الساحر، و﴿الطاغوت): الكاهن، وقال قتادة: ﴿الجبت):
الشيطان، والطاغوت: الكاهن، وقال سعيد بن جبير أيضاً: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الشيطان، وقال
ابن سيرين: ﴿الجبت﴾: الكاهن، ﴿والطاغوت﴾: الساحر، وقال مجاهد في كتاب الطبري: ﴿الجبت﴾: كعب
ابن الأشرف، والطاغوت الشيطان كان في صورة إنسان.
قال ابن عطية: فمجموع هذا يقتضي أن ﴿الجبت والطاغوت﴾ هو كل ما عبد وأطيع من دون الله تعالى،
وكذلك قال مالك رحمه الله: الطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى، وذكر بعض الناس أن الجبت: هو
من لغة الحبشة، وقال قطرب: ﴿الجبت﴾ أصله الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير عنده، وأما ﴿الطاغوت﴾ فهو من
طغى، أصله طغووت وزنه فعلوت، وتاؤه زائدة، قلب فرد فلعوت، أصله طوغوت، تحركت الواو وفتح ما
قبلها فانقلبت ألفاً، وقوله تعالى: ﴿ويقولون للذين كفروا﴾ الآية سببها، أن قريشاً قالت لكعب بن الأشرف
:

ا
٦٧
تفسير سورة النساء / الآيات: ٥٣ - ٥٥
حين ورد مكة: أنت سيدنا وسيد قومك، إنّا قوم ننحر الكوماء، ونقري الضيف، ونصل الرحم، ونسقي
الحجيج، ونعبد آلهتنا الذين وجدنا آباءنا يعبدون، وهذا الصنبور المنبتر من قومه قد قطع الرحم، فمن
أهدى نحن أو هو؟ فقال كعب: أنتم أهدى منه وأقوم ديناً، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس: وحكى
السدي: أن أبا سفيان خاطب كعباً بهذه المقالة، فالضمير في ﴿يقولون﴾ عائد على كعب على ما تقدم -
أو على الجماعة من بني إسرائيل التي كانت مع كعب، لأنها قالت بقوله في جميع ذلك على ما ذكر بعض
المتأولين، و﴿الذين كفروا﴾ في هذه الآية هم قريش، والإشارة بـ ﴿هؤلاء﴾ إليهم، و ﴿أهدى﴾: وزنه
أفعل وهو للتفضيل، و﴿الذين آمنوا﴾: هم النبي عليه السلام وأمته، و﴿سبيلاً﴾ نصب على التمييز،
وقالت فرقة: بل المراد في الآية من بني إسرائيل هو حيي بن أخطب وهو المقصود من أول الآيات،
والمشار إليه بقوله ﴿أولئك﴾ هم المراد من بني إسرائيل، فمن قال: كانوا جماعة فذلك مستقيم لفظاً
ومعنى، ومن قال: هو كعب أو حيي، فعبر عنه بلفظ الجمع، لأنه كان متبوعاً، وكان قوله مقترناً بقول
جماعة .
و﴿لعنهم﴾ معناه: أبعدهم من خيره ومقتهم، ومن يفعل اللّه ذلك به ويخذله فلا ناصر له من
المخلوقين، وإن نصرته طائفة، فنصرتها كلا نصرة، إذ لا تغني عنه شيئاً .
قوله تعالى :
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلّكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا [®) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَ اتَدُهُمُ اللَّهُ مِن
فَمِنْهُمْ مَّنْءَامَنَبِهِ،
فَضْلِهِ، فَقَدْءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيمَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾
٥٥
وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا
عرف ﴿أم﴾ أن تعطف بعد استفهام متقدم، كقولك: أقام زيد أم عمرو، فإذا وردت ولم يتقدمها
استفهام، فمذهب سيبويه: أنها مضمنة معنى الإضراب عن الكلام الأول والقطع منه، وهي مضمنة مع
ذلك معنى الاستفهام، فهي بمعنى ((بل)) مع ألف الاستفهام، كقول العرب: إنها لإبل أم شاء، فالتقدير
عند سيبويه، أنها لإبل بل أهي شاء. وكذلك هذا الموضع، تقديره: بل ألهم نصيب من الملك؟ وقد حكي
عن بعض النحويين، أن ﴿أم﴾ يستفهم بها ابتداء دون تقدم استفهام، حكاه ابن قتيبة في المشكل، وهذا
(أم) بمعنى بل، ولم يذكروا الألف اللازمة، فأوجبوا على
غير مشهور للعرب، وقال بعض المفسرين :
هذا حصول الملك للمذكورين في الآية، والتزموا ذلك وفسروا عليه، فالمعنى عندهم: بل هم ملوك أهل
دنيا وعتو وتنعم، لا يبغون غيره، فهم بخلاء به، حريصون على أن لا يكون ظهور لسواهم.
قال القاضي أبو محمد: والمعنى على الأرجح الذي هو مذهب سيبويه والحذاق، أنه استفهام على
معنى الإنكار، أي ألهم ملك؟ فإذاً لو كان لبخلوا، وقرأ ابن مسعود، ((فإذاً لا يؤتوا)) بغير نون على إعمال
((إذا))، والمصحف على إلغائها، والوجهان جائزان، وإن كانت صدراً من أجل دخول الفاء عليها، والنقير،
أعرف ما فيه أنها النكتة التي في ظهر النواة من التمرة، ومن هنالك تنبت، وهو قول الجمهور، وقالت فرقة:

٦٨ ____
تفسير سورة النساء / الآيات: ٥٣ - ٥٥
هي النقطة التي في بطن النواة، وروي عن ابن عباس أنه قال: هو نقر الإنسان بأصبعه، وهذا كله يجمعه
أنه كناية عن الغاية في الحقارة والقلة على مجاز العرب واستعارتها، و﴿إذاً﴾ في هذه الآية ملغاة لدخول فاء
العطف عليها، ويجوز إعمالها، والإلغاء أفصح، وذلك أنها إذا تقدمت أعملت قولاً واحداً، وإذا توسطت
ألغيت قولاً واحداً، فإذا دخل عليها وهي متقدمة فاء أو واو جاز إعمالها والإلغاء أفصح وهي لغة القرآن،
وتكتب ((إذاً)) بالنون وبالألف، فالنون هو الأصل، كعن ومن، وجاز كتبها بالألف لصحة الوقوف عليها فأشبهت
نون التنوين، ولا يصح الوقوف على ((عن ومن)).
