Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٤٧، ١٤٨ عباس: إنهم الألوف، قال بعض المفسرين: هم عشرة آلاف فصاعداً، أخذ ذلك من بناء الجمع الكثير في قولهما: هم الألوف وهذا في الربيين أنهم الجماعات الكثيرة هو من الرِبة بكسر الراء وهي الجماعة الكثيرة، قاله يونس بن حبيب، وقال: إن قوله تعالى: ﴿قتل معه ربيون﴾ منسوبون إليها، قال قطرب: جماعة العلماء على قول يونس، وقال الزجّاج: يقال: إن الربة عشرة آلاف، وروي عن ابن عباس وعن الحسن بن أبي الحسن وغيرهما أنهم قالوا: ﴿ربيون﴾ معناه علماء، وقال الحسن: فقهاء علماء، قال أيضاً: علماء صبر، وهذا القول هو على النسبة إلى الرب، إما لأنهم مطيعون له، أو من حيث هم علماء بما شرع، ويقوي هذا القول في قراءة من قرأ ((رَبيون)) بفتح الراء وأما في ضم الراء وكسرها فيجيء على تغيير النسب، كما قالوا في النسبة إلى الحرم: حِرمي بكسر الحاء، وإلى البصرة، بصري بكسر الباء، وفي هذا نظر، وقال ابن زيد: ((الربانيون)): الولاة، والربيون الرعية الأتباع للولاة. i' قال الفقيه أبو محمد: كأن هذا من حيث هم مربوبون، وقال النقاش: اشتقاق ربي من ربا الشيء يربو إذا كثر، فسمي بذلك الكثير العلم . قال الفقيه أبو محمد: وهذا ضعيف، وقال مكي : ربي بكسر الراء منسوب إلى الرب لكن كسرت راؤه إتباعاً للكسرة والياء اللتين بعد الراء، وروي بضم الراء كذلك لكنهم ضموها كما قيل: دُهري بضم الدال في النسب إلى الدهر، وقرأ جمهور الناس ((فما وهَنوا)) بفتح الهاء، وقرأ الأعمش والحسن وأبو السمال ((وهِنوا)) بكسر الهاء، وهما لغتان بمعنى، يقال: وهن بكسر الهاء يوهن ووهن بفتح الهاء يهن، وقرأ عكرمة وأبو السمال أيضاً ((وهْنوا)) بإسكان الهاء، وهذا الوهن في قوله آنفاً ﴿ولا تهنوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] والضمير في قوله: ﴿فما وهنوا﴾ عائد على جميع الربيين في قول من أسند قتل إلى نبي، ومن أسنده إلى الربيين قال في هذا الضمير إنه يعود على من بقي منهم، إذ المعنى يفهم نفسه، وقوله تعالى: ﴿وما ضعفوا﴾ معناه لم يتكسبوا من العجز والإلقاء باليد ما ينبي عن ضعفهم، وقوله تعالى: ﴿وما استكانوا﴾ ذهبت طائفة من النحاة إلى أنه من السكون فوزنه افتعلوا استكنوا، قمطلت فتحة الكاف فحدث من مطلها ألف، وذهبت طائفة إلى أنه مأخوذ من كان يكون فوزنه على هذا الاشتقاق استفعلوا أصله استكونوا، نقلت حركة الواو إلى الكاف، وقلبت ألفاً، كما فعلوا في قولك: استعانوا واستقاموا، والمعنى: أنهم لم يضعفوا ولا كانوا قريباً من ذلك، كما تقول: ما فعلت كذا ولا كدت، فتحذف لأن الكلام يدل على أن المراد، وما كدت أن أفعل، ومحبة الله تعالى للصابرين ما يظهر عليهم من نصره وتنعيمه. قوله تعالى : وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَ إِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَىَ ج اُلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ (٣) فَانَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ تَوَابِ اُلْآَخِرَةِ وَاَللَّهُ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ ١٤٨) هذه الآية في ذكر الربيين، أي هذا كان قولهم، لا ما قاله بعضكم يا أصحاب محمد، من قول من قال: نأخذ أماناً من أبي سفيان ومن قول من قال: نرجع إلى ديننا الأول، ومن قول من فر، فلا شك أن قوله ٥٢٢ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٤٩ - ١٥١ مناسب لفعله ولو بعض المناسبة، إلى غير ذلك مما اقتضته تلك الحال من الأقوال، وقرأ السبعة وجمهور الناس ((قولَهم)) بالنصب، ويكون الاسم فيما بعد ﴿إلا﴾ وقرأ جماعة من القراء ((قولُهم)) بالرفع وجعلوا الخبر فيما بعد ﴿إلا﴾ وروى ذلك حماد بن سلمة عن ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، ذكره المهدوي، واستغفار هؤلاء القوم الممدوحين في هذا الموطن ينحو إلى أنهم رأوا ما نزل من مصائب الدنيا إنما هو بذنوب من البشر وقوله تعالى: ﴿ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا﴾ عبارتان عن معنى قريب بعضه من بعض، جاء ذلك للتأكيد ولتعم مناحي الذنوب، وكذلك فسر ابن عباس وغيره، وقال الضحاك: الذنوب عام، والإسراف في الأمر أريد به الكبائر خاصة، وقولهم: ﴿وثبت أقدامنا﴾ يحتمل أن يجري مع ما قبله من معنى الاستغفار، فيكون المعنى: اجعلنا دائبين على طاعتك والإيمان بك، وتثبيت القدم على هذا: استعارة، ويحتمل أن يكون في معنى ما بعده من قوله: ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾ فيراد ثبوت القدم حقيقة في مواقف الحرب، قال ابن فورك: في هذا الدعاء رد على القدرية، لقولهم: إن الله لا يخلق أفعال العبد، ولو كان ذلك لم يسغ أن يدعي فيما لا يفعله. و﴿ثواب الدنيا﴾ في هذه الآية: الظهور على عدوهم، قاله ابن إسحاق وقتادة وغيرهما، وقال ابن جريج: الظفر والغنيمة، وفسر بهذا جماعة من المؤلفين في التفسير، قال النقاش: ليس إلا الظفر والغلبة فقط، لأن الغنيمة لم تحلل إلا لهذه الأمة. قال الفقيه الإمام: وهذا اعتراض صحيح، ﴿وحسن ثواب الآخرة﴾ الجنة بلا خلاف، وعبرٍ بلفظة ((حسن)) زيادة في الترغيب وباقي الآية بين. قوله تعالی : يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ سَنُلْقِى فِي قُلُوبٍ اُلَّذِينَ ١٥٠ خَسِرِينَ ﴿٦بَلِ اللَّهُ مَوْلَنْكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوْبِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَمَأْوَنُهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ ١٥١ مَثْوَى الظَّالِمِينَ الإشارة بقوله: ﴿الذين كفروا﴾ إلى المنافقين الذين جنبوا المسلمين وقالوا في أمر - أحد - لو كان محمد نبياً لم يهزم، والذين قالوا: قد قتل محمد فلنرجع إلى ديننا الأول، إلى نحو هذه الأقوال، ثم اللفظ يقتضي كل كافر كان في ذلك الوقت ويكون إلى يوم القيامة، نهى الله المؤمنين عن طاعتهم. و﴿بل﴾ ترك الكلام الأول ودخول في غيره، وقرأ جمهور الناس ((بل اللهُ مولاكم)) على الابتداء والخبر، وهذا تثبيت، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((بل الله)) بالنصب على معنى: بل أطيعوا الله. وقوله تعالى: ﴿سنلقي﴾ استعارة، إذ حقيقة الإلقاء إنما هي في الأجرام، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤] ونحوه قول الفرزدق: [الطويل] ٥٢٣ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٤٩ - ١٥١ هما نفئا في فيّ من فَمَوَيْهِما عَلى النَّابحِ الْعَاوِي أَشَدَّ رِجَامٍ وقرأ جمهور الناس ((سنلقي)) بنون العظمة، وقرأ أيوب السختياني ((سيلقي)) بالياء على معنى هو، وقرأ ابن عامر والكسائي ((الرعُب)) بضم العين حيث وقع، وقرأ الباقون ((الرعْب)) بسكون العين، وهذا كقولهم: عُنُق وعنْق وكلاهما حسن فصيح، وسبب هذه الآية: أنه لما ارتحل أبو سفيان بالكفار بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وقال: انظر القوم، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وركبوا الإبل فهم متشمرون إلى مكة، وإن كانوا على الخيل فهم عائدون إلى المدينة، فمضى علي فرآهم قد جنبوا الخيل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسر وسر المسلمون، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فتجهز واتبع المشركين يريهم الجلد، فبلغ حمراء الأسد وأن أبا سفيان قال له كفار قريش: أحين قتلناهم وهزمناهم ولم يبق إلا الفل والطريد ننصرف عنهم؟ ارجع بنا إليهم حتى نستأصلهم فعزموا على ذلك، وكان معبد بن أبي معبد الخزاعي قد جاء إلى رسول الله عليه السلام وهو على كفره، إلا أن خزاعة كلها كانت تميل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: والله يا محمد لقد ساءنا ما أصابك، ولوددنا أنك لم ترزأ في أصحابك، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس بما عزمت عليه قريش من الانصراف، اشتد ذلك عليهم، فسخر الله ذلك الرجل معبد بن أبي معبد، وألقى بسببه الرعب في قلوب الكفار، وذلك أنه لما سمع الخبر، ركب حتى لحق بأبي سفيان بالروحاء، وقريش قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلما رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم، قد اجتمع إليه من كان تخلف عنه، وندموا على ما صنعوا، قال: ويلك ما تقول؟ قال والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه شعراً قال وما قلت؟ قال قلت: [البسيط] إذ سالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيلِ كادت تُهَدُّ مِنَ الأَصْواتِ رَاحلتي عندَ اللقاءِ ولا ميلٍ معازيلٍ تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تنابلةٍ لمّا سَمَوْا برئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولٍ فَظِلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مائلة إلى آخر الشعر، فوقع الرعب في قلوب الكفار، وقال صفوان بن أمية: لا ترجعوا فإني أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان، فنزلت هذه الآية في هذا الإلقاء، وهي بعد متناولة كل كافر، ويجري معها قول النبي عليه السلام: نصرت بالرعب مسيرة شهر، ويظهر أن هذه الفضيلة إنما أعلم عليه السلام بها بعد هذه الأحوال كلها حين امتد ظل الإسلام، قال بعض أهل العلم: إنه لما أمر الله المؤمن بالصبر، ووعده النصر، وأخبره أن الرعب ملقى في قلوب الكفار، نقص الرعب من كل كافر جزءاً مع زيادة شجاعة المؤمن، إذ قد وعد النصر فلذلك كلف المؤمن الوقوف للكافرين، وقوله تعالى: ﴿بما أشركوا﴾ هذه باء السبب، والمعنى: أن المشرك بالله نفسه مقسمة في الدنيا وليس له بالله تعالى ثقة، فهو يكره الموت ويستشعر الرعب منه، و((السلطان)): الحجة والبرهان، ثم أخبر تعالى بعاقبة الكفار في الآخرة، : أ ٥٢٤ تفسير سورة آل عمران / الآية: ١٥٢ و((المأوى)): مفعل من أويت إلى المكان إذا دخلته وسكنت فيه، و((المثوى)»، مفعل من: ثويت، والتقدير: وبئس مثوى الظالمين هي . قوله تعالى : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُم مَّا تُحِبُّونٌَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُم مَن يُرِيدُ اَ لَْخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَّكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ( ١٥٢ جاءت المخاطبة في هذه الآيات بجمع ضمير المؤمنين، وإن كانت الأمور التي عاتبهم الله تعالى عليها لم يقع فيها جميعهم، ولذلك وجوه من الفصاحة: منها وعظ الجميع وزجره، إذ من لم يفعل معد أن يفعل إن لم يزجر، ومنها الستر والإبقاء على من فعل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعد المؤمنين النصر يومئذ على خبر الله تعالى - إن صبروا وجدوا - فصدق الله الوعد أولاً، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاف المسلمين يومئذ ورتب الرماة على ما قد ذكرناه في صدر تفسير هذه الآيات في قصة أحد، فبارز علي بن أبي طالب أبا سعد بن أبي طلحة وهو صاحب لواء المشركين، وحمل الزبير وأبو دجانة فهزّا عسكر المشركين، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فأبلى حمزة بن عبد المطلب وعاصم بن أبي الأقلح، وانهزم المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون رجلاً فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾ والحس: القتل الذريع، يقال حسهم إذا استأصلهم قتلاً، وحس البرد النبات وقال رؤية: [الرجز] إذا تَشَكَّوْا سُنَّةً حَسُوسا تَأْكُلُ بَعْدَ الْأَخْضَرِ الْيَبِيسا قال بعض الناس: هو مأخوذ من الحاسة، والمعنى في حس: أفسد الحواس. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، و((الإذن)): التمكين مع العلم بالممكن منه، وقوله تعالى: ﴿حتى إذا فشلتم﴾ يحتمل أن تكون ﴿حتى﴾ غاية مجردة، كأنه قال: إلى أن فشلتم، ويقوي هذا أن ﴿إذا﴾ بمعنى ((إذ)) لأن الأمر قد كان تقضى، وإنما هي حكاية حال، فتستغني ﴿إذا﴾ على هذا النظر عن جواب، والأظهر الأقوى أن ﴿إذا﴾ على بابها تحتاج إلى الجواب، وتكون حتى كأنها حرف ابتداء على نحو دخولها على الجمل، واختلف النحاة في جواب ﴿إذا﴾ فذهبت فرقة إلى أن الجواب قوله ﴿تنازعتم﴾،والواوزائدة، وحكى المهدوي عن أبي علي أنه قال: الجواب قوله: ﴿صرفكم﴾ و﴿ثم﴾ زائدة. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا يشبه نظر أبي علي وسيبويه والخليل وفرسان الصناعة، إن الجواب محذوف مقدر، يدل عليه المعنى، تقديره: انهزمتم ونحوه، و((الفشل)) - استشعار العجز وترك الجد، وهذا مما فعله يومئذ قوم، و((التنازع)) هو الذي وقع بين الرماة، فقال بعضهم: الغنيمة ٥٢٥ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٥٣، ١٥٤ الغنيمة، الحق بنا بالمسلمين، وقال بعضهم: بل نثبت كما أمرنا ﴿وعصيتم﴾ عبارة عن ذهاب من ذهب من الرماة حتى تمكن خالد بن الوليد من غرة المسلمين، وقوله تعالى: ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ يعني من هزم القوم، قال الزبير بن العوام: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هاربات ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمداً قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم، وقوله تعالى: ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ إخبار عن الذين حرصوا على الغنيمة وكان المال همهم، قاله ابن عباس وسائر المفسرين، وقال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا يوم أحد ﴿منكم من يريد الدنيا) وقوله تعالى: ﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾ إخبار عن ثبوت من الرماة مع عبد الله بن جبير امتثالاً للأمر حتى قتلوا، ويدخل في هذا أنس بن النضر وكل من جد ولم يضطرب من المؤمنين، وقوله تعالى: ﴿ليبتليكم﴾ معناه: لينزل بكم ذلك البلاء من القتل والتمحيص، وقوله تعالى: ﴿ولقد عفا عنکم﴾ إعلام بأن الذنب کان یستحق أکثر مما نزل، وهذا تحذیر، والمعنى ((ولقد عفا عنكم)) بأن لم يستأصلوكم، فهو بمنزلة: ولقد أبقى عليكم، ويحتمل أن يكون إخباراً بأنه عفا عن ذنوبهم في قصة أحد، فيكون بمنزلة العفو المذكور بعد، وبالتفسير الأول قال ابن جريج وابن إسحاق وجماعة من المفسرين، وقال الحسن بن أبي الحسن: قتل منهم سبعون، وقتل عم النبي عليه السلام وشج في وجهه وكسرت رباعيته وإنما العفو أن لم يستأصلهم، هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله غضاب الله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فضيعوه، فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم، فأفسق الفاسقین الیوم یجترم کل کبیرة، ویرکب کل داهية، ویسحب عليها ثيابه، ویزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم. قوله تعالى : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَىَّ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أَخْرَنَكُمْ فَأَتَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ثُمَّأَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اُلْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ ١٥٣) أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ العامل في ﴿إِذ﴾ قوله: ﴿عفا﴾ [آل عمران: ١٥٢] وقرأ جمهور الناس بضم التاء وكسر العين من (أصعد)) ومعناه: ذهب في الأرض، وفي قراءة أبي بن كعب، ((إذ تصعدون في الوادي)). قال القاضي أبو محمد: والصعيد وجه الأرض، وصعدة اسم من أسماء الأرض، فأصعد معناه: دخل في الصعيد، كما أصبح دخل في الصباح إلى غير ذلك، والعرب تقول أصعدنا من مكة وغيرها، إذا استقبلوا سفراً بعيداً وأنشد أبو عبيدة لحادي الإبل: [الرجز] قَدْ كُنْتِ تَبْكِينَ على الإصْعَادِ فَالآنَ صرَّحْتٍ وَصَاحَ الحادِي ٥٢٦ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٥٣، ١٥٤ وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو عبد الرحمن واليزيد ومجاهد وقتادة ((إذا تَصعَدون)) بفتح التاء والعين، من صعد إذا علا، والمعنى بهذا صعود من صعد في الجبل والقراءة الأولى أكثر، وقوله تعالى: ﴿ولا تلوون﴾ مبالغة في صفة الانهزام وهو كما قال درید: وهل يرد المنهزم شيء؟ وهذا أشد من قول امرىء القيس: [الطويل] أخو الْجَهْدِ لَا يلْوي على من تَعَذَّرا وقرأ ابن محيصن وابن كثير في رواية شبل ((إذ يصعدون ولا يلوون)) بالياء فيهما على ذكر الغيب، وقرأ بعض القراء ((ولا تلؤون)) بهمز الواو المضمومة، وهذه لغة، وقرأ بعضهم ((ولا تلون)) بضم اللام وواو واحدة، وهي قراءة متركبة على لغة من همز الواو المضمومة، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام وحذفت إحدى الواوين الساكنتين، وقرأ الأعمش وعاصم في رواية أبي بكر ((تُلوون)) بضم التاء من ألوى وهي لغة، وقرأ حميد بن قيس ((على أُحُد)) بضم الألف والحاء، يريد الجبل، والمعنى بذلك رسول الله عليه السلام، لأنه كان على الجبل، والقراءة الشهيرة أقوى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على الجبل إلا بعد ما فر الناس عنه، وهذه الحال من إصعادهم إنما كانت وهو يدعوهم، وروي أنه كان ينادي: إليَّ عباد الله، والناس يفرون. وفي قوله تعالى: ﴿في أخراكم﴾ مدح للنبي عليه السلام فإن ذلك هو موقف الابطال في أعقاب الناس، ومنه قول الزبير بن باطا ما فعل مقدمتنا إذ حملنا وحاميتنا إذ فررنا، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، ومنه قول سلمة بن الأكوع كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: ﴿فأثابكم﴾ معناه: جازاكم على صنيعكم، وسمي الغم ثواباً على معنى أنه القائم في هذه النازلة مقام الثواب، وهذا كقوله: [الوافر] تَجِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِیعُ وكقول الآخر: [الفرزدق]: [الطويل] أَخَافُ زِياداً أنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ أَدَاهِمَ سوداً أَوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرا فجعل القيود والسياط عطاء، ومحدرجة: بمعنى مدحرجة، واختلف الناس في معنى قوله تعالى: ﴿غماً بغم﴾ فقال قوم: المعنى ((أثابكم غماً)) بسبب الغم الذي أدخلتموه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر المؤمنين، بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم. قال القاضي أبو محمد: فالباء على هذا باء السبب، وقال قوم: ﴿أثابكم غماً بغم﴾ ، الذي أوقع على أيديكم بالكفار يوم بدر. قال القاضي أبو محمد: فالباء باء معادلة، كما قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال، وقالت جماعة كبيرة من المتأولين: المعنى أثابكم غماً على غم، أو غماً مع غم، وهذه باء الجر المجرد، واختلفوا في ترتيب هذين الغمين فقال قتادة ومجاهد: الغم الأول أن سمعوا : ألا إن محمداً قد قتل، والثاني، القتل : ٥٢٧ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٥٣، ١٥٤ والجراح الواقعة فيهم، وقال الربيع وقتادة أيضاً بعكس هذا الترتيب، وقال السدي ومجاهد أيضاً وغيرهما: بل الغم الأول هو قتلهم وجراحهم وكل ما جرى في ذلك المأزق، والغم الثاني هو إشراف أبي سفيان على النبي ومن كان معه، ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى قوم من أصحابه قد علوا صخرة في سفح الجبل فمشى نحوهم فأهوى إليه رجل بسهم ليرميه، فقال: أنا رسول الله، ففرحوا بذلك، وفرح هو عليه السلام إذ رأى من أصحابه الامتناع، ثم أخذوا يتأسفون على ما فاتهم من الظفر، وعلى من مات من أصحابهم فبينما هم كذلك إذ أشرف عليهم أبو سفيان من علو في خيل كثيرة، فنسوا ما نزل بهم أولاً، وأهمهم أمر أبي سفيان، فقال رسول الله عليه السلام: ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة، وأغنى هنالك عمر بن الخطاب حتى أنزلوهم. واختلفت الروايات في هذه القصة من هزيمة - أحد - اختلافاً كثيراً، وذلك أن الأمر هول، فكل أحد وصف ما رأى وسمع، قال كعب بن مالك: أول من ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا، رأيت عينيه تزهران تحت المغفر، وروي أن الخيل المستعلية إنما كانت حملة خالد بن الوليد، وأن أبا سفيان إنما دنا، والنبي عليه السلام في عرعرة الجبل، ولأبي سفيان في ذلك الموقف قول كثير، ولعمر معه مراجعة محفوظة اختصرتها إذ لا تخص الآية، وقوله تعالى: ﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم﴾ معناه: من الغنيمة و﴿ما أصابكم﴾ معناه: من القتل والجرح وذل الانهزام وما نيل من نبيكم. قال القاضي أبو محمد: واللام من قوله: ﴿لكيلا﴾ متعلقة بأثابكم، المعنى: لتعلموا أن ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادة البشر أن جاني الذنب يصبر للعقوبة، وأكثر قلق المعاقب وحزنه إنما هو مع ظنه البراءة بنفسه وفي قوله تعالى: ﴿والله خبير بما تعملون﴾ توعد. ثم ذكر الله تعالى أمر النعاس الذي أمن به المؤمنين، فغشي أهل الإخلاص، وذلك أنه لما ارتحل أبو سفيان من موضع الحرب، قال النبي عليه السلام لعلي بحضرة أصحابه المتحيزين في تلك الساعة إليه: اذهب فانظر إلى القوم، فإن جنبوا الخيل فهم ناهضون إلى مكة، وإن كانوا على خيلهم فهم عامدون إلى المدينة، فاتقوا الله واصبروا، ووطنهم على القتال، فمضى علي ثم رجع، فأخبر أنهم جنبوا الخيل وقعدوا على أثقالهم عجالً، فآمن الموقنون المصدقون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألقى الله عليهم النعاس، وبقي المنافقون والذين في قلوبهم مرض لا يصدقون، بل كان ظنهم أن أبا سفيان يؤم المدينة ولا بد، فلم يقع على أحد منهم نوم، وإنما كان همهم في أحوالهم الدنيوية، قال أبو طلحة: لقد نمت في ذلك اليوم حتى سقط سيفي من يدي مراراً، وقال الزبير بن العوام: لقد رفعت رأسي يوم أحد من النوم فجعلت أنظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فما منهم أحد إلا وهو يميل تحت جحفته، وقال ابن مسعود: نعسنا يوم - أحد - والنعاس في الحرب أمنة من الله، والنعاس في الصلاة من الشيطان، وقرأ جمهور الناس ((أمَنة)) بفتح الميم، وقرأ ابن محيصن والنخعي ((أمْنة)) بسكون الميم، وهما بمعنى الأمن، وفتح الميم أفصح، وقوله: ﴿نعاساً﴾ بدل، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ((يغشي)) بالياء حملاً على لفظ النعاس بإسناد الفعل إلى ضمير البدل، وقرأ حمزة والكسائي ((تغشى) بالتاء حملاً على لفظ - الأمنة - بإسناد الفعل إلى ضمير المبدل منه، والواو في قوله تعالى: ﴿وطائفة قد أهمتهم﴾ هي واو 1 ٥٢٨ تفسير سورة آل عمران / الآية: ١٥٤ الحال كما تقول: جئت وزيد قائم، قاله سيبويه وغيره قال الزجاج: وجائز أن يكون خبر قوله ﴿وطائفة﴾ قوله - يظنون - ويكون قد أهمتهم صفة للطائفة، وقوله تعالى: ﴿قد أهمتهم أنفسهم﴾ ذهب أكثر المفسرين قتادة والربيع وابن إسحاق وغيرهم: إلى أن اللفظة من الهم الذي هو بمعنى الغم والحزن، والمعنى: أن نفوسهم المريضة وظنونهم السيئة، قد جلبت إليهم الهم خوف القتل وذهاب الأموال، تقول العرب: أهمني الشيء إذا جلب الهم، وذكر بعض المفسرين: أن اللفظة من قولك: هم بالشيء يهم إذا أراد فعله. قال القاضي أبو محمد: أهمتهم أنفسهم المكاشفة. ونبذ الدين، وهذا قول من قال: قد قتل محمد، فلنرجع إلى ديننا الأول ونحو هذا من الأقوال. قوله تعالى : يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلُّ لِلّهِ يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِمْ مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَّ يَقُولُونَ لَوْكَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَّأَقُل لَوْكُمُ فِ بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِ صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ١٥٤ قوله تعالى: ﴿غير الحق﴾ معناه: يظنون أن الإسلام ليس بحق وأن أمر محمد عليه السلام يضمحل ويذهب، وقوله: ﴿ظن الجاهلية﴾ ذهب جمهور الناس إلى أن المراد مدة الجاهلية القديمة قبل الإسلام، وهذا كما قال: ﴿حمية الجاهلية﴾ [الفتح: ٢٦] و﴿تبرج الجاهلية﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وكما تقول شعر الجاهلية، وكما قال ابن عباس: سمعت أبي في الجاهلية يقول: اسقنا كأساً دهاقاً، وذهب بعض المفسرين إلى أنه أراد في هذه الآية ظن الفرقة الجاهلية، والإشارة إلى أبي سفيان ومن معه، والأمر محتمل، وقد نحا هذا المنحى قتادة والطبري، وقوله تعالى: ﴿يقولون هل لنا من الأمر من شيء﴾ حكاية كلام قالوه، قال قتادة وابن جريج: قيل لعبد الله بن أبي ابن سلول: قتل بنو الخزرج فقال: ((وهل لنا من الأمر من شيء))؟ يريد أن الرأي ليس لنا، ولو كان لنا منه شيء لسمع من رأينا فلم يخرج فلم يقتل أحد منا، وهذا منهم قول بأجلين، وكأن كلامهم يحتمل الكفر والنفاق، على معنى: ليس لنا من أمر الله شيء، ولا نحن على حق في اتباع محمد، ذكره المهدوي وابن فورك، لكن يضعف ذلك أن الرد عليهم إنما جاء على أن كلامهم في معنى سوء الرأي في الخروج، وأنه لو لم يخرج لم يقتل أحد، وقوله تعالى: ﴿قل إن الأمر كله لله﴾ اعتراض أثناء الكلام فصيح، وقرأ جمهور القراء ((كلَّه)) - بالنصب على تأكيد الأمر، لأن ((كله)) بمعنى أجمع، وقرأ أبو عمرو بن العلاء ((كلَّه الله)) برفع كل على الابتداء والخبر، ورجح الناس قراءة الجمهور لأن التأكيد أملك بلفظة ((كل))، وقوله تعالى: ﴿يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك﴾ يحتمل أن يكون إخباراً عن تسترهم بمثل هذه الأقوال التي ليست بمحض كفر، بل هي جهالة، ويحتمل أن يكون إخباراً عما يخفونه من الكفر الذي لا يقدرون أن يظهروا منه أكثر من هذه النزعات، وأخبر تعالى عنهم على ٥٢٩ تفسير سورة آل عمران / الآية: ١٥٥ الجملة دون تعيين، وهذه كانت سنته في المنافقين، لا إله إلا هو، وقوله تعالى: ﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾ هي مقالة سمعت من معتب بن قشير المغموص عليه بالنفاق، وقال الزبير بن العوام فيما أسند الطبري عنه: والله لكأني أسمع قول معتب بن قشير أخي بني عمرو بن عوف، والنعاس يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾. قال القاضي أبو محمد: وكلام معتب يحتمل من المعنى ما احتمل كلام عبد الله بن أبي، ومعتب هذا ممن شهد بدراً، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره، وقال ابن عبد البر: إنه شهد العقبة، وذلك وهم، والصحيح أنه لم يشهد عقبة، وقوله تعالى: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم) الآية رد على الأقوال، وإعلام بأن أجل كل امرىء إنما هو واحد، فمن لم يقتل فهو يموت لذلك الأجل على الوجه الذي قدر الله تعالى، وإذا قتل فذلك هو الذي كان في سابق الأزل، وقرأ جمهور الناس ((في بيوتكم)) بضم الباء، وقرأ بعض القراء وهي بعض طرق السبعة ((في بيوتكم))، بكسر الباء، وقرأ جمهور الناس ((لَبَرَز)) بفتح الراء والباء على معنى: صاروا في البراز من الأرض، وقرأ أبو حيوة ((لُبُرِّز)) بضم الباء وكسر الراء وشدها، وقرأ جمهور الناس: ((عليهم القَتل)) أي كتب عليهم في قضاء الله وتقديره، وقرأ الحسن والزهري: ((عليهم القتال)) وتحتمل هذه القراءة معنى الاستغناء عن المنافقين، أي لو تخلفتم أنتم لبرز المؤمنون الموقنون المطيعون في القتال المكتوب عليهم، وقوله تعالى: ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم) الآية، اللام في قوله تعالى: ﴿وليبتلي﴾ متعلقة بفعل متأخر تقديره وليبتلي وليمحص فعل هذه الأمور الواقعة والابتلاء هنا هو الاختبار، والتمحيص: تخليص الشيء من غيره، والمعنى ليختبره فيعلمه علماً مساوقاً لوجوده وقد كان متقرراً قبل وجود الابتلاء أزلاً، و﴿ذات الصدور﴾ ما تنطوي عليه من المعتقدات، هذا هو المراد في هذه الآية . قوله تعالى : إِنَّالَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّاللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ ١٥٥ سىے اختلف المتأولون في من المراد بقوله تعالى: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ فقال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: المراد بها جميع من تولى ذلك اليوم عن العدو. قال القاضي أبو محمد: يريد على جميع أنحاء التولي الذي لم يكن تحرفاً لقتال، وأسند الطبري رحمه اللّه قال: خطب عمر رضي الله عنه يوم الجمعة فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾، قال: لما كان يوم - أحد - هزمنا ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأني أروى، والناس يقولون قتل محمد، فقلت: لا أجد أحداً يقول: قتل محمد إلا قتلته، حتى اجتمعنا على الجبل فنزلت هذه الآية كلها، قال قتادة: هذه الآية في كل من فر بتخويف الشيطان وخدعه، وعفا الله عنهم هذه الزلة، قال ابن فورك: لم يبق مع النبي يومئذ إلا ثلاثة ٥٣٠ تفسير سورة آل عمران / الآية : ١٥٦ عشر رجلاً، أبو بكر، وعلي، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وسائرهم من الأنصار أبو طلحة وغيره وقال السدي وغيره: إنه لما انصرف المسلمون عن حملة المشركين عليهم صعد قوم الجبل، وفر آخرون حتى أتوا المدينة، فذكر الله في هذه الآية الذين فروا إلى المدينة خاصة. قال القاضي: جعل الفرار إلى الجبل تحيزاً إلى فئة، وقال عكرمة: نزلت هذه الآية فيمن فر من المؤمنين فراراً كثيراً، منهم رافع بن المعلى، وأبو حذيفة بن عتبة ورجل آخر، قال ابن إسحاق: فر عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان وأخوه سعد، ورجلان من الأنصار زرقيان، حتى بلغوا الجعلب، جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص، فأقاموا به ثلاثة أيام، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة، قال ابن زيد: فلا أدري هل عفا عن هذه الطائفة خاصة؟ أم على المؤمنين جميعاً؟ و((استزل)) - معناه طلب منهم أن يزلوا، لأن ذلك هو مقتضى وسوسته وتخويفه، وقوله تعالى: ﴿ببعض ما كسبوا﴾ ظاهره عند جمهور المفسرين: أنه كانت لهم ذنوب عاقبهم الله عليها بتمكين الشيطان من استزلالهم، وبخلق ما اكتسبوه أيضاً هم من الفرار، وذهب الزجّاج وغيره: إلى أن المعنى، أن الشيطان ذكرهم بذنوب لهم متقدمة، فكرهوا الموت قبل التوبة منها والإقلاع عنها، قال المهدوي: بما اكتسبوا من حب الغنيمة والحرص على الحياة. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل لفظ الآية أن تكون الإشارة في قوله: ﴿ببعض ما كسبوا﴾ إلى هذه العبرة، أي كان للشيطان في هذا الفعل الذي اكتسبوه استزلال لهم، فهو شريك في بعضه، ثم أخبر تعالى بعفوه عنهم، فتأوله جمهور العلماء على حط التبعة في الدنيا والآخرة، وكذلك تأوله عثمان بن عفان في حديثه مع عبيد الله بن عدي بن الخيار، وكذلك تأوله ابن عمر في حديثه مع الرجل العراقي، وقال ابن جريج: معنى الآية، ﴿عفا الله عنهم﴾ إذ لم يعاقبهم، والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر بإجماع فيما علمت، وعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموبقات مع الشرك وقتل النفس وغيرها. قوله تعالى : يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْلِإِخْوَنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُمَزَّى لَوْكَانُواْ عِندَنَا مَا مَا تُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَهُ ذَلِكَ حَسْرَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحِي، وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ١٥٦ نهى الله تعالى المؤمنين عن الكون مثل الكفار والمنافقين في هذا المعتقد الفاسد، الذي هو أن من سافر في تجارة ونحوها ومن قاتل فقتل لو قعد في بيته لعاش ولم يمت في ذلك الوقت الذي عرض فيه نفسه للسفر أو للقتال، وهذا هو معتقد المعتزلة في القول بالأجلين، وهو نحو منه، وقوله تعالى: ﴿لإخوانهم﴾ هي أخوة نسب، لأن قتلى - أحد - كانوا من الأنصار، أكثرهم من الخزرج، ولم يكن فيهم من المهاجرين إلا أربعة، وصرح بهذه المقالة فيما ذكر السدي ومجاهد وغيرهما، عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، وقيل: بل قالها جميع المنافقين، ودخلت ﴿إذا﴾ في هذه الآية وهي حرف استقبال، من حيث : ٥٣١ تفسير سورة آل عمران / الآية : ١٥٦ ﴿الذين﴾ اسم فيه إبهام يعم من قال في الماضي، ومن يقول في المستقبل، ومن حيث هذه النازلة تتصور في مستقبل الزمان، ويطرد النهي للمؤمنين فيها، فوضعت ﴿إِذا﴾ لتدل على اطراد الأمر في مستقبل الزمان، وهذه فائدة وضع المستقبل موضع الماضي، كما قال تعالى: ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ [يونس: ٢٥] إلى نحوها من الآيات وكما قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد كما أن فائدة وضعهم الماضي موضع المستقبل للدلالة على ثبوت الأمر، لأن صيغة الماضى متحققة الوقوع، فمن ذلك قول الشاعر: وَإِنّي لآتيكم تَشَكُّرَ ما مَضَى مِنَ الْأُمْرِ وَاسْتِيجَابِ مَا كَانَ فِي غَدٍ ومنه قول الربيع : أَصْبَحْتُ لا أَمْلِكُ السلاحَ وَلَا أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إنْ نَفَرَا و((الضرب في الأرض)): الإبعاد في السير، ومنه ضرب الدهر ضربانه: إذا بعدت المدة، وضرب الأرض: هو الذهاب فيها لحاجة الإنسان خاصة بسقوط ((في)) وقال السدي وغيره: في هذه الآية، الضرب في الأرض: السير في التجارة، وقال ابن إسحاق وغيره: بل هو السير في جميع طاعات الله ورسوله، والضرب في الأرض يعم القولين، و﴿غزى﴾: جمع غاز، وزنه - فعل - بضم الفاء وشد العين المفتوحة کشاهد وشهد وقائل وقول، وينشد بيت رؤبة: [الرجز] فالآنَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي وَقَوْلُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالْمُسَفَّهِ (وقول، الاده فلاده) یرید إن لم تتب الآن فلا تتوب أبداً، وهو مثل معناه: إن لم تکن کذا فلا تکن کذا، وقد روي، وقولهم الأده فلاده، قال سيبويه وغيره: لا يدخل ﴿غزى﴾ الجر ولا الرفع، وقرأته عامة القراء بتشديد الزاي، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والزهري: ((غزى)) مخففة الزاي، ووجهه إما أن يريد غزاة، فحذف الهاء إخلاداً إلى لغة من يقول ((غزّى)) بالتشديد، وهذ الحرف كثير في كلامهم، قول الشاعر يمدح الكسائيّ : [الطويل] أَبى الذَّمُّ أَخْلَاقَ الكِسَائيّ وأنتمى بِهِ الْمَجْدُ أخْلاق الُبُوِّ السوابقِ يريد الأبوة جمع أب، كما أن العمومة جمع عم، والبنوة جمع ابن وقد قالوا: ابن وبنو، وتحتمل قراءتهما أن تكون تخفيفاً للزاي من ((غزى))، ونظيره قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿وكذبوا بآياتنا كذاباً﴾ [النبأ: ٢٨] في قول من قال: إنه تخفيف، وقد قيل: إنه مصدر جرى على غير المصدر، وقرأ الحسن ((وما قتّلوا)) مشددة التاء، وقوله تعالى: ﴿ليجعل الله ذلك﴾ قال مجاهد: معناه يحزنهم قوله ولا ينفعهم. قال القاضي: فالإشارة في ذلك إلى هذا المعتقد الذي لهم، جعل الله ذلك حسرة، لأن الذي يتيقن ٥٣٢ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٥٧ - ١٥٩ أن كل موت وقتل فبأجل سابق، يجد برد اليأس والتسليم لله تعالى على قلبه، والذي يعتقد أن حميمه لو قعد في بيته لم يمت، يتحسر ويتلهف، وعلى هذا التأويل مشى المتأولون، وهو أظهر ما في الآية، وقال قوم: الإشارة بذلك إلى انتهاء المؤمنين ومخالفتهم الكافرين في هذا المعتقد، فيكون خلافهم لهم حسرة في قلوبهم، وقال قوم: الإشارة بذلك إلى نفس نهي الله تعالى عن الكون مثل الكافرين في هذا المعتقد لأنهم إذا رأوا أن الله تعالى قد وسمهم بمعتقد وأمر بخلافهم كان ذلك حسرة في قلوبهم، ويحتمل عندي أن تكون الإشارة إلى النهي والانتهاء معاً، فتأمله ((والحسرة)): التلهف على الشيء والغم به، ثم أخبر تعالى خبراً جزماً أنه الذي ﴿يحيي ويميت﴾ بقضاء حتم، لا كما يعتقد هؤلاء، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ((والله بما يعملون)) بالياء، فهذا وعيد للمنافقين، وقرأ الباقون ((تعملون)) بالتاء على مخاطبة المؤمنين، فهذا توکید للنهي في قوله ﴿لا تكونوا﴾ ووعید لمن خالفه ووعد لمن امتثله. قوله تعالى : وَلَیْنمُتُمْ ١٥٧) وَلَيْن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِ لَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴿١٤) فَبِمَا رَحْمَةٍمِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ رج مِنْ حَوْلِكٌ اللام في قوله تعالى: ﴿ولئن قتلتم﴾ هي المؤذنة بمجيء القسم، واللام في قوله: ﴿المغفرة﴾ هي المتلقية للقسم، والتقدير: والله لمغفرة، وترتب الموت قبل القتل في قوله ﴿ما ماتوا وما قتلوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] مراعاة لرتبة الضرب في الأرض والغزو فقدم الموت الذي هو بإزاء المتقدم الذكر وهو الضرب، وقدم القتل في قوله تعالى: ﴿ولئن قتلتم﴾ لأنه ابتداء إخبار، فقدم الأشرف الأهم، والمعنى: أو متم في سبيل الله، فوقع أجركم على الله، ثم قدم الموت في قوله تعالى: ﴿ولئن متم أو قتلتم﴾ لأنها آية وعظ بالآخرة والحشر، وآية تزهيد في الدنيا والحياة، والموت المذكور فيها هو موت على الإطلاق في السبيل وفي المنزل وكيف كان، فقدم لعمومه وأنه الأغلب في الناس من القتل، وقرأ نافع وحمزة والكسائي (متم) بكسر الميم و((متنا)) و((مت)) بالكسر في جميع القرآن وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: بضم الميم في جميع القرآن، وروى أبو بكر عن عاصم ضم الميم في جميع القرآن، وروى عنه حفص ضم الميم في هذين الموضعين ((أو مُتم ولئن مُتم)) فقط، وكسر الميم حيث ما وقعت في جميع القرآن، قال أبو علي: ضم الميم هو الأشهر والأقيس، مت تموت مثل: قلت تقول وطفت تطوف، والكسر شاذ في القياس وإن كان قد استعمل كثيراً، وليس كما شذ قياساً واستعمالاً كشذوذ اليجدع ونحوه، ونظير مت تموت بكسر الميم فضل بكسر الضاد يفضل في الصحيح وأنشدوا: وما مر من عمري ذكرت وما فضل ذكرت ابن عباس بباب ابن عامر وقوله تعالى: ﴿المغفرة﴾ رفع بالابتداء ﴿ورحمة﴾، عطف على المغفرة و﴿خير﴾ خبر الابتداء، والمعنى: المغفرة والرحمة اللاحقة عن القتل أو الموت في سبيل الله خير، فجاء لفظ المغفرة غير معرف : -- ٥٣٣ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٥٩، ١٦٠ إشارة بليغة إلى أن أيسر جزء منها خير من الدنيا، وأنه كاف في فوز العبد المؤمن، وتحتمل الآية أن يكون قوله ﴿المغفرة﴾ إشارة إلى القتل أو الموت في سبيل الله، سمى ذلك مغفرة ورحمة إذ هما مقترنان به ويجيء التقدير: لذلك مغفرة ورحمة وترتفع المغفرة على خبر الابتداء المقدر، وقوله ﴿خير﴾ صفة لخبر الابتداء، وقرأ جمهور الناس ((تجمعون)) بالتاء على المخاطبة وهي أشكل بالكلام، وقرأ قوم منهم عاصم فيما روى عن حفص ((يجمعون)) بالياء، والمعنى مما يجمعه المنافقون وغيرهم. ثم ذكر تعالى الحشر إليه، وأنه غاية لكل أحد قتل أو مات، وفي الآية تحقير لأمر الدنيا وحض على طلب الشهادة، أي إذا كان الحشر في كلا الأمرين فالمضي إليه في حال الشهادة أولى . i وقوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله﴾، معناه: فبرحمة من الله ((وما)) قد جرد عنها معنى النفي ودخلت للتأكيد وليست بزائدة على الإطلاق لا معنى لها، وأطلق عليها سيبويه اسم الزيادة من حيث زال عملها، وهذه بمنزلة قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ [النساء: ١٥٥] قال الزجاج: الباء بإجماع من النحويين صلة وفيها معنى التأكيد، ومعنى الآية: التقريع لجميع من أخل يوم - أحد - بمركزه، أي كانوا يستحقون الملام منك، وأن لا تلين لهم، ولكن رحم الله جميعكم، أنت يا محمد بأن جعلك الله على خلق عظيم، وبعثك لتتمم محاسن الأخلاق، وهم بأن لينك لهم وجعلت بهذه الصفات لما علم تعالى في ذلك من صلاحهم وأنك ﴿لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾، وتفرقوا عنك، والفظ: الجافي في منطقه ومقاطعه، وفي صفة النبي عليه السلام في الكتب المنزلة: ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، وقال الجواري لعمر بن الخطاب: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله؛ الحديث، وفظاظة عمر بن الخطاب رضى الله عنه إنما كانت مستعملة منه آلة لعضد الحق والشدة فى الدين، والفظاظة: الجفوة في المعاشرة قولاً وفعلاً ومنه قول الشاعر: [البسيط] أخشى فَظَاظَةَ عمِّ أَوْ جَفَاءَ أخٍ وَكُنْتُ أَخْشَى عَلَيْها مِنْ أَذى الْكَلِمِ وغلظ القلب: عبارة عن تجهم الوجه وقلة الانفعال في الرغائب وقلة الإشفاق والرحمة ومن ذلك قول الشاعر: [البسيط] يُبْكَى عَلَيْنا ولا نَبْكي على أحد لَنَحْنُ أَغْلَظُ أَكباداً من الإبلِ والانفضاض: افتراق الجموع ومنه فض الخاتم . قوله تعالی : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأُسْتَغْفِرْلَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّيِ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِلِينَ إِن يَنْصُرُّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُ لْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُّكُمْ مِّنْ بَعْدِهِ، وَ عَلَى اللَّهِ ١٥٩ ١٦٠ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أمر الله تعالى رسوله بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ، وذلك أنه أمره بأن يعفو عليه السلام عنهم ما ٠ ٥٣٤ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٥٩، ١٦٠ له في خاصته عليهم من تبعة وحق، فإذا صاروا في هذه الدرجة، أمره أن يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة، فإذا صاروا في هذه الدرجة كانوا أهلاً للاستشارة في الأمور والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: ٣٨] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، وقال عليه السلام: المستشار مؤتمن، وصفة المستشار في الأحكام أن يكون عالماً ديناً، وقل ما يكون ذلك إلا في عاقل، فقد قال الحسن بن أبي الحسن: ما كمل دين امرىء لم يكمل عقله، وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً واداً في المستشير، والشورى بركة، وقد جعل عمر بن الخطاب الخلافة - وهي أعظم النوازل - شورى، وقال الحسن: والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه، وقد قال في غزوة بدر: أشيروا عليّ أيها الناس، في اليوم الذي تكلم فيه المقداد، ثم سعد بن عبادة، ومشاورته عليه السلام إنما هي في أمور الحروب والبعوث ونحوه من أشخاص النوازل، وأما في حلال أو حرام أو حد فتلك قوانين شرع. ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [الأنعام: ٣٨] وكأن الآية نزلت مؤنسة للمؤمنين، إذ كان تغلبهم على الرأي في قصة - أحد - يقتضي أن يعاقبوا بأن لا يشاوروا في المستأنف، وقرأ ابن عباس ((وشاورهم في بعض الأمر» وقراءة الجمهور إنما هي باسم الجنس الذي يقع للبعض وللكل، ولا محالة أن اللفظ خاص بما ليس من تحليل وتحريم، والشورى مبينة على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ويتخير، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه، عزم عليه وأنفذه متوكلا على الله، إذ هي غاية الاجتهاد المطلوب منه، وبهذا أمر تعالى نبيه في هذه الآية، وقرأ جابر بن زيد وأبو نهيك وجعفر بن محمد وعكرمة ((عزمتُ)) - بضم التاء سمى الله تعالى إرشاده وتسديده عزماً منه، وهذا في المعنى نحو قوله تعالى: ﴿التحكم بين الناس بما أراك الله﴾ [النساء: ١٠٥] ونحو قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمی) [الأنفال: ١٧] فجعل تعالى هزمه المشركين بحنين وتشويه وجوههم رمياً، إذ كان ذلك متصلاً برمي محمد عليه السلام بالحصباء. وقد قالت أم سلمة ثم عزم الله لي، والتوكل على الله تعالى من فروض الإيمان وفصوله، ولكنه مقترن بالجد في الطاعة والتشمير والحزامة بغاية الجهد: وليس الإلقاء باليد وما أشبهه بتوكل، وإنما هو كما قال عليه السلام : قيدها وتوكل. ثم ثبت تعالى المؤمنين بقوله: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم﴾ أي فالزموا الأمور التي أمركم بها ووعدكم النصر معها، و((الخذل)): هو الترك في مواطن الاحتياج إلى التارك، وأصله من خذل الظباء، وبهذا قيل لها: خاذل إذ تركتها أمها، وهذا على النسب أي ذات خذل لأن المتروكة هي الخاذل بمعنى مخذولة، وقوله تعالى: ﴿فمن ذا الذي ينصركم﴾ تقدير جوابه: لا من - والضمير في ﴿بعده﴾ يحتمل العودة على المكتوبة، ويحتمل العودة على الخذل الذي تضمنه قوله ﴿إن يخذلكم﴾. قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلُّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا عَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَّتُوَّى كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ : ٥٣٥ تفسير سورة آل عمران / الآيات : - ١٦١ - ١٦٣ لَا يُظْلَمُونَ فِ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَالْمَصِيرُ ١٦٣ هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ تقدم القول في صيغة: وما كان لكذا أن يكون كذا، في قوله تعالى: ﴿وما كان لنفس أن تموت﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم (يُغُل)) بفتح الياء وضم الغين، وبها قرأ ابن عباس وجماعة من العلماء، وقرأ باقي السبعة ((أن يُغَل)) بضم الياء وفتح الغين، وبها قرأ ابن مسعود وجماعة من العلماء، واللفظة: بمعنى الخيانة في خفاء، قال بعض اللغويين هي مأخوذة من الغلل وهو الماء الجاري في أصول الشجر والدوح، قال أبو عمرو: تقول العرب: أغل الرجل يغل إغلالاً: إذا خان، ولم يؤد الأمانة، ومنه قول النمر بن تولب: [الطويل] جزى اللّهُ عَنِّي جَمْرَةَ ابْنَةَ نَوْفَلٍ جزاءَ مُغِلٌّ بالأمانةِ كاذبٍ وقال شريح: ليس على المستعير غير المغل ضمان، قال أبو علي: وتقول من الغل الذي هو الضغن: غل يغل بكسر الغين، ويقولون في الغلول من الغنيمة: غل يغُل بضم الغين، والحجة لمن قرأ يغل أن ما جاء من هذا النحو في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل على نحو ﴿ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء﴾ [يوسف: ٣٨] ﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾ [يوسف: ٧٦] ﴿وما كان لنفس أن تموت﴾ [آل عمران: ١٤٥] ﴿وما كان الله ليضل قوماً بعد أن هداهم﴾ [التوبة: ١١٥] ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب﴾ [آل عمران: ١٧٩] ولا يكاد يجيء: ما كان زيد ليضرب، فيسند الفعل فيه إلى المفعول به، وفي هذا الاحتجاج نظر، وروي عن ابن عباس أنه قرأ ((يغُل)) بضم الغين، فقيل له: إن ابن مسعود قرأ ((يغَل)) بفتح الغين، فقال ابن عباس: بلى والله ويقتل، واختلف المفسرون في السبب الذي أوجب أن ينفي الله تعالى عن النبي أن يكون غالاً على هذه القراءة - التي هي بفتح الياء وضم الغين، فقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم: نزلت بسبب قطيفة حمراء فقدت من المغانم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم: لعل رسول الله أخذها فنزلت الآية. قال القاضي أبو محمد: قيل: كانت هذه المقالة من مؤمنين لم يظنوا أن في ذلك حرجاً، وقيل كانت من منافقين، وقد روي أن المفقود إنما كان سيفاً، قال النقاش: ويقال: إنما نزلت لأن الرماة قالوا يوم أحد: الغنيمة الغنيمة أيها الناس، إنما نخشى أن يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئاً فهو له، فلما ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: خشيتم أن نغل؟ ونزلت هذه الآية، وقال الضحاك: بل السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طلائع في بعض غزواته ثم غنم قبل مجيئهم، فقسم للناس ولم يقسم للطلائع، فأنزل الله تعالى عليه عتاباً، ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ أي يقسم لبعض ويترك بعضاً، وروي نحو هذا القول عن ابن عباس، ويتجه على هذا أن تكون الآية إعلاماً بعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسمه للغنائم، ورداً على الأعراب الذين صاحوا به: اقسم علينا غنائمنا يا محمد، وازدحموا حتى اضطروه إلى السمرة التي أخذت رداءه، ونحا إليه الزجّاج، وقال ابن إسحاق: الآية إنما نزلت إعلاماً بأن النبي عليه السلام لم يكتم شيئاً مما أمر بتبليغه . : i ٥٣٦ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٦١ - ١٦٣ قال القاضي: وكأن الآية على هذا في قصة - أحد - لما نزل عليه: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩] إلى غير ذلك مما استحسنوه بعد إساءتهم من العفو عنهم ونحوه، وبالجملة فهو تأويل ضعيف، وكان يجب أن يكون ((يُغِل)) بضم الياء وكسر الغين، لأنه من الإغلال في الأمانة، وأما قراءة من قرأ ((أن يُغَل)) بضم الياء وفتح الغين، فمعناها عند جمهور