Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٨٢ فكأنها إشارة إلى العدالة: وقوله تعالى: ﴿من رجالكم﴾ نص في رفض الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم. واختلف العلماء فيهم فقال شريح وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل: شهادة العبد جائزة إذا كان عدلاً، وغلبوا لفظ الآية. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء: لا تجوز شهادة العبد، وغلبوا نقص الرق، واسم كان الضمير الذي في قوله ﴿يكونا﴾ . والمعنى في قول الجمهور، فإن لم يكن المستشهد رجلين أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما، وقال قوم: بل المعنى فإن لم يوجد رجلان، ولا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال، وهذا قول ضعيف، ولفظ الآية لا يعطيه بل الظاهر منه قول الجمهور، وقوله: ﴿فرجل وامر أتان﴾ مرتفع بأحد ثلاثة أشياء، إما أن تقدر فليستشهد رجل وامرأتان، وإما فليكن رجل وامرأتان ويصح أن تكون ﴿يكونا﴾ هذه التامة والناقصة، ولكن التامة أشبه، لأنه يقل الإضمار، وإما فرجل وامرأتان يشهدون، وعلى كل وجه فالمقدر هو العامل في قوله: ﴿أن تضل إحداهما﴾ وروى حميد بن عبد الرحمن عن بعض أهل مكة أنهم قرؤوا (وامرأتان)» بهمز الألف ساكنة. قال ابن جني: لا نظير لتسكين الهمزة المتحركة على غير قياس وإنما خففوا الهمزة فقربت من الساكن، ثم بالغوا في ذلك فصارت الهمزة ألفاً ساكنة كما قال الشاعر: [الطويل]. يقولون جهلاً لَيْسَ للشَّيخَ عَيِّلٌ لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْيَلْتَ وَأَن رَقُوب يريد («وأنا))، ثم بعد ذلك يدخلون الهمزة على هذه الألف كما هي. وهي ساكنة وفي هذا نظر، ومنه قراءة ابن كثير ((عن ساقيها)) وقولهم يا ذو خاتم قال أبو الفتح: فإن قيل شبهت الهمزة بالألف في أنها ساوتها في الجهر والزيادة والبدل والحذف وقرب المخرج وفي الخفاء فقول مخشوب لا صنعة فيه، ولا يكاد يقنع بمثله، وقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ رفع في موضع الصفة لقوله عز وجل: ﴿فرجل وامر أتان﴾ . قال أبو علي: ولا يدخل في هذه الصفة قوله: ﴿شهيدين﴾ اختلاف الإعراب. قال القاضي أبو محمد: وهذا حكم لفظي، وأما المعنى فالرضى شرط في الشهيدين كما هو في الرجل والمرأتين. قال ابن بكير وغيره: قوله ﴿ممن ترضون﴾ مخاطبة للحكام. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير نبيل، إنما الخطاب لجميع الناس، لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا كثير في كتاب الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض، وفي قوله: ﴿ممن ترضون﴾ دليل على أن في الشهود من لا يرضى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا بمحمولين على العدالة حتى تثبت لهم. وقرأ حمزة وحده: ((إن تَضِل)) بكسر الألف وفتح التاء وكسر الضاد ((فتذَكَرُ)) بفتح الذال ورفع الراء وهي قراءة الأعمش. وقرأها الباقون ((أن تضل)) بفتح الألف ((فتذكرَ)) بنصب الراء. غير أن ابن كثير وأبا عمرو خففا الذال والكاف، وشددها الباقون، وقد تقدم القول فيما هو العامل في قوله: ﴿أن تضل﴾، و﴿أن﴾ مفعول من أجله والشهادة لم تقع لأن تضل إحداهما. وإنما وقع إشهاد امرأتين لأن تذكر - ٣٨٢ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٨٢ إحداهما إن ضلت الأخرى. قال سيبويه: وهذا كما تقول: أعددت هذه الخشبة أن يميل هذا الحائط فأدعمه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ولما كانت النفوس مستشرفة إلى معرفة أسباب الحوادث، قدم في هذه العبارة ذكر سبب الأمر المقصود أن يخبر به، وفي ذلك سبق النفوس إلى الإعلام بموادها، وهذا من أنواع أبرع الفصاحة، إذ لو قال رجل لك: أعددت هذه الخشبة أن أدعم بها الحائط، لقال السامع: ولم تدعم حائطاً قائماً؟ فيجب ذكر السبب فيقال: إذا مال. فجاء في كلامهم تقديم السبب أخصر من هذه المحاورة. وقال أبو عبيد: معنى ﴿تضل﴾ تنسى. قال القاضي أبو محمد: والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء. ويبقى المرء بين ذلك حيران ضالاً، ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال: ضل فيها، فأما قراءة حمزة فجعل ﴿أن﴾ الجزاء، والفاء في قوله ﴿فتذكر﴾ جواب الجزاء، وموضع الشرط وجوابه رفع بكونه صفة للمذكور، وهما المرأتان، وارتفع ((تذكر)) كما ارتفع قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ [المائدة: ٩٥] هذا قول سيبويه . ! قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وأما نصب قوله ((فتذكرَ)) على قراءة الجماعة فعلى العطف على الفعل المنصوب بـ ﴿أن﴾، وتخفيف الكاف على قراءة أبي عمرو وابن كثير هو بمعنى تثقيله من الذكر، يقال: ذكرت وأذكرته تعديه بالتضعيف أو بالهمز، وروي عن أبي عمرو بن العلاء وسفيان بن عيينة أنهما قالا: معنى قوله: ((فتذكر)) بتخفيف الكاف أي تردها ذكراً في الشهادة، لأن شهادة امرأة تصف شهادة، فإذا شهدتا صار مجموعهما كشهادة ذكر، وهذا تأويل بعيد، غير فصيح، ولا يحسن في مقابلة الضلال إلا الذكر، وذكرت بشد الكاف يتعدى إلى مفعولين، وأحدهما في الآية محذوف، تقديره فتذكر إحداهما الأخرى ((الشهادة))، التي ضلت عنها، وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر: ((أن تُضَل)) بضم التاء وفتح الضاد بمعنى تنسى، هكذا حكى عنهما أبو عمرو الداني، وحكى النقاش عن الجحدري ضم التاء وكسر الضاد بمعنى أن تضل الشهادة، تقول: أضللت الفرس والبعير إذا تلفا لك وذهبا فلم تجدهما، وقرأ حميد بن عبد الرحمن ومجاهد ((فتذكِرُ)) بتخفيف الكاف المكسورة ورفع الراء، وتضمنت هذه الآية جواز شهادة امرأتين بشرط اقترانهما برجل، واختلف قول مالك في شهادتهما، فروى عنه ابن وهب أن شهادة النساء لا تجوز إلا حيث ذكرها الله في الدين، أو فيما لا يطلع عليه أحد إلا هن للضرورة إلى ذلك، وروى عنه ابن القاسم أنها تجوز في الأموال والوكالات على الأموال وكل ما جر إلى مال، وخالف في ذلك أشهب وغيره، وكذلك إذا شهدن على ما يؤدي إلى غير مال، ففيها قولان في المذهب. قوله عز وجل : وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَادُعُواْ وَلَا تَسْئُمُوْأَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَلِّهِ، ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُوَأَ قال قتادة والربيع وغيرهما: معنى الآية، إذا دعوا أن يشهدوا فيتقيد حق بشهادتهم، وفي هذا المعنى ٣٨٣ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٨٢ نزلت، لأنه كان يطوف الرجل في القوم الكثير يطلب من يشهد له فيتحرجون هم عن الشهادة فلا يقوم معه أحد، فنزلت الآية في ذلك، وقال الحسن بن أبي الحسن: الآية جمعت أمرين: لا تأب إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة، ولا إذا دعيت إلى أدائها، وقاله ابن عباس، وقال مجاهد: معنى الآية، لا تأب إذا دعيت إلى أداء شهادة قد حصلت عندك، وأسند النقاش إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الآية بهذا، قال مجاهد: فأما إذا دعيت لتشهد أولاً، فإن شئت فاذهب، وإن شئت فلا تذهب، وقاله لاحق بن حميد وعطاء وإبراهيم وابن جبير والسدي وابن زيد وغيرهم. قال القاضي أبو محمد: والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود وإلا من تعطل الحق فالمدعو مندوب ، وله أن يتخلف لأدنى عذر وإن تخلف لغير عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له، وإذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف قوي الندب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لا سيما إن كانت محصلة، وكان الدعاء إلى أدائها، فإن هذا الظرف آكد لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء، ﴿ولا تسأموا﴾ معناه تملوا، و﴿صغيراً أو كبيراً﴾ حالان من الضمير في ﴿تكتبوه﴾، وقدم الصغير اهتماماً به، وهذا النهي الذي جاء عن السآمة إنما جاء لتردد المداينة عندهم، فخيف عليهم أن يملوا الكتب و﴿أقسط﴾ معناه أعدل. وهذا أفعل من الرباعى وفيه شذوذ، فانظر هل هو من قسط بضم السين؟ كما تقول: ((أكرم)) من ((كُرُم)) يقال: ﴿أقسط﴾ بمعنى عدل وقسط بمعنى جار، ومنه قوله تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً﴾ [الجن: ١٥] ومن قدر قوله تعالى: ﴿وأقوم للشهادة﴾ بمعنى وأشد إقامة فذلك أيضاً أفعل من الرباعي، ومن قدرها من قام بمعنى اعتدل زال عن الشذوذ، ﴿وأدنى﴾ معناه أقرب، و﴿ترتابوا﴾ معناه، تشكوا وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي. ((يسأموا)) و(يكتبوا)) و((يرتابوا)) كلها بالياء على الحكاية عن الغائب. قوله عز وجل : إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَلَّاتَكْنُبُوهَا وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقُ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهُ ٢٨٢ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ لما علم الله تعالى مشقة الكتاب عليهم نص على ترك ذلك ورفع الجناح فيه في كل مبايعة بنقد، وذلك في الأغلب إنما هو في قليل كالمطعوم ونحوه لا في كثير كالأملاك ونحوها. وقال السدي والضحاك: هذا فيما كان يداً بيد تأخذ وتعطي، وأن في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، وقوله تعالى: ﴿تديرونها بينكم﴾ يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض، ولما كانت الرباع والأرض وكثير من الحيوان لا تقوى البينونة به ولا يعاب عليه حسن الكتب فيها ولحقت في ذلك بمبايعة الدين وقرأ عاصم وحده ((تجارةً)) نصباً، وقرأ الباقون (تجارةٌ)) رفعاً، قال أبو علي وأشك في ابن عامر، وإذا أتت بمعنى حدث ووقع غنيت ٣٨٤ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٨٢ عن خبر، وإذا خلع منها معنى الحدوث لزمها الخبر المنصوب، فحجة من رفع تجارة إن كان بمعنى حدث ووقع، وأما من نصب فعلى خبر كان، والاسم مقدر تقديره عند أبي علي إما المبايعة التي دلت الآيات المتقدمة عليها، وإما ﴿إلا أن تكون﴾ التجارة ﴿تجارة﴾، ويكون ذلك مثل قول الشاعر: [الطويل]. إذا كَانَ يَوْماَ ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا فدىّ لبني ذُهْلِ بنِ شَيْبَانَ نَاقتي أي إذا كان اليوم يوماً . قال القاضي أبو محمد: هكذا أنشد أبو علي البيت، وكذلك أبو العباس المبرد، وأنشده الطبري: [الطويل] ولله قومي أيُّ قومٍ لحرّةٍ إِذَا كَان يوماً ذا كَوَاكِبَ أَشْنَعًا وأنشده سیبویه بالرفع إذا كان يوم ذو كواكب. وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ قال الطبري معناه وأشهدوا على صغير ذلك وكبيره، واختلف الناس هل ذلك على الوجوب أو على الندب؟ فقال الحسن والشعبي وغيرهما: ذلك على الندب، وقال ابن عمرو والضحاك: ذلك على الوجوب، وكان ابن عمر يفعله في قليل الأشياء وكثيرها، وقاله عطاء ورجح ذلك الطبري . قال القاضي أبو محمد: والوجوب في ذلك قلق أما في الدقائق فصعب شاق وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستيلاف بترك الإشهاد، وقد يكون عادة في بعض البلاد، وقد يستحيي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه، فيدخل ذلك كله في الائتمان، ويبقى الأمر بالإشهاد ندباً لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا. وحكى المهدوي عن قوم أنهم قالوا: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ منسوخ بقوله ﴿فإن أمن﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وذكره مكي عن أبي سعيد الخدري. واختلف الناس في معنى قوله تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾. فقال الحسن وقتادة وطاوس وابن زيد وغيرهم: المعنى ولا يضار الكاتب بأن يكتب ما لم يمل عليه ولا يضار الشاهد بأن يزيد في الشهادة أو ينقص منها، وقال مثله ابن عباس ومجاهد وعطاء إلا أنهم قالوا: لا يضار الكاتب والشاهد بأن يمتنعا. قال القاضي أبو محمد: ولفظ الضرر يعم هذا والقول الأول، والأصل في يضار على هذين القولين ((يضارِر)) بكسر الراء ثم وقع الإدغام وفتحت الراء في الجزم لخفة الفتحة، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد والضحاك والسدي وطاوس وغيرهم: معنى الآية ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ بأن يؤذيه طالب الكتبة أو الشهادة فيقول اكتب لي أو اشهد لي في وقت عذر أو شغل للكاتب أو المشاهد فإذا اعتذرا بعذرهما حرج وآذاهما، وقال خالفت أمر الله ونحو هذا من القول، ولفظ المضارة إذ هو من اثنين يقتضي هذه المعاني كلها، والكاتب والشهيد على القول الأول رفع بفعلهما وفي القول الثاني رفع على المفعول الذي لم يسم ٣٨٥ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٨٣ فاعله، وأصل ﴿يضار﴾ على القول الثاني ((يضارَر)) بفتح الراء، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن ابن مسعود ومجاهد أنهم كانوا يقرؤون ((ولا يضارَر» بالفك وفتح الراء الأولى، وهذا على معنى أن يبدأهما بالضرر طالب الكتبة والشهادة، وذكر ذلك الطبري عنهم في ترجمة هذا القول وفسر القراءة بهذا المعنى فدل ذلك على أن الراء الأولى مفتوحة كما ذكرنا، وحكى أبو عمرو الداني عن عمر بن الخطاب وابن عباس وابن أبي إسحاق ومجاهد أن الراء الأولى مكسورة، وحكى عنهم أيضاً فتحها، وفك الفعل هي لغة أهل الحجاز والإدغام لغة تميم، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وعمرو بن عبيد (ولا يضارْ)) بجزم الراء، قال أبو الفتح: تسكين الراء مع التشديد فيه نظر، ولكن طريقه أجرى الوصل مجرى الوقف، وقرأ عكرمة ((ولا يضارر)) بكسر الراء الأولى ((كاتباً ولا شهيداً)) بالنصب أي لا يبدأهما صاحب الحق بضرر، ووجوه المضارة لا تنحصر، وروى مقسم عن عكرمة أنه قرأ ((ولا يضارُ)) بالإدغام وكسر الراء للالتقاء، وقرأ ابن محيصن (((ولا يضارِ)) برفع الراء مشددة، قال ابن مجاهد: ولا أدري ما هذه القراءة؟ قال أبو الفتح هذا الذي أنكره ابن مجاهد معروف، وذلك على أن تجعل ﴿لا﴾ نفياً أي ليس ينبغي أن يضار كما قال الشاعر: [الطويل] على الْحَكَمِ الْمَأْتِيّ يوماً إِذَا انْقَضَى قَضِيَّتَهُ أَنْ لاَ يَجُوزَ وَيَقْصِدُ فرفع ويقصد على إرادة وينبغي أن يقصد فكذلك يرتفع ((ولا يضارُ)) على معنى وينبغي أن لا يضار، قال: وإن شئت كان لفظ خبر على معنى النهي. قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من النظر الأول. وقوله تعالى: ﴿وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم﴾ من جعل المضارة المنهي عنها زيادة الكاتب والشاهد فيما أملى عليهما أو نقصهما منه فالفسوق على عرفه في الشرع وهو مواقعة الكبائر، لأن هذا من الكذب المؤذي في الأموال والأبشار، وفيه إبطال الحق، ومن جعل المضارة المنهي عنها أذى الكاتب والشاهد بأن يقال لهما: أجيبا ولا تخالفا أمر الله أو جعلها امتناعهما إذا دعيا فالفسوق على أصله في اللغة الذي هو الخروج من شيء كما يقال فسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، وفسقت الرطبة فكأن فاعل هذا فسق عن الصواب والحق في هذه النازلة، ومن حيث خالف أمر الله في هذه الآية فيقرب الأمر من الفسوق العرفي في الشرع، وقوله ﴿بكم﴾ تقديره فسوق حال بكم، وباقي الآية موعظة وتعديد نعمه