وقوله تعالى: ﴿أم يحسدون الناس) الآية، ﴿أم) هذه على بابها، لأن الاستفهام الذي في تقديرنا،
بل ألهم قد تقدمها، واختلف المتأولون في المراد بـ ﴿الناس) في هذا الموضع، فقال ابن عباس ومجاهد
وعكرمة والسدي والضحاك، هو النبي عليه السلام، والفضل النبوة فقط، والمعنى فلمّ يخصونه بالحسد ولا
يحسدون آل إبراهيم في جميع ما آتيناهم من هذا وغيره من الملك؟ وقال ابن عباس والسدي أيضاً: هو
النبي صلى الله عليه وسلم، والفضل ما أبيح له من النساء فقط، وسبب الآية عندهم، أن اليهود قالت لكفار
العرب: انظروا إلى هذا الذي يقول: إنه بعث بالتواضع، وإنه لا يملأ بطنه طعاماً، ليس همه إلا في
النساء، ونحو هذا، فنزلت الآية، والمعنى فلمَ يخصونه بالحسد ولا يحسدون آل إبراهيم؟ صلى الله عليه
وسلم يعني سليمان وداود عليهما السلام في أنهما أعطيا النبوة والكتاب، وأعطيا مع ذلك ملكاً عظيماً،
في أمر النساء، وهو ما روي أنه كان لسليمان سبعمائة امرأة ، وثلاثمائة سرية، ولداود مائة امرأة، ونحو هذا
من الأخبار الواردة في ذلك، فالملك في هذا القول إباحة النساء، كأنه المقصود أولاً بالذكر، وقال قتادة:
﴿الناس﴾ في هذا الموضع: العرب، حسدتها بنو إسرائيل في أن كان النبي عليه السلام منها، ((والفضل))
على هذا التأويل: هو محمد عليه السلام، فالمعنى: لم يحسدون العرب على هذا النبي صلى الله عليه
وسلم وقد أوتي آل إبراهيم صلى الله عليه وسلم - وهم أسلافهم - أنبياء وكتباً، كالتوراة والزبور، ﴿وحكمة﴾
وهي الفهم في الدين وما يكون من الهدى مما لم ينص عليه الكتاب، وروي عن ابن عباس أنه قال: ((نحن
الناس)) يريد قريشاً، ﴿وملكاً عظيماً﴾: أي ملك سليمان، قاله ابن عباس: وقال مجاهد: الملك العظيم
في الآية هو النبوة، وقال همام بن الحارث وأبو مسلمة: هو التأييد بالملائكة.
قال القاضي أبو محمد: والأصوب أنه ملك سليمان أو أمر النساء في التأويل المتقدم، وقوله تعالى:
﴿فمنهم من آمن به﴾ الآية، اختلف المتأولون في عود الضمير من ﴿به﴾ فقال الجمهور: هو عائد على
القرآن الذي في قوله تعالى: ﴿آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ [النساء: ٤٧]
فأعلم الله أن منهم من آمن كما أمر، فلذلك ارتفع الوعيد بالطمس ولم يقع، وصد قوم ثبت الوعيد
عليهم في الآخرة بقوله: ﴿وكفى بجهنم سعيراً﴾ وقالت فرقة: الضمير عائد على إبراهيم عليه السلام،
وحكى مكي في ذلك قصصاً ليست بالثابتة، وقالت فرقة: هو عائد على الفضل الذي آتاه الله النبي عليه
السلام، أو العرب على ما تقدم.
قال القاضي أبو محمد: قرأت فرقة: ((صُد)) عنه بضم الصاد على بناء الفعل للمفعول، و﴿سعيراً﴾
معناه: احتراقاً وتلهباً، والسعير: شدة توقد النار، فهذا كناية عن شدة العذاب والعقوبة .

٦٩
تفسير سورة النساء / الآيتان : ٥٧،٥٦
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُ وْ نَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِيِهِمْ نَارًّا كُلَّمَا نَضِحَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ
اُلْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾َّ
تَّجْرِى مِنْ تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِهَا أَبَدًّا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا
٥٧
تقدم في الآيات وصف المردة من بني إسرائيل وذكر أفعالهم وذنوبهم، ثم جاء بالوعيد النص لهم
بلفظ جلي عام لهم ولغيرهم ممن فعل فعلهم من الكفر، والقراءة المشهورة ﴿نُصليهم﴾ بضم النون من
أصليت ومعناه قربت من النار وألقيت فيها، وهو معنى صليت بتشديد اللام، وقرأ حميد ((نَصليهم)) بفتح
النون من صليت، ومعناه شويت، ومنه الحديث، أتي رسول الله بشاة مصلية، أي مشوية، وكذا وقع
تصريف الفعل في العين وغيره، وقرأ سلام ويعقوب ((نصليهُم)) بضم الهاء، واختلف المتأولون في معنى
تبديل الجلود، فقالت فرقة: تبدل عليهم جلود غيرها، إذ نفوسهم هي المعذبة والجلود لا تألم في ذاتها،
فإنها تبدل ليذوقوا تجديد العذاب، وقالت فرقة: ((تبديل الجلود)) هو إعادة ذلك الجلد بعينه الذي كان في
الدنيا، تأكله النار ويعيده الله دأباً لتجدد العذاب، وإنما سماه ((تبديلاً))، لأن أوصافه تتغير ثم يعاد، كما
تقول: بدل من خاتمي هذا خاتماً وهي فضته بعينها، فالبدل إنما وقع في تغيير الصفات، وقال ابن عمر،
كلما احترقت جلودهم بدلوا جلوداً بيضاء كالقراطيس، وقال الحسن بن أبي الحسن، تبدل عليهم في اليوم
سبعين ألف مرة، وقالت فرقة: الجلود في هذا الموضع سرابيل القطران، سماها جلوداً للزومها فصارت
كالجلود، وهي تبدل دأباً عافانا الله من عذابه برحمته، حكاه الطبري، وحسن الاتصاف بعد هذه المقدمات
بالعزة والإحكام، لأن الله لا يغالبه مغالب إلا غلبه الله، ولا يفعل شيئاً إلا بحكمة وإصابة، لا إله إلا هو
تبارك وتعالى .
ولما ذكر الله وعيد الكفار، عقب بوعد المؤمنين بالجنة على الإيمان والأعمال الصالحة، وقرأ ابن
وثاب والنخعي، ((سيدخلهم)) بالياء وكذلك ((يدخلهم)) بعد ذلك وقد تقدم القول في معنى ﴿من تحتها﴾ في
سورة البقرة و﴿مطهرة﴾ معناه: من الريب والأقذار التي هي معهودات في الدنيا و﴿ظليلاً﴾ معناه: عند
بعضهم يقي الحر والبرد، ويصح أن يريد أنه ظل لا يستحيل ولا ينتقل، كما يفعل ظل الدنيا، فأكده بقوله
﴿ظليلًا﴾ لذلك، ويصح أن يصفه بظليل لامتداده، فقد قال عليه السلام: ((إن في الجنة شجرة يسير
الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة ما يقطعها)).
قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَ مَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْتَكُّمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا
يَعِظُكُمْ بِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [ْ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ

٧٠
تفسير سورة النساء / الآيتان : ٥٨، ٥٩
فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
تَأْوِيلًا
٥٩
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب، وابن زيد: هذا خطاب لولاة
المسلمين خاصة .
