Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٥٥ المنبر قال: ((وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه؟ فأرسل الله إليه ملكاً فأرقه ثلاثاً ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت فانكسرت القارورتان)) قال: ضرب الله مثلاً أن لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض، وقوله تعالى: ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾ أي بالملك. فهو مالك الجميع وربه، وجاءت العبارة بـ (ما) وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة والموجود، ثم قرر ووقف تعالى على من يتعاطى أن ﴿يشفع عنده﴾ أو يتعاطى ذلك فيه إلا أن يأذن هو في ذلك لا إله إلا هو وقال الطبري: هذه الآية نزلت لما قال الكفار: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله: ﴿له ما في السموات وما في الأرض) الآية وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة وهنا هم الأنبياء والعلماء وغيرهم، والإذن هنا راجع إلى الأمر فيما نص عليه، كمحمد صلى الله عليه وسلم إذا قيل له: واشفع تشفع وإلى العلم والتمكين إن شفع أحد من الأنبياء والعلماء قبل أن يؤمر، والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار، وهو بين المنزلتين أو وصل ولكن له أعمال صالحة. وفي البخاري، في باب بقية من باب الرؤية، أن المؤمنين يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فهذه شفاعة فيمن يقرب أمره، وكما يشفع الطفل المحبنطىء على باب الجنة الحديث، وهذا إنما هو في قرابتهم ومعارفهم وأن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الإيمان ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين بالذنوب الذين لم تنلهم شفاعة الأنبياء. وأما شفاعة محمد في تعجيل الحساب فخاصة له، وهي الخامسة التي في قوله: ((وأعطيت الشفاعة)) وهي عامة للناس، والقصد منها إراحة المؤمنين، ويتعجل للكفار منها المصير إلى العذاب، وكذلك إنما يطلبها إلى الأنبياء المؤمنون، والضميران في قوله: ﴿أيديهم وما خلفهم﴾ عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله: ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾، وقال مجاهد ﴿ما بين أيديهم﴾ الدنيا ﴿وما خلفهم) الآخرة، وهذا صحيح في نفسه عند موت الإنسان ، لأن ما بين اليد هو كل ما تقدم الإنسان ، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده، وبنحو قول مجاهد قاله السدي وغيره. قوله عز وجل : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا ٢٥٥ وَهُوَ الْعَلِىُّالْعَظِيمُ قوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ معناه: من معلوماته، وهذا كقول الخضر لموسى عليهما السلام حين نقر العصفور من حرف السفينة: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر، فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات، لأن علم الله تعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبعض، ومعنى الآية: لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه، واختلف الناس فى الكرسي الذي وصفه الله أ ٣٤٢ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٥٥ تعالى بأنه وسع السموات والأرض، فقال ابن عباس: ﴿كرسيه﴾ علمه، ورجحه الطبري: وقال: منه الكراسة للصحائف التي تضم العلم، ومنه قيل للعلماء الكراسيّ، لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض، وهذه الألفاظ تعطي نقض ما ذهب إليه من أن الكرسي العلم، قال الطبري: ومنه قول الشاعر: كراسيّ بالأحداث حين تنوب تحف بهم بيض الوجوه وعصبة يريد بذلك علماء بحوادث الأمور ونوازلها، وقال أبو موسى الأشعري: الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل، وقال السدي: هو موضع قدميه. قال القاضي أبو محمد: وعبارة أبي موسى مخلصة لأنه يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين في أسرة الملوك، وهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه نسبة الكرسي إلى سرير الملك، والكرسي هو موضع القدمين، وأما عبارة السدي فقلقة، وقد مال إليها منذر البلوطي وتأولها بمعنى: ما قدم من المخلوقات على نحو ما تأول في قول النبي عليه السلام فيضع الجبار فیما قدمه. قال أبو محمد وهذا عندي عناء، لأن التأويل لا يضطر إليه إلا في ألفاظ النبي عليه السلام وفي كتاب الله، وأما في عبارة مفسر فلا، وقال الحسن بن أبي الحسن: الكرسي هو العرش نفسه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس، وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض، وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله تعالى، والمستفاد من ذلك عظم قدرته إذ ﴿لا يؤوده﴾ حفظ هذا الأمر العظيم، و﴿يؤوده﴾: معناه يثقله، يقال آدني الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة، وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم، وروي عن الزهري وأبي جعفر والأعرج بخلاف عنهم، تخفيف الهمزة التي على الواو الأولى، جعلوها بين بين لا تخلص واواً مضمومة ولا همزة محققة، كما قيل في لؤم لوم، و﴿العلي﴾: يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأن الله منزه عن التحيز، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العلي عن خلت بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا قول جهلة مجسمين، وكان الوجه أن لا يحكى وكذا ﴿العظيم) هي صفة بمعنى عظم القدر والخطر، لا على