والله المستعان والمفضل لا رب غيره، وقيل إن معنى الآية الوعد بأن من اتقى علم الخير وألهمه . قوله عز وجل : ج وَإِن كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَّدِ الَّذِى أُؤْتُمِنَ ج أَمَنَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: ءَائِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا ج تَعْمَلُونَ عَلِيٌ ٢٨٣ لما ذكر الله تعالى الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان عقب ذلك بذكر حال ٣٨٦ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٨٣ الأعذار المانعة من الكتب وجعل لها الرهن ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو الغالب من الأعذار لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر، فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضاً فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن. وقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير، فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((كذب إني لأمين في الأرض أمين في السماء، ولو ائتمنني لأديت، اذهبوا إليه بدرعي)». وقد قال جمهور من العلماء الرهن في السفر ثابت في القرآن، وفي الحضر ثابت في الحديث. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن، إلا أنه لم يمعن فيه النظر في لفظ السفر في الآية، وإذا كان السفر في الآية مثالاً من الأعذار فالرهن في الحضر موجود في الآية بالمعنى، إذ قد تترتب الأعذار في الحضر، وذهب الضحاك ومجاهد إلى أن الرهن والائتمان إنما هو في السفر، وأما في الحضر فلا ينبغي شيء من ذلك، وضعف الطبري قولهما في الرهن بحسب الحديث الثابت الذي ذكرته، وقوي قولهما في الائتمان، والصحيح ضعف القول في الفصلين بل يقع الائتمان في الحضر كثيراً ويحسن، وقرأ جمهور القراء ((كاتباً)) بمعنى رجل يكتب، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس ((كتاباً)) بكسر الكاف وتخفيف التاء وألف بعدها وهو مصدر، قال مكي : وقيل هو جمع كاتب كقائم وقيام. قال القاضي أبو محمد: ومثله صاحب وصحاب، وقرأ بذلك مجاهد وأبو العالية وقالا: المعنى وإن عدمت الدواة والقلم أو الصحيفة، ونفي وجود الكتاب يكون بعدم أي آلة اتنق من الآلة، فنفي الكتاب يعمها، ونفي الكاتب أيضاً يقتضي نفي الكتاب فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط المصحف، وروي عن ابن عباس أنه قرأ ((كتاباً)) بضم الكاف على جمع كاتب، وهذا يحسن من حيث لكل نازلة كاتب، فقيل للجماعة ولم تجدوا كتاباً، وهذا هو الجنس الذي تدل عليه قراءة من قرأ ((كاتباً)، وحكى المهدوي عن أبي العالية أنه قرأ ((كتباً)) وهذا جمع كتاب من حيث النوازل مختلفة، وهذا هو الجنس الذي تدل عليه قراءة من قرأ ((كتاباً)). وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وجمهور من العلماء ((فرهان))، وقرأ أبو عمرو وابن كثير (فُرُهُن)) بضم الراء والهاء، وروي عنهما تخفيف الهاء. وقد قرأ بكل واحدة جماعة غيرهما. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: رهن الشيء في كلام العرب معناه: دام واستمر، يقال أرهن لهم الشراب وغيره قال ابن سيده: ورهنه أي أدامه، ومن رهن بمعنى دام قول الشاعر: [السريع] اللحمُ والخبزُ لَهمْ راهِنٌ وقهوةٌ راووقُها ساكِبُ أي دائم قال أبو علي ولما كان الرهن بمعنى الثبوت والدوام فمن ثم بطل الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهن إلى يد الراهن بوجه من الوجوه لأنه فارق ما جعل له، ويقال أرهن في السلعة إذا غالى فيها حتى أخذها بكثير الثمن، ومنه قول الشاعر في وصف ناقة: [البسيط] ٣٨٧ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٨٣ : يطوي ابن سلمى بها من راكب بُعُداً عيديةٌ أُرْهَنَتْ فيها الدَّنَّانِيرُ العيد بطن من مهرة، وإبل مهرة موصوفة بالنجابة، ويقال في معنى الرهن الذي هو التوثقة من الحق: أرهنت إرهاناً فيما حكى بعضهم، وقال أبو علي يقال: أرهنت في المغالاة، وأما في القرض والبيع فرهنت. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويقال بلا خلاف في البيع والقرض: رهنت رهناً، ثم سمي بهذا المصدر الشيء المدفوع، ونقل إلى التسمية، ولذلك كسر في الجمع كما تكسر الأسماء وكما تكسر المصادر التي يسمى بها وصار فعله ينصبه نصب المفعول به لا نصب المصدر، تقول: رهنت رهناً فذلك كما تقول رهنت ثوباً، لا كما تقول: رهنت الثوب رهناً وضربت ضرباً، قال أبو علي: وقد يقال في هذا المعنى أرهنت، وفعلت فيه أكثر، ومنه قول الشاعر: [الوافر] يراهِتُني ويُرْمِنُني بنيه وَأَرْمِنُه بنيٍّ بِمَا أَقُولُ وقال الأعشى: [الكامل] حتّى يُقِيدَكَ مِنْ بِنِيهِ رَهِينَةٌ نَعْشٌ وَيُرْمِنَكَ السِّمَاكَ الفَرْقَدا فهذه رويت من رهن وأما أرهن فمنه قول همام بن مرة: [المتقارب] ولمّا خَشِيتُ أَظَافِرَهُمْ نَجَوْتُ وَأَرْهَنْتُهُمْ مَالِكا قال الزجّاج يقال في الرهن رهنت وأرهنت، وقاله ابن الأعرابي، ويقال رهنت لساني بكذا ولا يقال فيه أرهنت. قال القاضي أبو محمد: فمن قرأ ((فرمان)) فهو جمع رَهْن، كـ ((کْش) و ((کِباش))، و((کَعْب)» وكِعاب، ونَعْل وِنِعَال، وَبَغْل وبِغَال، ومن قرأ ((فُرُهُنَ)) بضم الراء والهاء فهو جمع رَهْن، كـ ((سقف وسقف، وأسد وأُسْد، إذ فَعْل وفُعُل يتقاربان في أحكامهما، ومن قرأ ((فرهن)) بسكون الهاء فهو تخفيف رهن، وهي لغة في هذا الباب كله، كتف وفخذ وعضد وغير ذلك، قال أبو علي: وتكسير رهن على أقل العدد لم أعلمه جاء، ولو جاء لكان قياسه أفعل ككلب وأكلب، وكأنهم استغنوا بالكثير عن القليل في قولهم: ثلاثة شسوع، وكما استغني ببناء القليل عن بناء الكثير في رسن وأرسان، فرهن يجمع على بناءين من أبنية الجموع وهما فعل وفعال، فمما جاء على ((فُعْل)) قول الأعشى: [الكامل] آليتُ لا أُعْطِيهِ مِنْ أبنائِنا رَهْناً فَيُفْسِدُهُمْ كَمَنْ قَدْ أَقْسَدًا قال الطبري: تأول قوم أن (رُهُنا)) بضم الراء والهاء جمع رهان، فهو جمع جمع، وحكاه الزجّاج عن الفَرّاء، ووجه أبو علي قياساً يقتضي أن يكون رهاناً جمع رهن بأن يقال يجمع فعل على فعال كما جمعوا فعالاً على فعائل في قول ذي الرمة : [الطويل] وَقَرَّبْنَ بِالزرْقِ الْجَمَائِلَ بَعْدَما تَقَوَّبَ عَنْ غِرْبَانِ أوراكِها الْخَطَرِ ٠ ٣٨٨ - تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٨٣ ثم ضعف أبو علي هذا القياس وقال إن سيبويه لا يرى جمع الجمع مطرداً فينبغي أن لا يقدم عليه حتى يرد سماعاً. وقوله عز وجل: ﴿مقبوضة﴾ يقتضي بينونة المرتهن بالرهن، وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن، وكذلك على قبض وكيله فيما علمت. واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه، فقال مالك وجميع أصحابه وجمهور العلماء قبض العدل قبض، وقال الحكم بن عتيبة وأبو الخطاب قتادة بن دعامة وغيرهما: ليس قبض العدل بقبض، وقول الجمهور أصح من جهة المعنى في الرهن. وقوله تعالى: ﴿فإن أمن﴾ الآية، شرط ربط به وصية الذي عليه الحق بالأداء، وقوله ﴿فليؤد﴾ أمر بمعنى الوجوب بقرينة الإجماع على وجوب أداء الديون وثبوت حكم الخاكم به وجبره الغرماء عليه، وبقرينة الأحاديث الصحاح في تحريم مال الغير، وقوله ﴿أمانته﴾ مصدر سمي به الشيء الذي في الذمة، وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث لها إليه نسبة، ويحتمل أن يريد بالأمانة نفس المصدر، كأنه قال: فليحفظ مروءته، فيجيء التقدير: فليؤد ذا أمانته، وقرأ عاصم فيما روى عنه أبو بكر الذي اؤتمن برفع الألف ويشير بالضم إلى الهمزة، قال أحمد بن موسى وهذه الترجمة غلط، وقرأ الباقون بالذال مكسورة وبعدها همزة ساكنة بغير إشمام، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره، وروى سليم عن حمزة إشمام الهمزة الضم، وهذا خطأ أيضاً لا يجوز، وصوّب أبو علي هذا القول كله الذي لأحمد بن موسى واحتج له، وقرأ ابن محيصن ((الذي ايتمن)) بياء ساكنة مكان الهمزة، وكذلك ما كان مثله. وقوله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ نهي على الوجوب بعدة قرائن، منها الوعيد وموضع النهي هو حيث يخاف الشاهد ضياع حق، وقال ابن عباس على الشاهد أن يشهد حيثما استشهد ويخبر حيثما استخبر، قال ولا تقل أخبر بها عند الأمير بل أخبره بها لعله يرجع ويرعوي . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا عندي بحسب قرینة حال الشاهد والمشهود فيه والنازلة، لا سيما مع فساد الزمن وأرذال الناس ونفاق الحيلة وأعراض الدنيا عند الحكام، فرب شهادة إن صرح بها في غير موضع النفوذ كانت سبباً لتخدم باطلاً ينطمس به الحق، و﴿آثم﴾ معناه قد تعلق به الحكم اللاحق عن المعصية في كتمان الشهادة، وإعرابه أنه خبر ((إن))، و﴿قلبه﴾ فاعل بـ ﴿آثم﴾، ويجوز أن یکون ابتداء و ﴿قلبه﴾ فاعل یسد مسد الخبر، والجملة خبر إن، ويجوز أن يكون ﴿قلبه﴾ بدلاً على بدل البعض من الكل. وخص الله تعالى ذكر القلب إذ الكتم من أفعاله، وإذ هو المضغة التي بصلاحها يصلح الجسد كما قال عليه السلام، وقرأ ابن أبي عبلة ((فإنه آثم قلبه)) بنصب الباء، قال مكي هو على التفسير ثم ضعفه من أجل أنه معرفة . وفي قوله تعالى: ﴿والله بما تعملون عليم) توعد وإن كان لفظها يعم الوعيد والوعد. ٣٨٩ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٨٤ قوله عز وجل : لِلِّمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ٢٨٤ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ ( المعنى جميع ما في السموات وما في الأرض ملك الله وطاعة، لأنه الموجد المخترع لا رب غيره، وعبر بـ (ما) وإن كان ثم من يعقل لأن الغالب إنما هو جماد، ويقل من يعقل من حيث قلت أجناسه، إذ هي ثلاثة: ملائكة، وإنس، وجن، وأجناس الغير كثيرة. وقوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ معناه أن الأمر سواء، لا تنفع فيه المواراة والكتم، بل يعلمه ويحاسب عليه، وقوله: ﴿في أنفسكم﴾ تقتضي قوة اللفظ أنه ما تقرر في النفس واعتقد واستصحبت الفكرة فيه، وأما الخواطر التي لا يمكن دفعها فليست في النفس إلا على تجوز. واختلف الناس في معنى هذه الآية، فقال ابن عباس وعكرمة والشعبي هي في معنى الشهادة التي نهي عن كتمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي في نفسه محاسب، وقال ابن عباس أيضاً وأبو هريرة والشعبي وجماعة من الصحابة والتابعين إن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا هلكنا يا رسول الله إن حوسبنا بخواطر نفوسنا، وشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم لكنه قال لهم أتريدون أن تقولوا كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا؟! بل قولوا سمعنا وأطعنا، فقالوها، فأنزل الله بعد ذلك ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فكشف عنهم الكربة ونسخ الله بهذه الآية تلك، هذا معنى الحديث المروي، لأنه تطرق من جهات، واختلفت عباراته واستثبتت عبارة هؤلاء القائلين بلفظة النسخ في هذه النازلة. وقال سعيد بن مرجانة جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية، ﴿إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ ثم قال: والله لئن أخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى حتى سالت دموعه، وسمع نشيجه، قال ابن مرجانة فقمت حتى جئت ابن عباس فأخبرته بما قال ابن عمر وبما فعل، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد وجد المسلمون منها حين نزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر فأنزل الله ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ الآية فنسخت الوسوسة، وثبت القول والفعل، وقال الطبري وقال آخرون هذه الآية محكمة غير منسوخة، والله تعالى يحاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم فأضمروه ونووه وأرادوه، فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، ثم أدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا المعنى، وقال مجاهد الآية فيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين، وقال الحسن الآية محكمة ليست بمنسوخة، قال الطبري وقال آخرون نحو هذا المعنى الذي ذكر عن ابن عباس، إلا أنهم قالوا إن العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في النفس وصحبه الفكر هو بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها، ثم أسند عن عائشة رضي الله عنها نحو هذا المعنى، ورجح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة . قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، وذلك أن قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ٣٩٠ تفسير سورة البقرة/ الآية: ٢٨٤ تخفوه﴾ معناه مما هو في وسعكم وتحت كسبكم، وذلك استصحاب المعتقد والفكر فيه، فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشفق الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم، فبيّن الله تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى وخصصها، ونص على حكمه أنه ﴿لا يكلف نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع، بل هو أمر غالب، وليست مما يكسب ولا يكتسب، وكان في هذا البيان فرحهم وكشف كربهم، وباقي الآية محكمة لا نسخ فيها. ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، فإن ذهب ذاهب إلى تقرير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: ((قولوا سمعنا وأطعنا)) يجيء منه الأمر بأن يبنوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران، فإذا قرر هذا الحكم فصحیح وقوع النسخ فيه، وتشبه الآية حينئذ قوله عز وجل ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال: ٦٥] فهذا لفظ الخبر ولكن معناه: التزموا هذا وابنوا عليه واصبروا بحسبه، ثم نسخ ذلك بعد ذلك. وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين، وهذه الآية في البقرة أشبه شيء بها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي ((فيغفرْ))، ((ويعذبْ)) جزماً، وقرأ ابن عامر وعاصم ((فيغفرُ)) و((يعذبُ)) رفعاً، فوجه الجزم أنه أتبعه ما قبله ولم يقطعه ، وهكذا تحسن المشاكلة في كلامهم، ووجه الرفع أنه قطعه من الأول، وقطعه على أحد وجهين، إما أن تجعل الفعل خبراً لمبتدأ محذوف فيرتفع الفعل لوقوعه موقع خبر المبتدأ، وإما أن تعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها، وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو حيوة ((فيغفرَ)) و((يعذبَ)) بالنصب على إضمار ((أن))، وهو معطوف على المعنى كما في قوله: ﴿فيضاعفه﴾ [البقرة: ١١] وقرأ الجعفي وخلاد وطلحة بن مصرف يغفر بغير فاء، وروي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود، قال ابن جني هي على البدل من يحاسبكم فهي تفسير المحاسبة، وهذا كقول الشاعر: [الطويل] تُلاقُوا غداً خيلي عَلَى سَفَّوَانِ رويداً بني شيبانَ بعضَ وعيدِكُمْ إذا ما غَدَتْ في المأزقِ المتدانِ تلاقوا جياداً لا تحيدُ عن الوغَى فهذا على البدل، وكرر الشاعر الفعل لأن الفائدة فيما يليه من القول. وقوله تعالى: ﴿ويعذب من يشاء﴾ يعني من العصاة الذين ينفذ عليهم الوعيد، قال النقاش يغفر لمن يشاء، أي لمن ينزع عنه، ﴿ويعذب من يشاء﴾ أي من أقام عليه، وقال سفيان الثوري يغفر لمن يشاء العظيم ويعذب من يشاء على الصغير. قال القاضي أبو محمد: وتعلق بهذه قوم ممن قال بجواز تكليف ما لا يطاق، وقال إن الله قد كلفهم أمر الخواطر، وذلك مما لا يطاق. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير بين، وإنما كان أمر الخواطر تأويلاً تأوله أصحاب النبي صلى الله ٣٩١ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٨٥ عليه وسلم، ولم يثبت تكليفاً إلا على الوجه الذي ذكرنا من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم إياهم على ذلك . ومسألة تكليف ما لا يطاق، نتكلم عليها فيما بعد إن شاء الله تعالى . ولما ذكر المغفرة والتعذيب بحسب مشيئته تعالى أعقب ذلك بذكر القدرة على جميع الأشياء، إذ ما ذکر جزء منها . قوله عز وجل : ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَمِكَتِهِ، وَكُِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) سبب هذه الآية أنه لما نزلت ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾ الآية التي قبلها. وأشفق منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ثم تقرر الأمر على أن ﴿قالوا سمعنا وأطعنا﴾، فرجعوا إلى التضرع والاستكانة، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية، وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى كما جرى لبني إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم المشقات من المذلة والمسكنة والجلاء إذا قالوا سمعنا وعصينا، وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله عاذنا الله من نقمه، و﴿آمن﴾ معناه صدق، و﴿الرسول﴾ محمد صلى الله عليه وسلم، و﴿بما أنزل إليه من ربه﴾ هو القرآن وسائر ما أوحي إليه، من جملة ذلك هذه الآية التي تأولوها شديدة الحكم، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه قال: ويحق له أن يؤمن، وقرأ ابن مسعود ((وآمن المؤمنون))، و﴿كل﴾ لفظة تصلح للإحاطة، وقد تستعمل غير محيطة على جهة التشبيه بالإحاطة والقرينة تبين ذلك في كل كلام، ولما وردت هنا بعد قوله ﴿والمؤمنون﴾ دل ذلك على إحاطتها بمن ذكر. والإيمان بالله هو التصديق به وبصفاته ورفض الأصنام وكل معبود سواه. والإيمان بملائكته هو اعتقادهم عباداً لله، ورفض معتقدات الجاهلية فيهم. والإيمان بكتبه هو التصديق بكل ما أنزل على الأنبياء الذين تضمن ذكرهم كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو ما أخبر هو به، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر ((وكتبه)) على الجمع، وقرؤوا في التحريم و((كتابه)) على التوحيد، وقرأ أبو عمرو هنا وفي التحريم ((وكتبه)) على الجمع، وقرأ حمزة والكسائي ((وكتابه)) على التوحيد فيهما، وروى حفص عن عاصم هاهنا وفي التحريم ((وكتبه)) مثل أبي عمرو، وروى خارجة عن نافع مثل ذلك، وبكل قراءة من هذه قرأ جمهور من العلماء، فمن جمع أراد جمع کتاب، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند الله تعالى، هذا قول بعضهم وقد وجهه أبو علي وهو كما قالوا: نسج اليمن، وقال أبو علي في صدر كلامه: أما الإفراد في ٣٩٢ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٨٦ قول من قرأ ((وكتابه)) فليس كما تفرد المصادر وإن أريد بها الكثير، كقوله تعالى: ﴿وادعوا ثبوراً كثيراً﴾ [الفرقان: ١٤] ونحو ذلك، ولكن كما تفرد الأسماء التي يراد بها الكثرة، كقولهم: كثر الدينار والدرهم ونحو ذلك، فإن قلت هذه الأسماء التي يراد بها الكثرة إنما تجيء مفردة وهذه مضافة، قيل وقد جاء في المضاف ما يعني به الكثرة ففي التنزيل ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وفي الحديث منعت العراق درهمها وقفيزها، فهذا يراد به الكثير كما يراد بما فيه لام التعريف، ومنه قول ابن الرقاع: يَدَعُ الْحَيَّ بالعشيِّ رَعَاهَا وَهُم عَنْ رَغِيفِهِمْ أَغْنِيَاءُ ومجيء أسماء الأجناس معرفة بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة، وقرأت الجماعة ((ورسُله)) بضم السين، وكذلك ((رسُلنا)) و((رسُلكم)) و((رسُلك)) إلا أبا عمرو فروي عنه تخفيف ((رسلنا)) و ((رسلكم))، وروي عنه في ((رسلك)) التثقيل والتخفيف، قال أبو علي من قرأ ((على رسلك)) بالتثقيل فذلك أصل الكلمة، ومن خفف فكما يخفف في الآحاد مثل عنق وطنب، فإذا خفف في الأحاد فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل، وقرأ يحيى بن يعمر ((وكتبه ورسْله)) بسكون التاء والسين، وقرأ ابن مسعود ((وكتابه ولقائه ورسله))، وقرأ جمهور الناس ((لا نفرق)» بالنون، والمعنی یقولون لا نفرق، وقرأ سعيد بن جبير ويحيى بن يعمر وأبو زرعة بن عمر بن جرير ويعقوب ((لا يفرق)» بالياء، وهذا على لفظ ﴿كل﴾، قال هارون وهي في حرف ابن مسعود ((لا يفرقون))، ومعنى هذه الآية أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ویکفرون ببعض . وقوله تعالى: ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾ مدح يقتضي الحض على هذه المقالة وأن يكون المؤمن يمتثلها غابر الدهر، والطاعة قبول الأوامر، و﴿غفرانك﴾ مصدر كالكفران والخسران، ونصبه على جهة نصب المصادر، والعامل فيه فعل مقدر، قال الزجّاج تقديره اغفر غفرانك، وقال غيره نطلب وتسأل غفرانك، ﴿وإليك المصير﴾ إقرار بالبعث والوقوف بين يدي الله تعالى. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال له جبريل يا محمد إن الله قد أجل الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل إلى آخر السورة. قوله عز وجل : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَامَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَِّينَآ أَوْ أَخْطَأْنَاْ رَبُّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَابِهِ، وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْلَنَا وَأُرْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينِ ٢٨٦ قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ خبر جزم نص على أنه لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلوب والجوارح إلا وهي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر، وتأول من ينكر جواز تكليف ما لا يطاق هذه الآية بمعنى أنه لا يكلف ولا كلف وليس ذلك بنص في الآية ولا أيضاً يدفعه اللفظ، ولذلك ساغ الخلاف .. ٣٩٣ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٨٦ وهذا المعنى الذي ذكرناه في هذه الآية يجري مع معنى قوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿واتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. واختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعاً الآن في الشرع، وأن هذه الآية آذنت بعدمه، فقال أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً ولا يحرم ذلك شيئاً من عقائد الشرع، ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعاً به . قال القاضي أبو محمد: وينظر إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة حسب الحديث. واختلف القائلون بجوازه هل وقع في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فقالت فرقة وقع في نازلة أبي لهب لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلي النار، وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن، وتكليف الشرع له الإيمان راتب، فكأنه كلف أن يؤمن وأن يكون في إيمانه أنه لا يؤمن لأنه إذا آمن فلا محالة أنه يؤمن بسورة ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١]، وقالت فرقة لم يقع قط، وقوله تعالى: ﴿سيصلى ناراً﴾ [المسد: ٣] إنما معناه إن وافی علی کفره. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وما لا يطاق ينقسم أقساماً: فمنه المحال عقلاً كالجمع بين الضدين، ومنه المحال عادة، كرفع الإنسان جبلاً، ومنه ما لا يطاق من حيث هو مهلك كالاحتراق بالنار ونحوه، ومنه ما لا يطاق للاشتغال بغيره، وهذا إنما يقال فيه ما لا يطاق على تجوز كثير، و﴿يكلف﴾ يتعدى إلى مفعولين أحدهما محذوف تقديره ((عبادة)) أو شيئاً، وقرأ ابن أبي عبلة ((إلا وَسِعها)) بفتح الواو وكسر السين، وهذا فيه تجوز لأنه مقلوب، وكان وجه اللفظ إلا وسعته، كما قال ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥] وكما قال ﴿وسع كل شيء علماً﴾ [طه: ٩٨] ولكن يجيء هذا من باب أدخلت القلنسوة في رأسي، وفمي في الحجر. وقوله تعالى: ﴿لها ما كسبت﴾ يريد من الحسنات، ﴿وعليها ما اكتسبت﴾ يريد من السيئات، قاله السدي وجماعة من المفسرين، لا خلاف في ذلك، والخواطر ونحوها ليس من كسب الإنسان. وجاءت العبارة في الحسنات بـ ﴿لها﴾ من حيث هي مما يفرح الإنسان بكسبه ويسر بها فتضاف إلى ملكه، وجاءت في السيئات بـ ﴿عليها﴾، من حيث هي أوزار وأثقال ومتحملات صعبة. وهذا كما تقول لي مال وعلي دين، وكما قال المتصدق باللقطة: اللهم عن فلان فإن أبى فلي وعليَّ، وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسناً لنمط الكلام. كما قال ﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويداً﴾ [الطلاق: ١٧] هذا وجه، والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما يكسب دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازاً لهذا المعنى، وقال المهدوي وغيره: وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد. قال القاضي أبو محمد: وهذا صحيح في نفسه، لكن من غير هذه الآية. İ ٣٩٤ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٨٦ وقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا﴾ معناه قولوا في دعائكم. واختلف الناس في معنى قوله ﴿نسينا أو أخطأنا﴾ فذهب الطبري وغيره إلى أنه النسيان بمعنى الترك، أي إن تركنا شيئاً من طاعتك وأنه الخطأ المقصود. قالوا وأما النسيان الذي يغلب المرء والخطأ الذي هو عن اجتهاد فهو موضوع عن المرء، فليس بمأمور في الدعاء بأن لا يؤاخذ به، وذهب کثیر من العلماء إلى أن الدعاء في هذه الآية إنما هو في النسيان الغالب والخطأ غير المقصود، وهذا هو الصحيح عندي. قال قتادة في تفسير الآية بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تجاوز لأمتي عن نسيانها وخطأها، وقال السدي لما نزلت هذه الآية فقالوها؛ قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: قد فعل الله ذلك یا محمد . قال القاضي أبو محمد: فظاهر قوليهما ما صححته، وذلك أن المؤمنين لما كشف عنهم ما خافوه في قوله تعالى: ﴿يحاسبكم به الله﴾ [البقرة: ٢٨٤] أمروا بالدعاء في دفع ذلك النوع الذي ليس من طاقة الإنسان دفعه، وذلك في النسيان والخطأ، (والإصر)) الثقل وما لا يطاق على أتم أنواعه، وهذه الآية على هذا القول تقضي بجواز تكليف ما لا يطاق، ولذلك أمر المؤمنون بالدعاء في أن لا يقع هذا الجائز الصعب. ومذهب الطبري والزجاج أن تكليف ما لا يطاق غير جائز، فالنسيان عندهم المتروك من الطاعات. والخطأ هو المقصود من العصيان، والإصر هي العبادات الثقيلة كتكاليف بني إسرائيل من قتل أنفسهم وقرض أبدانهم ومعاقباتهم على معاصيهم في أبدانهم حسبما كان يكتب على أبوابهم وتحميلهم العهود الصعبة. وما لا طاقة للمرء به هو عندهم على تجوز، كما تقول لا طاقة لي على خصومة فلان، ولغير ذلك من الأمر تستصعبه وإن كنت في الحقيقة تطبيقه أو يكون ذلك ﴿ما لا طاقة لنا به﴾ من حيث هو مهلك لنا كعذاب جهنم وغيره. وأما لفظة ((أخطأ) فقد تجيء في القصد ومع الاجتهاد، قال قتادة: الإصر العهد والميثاق الغليظ. وقاله مجاهد وابن عباس والسدي وابن جريج والربيع وابن زيد وقال عطاء: الإصر المسخ قردة وخنازير. وقال ابن زيد أيضاً: الإصر الذنب لا كفارة فيه ولا توبة منه. وقال مالك رحمه الله : الإصر: الأمر الغليظ الصعب. قال القاضي أبو محمد: والإصرة في اللغة الأمر الرابط من ذمام أو قرابة أو عهد ونحوه، فهذه العبارات كلها تنحو نحوه، والإصار الحبل الذي تربط به الأحمال ونحوها، والقد يضم عضدي الرجل يقال أصر يأصر أصراً والإصر بكسر الهمزة من ذلك، وفي هذا نظر. وروي عن عاصم أنه قرأ أُصراً بضم الهمزة، ولا خلاف أن الذين من قبلنا يراد به اليهود. قال الضحاك: والنصارى، وأما عبارات المفسرين في قوله: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ فقال قتادة لا تشدد علينا كما شددت على من كان قبلنا. وقال الضحاك: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق، وقال نحوه ابن زيد، وقال ابن جريج: لا تمسخنا قردة وخنازير، وقال سلام بن سابور: الذي لا طاقة لنا به الغلمة، وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء وعن مكحول وروي أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه: وأعوذ بك من غلمة ليس لها عدة، وقال السدي: هو التغليظ والأغلال التي كانت على بني إسرائيل من التحريم، ثم قال تعالى فيما أمر المؤمنين بقوله: ﴿واعف عنا﴾ ٣٩٥ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٨٦ أي فيما واقعناه وانكشف ﴿واغفر لنا﴾ أي استر علينا ما علمت منا﴿وارحمنا﴾ أي تفضل مبتدئاً برحمة منك لنا . قال القاضي أبو محمد: فهي مناح للدعاء متباينة وإن كان الغرض المراد بكل واحد منها واحداً وهو دخول الجنة و﴿أنت مولانا﴾ مدح في ضمنه تقرب إليه وشكر على نعمه، ومولى هو من ولي فهو مفعل أي موضع الولاية، ثم ختمت الدعوة بطلب النصر على الكافرين الذي هو ملاك قيام الشرع وعلو الكلمة ووجود السبيل إلى أنواع الطاعات. وروي أن جبريل عليه السلام أتى محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿قل ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، فقالها فقال جبريل قد فعل، فقال: قل كذا وكذا فيقولها فيقول جبريل: قد فعل إلى آخر السورة، وتظاهرت بهذا المعنى أحاديث، وروي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال آمين. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذا يظن به أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان ذلك فكمال، وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هناك دعاء وهنا دعاء فحسن، وروى أبو مسعود عقبة بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليل كفتاه، يعني من قيام الليل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما أظن أحداً عقلٍ وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن أحد قبلي)». كملت سورة البقرة والحمد لله كثيراً ٣٩٦ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١ - ٤ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَن الرَّحِيةِ وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم شُورَةُ آلِ عَتْرَانَ هذه السورة مدنية بإجماع فيما علمت، وذكر النقاش أن اسم هذه السورة في التوراة طيبة. قوله تعالى : صِلے الْمَـ أَ اللَّهُلَآ إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ ثَ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوَّرَنَةَ رلا مِن قَبْلُ هُذَّى لِلنَّاسِ وَنَ الْفُرْقَانُّ ◌ِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ اَللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ ٣ وَاُلْإِنجِيلُ عَزِيزُذُواْنِثِقَامٍ ٤ قد تقدم ذكر اختلاف العلماء في الحروف التي في أوائل السور في أول سورة البقرة، ومن حيث جاء في هذه السورة ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم) جملة قائمة بنفسها فتتصور تلك الأقوال كلها في ﴿الّمّ﴾ في هذه السورة، وذهب الجرجاني في النظم الى أن أحسن الأقوال هنا أن يكون ﴿الّمّ﴾ إشارة إلى حروف المعجم كأنه يقول: هذه الحروف كتابك أو نحو هذا، ويدل قوله ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب﴾ على ما ترك ذكره مما هو خبر عن الحروف قال: وذلك في نظمه مثل قوله تعالى: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ [الزمر: ٢١] وترك الجواب لدلالة قوله: ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله﴾ [الزمر: ٢١] تقديره: كمن قسا قلبه. ومنه قول الشاعر: [الطويل] عَلَيْكُمْ، ولكنْ خامري أمَّ عامٍِ فَلَا تَدْفِنُونِي إِنَّ دَفْنِي مُحَرِّمٌ قال: تقديره ولكن اتركوني للتي يقال لها خامري أم عامر. قال القاضي رحمه الله: يحسن في هذا القول أن يكون ﴿نزل﴾ خبر قوله ﴿الله﴾ حتى يرتبط الكلام إلى هذا المعنى. وهذا الذي ذكره القاضي الجرجاني فيه نظر لأن مثله ليست صحيحة الشبه بالمعنى الذي نحا إليه وما قاله في الآية محتمل ولكن الأبرع في نظم الآية أن يكون ﴿الَمَ﴾ لا يضم ما بعدها إلى نفسها في المعنى وأن يكون ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ كلاماً مبتدأ جزماً جملة رادة على نصارى نجران الذين وفدوا على رسول الله عليه السلام فحاجوه في عيسى ابن مريم وقالوا: إنه الله وذلك أن ابن إسحاق والربيع وغيرهما ممن ذكر السير رووا أن وفد نجران قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى ستون راكباً فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلاً في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليه يرجع أمرهم، العاقب أمير القوم وذو رأيهم واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب مجتمعهم واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسد : ٣٩٧ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١ - ٤ بني بكر بن وائل أسقفهم وعالمهم فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد إثر صلاة العصر عليهم جبب وأردية فقال أصحاب رسول الله عليه السلام: ما رأينا وفداً مثلهم جمالاً وجلالة، وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله عليه السلام إلى المشرق فقال النبي عليه السلام: دعوهم ثم أقاموا بالمدينة أياماً يناظرون رسول الله عليه السلام في عيسى ويزعمون أنه الله إلى غير ذلك من أقوال بشعة مضطربة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون، ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الا بتهال وسيأتي تفسير ذلك. وقرأ السبعة ((الَمَ الله)) بفتح الميم والألف ساقطة، وروي عن عاصم أنه سكن الميم ثم قطع الألف، روى الأولى التي هي كالجماعة حفص وروى الثانية أبو بكر، وذكرها الفراء عن عاصم، وقرأ أبو جعفر الرؤاسي وأبو حيوة بكسر الميم للالتقاء وذلك رديء لأن الياء تمنع من ذلك والصواب الفتح قراءة جمهور الناس. قال أبو علي: حروف التهجي مبنية على الوقف فالميم ساكنة واللام ساكنة فحركت الميم بالفتح كما حركت النون في قولك: ((من الله ومنَ المسلمين)» إلى غير ذلك. قال أبو محمد: ومن قال بأن حركة الهمزة ألقيت على الميم فذلك ضعيف لإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل فما يسقط فلا تلقى حركته، قاله أبو علي، وقد تقدم تفسير قوله: ﴿الحي القيوم﴾ في آية الكرسي، والآية هنالك إخبار لجميع الناس، وكررت هنا إخباراً لحجج هؤلاء النصارى، وللرد عليهم أن هذه الصفات لا يمكنهم ادعاؤها لعيسى عليه السلام لأنهم إذ يقولون إنه صلب فذلك موت في معتقدهم لا محالة إذ من البين أنه ليس بقيوم، وقرأ جمهور القراء ((القيوم)) وزنه فيعول، وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وعلقمة بن قيس ((القيام)» وزنه - فيعال - وروي عن علقمة أيضاً أنه قرأ (القيم)) وزنه فيعل، وهذا كله من قام بالأمر يقوم به إذا اضطلع بحفظه وبجميع ما يحتاج إليه في وجوده، فالله تعالى القيام على كل شيء بما ينبغي له أو فيه أو عليه. وتنزيل الله الكتاب بواسطة الملك جبريل عليه السلام، و ﴿الكتاب﴾ في هذا الموضع القرآن باتفاق من المفسرين، وقرأ جمهور الناس ((نزّل عليك)) بشد الزاي ((الكتابَ)) بنصب الباء، وقرأ إبراهيم النخعي (نزّل عليك الكتابُ)) بتخفيف الزاي ورفع الباء، وهذه الآية تقتضي أن قوله ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ جملة مستقلة منحازة، وقوله ﴿بالحق) يحتمل معنيين: إحداهما أن يكون المعنى ضمن الحقائق من خيره وأمره ونهيه ومواعظه، فالباء على حدها في قوله: جاءني كتاب بخبر كذا وكذا أي ذلك الخبر مقتص فيه، والثاني: أن يكون المعنى أنه نزل الكتاب باستحقاق أن ينزل لما فيه من المصلحة الشاملة وليس ذلك على أنه واجب على الله تعالى أن يفعله، فالباء في هذا المعنى على حدها في قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام ﴿سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ [المائدة: ١١٦] وقال محمد بن جعفر بن الزبير: معنى قوله: ﴿بالحق﴾ أي مما اختلف فيه أهل الكتاب واضطرب فيه هؤلاء النصارى الوافدون، وهذا داخل في المعنى الأول، و﴿مصدقاً﴾ حال مؤكدة وهي راتبة غير منتقلة لأنه لا يمكن أن ٣٩٨ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٤٠١ یکون غير مصدق لما بين يديه من كتاب الله فهو كقول ابن دارة: [البسيط]. وَهَلْ بِدَارَة يا للناسِ مِنْ عَارٍ؟ أنا ابْنُ دارة معروفاً بها نسبي وما بين يديه هي التوراة والإنجيل وسائر كتب الله التي تلقيت من شرعنا كالزبور والصحف، وما بين اليد في هذه الحوادث هو المتقدم في الزمن . و﴿التوراة والإنجيل﴾ اسمان أصلهما عبراني لكن النحاة وأهل اللسان حملوها على الاشتقاق العربي فقالوا في التوراة: إنها من ورى الزناد يري إذا قدح وظهرت ناره يقال أوريته فوري، ومنه قوله تعالى: ﴿فالموريات﴾ [العاديات: ٢] وقوله: ﴿أفرأيتم النار التي تورون﴾ [الواقعة: ٧٠] قال أبو علي، فأما قولهم: وريت بك زنادي على وزن، فعلت فزعم أبو عثمان أنه استعمل في هذا الكلام فقط ولم يجاوز به غيره، وتوراة عند الخليل وسيبويه وسائر البصريين فوعلة كحوقلة وورية قلبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تولج وأصله وولج من: ولجت، وحكى الزجاج عن بعض الكوفيين: أن توراة أصلها تفعلة بفتح العين، من: وريت بك زنادي، وإنما ينبغي أن تكون من: أوريت قال فهي تورية، وقال بعضهم: يصلح أن تكون تفعلة بكسر العين مثل توصية ثم ردت إلى تفعلة بفتح العين، قال الزجاج وكأنه يجيز في توصية توصأة وذلك غير مسموع، وعلى كل قول فالياء لما انفتح ما قبلها وتحركت هي إنقلبت ألفاً فقيل توراة، ورجح أبو علي قول البصريين وضعفه غيره، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم ((التوراة)) مفتوحة الراء، وكان حمزة ونافع يلفظان بالراء بين اللفظين بين الفتح والكسر وكذلك فعلا في قوله ﴿من الأبرار﴾ و﴿من الأشرار﴾ [ص: ٦٢] و﴿قرار﴾ إذا كان الحرف مخفوضاً، وروى المسيبي عن نافع فتح الراء من التوراة، وروى ورش عنه كسرها، وكان أبو عمرو والكسائي يكسران الراء من التوراة ويميلان من ﴿الأبرار﴾ وغيرها أشد من إمالة حمزة ونافع . وقالوا في الإنجيل: إنه إفعيل من النجل وهو الماء الذي ينز