قال القاضي أبو محمد: فهو للنبي عليه السلام وأمرائه، ثم يتناول من بعدهم، وقال ابن جريج
وغيره: ذلك خطاب للنبي عليه السلام في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن طلحة بن أبي طلحة
العبدري ومن ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فطلبه العباس بن عبد المطلب لتنضاف له السدانة
إلى السقاية، فدخل رسول الله الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان، وأخرج مقام إبراهيم، ونزل عليه
جبريل بهذه الآية. قال عمر بن الخطاب: وخرج رسول الله وهو يقرأ هذه الآية، وما كنت سمعتها قبل منه.
فدعا عثمان وشيبة، فقال لهما: خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، وحكى مكي أن شيبة أراد أن
لا يدفع المفتاح، ثم دفعه وقال للنبي عليه السلام: خذه بأمانة الله .
قال القاضي أبو محمد: واختلف الرواة في بعض ألفاظ هذا الخبر، زيادة ونقصاناً، إلا أنه المعنى
بعينه، وقال ابن عباس: الآية في الولاة بأن يعظوا النساء في النشوز ونحوه، ويردوهن إلى الأزواج، والأظهر
في الآية أنها عامة في جميع الناس، ومع أن سببها ما ذكرناه تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة
الأموال ورد الظلامات وعدل الحكومات وغيره، وتتناولهم ومن دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز
في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه، والصلاة والزكاة والصيام وسائر العبادات
أمانات لله تعالى، وقال ابن عباس: لم يرخص الله لموسرٍ ولا معسر أن يمسك الأمانة، و﴿نعما﴾ أصله
نعم ما، سكنت الأولى وأدغمت في الثانية وحركت العين لالتقاء الساكنين، وخصت بالكسر اتباعاً للنون،
و((ما)) المردفة على ((نعم)) إنما هي مهيئة لاتصال الفعل بها كما هي في ((ربما ومما)) في قوله: وكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم مما يحرك شفتيه، وكقول الشاعر: [الطويل]
وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةٌ عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي اللَّسَانَ مِنَ الْفَمِ
ونحوه، وفي هذا هي بمنزلة ((ربما)) وهي لها مخالفة في المعنى، لأن ((ربما)) معناها: التقليل،
و ((مما)) معناها التكثير، ومع أن ((ما)) موطئة فهي بمعنى ((الذي)) وما وطأت إلا وهي اسم، ولكن القصد إنما
هو لما يليها من المعنى الذي في الفعل، وحسن الاتصاف بعد هذه المقدمات بالسمع والبصر، لأنها في
الشاهد محصلات ما يفعل المأمور فيما أمر به .
وقوله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله﴾ لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة، تقدم في هذه
إلى الرعية، فأمر بطاعته عز وجل، وهي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسوله، وطاعة الأمراء على قول
الجمهور: أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم، فالأمر على هذا التأويل إشارة إلى القرآن والشريعة،
أي: أولي هذا الأمر. وعن عبد الله ومجاهد وجماعة: أولو الأمر: أهل القرآن والعلم، فالأمر على هذا التأويل أشار

٧١
تفسير سورة النساء / الآيتان : ٦١،٦٠
إلى القرآن والشريعة، أي: أولي هذا الأمر وهذا الشأن وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال: الإشارة هنا
بـ ﴿أولي الأمر﴾ إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وحكي عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي
بكر وعمر خاصة، وفي هذا التخصيص بعد، وحكى بعض من قال: إنهم الأمراء أنها نزلت في أمراء رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وكان السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عمار بن ياسر،
وأميرها خالد بن الوليد، فقصدوا قوماً من العرب، فأتاهم نذير فهربوا تحت الليل. وجاء منهم رجل إلى
عسكر خالد، فدخل إلى عمار فقال: يا أبا اليقظان، إن قومي قد فروا، وإني قد أسلمت، فإن كان ينفعني
إسلامي بقيت، وإلا فررت، فقال له عمار: هو ينفعك، فأقم، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد سوى
الرجل المذكور فأخذه وأخذ ماله، فجاء عمار فقال: خل عن الرجل فإنه قد أسلم وإنه في أمان مني، فقال
خالد: وأنت تجير؟ فاستبًا وارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير
الثانية على أمير، واستّبًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال خالد: يا رسول الله أتترك هذا
العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خالد لا تسب عماراً، فإنه من سب عماراً سبه
الله، ومن أبغض عماراً أبغضه الله، ومن لعن عماراً لعنه الله، فغضب عمار، فقام فذهب، فتبعه خالد
حتى اعتذر إليه فتراضيا، فأنزل الله عز وجل قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ وطاعة
الرسول هي اتباع سنته، قاله عطاء وغيره، وقال ابن زيد: معنى الآية ﴿وأطيعوا الرسول﴾.
قال القاضي أبو محمد: يريد ((وسنته)) بعد موته، المعنى: ﴿فإن تنازعتم﴾ فيما بينكم أو أنتم
وأمراؤكم، ومعنى التنازع أن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويذهبها، والرد إلى الله: هو النظر في كتابه
العزيز، والرد إلى الرسول: هو سؤاله في حياته والنظر في سنته بعد وفاته عليه السلام، هذا قول مجاهد
والأعمش وقتادة والسدي، وهو الصحيح، وقال قوم: معناه قولوا: الله ورسوله أعلم، فهذا هو الرد، وفي
قوله: ﴿إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ بعض وعيد، لأن فيه جزاء المسيء العاتي، وخاطبهم بـ ﴿إن
كنتم تؤمنون﴾ وهم قد كانوا آمنوا، على جهة التقرير، ليتأكد الإلزام، و﴿تأويلاً﴾ معناه: مالاً على قول
جماعة، وقال مجاهد: أحسن جزاء، قال قتادة والسدي وابن زيد: المعنى أحسن عاقبة، وقالت فرقة:
المعنى أن الله ورسوله أحسن نظراً وتأولاً منكم إذا انفردتم بتأولكم.
قوله تعالی :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ، يُرِيدُونَ أَنْ
يَتَحَاكَمُوْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُ وا أَن يَكْفُرُواْبِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطِنُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا
٦٠
أَوَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُونَ عَنكَ
مُدُودًا
تقول العرب: زعم فلان كذا، في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق وتتقوى فيه شبه الإبطال، فغاية
!
i
:
i

٧٢
تفسير سورة النساء / الآيتان : ٦١٫٦٠
درجة الزعم إذا قوي أن يكون مظنوناً، يقال: ((زعم)) بفتح الزاي وهو المصدر، ((وزُعم)) بضمها وهو الاسم
وكذلك زعم المنافقين أنهم مؤمنون، هو مما قويت فيه شبهة الإبطال لسوء أفعالهم، حتى صححها الخبر
من الله تعالى عنهم، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((بئس مطية الرجل زعموا)) وقد قال
الأعشى : [المتقارب]
ونُبِئْتُ قَيْساً وَلَمْ أَبْلُهُ كَمَا زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ الْيَمَنْ
فقال الممدوح: وما هو إلا الزعم وحرمه، وإذا قال سيبويه: زعم الخليل، فإنما يستعملها فيما انفرد
الخليل به، وكان أقوى رتب ((زعم)) أن تبقى معها عهدة الخبر على المخبر، و((أن)) معمولة لـ ﴿يزعمون﴾.