معنى عظم الأجرام، وحكى الطبري عن قوم: أن ﴿العظيم﴾ معناه المعظم، كما يقال العتيق بمعنى المعتق وأنشد قول الأعشى: سفنط ممزوجة بماء زلال وكأن الخمر العتيق من الأسـ وذكر عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا: لو كان بمعنى معظم لوجب أن لا يكون عظيماً قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم، إذ لا معظم له حينئذ. قوله عز وجل : لَآ إِكْرَاهَ فِ الذِيْنِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيَّ فَمَن يَكْفُرْ بِلَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدٍ ٣٤٣ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٥٦ ٢٥٦ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿الدين) في هذه الآية المعتقد والملة، بقرينة قوله ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾، والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان والبيوع والهبات وغير ذلك ليس هذا موضعه وإنما يجيء في تفسير قوله تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فإذا تقرر أن الإكراه المنفي هنا هو في تفسير المعتقد من الملل والنحل فاختلف الناس في معنى الآية، فقال الزهري: سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحداً في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في قالتهم فأذن له، قال الطبري والآية منسوخة في هذا القول. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويلزم على هذا، أن الآية مكية، وأنها من آيات الموادعة التي نسختها آية السيف، وقال قتادة والضحاك بن مزاحم: هذه الآية محكمة خاصة في أهل الكتاب الذين يبذلون الجزية ويؤدونها عن يد صغرة، قالا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل العرب أهل الأوثان لا يقبل منهم إلا لا إله إلا الله أو السيف، ثم أمر فيمن سواهم أن يقبل الجزية، ونزلت فيهم ﴿لا إكراه في الدين) . قال القاضي أبو محمد: وعلى مذهب مالك في أن الجزية تقبل من كل كافر سوى قريش أي نوع كان، فتجيء الآية خاصة فيمن أعطى الجزية من الناس كلهم لا يقف ذلك على أهل الكتاب كما قال قتادة والضحاك. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: إنما نزلت هذه الآية في قوم من الأوس والخزرج كانت المرأة تكون مقلاة لا يعيش لها ولد، فكانت تجعل على نفسها إن جاءت بولد أن تهوده، فكان في بني النضير جماعة على هذا النحو، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير قالت الأنصار كيف نصنع بأبنائنا، إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه، وأما إذ جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه، فنزلت ﴿لا إكراه في الدين) الآية، وقال بهذا القول عامر الشعبي ومجاهد، إلا أنه قال كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع، وقال السدي نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين، كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع أتاهم ابنا أبي حصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى الشام فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكياً أمرهما، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهما، فنزلت ﴿لا إكراه في الدين) ، ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: أبعدهما الله هما أول من كفر، فوجد أبو الحصين في نفسه على رسول الله صلی الله علیه وسلم حین لم يبعث في طلبهما، فأنزل الله جل ثناؤه ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥]، ثم إنه نسخ ﴿لا إكراه في الدين﴾، فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة . قال القاضي أبو محمد: والصحیح في سبب قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾، حديث الزبير مع جاره الأنصاري في حديث السقي، وقوله تعالى: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ معناه بنصب الأدلة ووجود الرسول الداعي إلى الله والآيات المنيرة، و﴿الرشد﴾ مصدر من قولك رَشُد بكسر الشين وضمها يرشد رُشْداً ٣٤٤ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٥٧ وَرَشَداً وَرَشَاداً، و ﴿الغي﴾ مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأي، ولا يقال الذي في الضلال على الإطلاق، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي (الرشاد)) بالألف، وقرأ الحسن والشعبي ومجاهد ((الرَّشَد)) بفتح الراء والشين. وروي عن الحسن ((الرُّشْد)) بضم الراء والشين، و﴿الطاغوت﴾ بناء مبالغة من طفى يطغى، وحكى الطبري ((يطغو)) إذا جاوز الحد بزيادة عليه، وزنه فعلوت، ومذهب سيبويه أنه اسم مفرد كأنه اسم جنس يقع للكثير والقليل، ومذهب أبي على أنه مصدر كرهبوت وجبروت وهو يوصف به الواحد والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه موضع اللام فقيل: طاغوت، وقال المبرد: هو جمع، وذلك مردود. واختلف المفسرون في معنى ﴿الطاغوت﴾، فقال عمر بن الخطاب ومجاهد والشعبي والضحاك وقتادة والسدي: ﴿الطاغوت): الشيطان. وقال ابن سيرين وأبو العالية: ﴿الطاغوت﴾: الساحر، وقال سعيد بن جبير ورفيع وجابر بن عبد الله وابن جريج: ﴿الطاغوت﴾: الكاهن. قال أبو محمد: وبين أن هذه أمثلة في الطاغوت لأن كل واحد منها له طغيان، والشيطان أصل ذلك كله، وقال قوم: ﴿الطاغوت﴾: الأصنام، وقال بعض العلماء: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت. قال القاضي أبو محمد: وهذه تسمية