من الأرض، قال الخليل: استنجلت الأرض وبها انجال إذا خرج منها الماء والنجل أيضاً الولد والنسل قاله الخليل وغيره، ونجله أبوه أي ولده، ومن ذلك قول الأعشى : [المنسرح] أنجبُ أيّام والداه به إذ نَجَلاءُ فَنِعمَ مَا نَجَلا قال ابن سيده عن أبي علي: معنى قوله أيام والداه به كما تقول: أنا بالله وبك، وقال أبو الفتح: معنى البيت، أنجب والداه به أيام إذ نجلاه فهو كقولك حينئذ ويومئذ لكنه حال بالفاعل بين المضاف الذي هو أيام وبين المضاف إليه الذي هو إذ. ويروى هذا البيت أنجب أيام والديه، والنجل الرمي بالشيء وذلك أيضاً من معنى الظهور وفراق شيء شيئاً، وحكى أبو القاسم الزجاجي في نوادره: أن الوالد يقال له، نجل وأن اللفظة من الأضداد، وأما بيت زهير فالرواية الصحيحة فيه: وكل فحل له نجل أي ولد كريم ونسل، وروى الأصمعي فيماحكى: وكل فرع له نجل، وهذا لا يتجه إلا على تسمية : ٣٩٩ تفسير سورة آل عمران / الآيتان : ٦،٥ الوالد نجلاً. وقال الزجاج: ﴿الإنجيل) مأخوذ من النجل وهو الأصل فهذا ينحو إلى ما حكى أبو القاسم قال أبو الفتح: فـ ﴿التوراة﴾ من وري الزناد، إذا ظهرت ناره، و﴿الإنجيل) من نجل إذا ظهر ولده، أو من ظهور الماء من الأرض فهو مستخرج إما من اللوح المحفوظ، وإما من التوراة، و ﴿الفرقان﴾ من الفرق بين الحق والباطل، فحروفها مختلفة، والمعنى قريب بعضه من بعض، إذ كلها معناه، ظهور الحق، وبيان الشرع، وفصله من غيره من الأباطيل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((الأنجيل)) بفتح الهمزة، وذلك لا يتجه في كلام العرب، ولكن يحميه مكان الحسن من الفصاحة، وإنه لا يقرأ إلا بما روى، وأراه نحا به نحو الأسماء الأعجمية . وقوله تعالى: ﴿من قبل﴾ يعني من قبل القرآن، وقوله: ﴿هدى للناس﴾ معناه دعاء، والناس بنو إسرائيل في هذا الموضع، لأنهم المدعوون بهما لا غير، وإن أراد أنهما ﴿هدى﴾ في ذاتهما مدعو إليه فرعون وغيره، منصوب لمن اهتدى به، فالناس عام في كل من شاء حينئذ أن يستبصر. قال القاضي رحمه الله: وقال هنا ﴿للناس)، وقال في القرآن ﴿هدى للمتقين)، وذلك عندي، لأن هذا خبر مجرد، وقوله: ﴿هدى للمتقين﴾ [البقرة: ٢] خبر مقترن به الاستدعاء والصرف إلى الإيمان، فحسنت الصفة، ليقع من السامع النشاط والبدار، وذكر الهدى الذي هو إيجاد الهداية في القلب، وهنا إنما ذكر الهدى الذي هو الدعاء، والهدى الذي هو في نفسه معد يهتدي به الناس، فسمي ﴿هدى﴾ لذلك، وقال ابن فورك: التقدير هنا هدى للناس المتقين، ويرد هذا العام إلى ذلك الخاص، وفي هذا نظر، و ﴿الفرقان﴾: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، قال محمد بن جعفر، فرق بين الحق والباطل في أمر عيسى عليه السلام، الذي جادل فيه الوفد، وقال قتادة والربيع وغيرهما، فرق بين الحق والباطل في أحكام الشرائع، وفي الحلال والحرام ونحوه، و﴿الفرقان﴾ يعم هذا كله، وقال بعض المفسرين، ﴿الفرقان) هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل، فيما قدم وحدث، فيدخل في هذا التأويل طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز، ثم التوراة والإنجيل، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل، كما فعلت هذه الكتب، ثم توعد تعالى الكفار عموماً بالعذاب الشديد، وذلك يعم عذاب الدنيا بالسيف والغلبة، وعذاب الآخرة بالنار، والإشارة بهذا الوعيد إلى نصارى نجران، وقال النقاش: إلى اليهود، كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وبني أخطب وغيرهم، و﴿عزيز﴾، معناه غالب، وقد ذل له كل شيء، والنقمة والانتقام، معاقبة المذنب بمبالغة في ذلك. i : قوله تعالى : إِنَّاللَّهَ لَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ: هُوَالَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتُ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ لَا إِلَهَ إِلَّهَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ـج وَأُخَرُمُتَشَبِهَبٌ هذه الآية خبر عن علم الله تعالى بالأشياء على التفصيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى ولا لأحد من ٠ ٠ : ٤٠٠ تفسیر سورة آل عمران / الآيتان: ٦،٥ المخلوقين، ثم أخبر عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات، وهذا أمر لا ينكره عاقل، ولا ينكر أن عيسى وسائر البشر لا يقدرون عليه، ولا ينكر أن عيسى عليه السلام من المصورين في الأرحام، فهذه الآية تعظيم لله تعالى في ضمنها الرد على نصارى نجران، وفي قوله: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيءٍ﴾ وعيد ما لهم، فسر بنحو هذا محمد بن جعفر بن الزبير والربيع، وفي قوله: ﴿هو الذي يصوركم﴾ رد على أهل الطبيعة، إذ يجعلونها فاعلة مستبدة، وشرح النبي صلى الله عليه وسلم كيفية التصوير في الحديث الذي رواه ابن مسعود وغيره أن النطفة إذا وقعت في الرحم مكثت نطفة أربعين يوماً ثم تكون علقة أربعين يوماً ثم مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليها ملكاً فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه، وفي مسند ابن سنجر حديث: إن الله يخلق عظام الجنين وغضاريفه من مني الرجل ولحمه وشحمه وسائر ذلك من مني المرأة، وصور بناء مبالغة من: صار يصور إذا أمال وثنى إلى حال ما، فلما كان التصوير إمالة إلى حال وإثباتاً فيها، جاء بناؤه على المبالغة، والرحم موضع نشأة الجنين، و﴿كيف يشاء﴾ يعني من طول وقصر ولون وسلامة وعاهة وغير ذلك من الاختلافات، و﴿العزيز﴾ الغالب و ﴿الحكيم﴾ ذو الحكمة أو المحكم في مخلوقاته وهذا أخص بما ذكر من التصوير. و﴿الكتاب﴾ في هذه الآية القرآن بإجماع من المتأولين، والمحكمات، المفصلات المبينات الثابتات الأحكام، والمتشابهات هي التي فيها نظر وتحتاج إلى تأويل ويظهر فيها ببادىء النظر إما تعارض مع أخرى أو مع العقل، إلى غير ذلك من أنواع التشابه، فهذا الشبه الذي من أجله توصف بـ ﴿متشابهات﴾، إنما هو بينها وبين المعاني الفاسدة التي يظنها أهل الزيغ ومن لم يمعن النظر، وهذا نحو الحديث الصحيح، عن النبي عليه السلام، الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات أي يكون الشيء حراماً في نفسه فيشبه عند من لم يمعن النظر شيئاً حلالاً وكذلك الآية يكون لها في نفسها معنى صحيح فتشبه عند من لم يمعن النظر أو عند الزائغ معنى آخر فاسداً فربما أراد الاعتراض به على كتاب الله، هذا عندي معنى الإحكام والتشابه في هذه الآية، ألا ترى أن نصارى نجران قالوا للنبي عليه السلام، أليس في كتابك أن عيسى كلمة وروح منه؟ قال نعم، قالوا: فحسبنا إذاً. قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا التشابه، واختلفت عبارة المفسرين في تعيين المحكم والمتشابه المراد بهذه الآية، فقال ابن عباس المحكمات هي قوله تعالى: ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاث آيات، وقوله في بني إسرائيل ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات، وقال ابن عباس أيضاً: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وما يؤمن به ويعمل، والمتشابه منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به، وقال ابن مسعود وغيره: المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات. قال الفقيه الإمام: وهذا عندي على جهة التمثيل أي يوجد الإحكام في هذا والتشابه في هذا، لا أنه وقف على هذا النوع من الآيات، وقال بهذا القول قتادة والربيع والضحاك، وقال مجاهد وعكرمة: المحكمات ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك فهو متشابه يصدق بعضه بعضاً، وذلك مثل قوله: ﴿وما