وقال عامر الشعبي وغيره: نزلت الآية في منافق اسمه بشر، خاصم رجلاً من اليهود، فدعاه اليهودي
إلى المسلمين لعلمه أنهم لا يرتشون، وكان هو يدعو اليهودي إلى اليهود لعلمه أنهم يرتشون، فاتفقا بعد
ذلك على أن أتيا كاهناً كان بالمدينة فرضياه، فنزلت هذه الآية فيهما وفي صنفيهما، ((فالذين يزعمون أنهم
آمنوا بما أنزل)) على محمد هم المنافقون، ((والذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل)) من قبله هم اليهود، وکل
قد أمر في كتابه بالكفر بالطاغوت، و﴿الطاغوت﴾ هنا الكاهن المذكور، فهذا تأنيب للصنفين، وقال ابن
عباس: ﴿الطاغوت﴾ هنا هو كعب بن الأشرف، وهو الذي تراضيا به، فعلى هذا إنما يؤنب صنف المنافقين
وحده، وهم الذين آمنوا بما أنزل على محمد وبما أنزل من قبله بزعمهم، لأن اليهود لم يؤمروا في شرعهم
بالكفر بالأحبار، وكعب منهم، وذكر النقاش: أن كعباً هذا أصله من طىء وتهود، وقال مجاهد: نزلت في
مؤمن ويهودي، وقالت فرقة: نزلت في يهوديين.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذان القولان بعيدان من الاستقامة على ألفاظ الآية، وقال
السدي: نزلت في المنافقين من قريظة والنضير، وذلك أنهم تفاخروا بسبب تكافؤ دمائهم، إذ كانت النضير
في الجاهلية تدي من قتلت، وتستقيد إذا قتلت قريظة منهم، فأبت قريظة لما جاء الإسلام، وطلبوا
المنافرة، فدعا المؤمنون منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا المنافقون إلى أبي بردة الكاهن،
فنزلت الآية فيهم، وحكى الزجّاج: أن المنافق المتقدم الذكر أو غيره اختصم عند النبي صلى الله عليه
وسلم فقضى في أمره، فخرج وقال لخصمه: لا أرضى بحكمه، فذهبا إلى أبي بكر فقضى بينهما، فقال
المنافق: لا أرضى، فذهبا إلى عمر فوصفا له جميع ما فعلا، فقال لهما: اصبرا حتى أقضي حاجة في
منزلي ثم أخرج فأحكم بينكما، فدخل وأخذ سيفه وخرج، فضرب المنافق حتى برد، وقال: هذا حكمي
فيمن لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، وقال الحسن: احتكم المنافقون
بالقداح التي يضرب بها عند الأوثان فنزلت الآية.
و﴿يضلهم﴾ معناه: يتلفهم، وجاء ﴿ضلالاً﴾ على غير المصدر، تقديره: ((فيضلون ضلالاً))،
و﴿بعيداً﴾ عبارة عن عظم الضلال وتمكنه حتى يبعد الرجوع عنه والاهتداء معه.
وقرأ الجمهور (تَعالَوا)) بفتح اللام، وقرأ الحسن فيما روى عنه قتادة (تعالُوا)» بضمة، قال أبو الفتح:
وجهها أن لام الفعل من ((تعاليت)) حذفت تخفيفاً، وضمت اللام التي هي عين الفعل، وذلك لوقوع واو

٧٣
تفسير سورة النساء / الآيات: ٦٢ - ٦٤ -
الجمع بعدها، كقولك: تقدموا وتأخروا، وهي لفظة مأخوذة من العلو، لما استعملت في دعاء الإنسان
وجلبه وأشخاصه، سيقت من العلو تحسيناً للأدب، كما تقول: ارتفع إلى الحق، ونحوه، و﴿رأيت﴾ هي
رؤية عين لمن صد من المنافقين مجاهرة وتصريحاً، وهي رؤية قلب لمن صد منهم مكراً وتخابثاً ومسارقة
حتى لا يعلم ذلك منه إلا بالتأويل عليه والقرائن الصادرة عنه، فإذا كانت رؤية عين فـ ﴿يصدون﴾ في
موضع نصب على الحال، وإذا كانت رؤية قلب فـ ﴿يصدون﴾ نصب على المفعول الثاني، و﴿صدوداً﴾
مصدر عند بعض النحاة من صد، وليس عند الخليل بمصدر منه، والمصدر عنده ((صداً)) وإنما ذلك لأن
فعولاً إنما هو مصدر للأفعال غير المتعدية. كجلس جلوساً، وقعد قعوداً و ((صد)) فعل متعد بنفسه مرة كما
قال: ﴿فصدهم عن السبيل﴾ [النمل: ٢٤ - العنكبوت: ٣٨]، ومرة بحرف الجر كقوله تعالى: ﴿يصدون
عنك صدوداً﴾ وغيره، فمصدره: صد، و ﴿صدوداً﴾ اسم.
قوله تعالی :
فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُ وَكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآَ
إِلَّ إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنْفُسِهِمْ قَوْلَا بَلِيغًا () وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ
بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوْ اْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوَكَ فَاسْتَغْفَرُ واْاللَّهَ وَاُسْتَغْفَرَلَهُمُ
الرَّسُولُ لَوَجَدُ واْ اللّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا
قالت فرقة: هي في المنافقين الذين احتكموا حسب ما تقدم، فالمعنى: فكيف بهم إذا عاقبهم الله
بهذه الذنوب بنقمة منه؟ ثم حلفوا إن أردنا بالاحتكام إلى الطاغوت إلا توفيق الحكم وتقريبه، دون مر
الحكم وتقصي الحق، وقالت فرقة: هي في المنافقين الذين طلبوا دم الذي قتله عمر، فالمعنى: ﴿فكيف﴾
بهم ﴿إذا أصابتهم مصيبة﴾ في قتل قريبهم ومثله من نقم الله تعالى، ثم إنهم حلفوا ما أرادوا بطلب دمه ﴿إلا
إحساناً﴾ وحقاً، نحا إليه الزجّاج، وموضع ﴿كيف﴾ نصب بفعل تقديره: فكيف تراهم ونحوه، ويصح أن
يكون موضعها رفعاً، تقديره: فكيف صنيعهم.