من أهل العلم: أن ليس لأحد أن يغله: أي يخونه في الغنيمة، فالآية في معنى نهي الناس عن الغلول في المغانم والتوعد عليه، وخص النبي بالذكر وإن كان ذلك محظوراً مع الأمراء لشنعة الحال مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المعاصي تعظم مع حضرته لتعين توقيره، والولاة هم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فلهم حظهم من التوقير، وقال بعض الناس: معنى ((أن يغل)) أن يوجد غالاً، كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محموداً، فهذه القراءة على هذا التأويل ترجع إلى معنى ((يُغُل)) بفتح الياء وضم الغين، وقال أبو علي الفارسي: معنى (يُغَل)) بضم الياء وفتح الغين يقال له: غللت وينسب إلى ذلك، كما تقول أسقيته، إذا قلت: سقاك الله كما قال ذو الرمة: [الطويل] وَأَسْقِيهِ حتى كادَ مِمّا أَبُّهُ تُكَلِّمُنِي أَحْجَارُهُ وَمَلاعُهْ وهذا التأويل موقر للنبي عليه السلام، ونحوه في الكلام: أكفرت الرجل إذا نسبته إلى الكفر، وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا آکل سمناً حتی یحیا الناس من أول ما یحیون: أي يدخلون في الحیا وقوله تعالى: ﴿ومن يغلل يأتِ بما غل يوم القيامة) وعيد لمن يغل من الغنيمة، أو في زكاته، فيجحدها ويمسكها، فالفضيحة يوم القيامة بأن يأتي على رؤوس الأشهاد بالشيء الذي غل في الدنيا، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: ألا يخشى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، ثم ذكر ذلك عليه السلام في بقرة لها خوار وجمل له رغاء، وفرس له حمحمة، وروى نحو هذا الحديث ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، الحديث بطوله، وروى نحوه أبو حميد الساعدي وعمر بن الخطاب وعبد الله بن أنيس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدوا الخياط والمخيط، فقام رجل فجاء بشراك أو شراكين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شراك أو شراكان من نار، وقال في مدعم، إن الشملة التي غل من المغانم يوم خيبر لتشتعل عليه ناراً . قال القاضي: وهذه الفضيحة التي يوقع الله بالغالّ، هي نظيرة الفضيحة التي توقع بالغادر، في أن ينصب له لواء بغدرته حسب قوله عليه السلام، وجعل الله هذه المعاقبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه، ألا ترى إلى قول الحارد: [الكامل] أُسُمَيَّ وَيْحَكِ هَلْ سَمِعْتٍ بِغَدْرَةٍ رفعِ اللَّواء لَنَا بِهَا فِي الْمَجَمَعِ. وكانت العرب ترفع للغادر لواء، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته، وقد تقدم القول في نظير، ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ [البقرة: ٢٨١]. وقوله تعالى: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾ الآية، توقيف على تباين المنزلتين وافتراق الحالتين، -- ٥٣٧ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٦٤، ١٦٥ والرضوان: مصدر، وقرأه عاصم - فيما روي عنه - بضم الراء - وقرأ جميعهم بكسرها، وحكى أبو عمرو الداني عن الأعمش، أنه قرأها - بكسر الراء وضم الضاد، وهذا كله بمعنى واحد مصدر من الرضى، والمعنى، اتبعوا الطاعة الكفيلة برضوان الله، ففي الكلام حذف مضاف، و﴿باء بسخط﴾ - معناه: مضى متحملاً له، والسخط: صفة فعل، وقد تتردد متى لحظ فيها معنى الإرادة، وقال الضحاك: إن هذه الآية مشيرة إلى أن من لم يغل واتقى فله الرضوان، وإلى أن من غل وعصى فله السخط، وقال غيره: هي مشيرة إلى أن من استشهد - بأحد - فله الرضوان، وإلى المنافقين الراجعين عن النبي صلى الله عليه وسلم فلهم السخط، وباقي الآية بيّن. واختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿هم درجات﴾ من المراد بذلك؟ فقال ابن إسحاق وغيره: المراد بذلك الجمعان المذكوران، أهل الرضوان وأصحاب السخط، أي لكل صنف منهم تباين في نفسه في منازل الجنة، وفي أطباق النار أيضاً، وقال مجاهد والسدي ما ظاهره: إن المراد بقوله ﴿هم﴾ إنما هو المتبعي الرضوان، أي لهم درجات كريمة عند ربهم، وفي الكلام حذف مضاف تقديره ((هم درجات)) والدرجات المنازل بعضها أعلى من بعض في المسافة أو في التكرمة، أو العذاب، وقرأ إبراهيم النخعي ((هم درجة)) بالإفراد، وباقي الآية وعيد ووعد. قوله تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاُلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَلِ مُّبِينٍ (٦) أَوَلَمَّآ أَصَبَتَّكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْأَ صَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَّ هَذَ ا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ( ١٦٥ اللام في ﴿لقد﴾ لام القسم، و﴿منّ﴾ في هذه الآية معناه: تطول وتفضل، وقد يقال: منّ بمعنى: كدر معروفه بالذكر فهي لفظة مشتركة . وقوله تعالى: ﴿من أنفسهم) معناه في الجنس واللسان والمجاورة فكونه من الجنس يوجب الأنس به وقلة الاستيحاش منه، وكونه بلسانهم يوجب حسن التفهيم وقرب الفهم، وكونه جاراً وربياً يوجب التصديق والطمأنينة، إذ قد خبروه وعرفوا صدقه وأمانته فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسب قومه، وكذلك الرسل، قال النقاش: ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أمهاتهم إلا بني تغلب لنصرانيتهم، والآيات في هذه الآية، يحتمل أن يراد بها القرآن ويحتمل أن يراد بها العلامات، والأول أظهر، ﴿ويزكيهم﴾ معناه: يطهرهم من دنس الكفر والمعاصي، قال بعض المفسرين: معناه يأخذ منهم الزكاة، وهذا ضعيف، و﴿الكتاب﴾: القرآن، ﴿والحكمة﴾، السنة المتعلمة من لسانه عليه السلام، ثم ذكر حالتهم الأولى من الضلال ليظهر الفرق بتجاور الضدين - وقيل: لفظة مبنية لما تضمنت الإضافة، فأشبهت الحروف في تضمن المعاني فبنيت. ٥٣٨ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٦٦، ١٦٧ ثم وقف تعالى المؤمنين على الخطأ في قلقهم للمصيبة التي نزلت بهم وإعراضهم عما نزل بالكفار، وعرفهم أن ذلك لسبب أنفسهم، والواو في قوله: ﴿أولما﴾ عطف جملة على جملة دخلت عليها ألف التقرير على معنى إلزام المؤمنين هذه المقالة في هذه الحال، والمصيبة التي نالت المؤمنين هي : قصد - أحد - وقتل سبعين منهم، واختلف في المثلين اللذين أصاب المؤمنين فقال قتادة والربيع: وابن عباس وجمهور المتأولين: ذلك في يوم بدر، قتل المؤمنون من كفار قريش سبعين، وأسروا سبعين، وقال الزجّاج: أحد المثلين: هو قتل السبعين يوم بدر، والثاني: هو قتل اثنين وعشرين من الكفار يوم - أحد - فهو قتل بقتل، ولا مدخل للأسرى في هذه الآية، هذا معنى كلامه، لأن أسارى بدر أسروا ثم فدوا، فلا مماثلة بين حالهم وبين قتل سبعين من المؤمنين، و﴿أَنّ﴾ - معناها: كيف ومن أين؟ ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام أن يقول لهم: ﴿هو من عند أنفسكم﴾، واختلف الناس كيف هو من عند أنفسهم ولأي سبب؟ فقال الجمهور من المفسرين: لأنهم خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرأي حين رأى أن يقيم بالمدينة ويترك كفار قريش بشر محبس فأبوا إلا الخروج حتى جرت القصة، وقالت طائفة: قوله تعالى : ﴿من عند أنفسكم) إشارة إلى عصيان الرماة وتسبيبهم الهزيمة على المؤمنين. وقال الحسن وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: بل ذلك لما قبلوا الفداء يوم بدر، وذلك أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما فرغت هزيمة المشركين ببدر جاء جبريل عليه السلام إلى النبي عليه السلام فقال: يا محمد إن الله قد كره ما يصنع قومك في أخذ الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: أن يقدموا الأسارى فتضرب أعناقهم، أو يأخذوا الفداء، على أن يقتل من أصحابك عدة هؤلاء الأسارى، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فذكر ذلك لهم فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، بل نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره، قال: فقتل منهم يوم أحد - سبعون رجلاً. قوله تعالى : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ m وَمَآ أَصَبَّكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِاللَّهِ أَوِ أَدْ فَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالَاً لََّ تَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِمْ قَالَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ الخطاب بقوله تعالى: ﴿وما أصابكم﴾ للمؤمنين، و﴿الجمعان﴾ هما عسكر النبي صلى الله عليه وسلم وعسكر قريش يوم - أحد - ودخلت الفاء في قوله: ﴿فبإذن الله﴾ رابطة مشددة، وذلك للإبهام الذي في ﴿ما﴾ فأشبه الكلام الشرط، وهذا كما قال سيبويه: الذي قام فله درهمان، فيحسن دخول الفاء إذا كان. القيام سبب الإعطاء، وكذلك ترتيب هذه الآية، فالمعنی إنما هو، وما أذن الله فيه فهو الذي أصاب، لكن قدم الأهم في نفوسهم والأقرب إلى حسهم، والإذن: التمكين من الشيء مع العلم به، وقوله تعالى: ﴿وليعلم﴾ معناه: لیکون العلم مع وجود المؤمنین والمنافقين، أي مساوقین للعلم الذي لم يزل ولا يزال واللام في قوله: ﴿ليعلم﴾ متعلقة بفعل مقدر في آخر الكلام، والإشارة بقوله: ﴿نافقوا﴾ وقيل لهم هي إلى ٥٣٩ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٦٨ - ١٧٠ عبد الله بن أبي وأصحابه الذين انصرفوا معه عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم - أحد. وذلك أنه كان من رأي عبد الله بن أبي أن لا يخرج إلى كفار قريش، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على الوجه الذي قد ذكرناه، قال عبد الله بن أبي: أطاعهم وعصاني، فانخذل بنحو ثلث الناس، فمشى في أثرهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري أبو جابر بن عبد الله فقال لهم: اتقوا الله ولا تتركوا نبيكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، أو نحو هذا من القول، فقال له ابن أبي: ما أرى أن يكون قتال، ولو علمنا أن يكون قتال لكنا معكم، فلما يئس منهم عبد الله قال: اذهبوا أعداء الله، فسيغني الله رسوله عنكم، ومضى مع النبي صلى الله عليه وسلم فاستشهد، واختلف الناس في معنى قوله: ﴿أو ادفعوا﴾ فقال السدي وابن جريج وغيرهما معناه: كثروا السواد وإن لم تقاتلوا، فيندفع القوم لكثرتكم، وقال أبو عون الأنصاري: معناه رابطوا، وهذا قريب من الأول، ولا محالة أن المرابط مدافع، لأنه لولا مكان المرابطين في الثغور لجاءها العدو، والمكثر للسواد مدافع، وقال أنس بن مالك: رأيت يوم القادسية عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى، وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية سوداء، فقيل له: أليس قد أنزل الله عذرك؟ قال: بلى، ولكني أكثر المسلمين بنفسي، وروي أنه قال: فكيف بسوادي في سبيل الله، وذهب بعض المفسرين إلى أن قول عبد الله بن عمرو: ﴿أو ادفعوا﴾، إنما هو استدعاء القتال حمية، لأنه دعاهم إلى القتال في سبيل الله، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، فلما رأى أنهم ليسوا أهل ذلك، عرض عليهم الوجه الذي يحشمهم ويبعث الأنفة، أي أو قاتلوا دفاعاً عن الحوزة، ألا ترى أن قزمان قال: والله ما قاتلت إلا على أحساب قومي، وألا ترى أن بعض الأنصار قال يوم - أحد - لما رأى قريشاً قد أرسلت الظهر في زروع قناة قال: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟ وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أن لا يقاتل أحد حتى يأمره بالقتال، فكأن عبد الله بن عمرو بن حرام دعاهم إلى هذا المقطع العربي الخارج عن الدين والقتال في سبيل الله، وذهب جمهور المفسرين إلى أن قوله: ﴿أقرب﴾ مأخوذ من القرب ضد البعد، وسدت - اللام - في قوله: ﴿للكفر﴾، و﴿للإيمان) - مسد إلى، وحكى النقاش: أن قوله ﴿أقرب﴾ مأخوذ من القرب بفتح القاف والراء وهو الطلب، والقارب طالب الماء، وليلة القرب ليلة الورد، فاللفظة بمعنى أطلب، واللام متمكنة على هذا القول، وقوله: ﴿بأفواههم﴾ تأكيد، مثل يطير بجناحيه، وقوله: ﴿ما ليس في قلوبهم﴾ يريد ما يظهرون من الكلمة الحاقنة لدمائهم، ثم فضحهم تعالى بقوله: ﴿والله أعلم بما يكتمون﴾ أي من الكفر وعداوة الدين وفي الكلام توعد لهم. قوله تعالى : الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْأَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَادْرَءُ واعَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ وَلَا تَحْسَبَنَّالَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأَبَلْ أَحْيَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ج صَدِقِينَ لِيّا فَرِحِينَ بِمَآءَاتَنْهُمُ اُللَّهُ مِن فَضْلِهِ» ﴿الذين﴾ بدل من ((الذين)) المتقدم، و((إخوانهم)) المقتولون من الخزرج وهي أخوة نسب ومجاورة، ٥٤٠ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٦٨ - ١٧٠٪ وقوله تعالى: ﴿لإخوانهم﴾ معناه لأجل إخوانهم وفي شأن إخوانهم، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لإخوانهم﴾ للأحياء من المنافقين، ويكون الضمير في ﴿أطاعونا﴾ هو للمقتولين، وقوله: ﴿وقعدوا﴾ جملة في موضع الحال وهي حالة معترضة أثناء الكلام، وقوله: ﴿لو أطاعونا﴾ يريد في أن لا يخرجوا إلى قريش، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((ما قتّلوا)) بشد التاء، وهذا هو القول بالأجلين، فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿قل فادرؤوا﴾ الآية، والدرء الدفع ومنه قول دغفل النسابة: [الرجز] صَادَفَ دَرْءُ السَّيْلِ درءاً يَدْفَعُهْ وَالْعِبُ لا تَعْرِفُهُ أَوْ تَرْفَعُه ولزوم هذه الحجة هو أنكم أيها القائلون: إن التوقي واستعمال النظر يدفع الموت، فتوقوا وانظروا في الذي یغشاکم منه حتف أنوفکم، فادفعوه إن کان قولکم صدقاً، أي إنما هي آجال مضروبة عند الله . وقرأ جمهور القراء: ((ولا تحسبن)) بالتاء مخاطبة للنبي عليه السلام، وقرأ حميد بن قيس، ((ولا يحسبن)) بالياء على ذكر الغائب، ورويت عن ابن عمر وذكره أبو عمرو وكأن الفاعل مقدر: ولا يحسبن أحد أو حاسب، وأرى هذه القراءة بضم الباء فالمعنى: ولا يحسب الناس، ويحسبن، معناه يظن، وقرأ الحسن: ((الذين قتلوا))، بشد التاء، وابن عامر من السبعة، وروي عن عاصم أنه قرأ: ((الذين قاتلوا)) بألف بين القاف والتاء، وأخبر الله تعالى في هذه الآية عن الشهداء: أنهم في الجنة يرزقون، هذا موضع الفائدة، ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل، حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم، قال الحسن بن أبي الحسن: ما زال ابن آدم يتحمد حتى صار حياً لا يموت بالشهادة في سبيل الله، فقوله: ﴿بل أحياء﴾ مقدمة لقوله: ﴿يرزقون) إذ لا يرزق إلا حي، وهذا كما تقول لمن ذم رجلاً: بل هو رجل فاضل، فتجيء باسم الجنس الذي تركب عليه الوصف بالفضل، وقرأ جمهور الناس: ((بل أحياءٌ)) بالرفع على خبر ابتداء مضمر، أي هم أحياء، وقرأ ابن أبي عبلة، ((بل أحياءً)) بالنصب، قال الزجّاج: ويجوز النصب على معنى بل أحسبهم أحياء، قال أبو علي في الاغفال: ذلك لا يجوز لأن الأمر يقين فلا يجوز أن يؤمر فيه بمحسبة، ولا يصح أن يضمر له إلا فعل المحسبة . قال القاضي: فوجه قراءة ابن أبي عبلة أن تضمر فعلًا غير المحسبة، اعتقدهم أو اجعلهم وذلك ضعيف إذ لا دلالة في الكلام على ما يضمر، وقوله ﴿عند ربهم﴾ فيه حذف مضاف تقديره: عند كرامة ربهم، لأن ﴿عند﴾ تقتضي غاية القرب، ولذلك لم تصغر قاله سيبويه، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بارق، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً، وروي عنه عليه السلام أنه قال: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها. قال القاضي رحمه الله: وهؤلاء طبقات وأحوال مختلفة، يجمعها أنهم يرزقون، وقاله عليه السلام: إنما نسمة المؤمن طير تعلق في ثمار الجنة، ويروى يعلق بفتح اللام وبالياء، والحديث معناه في الشهداء خاصة، لأن أرواح المؤمنين غير الشهداء، إنما ترى مقاعدها من الجنة دون أن تدخلها، وأيضاً فإنها لا ترزق، وتعلق معناه: تصيب العلقة من الطعام، وفتح اللام هو من التعلق، وقد رواه القراء في إصابة ١ : :