وقوله تعالى: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم﴾ تكذيب المنافقين المتقدم ذكرهم وتوعدهم،
أي فهو مجازيهم بما يعلم، و﴿أعرض عنهم﴾ يعني عن معاقبتهم، وعن شغل البال بهم، وعن قبول
أيمانهم الكاذبة في قوله ﴿يحلفون﴾ وليس بالإعراض الذي هو القطيعة والهجر، فإن قوله: ﴿وعظهم﴾ يمنع
من ذلك، ﴿وعظهم﴾ معناه بالتخويف من عذاب الله، وغيره من المواعظ، والقول البليغ اختلف فيه، فقيل:
هو الزجر والردع والكف بالبلاغة من القول، وقيل: هو التوعد بالقتل إن استداموا حالة النفاق، قاله
الحسن، وهذا أبلغ ما يكون في نفوسهم، والبلاغة: مأخوذة من بلوغ المراد بالقول، وحكي عن مجاهد أن
قوله: ﴿في أنفسهم)، متعلق بقوله: ﴿مصيبة﴾ وهو مؤخر بمعنى التقديم، وهذا ضعيف.

٧٤
تفسير سورة النساء / الآيات: ٦٥ - ٦٨
وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا
محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك، و﴿ليطاع﴾، نصب بلام كي، و﴿بإذن الله﴾ معناه بأمر
الله، وحسنت العبارة بالإذن، إذ بنفس الإرسال تجب طاعته وإن لم ينص أمر بذلك، ويصح تعلق الباء من
قوله ﴿بإذن﴾ بـ ﴿أرسلنا﴾، والمعنى وما أرسلنا بأمر الله أي بشريعته وعبادته من رسول إلا ليطاع، والأظهر
تعلقها بـ ((يطاع)) والمعنى: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بأمر الله بطاعته.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وعلى التعليقين فالكلام عام اللفظ خاص المعنى، لأنا نقطع أن
الله تبارك وتعالى قد أراد من بعض خلقه ألا يطيعوا، ولذلك خرجت طائفة معنى الإذن إلى العلم، وطائفة
خرجته إلى الإرشاد لقوم دون قوم، وهذا تخريج حسن، لأن الله إذا علم من أحد أنه يؤمن ووفقه لذلك
فكأنه أذن له فيه، وحقيقة الإذن: التمكين مع العلم بقدر ما مكن منه، وقوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا
أنفسهم) الآية، معناه: بالمعصية والنفاق، ونقصها حظها من الإيمان و﴿استغفروا الله﴾ معناه: طلبوا
مغفرته، وتابوا إليه رجعوا، و﴿تواباً﴾: معناه راجعاً بعباده.
قوله تعالى :
فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ
حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾ وَلَوْ أَنَّا كَنَبْنَا عَلَّهِمْ أَنِ آَقْتُلُوْ أَنفُسَكُمْ أَوِ أُخْرُجُواْ
مِن دِيَرِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرَالَّهُمْ وَأَشَدَّ تَنْبِيتًا
﴿ وَإِذَا لَّا تَيْنَهُمْ مِن لَّدُنَّا أَجْرًّاً عَظِيمًا (®] وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
٦٨
قال الطبري: قوله: ﴿فلا﴾ رد على ما تقدم، تقديره: فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل
إليك، ثم استأنف القسم بقوله، ﴿وربك لا يؤمنون﴾.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقال غيره: إنما قدم ((لا)) على القسم اهتماماً بالنفي، وإظهاراً
لقوته، ثم كررها بعده تأكيداً للتهمم بالنفي، وكان يصح إسقاط ﴿لا﴾ الثانية، ويبقى أكثر الاهتمام بتقديم
الأولى، وكان يصح إسقاط الأولى ويبقى معنى النفي، ويذهب معنى الاهتمام، و﴿شجر﴾ معناه: اختلط
والتف من أمورهم، وهو من الشجر، شبيه بالتفاف الأغصان، وكذلك الشجير الذي امتزجت مودته بمودة
صاحبه، وقرأ أبو السمال ((شجر)) بإسكان الجيم.
قال القاضي أبو محمد: وأظنه فر من توالي الحركات، وليس بالقوي، لخفة الفتحة، و﴿يحكموك﴾
نصب بحتى، لأنها هاهنا غاية مجردة، و﴿يجدوا﴾ عطف عليه، والحرج: الضيق والتكلف والمشقة، قال
مجاهد: ﴿حرجاً﴾، شكاً، وقوله: ﴿تسليماً﴾ مصدر مؤكد، منبىء على التحقيق في التسليم، لأن العرب
إنما تردف الفعل بالمصدر إذا أرادت أن الفعل وقع حقيقة، كما قال تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾
[النساء: ١٦٤] وقد تجيء به مبالغة وإن لم يقع، ومنه: ((وعجت عجيجاً من جدام المطارف)).

٧٥
تفسير سورة النساء / الآيات: ٦٥ - ٦٨
وقال مجاهد وغيره: المراد بهذه الآية من تقدم ذكره، ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت، وفيهم
نزلت، ورجح الطبري هذا، لأنه أشبه بنسق الآية وقالت طائفة: نزلت في رجل خاصم الزبير بن العوام في
السقي بماء الحرة، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك،
فغضب ذلك الرجل وقال إن كان ابن عمتك؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستوعب للزبير
حقه، فقال: احبس يا زبير الماء حتى يبلغ الجدر، ثم أرسل الماء، فنزلت الآية، واختلف أهل هذا القول
في الرجل، فقال قوم: هو رجل من الأنصار من أهل بدر، وقال مكي وغيره: هو حاطب بن أبي بلتعة .
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والصحيح الذي وقع في البخاري أنه رجل من الأنصار، وأن الزبير
قال: فما أحسب أن هذه الآية نزلت إلا في ذلك، وقالت طائفة: لما قتل عمر الرجل المنافق الذي لم
يرض بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، بلغ ذلك النبي وعظم عليه، وقال: ما كنت أظن أن عمر يجترىء
على قتل رجل مؤمن، فنزلت الآية نافية لإيمان ذلك الرجل الراد لحكم النبي، مقيمة عذر عمر بن الخطاب
في قتله.
و﴿كتبنا﴾ معناه فرضنا، و﴿اقتلوا أنفسكم﴾ معناه ليقتل بعضكم بعضاً، وقد تقدم نظيره في البقرة،
وضم النون من ﴿أن﴾ وكسرها جائز، وكذلك الواو من ﴿أو أخرجوا﴾ وبضمها قرأ ابن عامر ونافع وابن كثير
والكسائي، وبكسرها قرأ حمزة وعاصم، وكسر أبو عمرو النون وضم الواو، و﴿قليل﴾ رفع على البدل من
الضمير في ﴿فعلوه﴾، وقرأ ابن عامر وحده بالنصب ((إلا قليلا))، وذلك جائز أجرى النفي مجرى الإيجاب.
وسبب الآية على ما حكي: أن اليهود قالوا لما لم يرض المنافق بحكم النبي عليه السلام: ما رأينا
أسخف من هؤلاء، يؤمنون بمحمد ويتبعونه، ويطؤون عقبة، ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمرنا بقتل
أنفسنا ففعلنا، وبلغ القتل فينا سبعين ألفاً فقال ثابت بن قيس: لو كتب ذلك علينا لفعلناه، فنزلت الآية
معلمة حال أولئك المنافقين، وأنه لو كتب ذلك على الأمة لم يفعلوه، وما كان يفعله إلا قليل مؤمنون
محققون، كثابت وغيره، وكذلك روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثابت بن قيس وعمار وابن
مسعود من القليل. وشركهم في ضمير ﴿منهم﴾ لما كان المنافقون والمؤمنون مشتركين في دعوة الإسلام
وظواهر الشريعة، وقال أبو إسحاق السبيعي: لما نزلت ﴿ولو أنا كتبنا عليهم) الآية، قال رجل: لو أمرنا
لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن من أمتي رجالاً الإيمان
أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي، وذكر مكي أن الرجل هو أبو بكر الصديق، وذكر النقاش: أنه
عمر بن الخطاب، وذكر عن أبي بكر أنه قال: لو كتب علينا لبدأت بنفسي وبأهل بيتي .
وقوله تعالى: ﴿ولو أنهم فعلوا﴾ أي لو أن هؤلاء المنافقين اتعظوا وأنابوا لكان خيراً لهم، و﴿تثبيتاً﴾
معناه: يقيناً وتصديقاً ونحو هذا، أي يثبتهم الله، ثم ذكر تعالى ما كان يمن به عليهم من تفضله بالأجر،
ووصفه إياه بالعظم مقتضى ما لا يحصله بشر من النعيم المقيم، و((الصراط المستقيم)): الإيمان المؤدي
إلى الجنة، وجاء ترتيب هذه الآية كذا، ومعلوم أن الهداية قبل إعطاء الأجر، لأن المقصد إنما هو تعديد ما
كان الله ينعم به عليهم دون ترتيب، فالمعنى: ولهديناهم قبل حتى يكونوا ممن يؤتى الأجر.
..--

٧٦
تفسير سورة النساء / الآيتان : ٧٠،٦٩
قوله تعالی :
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُؤْلَبِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الَهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ
ذَالِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا
٧٠
٦٩
وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا
لما ذكر الله الأمر الذي لو فعلوه لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله، وهذه الآية تفسير قوله
تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة: ٥]، وقالت طائفة إنما نزلت
هذه الآية لما قال عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي أري الأذان، يا رسول الله إذا مت ومتنا كنت
في عليين فلا نراك ولا نجتمع بك، وذكر حزنه على ذلك، فنزلت هذه الآية، وحكى مكي عن عبد الله
هذا، أنه لما مات النبي عليه السلام، قال اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده، فعمي، وذكر أن جماعة
من الأنصار قالت ذلك أو نحوه، حكاه الطبري عن ابن جبير وقتادة والسدي.
قال القاضي أبو محمد: ومعنى - أنهم معهم - أنهم في دار واحدة، ومتنعم واحد، وكل من فيها قد
رزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة
تختلف مراتبهم على قدر أعمالهم، وعلى قدر فضل الله على من شاء، و((الصدّيق)) فعيل من الصدق، وقيل
من الصدقة. وروي عن النبي عليه السلام، الصديقون المتصدقون، والشهداء المقتولون في سبيل الله، هم
المخصوصون بفضل الميتة، وهم الذين فرق الشرع حكمهم في ترك الغسل والصلاة، لأنهم أكرم من أن
يشفع لهم. وسموا بذلك لأن الله شهد لهم بالجنة، وقيل لأنهم شهدوا لله بالحق في موتهم ابتغاء مرضاته،
ولكن لفظ، ﴿الشهداء﴾ في هذه الآية يعم أنواع الشهداء، و﴿رفيقاً﴾ موحد في معنى الجمع، كما قال:
﴿ثم يخرجكم طفلاً﴾ [الحج: ٥] ونصبه على التمييز، وقيل على الحال، والأول أصوب، وقرأ أبو
السمال، ((وحسْن)) بسكون السين، وذلك مثل شجر بينهم.
وقوله تعالى: ﴿ذلك الفضل من الله﴾ رد على تقدير معترض يقول، وما الذي يوجب استواء أهل
الطاعة والنبيين في الآخرة، والفرق بينهم في الدنيا بيّن؟ فذكر الله أن ذلك بفضله لا بوجوب عليه،
والإشارة بـ ﴿ذلك) إلى كون المطيعين مع المنعم عليهم، وأيضاً فلا نقرر الاستواء، بل هم معهم في دار
والمنازل متباينة، ثم قال ﴿وكفى بالله عليماً﴾ وفيها معنى أن يقول، فسلموا فعل الله وتفضله من الاعتراض
عليه، واكتفوا بعلمه في ذلك وغيره، ولذلك أدخلت الباء على اسم الله، لتدل على الأمر الذي في قوله:
﴿وكفى﴾.
قوله تعالى :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُ واْحِذْرَكُمْ فَانِفِرُ واْ ثُّبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُ واْ جَمِيعًا { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيْبَطَن
وَلَبِنْ أَصَبَكُمْ فَضْلُ مِّنَ
٧٢
فَإِنْ أَصَبَتَّكُمُ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعُمَ اَللَّهُ عَلَىَ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا !

٧٣
تفسير سورة النساء / الآيات: ٧١ - ٧٣
اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْتَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ, مَوَدَّةٌ يَلَيْتَنِ كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا
هذا خطاب للمخلصين من أمة محمد عليه السلام، وأمر لهم بجهاد الكفار، والخروج في سبيل
الله، وحماية الشرع، و﴿خذوا حذركم﴾، معناه: احزموا واستعدوا بأنواع الاستعداد، فهنا يدخل أخذ
السلاح وغيره، و﴿انفروا﴾ معناه: اخرجوا مجدين مصممين، يقال: نفر الرجل ينفِر بكسر الفاء نفيراً،
ونفرت الدابة تنفُر بضم الفاء نفوراً، و﴿ثبات﴾ معناه: جماعات متفرقات، فهي كناية عن السرايا
و﴿جميعاً﴾، معناه: الجيش الكثيف مع النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا قال ابن عباس وغيره، والثبة:
حكي أنها فوق العشرة من الرجال، وزنها فعلة بفتح العين، أصلها ثبوة، وقيل: ثبية، حذفت لامها بعد أن
تحركت وانقلبت ألفاً حذفً غير مقبس، ولذلك جمعت ثبون، بالواو والنون عوضاً من المحذوف وكسر
أولها في الجمع دلالة على خروجها عن بابها، لأن بابها أن تجمع بالتاء أبداً، فيقال: ﴿ثبات﴾، وتصغر
ثبية أصلها ثبيوة، وأما ثبة الحوض وهي وسطه الذي يثوب الماء إليه، فالمحذوف منها العين، وأصلها ثوبة
وتصغيرها ثوبية، وهي من ثاب يثوب، وكذلك قال أبو علي الفارسي في بيت أبي ذؤيب: [الطويل]
فَلَمَّا جَلاها بالأَّيامِ تَحَيَّزَتْ ثَبَاتُ عَلَيْهَا ذَلُّهَا وَأْكِثَابُها
انه اسم مفرد ليس يجمع سيق على الأصل، لأن أصل ثبة ثبوة، تحركت بالواو وانفتح ما قبلها
فانقلبت ألفاً، فساقها أبو ذؤيب في هذه الحال.
وقوله تعالى: ﴿وإن منكم﴾ ﴿إن﴾ إيجاب، والخطاب لجماعة المؤمنين، والمراد بـ ((من)) المنافقون،
وعبر عنهم بـ ﴿منكم) إذ هم في عداد المؤمنين، ومنتحلون دعوتهم، واللام الداخلة على ((من)) لام
التأكيد، دخلت على اسم ﴿إن﴾ لما كان الخبر متقدماً في المجرور، وذلك مهيع في كلامهم، كقولك: إن
في الدار لزيداً، واللام الداخلة على ﴿يبطئن﴾ لام قسم عند الجمهور، تقديره ﴿وإن منكم لمن﴾ والله
﴿ليبطئن﴾ وقيل: هي لام تأكيد، و﴿يبطئن﴾ معناه: يبطىء غيره أي يثبطه ويحمله على التخلف عن مغازي
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ مجاهد ((ليبطئن)) بالتخفيف في الطاء، و﴿مصيبة﴾ يعني من قتل
واستشهاد، وإنما هي مصيبة بحسب اعتقاد المنافقين ونظرهم الفاسد، أو على أن الموت كله مصيبة كما
شاءه الله تعالى، وإنما الشهادة في الحقيقة نعمة لحسن مآلها، و﴿شهيداً﴾ معناه مشاهداً فالمعنى: أن
المنافق يسره غيبه إذا كانت شدة وذلك يدل على أن تخلفه إنما هو فزع من القتال ونكول عن الجهاد.
وقوله تعالى: ﴿ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ الآية، المعنى ولئن ظفرتم وغنمتم وكل ذلك من
فضل الله، ندم المنافق إن لم يحضر ويصب الغنيمة، وقال: ﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً﴾،
متمنياً شيئاً قد كان عاهد أن يفعله ثم غدر في عهده، لأن المؤمن إنما يتمنى مثل هذا إذا كان المانع له من
الحضور عذراً واضحاً، وأمراً لا قدرة له معه، فهو يتأسف بعد ذلك على فوات الخير، والمنافق يعاطي
المؤمنين المودة، ويعاهد على التزام كلف الإسلام، ثم يتخلف نفاقاً وشكاً وكفراً بالله ورسوله، ثم يتمنى
عند ما يكشف الغيب الظفر للمؤمنين، فعلى هذا يجيء قوله تعالى: ﴿كأن لم تكن بينكم وبينه مودة﴾

٧٨
تفسير سورة النساء / الآيتان: ٧٤، ٧٥
-
التفاتة بليغة، واعتراضاً بين القائل والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح فعلهم. وحكى الطبري عن قتادة وابن
جريج، أنهما كانا يتأولان قول المنافق ﴿يا ليتني كنت معهم﴾ على معنى الحسد منه للمؤمنين في نيل
رغيبة، وقرأ الحسن ﴿ليقولُن﴾ بضم اللام على معنى ((من)) وضم اللام لتدل على الواو المحذوفة. ويدل
مجموع هاتين الآيتين على أن خارج المنافقين فإنما كان يقصد الغنيمة، ومتخلفهم إنما كان يقصد الشك
وتربص الدوائر بالمؤمنين و﴿كأن﴾ مضمنة معنى التشبيه، ولكنها ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم
والخبر، وإنما تجيء بعدها الجمل، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص ((تكن)) بتاء، وقرأ غيرهما
((يكن)) بياء، وذلك حسن للفصل الواقع بين الفعل والفاعل، وقوله: ﴿فأفوز﴾ نصب بالفاء في جواب
التمني، وقرأ الحسن ويزيد النحوي ﴿فأفوز﴾ بالرفع على القطع والاستئناف، التقدير: فأنا أفوز. قال
روح: لم يجعل لـ ((ليت)) جواباً. وقال الزجّاج: إن قوله: ﴿كأن لم يكن بينكم وبينه مودة﴾ مؤخر. وإنما
موضعه فإن أصابتكم مصيبة .
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف لأنه يفسد فصاحة الكلام.
قوله تعالى :
فَلْيُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةَ وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلٍ
اُللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (﴾ وَ مَا لَكُمْلَا نُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ
مِنَ الْرِجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجُنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَنَامِن
لَّدُنِكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا
هذا أمر من الله عز وجل للمؤمنين الذين وصفهم بالجهاد في سبيل الله، و﴿يشرون﴾ معناه: يبيعون
في هذا الموضع، وإن جاء في مواضع: يشترون، فالمعنى هاهنا يدل على أنه بمعنى ((يبيعون)) ثم وصف
الله ثواب المقاتل في سبيل الله، فذكر غايتي حالتيه، واكتفى بالغايتين عما بينهما، وذلك أن غاية المغلوب
في القتال أن يقتل، وغاية الذي يقتل ويغنم أن يتصف بأنه غالب على الإطلاق، ((والأجر العظيم)): الجنة،
وقالت فرقة، ((فلْيقاتل)) بسكون لام الأمر، وقرأت فرقة ((فليقاتل)) بكسرها، وقرأ محارب بن دثار «فيقتل أو
يَغلب)» على بناء الفعلين للفاعل، وقرأ الجمهور ﴿نؤتيه﴾ بالنون، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف
«فسوف یۉتیه» بالياء .
وقوله تعالى: ﴿وما لكم﴾ اللام متعلقة بما يتعلق بالمستفهم عنه من معنى الفعل، تقديره وأي شيء
موجود أو كائن أو نحو ذلك لكم، و﴿لا تقاتلون﴾ في موضع نصب على الحال، تقديره تاركين أو
مضيعين. وقوله: ﴿والمستضعفين﴾ عطف على اسم الله تعالى، أي وفي سبيل المستضعفين، وقيل:
عطف على ((السبيل))، أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم، ويعني بـ ﴿المستضعفين﴾ من كان بمكة من المؤمنين
تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم لا يستطيعون خروجاً، ولا يطيب لهم على الأذى إقامة، وفي هؤلاء كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((اللهم أنج سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج

٧٩
تفسير سورة النساء / الآية : ٧٦
المستضعفین من المؤمنین». و ﴿الولدان﴾ بابه أن یکون جمع ولید، وقد یکون جمع ولد كورل وورلان،
فهي على الوجهين عبارة عن الصبيان، والقرية هاهنا مكة بإجماع من المتأولين.
قال القاضي أبو محمد: والآية تتناول المؤمنين والأسرى وحواضر الشرك إلى يوم القيامة، ووحد
الظالم لأنه موضع اتخاذ الفعل، ألا ترى أن الفعل إنما تقديره الذي ظلم أهلها، ولما لم يكن للمستضعفين
حيلة إلا الدعاء، دعوا في الاستنقاذ وفيما يواليهم من معونة الله تعالى وما ينصرهم على أولئك الظلمة من
فتح الله تبارك وتعالى .
قوله تعالى :
الَّذِينَءَامَنُواْ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَائِلُواْ أَوْلِيَآءَ الشَّيْطَانِ
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا (٣٦) أَوْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَمْ كُفُواْأَيَدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَانُواْ الزَّكَوَةَ
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فِقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِاللَّهِ أَوْأَسْدَ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَنَبْتَ
عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلَا أَخَّرْنَنَا إِلَى أَجَلِ قِبٍ
هذه الآية تقتضي تقوية قلوب المؤمنين وتحريضهم، و﴿الطاغوت﴾ كل ما عبد واتبع من دون الله،
وتدل قرينة ذكر الشيطان بعد ذلك على أن المراد بـ ﴿الطاغوت﴾ هنا الشيطان، وإعلامه تعالى بضعف ﴿كيد
الشيطان﴾ تقوية لقلوب المؤمنين، وتجرئة لهم على مقارعة الكيد الضعيف، فإن العزم والحزم الذي يكون
على حقائق الإيمان يكسره ويهده، ودخلت كان دالة على لزوم الصفة .
وقوله: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم﴾ اختلف المتأولون فيمن المراد بقوله ﴿الذين قيل لهم﴾؟ فقال ابن
عباس وغيره: كان عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والمقداد بن عمرو الكندي وجماعة سواهم
قد أنفوا من الذل بمكة قبل الهجرة وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيح لهم مقاتلة المشركين،
فأمرهم الله تعالى بكف الأيدي، وأن لا يفعلوا، فلما كان بالمدينة وفرض القتال، شق ذلك على بعضهم
وصعب موقعه، ولحقهم ما يلحق البشر من الخور والكع عن مقارعة العدو فنزلت الآية فيهم، وقال قوم:
كان كثير من العرب قد استحسنوا الدخول في دين محمد عليه السلام على فرائضه التي كانت قبل القتال
من الصلاة والزكاة ونحوها والموادعة وكف الأيدي، فلما نزل القتال شق ذلك عليهم وجزعوا له، فنزلت
الآية فيهم، وقال مجاهد وابن عباس أيضاً: إنما الآية حكاية عن اليهود أنهم فعلوا ذلك مع نبيهم في وقته،
فمعنى الحكاية عنهم تقبيح فعلهم، ونهي المؤمنين عن فعل مثله، وقالت فرقة: المراد بالآية المنافقون من
أهل المدينة عبد الله بن أبيّ وأمثاله، وذلك أنهم كانوا قد سكنوا على الكره إلى فرائض الإسلام مع الدعة :
وعدم القتال، فلما نزل القتال شق عليهم وصعب عليهم صعوبة شديدة، إذ كانوا مكذبين بالثواب، ذكره المهدوي .
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويحسن هذا القول أن ذكر المنافقين يطرد فيما بعدها من الآيات،
ومعنى ﴿كفوا أيديكم﴾ أمسكوا عن القتال، والفريق: الطائفة من الناس، كأنه فارق غيره. وقوله:

:
٨٠
:.
تفسير سورة النساء / الآيتان: ٧٧، ٧٨ ٪
﴿يخشون الناس كخشية الله﴾ يعني أنهم كانوا يخافون الله في جهة الموت، لأنهم لا يخشون الموت إلا
منه، فلما كتب عليهم قتال الناس رأوا أنهم يموتون بأيديهم، فخشوهم في جهة الموت كما كانوا يخشون
الله، وقال الحسن: قوله: ﴿كخشية الله﴾ يدل على أنها في المؤمنين، وهي خشية خوف لا خشية مخالفة،
ويحتمل أن يكون المعنى يخشون الناس على حد خشية المؤمنين الله عز وجل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ترجيح لا قطع، وقوله: ﴿أو أشد خشية﴾ قالت فرقة: ﴿أو﴾
بمعنى الواو، وفرقة: هي بمعنى ((بل))، وفرقة: هي للتخيير، وفرقة: على بابها في الشك في حق
المخاطب، وفرقة: هي على جهة الإبهام على المخاطب.
قال القاضي أبو محمد: وقد شرحت هذه الأقوال كلها في سورة البقرة في قوله: ﴿أو أشد قسوة﴾
[الآية: ٧٤] أن الموضعين سواء، وقولهم، ﴿لم كتبت علينا القتال﴾؟ رد في صدر أوامر الله تعالى وقلة
استسلام، ((والأجل القريب)) يعنون به موتهم على فرشهم، هكذا قال المفسرون.
قال القاضي أبو محمد: وهذا يحسن إذا كانت الآية في اليهود أو المنافقين، وأما إذا كانت في
طائفة من الصحابة، فإنما طلبوا التأخر إلى وقت ظهور الإسلام وكثرة عددهم.
قوله تعالى :
قُلْ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ
كُمْ فِ بُرِجُ مُشَيِّدَ ةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ،
مِنْ عِندٍَ قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا
المعنى: ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء: ﴿متاع الدنيا﴾، أي الاستمتاع بالحياة فيها الذي حرصتم عليه
وأشفقتم من فقده ﴿قليل﴾، لأنه فان زائل ﴿والآخرة﴾ التي هي نعيم مؤبد ﴿خير﴾ لمن أطاع الله واتقاه في
الامتثال لأوامره، على المحاب والمكاره، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ((تظلمون)) بالتاء على
الخطاب، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ((يظلمون)) بالياء على ترك المخاطبة وذكر الغائب، والفتيل الخيط
في شق نواة التمرة، وقد تقدم القول فيه.
و﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ جزاء وجوابه. وهكذا قراءة الجمهور، وقرأ طلحة بن سليمان
((يدركُكُم)) بضم الكافين ورفع الفعل، قال أبو الفتح: ذلك على تقدير دخول الفاء كأنه قال: فیدرکكم
الموت، وهي قراءة ضعيفة، وهذا إخبار من الله يتضمن تحقير الدنيا، وأنه لا منجى من الفناء والتنقل،
واختلف المتأولون في قوله: ﴿في بروج﴾ فالأكثر والأصح أنه أراد البروج والحصون التي في الأرض
المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، فمثل الله لهم بها، قال قتادة: المعنى في قصور محصنة،
وقاله ابن جريج والجمهور، وقال السدي: هي بروج في السماء الدنيا مبنية، وحكى مكي هذا القول عن
مالك، وأنه قال: ألا ترى إلى قوله ﴿والسماء ذات البروج﴾ [البروج: ١] وحكى النقاش عن ابن عباس أنه
قال: ﴿في بروج مشيدة﴾، معناه في قصور من حدید.