صحيحة في كل معبود یرضی ذلك کفرعون ونمرود ونحوه، وأما من لا يرضى ذلك كعزير وعيسى عليهما السلام ومن لا يعقل كالأوثان فسميت طاغوتاً في حق العبدة، وذلك مجاز. إذ هي بسبب الطاغوت الذي يأمر بذلك ويحسنه وهو الشيطان، وقدم تعالى ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت. و﴿العروة﴾ في الأجرام وهي موضع الإمساك وشد الأيدي. و﴿استمسك﴾ معناه قبض وشد يديه، و﴿الوثقى﴾ فعلى من الوثاقة، وهذه الآية تشبيه، واختلفت عبارة المفسرين في الشيء المشبه ﴿بالعروة﴾، فقال مجاهد: العروة الإيمان. وقال السدي: الإسلام. وقال سعيد بن جبير والضحّاك: العروة لا إله إلا الله . قال القاضي أبو محمد: وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد، والانفصام: الانكسار من غير بينونة، وإذا نفي ذلك فلا بينونة بوجه، والفصم كسر ببينونة، وقد يجيء الفصم بالفاء في معنى البينونة، ومن ذلك قول ذي الرمة: [البسيط] في ملعب من عذارى الحي مفصوم كأنه دملج من فضة نبه ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات ﴿سميع﴾ من أجل النطق و﴿عليم﴾ من أجل المعتقد. قوله عز وجل: اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ٢٥٧ الـ ﴿ولي﴾ فعيل من ولي الشيء إذا جاوره ولزمه، فإذا لازم أحد أحداً بنصره ووده واهتباله فهو وليه، ٣٤٥ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٥٨ هذا عرفه في اللغة. قال قتادة: ﴿الظلمات﴾ الضلالة. و﴿النور﴾ الهدى. وبمعناه قال الضحاك والربيع. وقال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة إن قوله: ﴿الله ولي الذين آمنوا) الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما جاء محمد عليه السلام كفروا به فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فكأن هذا القول أحرز نوراً في المعتقد خرج منه إلى ظلمات. ولفظ الآية مستغنٍ عن هذا التخصيص. بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب. ومترتب في الناس جميعاً. وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ومن كفر بعد وجود الداعي النبي المرسل فشيطانه ومغويه كأنه أخرجه من الإيمان، إذ هو معد وأهل للدخول فيه. وهذا كما تقول لمن منعك الدخول في أمر ما: أخرجتني يا فلان من هذا الأمر وإن كنت لم تدخل فيه البتة . ولفظة (الطاغوت﴾ في هذه الآية تقتضي أنه اسم جنس، ولذلك قال ﴿أولياؤهم﴾ بالجمع، إذ هي · أنواع، وقرأ الحسن بن أبي الحسن، أولياؤهم الطواغيت، يعني الشياطين، وحكم عليهم بالخلود في النار لکفرهم. قوله عز وجل : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَ إِبَهِمَ فِى رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُهُ اَللَّهُ الْمُلْكَ إِذْقَالَ إِنْرَهِمُ رَبِىَ الَّذِى يُخىء وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُحِى، وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَهِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٢٥٨ اٌلْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى كَفَرَ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿ألم تر﴾ تنبيه، وهي رؤية القلب، وقرأ علي بن أبي طالب ((ألم ترْ) بجزم الراء، و﴿الذي حاج إبراهيم﴾ هو نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة، هذا قول مجاهد وقتادة والربيع والسدي وابن إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم. وقال ابن جريج: هو أول ملك في الأرض وهذا مردود. وقال قتادة: هو أول من تجبر وهو صاحب الصرح ببابل. وقيل: إنه ملك الدنيا بأجمعها ونفذت فيها طينته وهو أحد الكافرين. والآخر بخت نصر. وقيل: إن ﴿الذي حاج إبراهيم﴾ نمرود بن فالخ بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وفي قصص هذه المحاجة روايتان إحداهما: ذكر زيد بن أسلم أن النمرود هذا قعد يأمر للناس بالميرة فكلما جاء قوم قال: من ربكم وإلهكم؟ فيقولون: أنت، فيقول: ميّروهم وجاء إبراهيم عليه السلام يمتار، فقال له من ربك وإلهك؟ قال ﴿قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت﴾، فلما سمعها نمرود قال: (أنا أحيي وأميت﴾، فعارضه إبراهيم بأمر الشمس، ﴿فبهت الذي كفر﴾، وقال: لا تميروه، فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء، فمر على كثيب من رمل كالدقيق، فقال لو ملأت غرارتي من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهما، فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلا يلعبان فوق الغرارتين ونام هو من الإعياء، فقالت امرأته: لو صنعت له طعاماً يجده حاضراً إذا انتبه، ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحواري فخبزته، فلما ٣٤٦ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٥٨ قام وضعته بين يديه فقال: من أين هذا؟ فقالت من الدقيق الذي سقت، فعلم إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك، وقال الربيع وغيره في هذه القصص: ان النمرود لما قال: ﴿أنا أحيي وأميت﴾ أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر وقال: قد أحييت هذا وأمتُّ هذا، فلما رد عليه بأمر الشمس بهت، والرواية الأخرى ذكر السدي: أنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه، فكلمه وقال له: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، قال نمرود: ﴿أنا أحيي وأميت﴾، أنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتاً ولا يطعمون شيئاً ولا يسقون، حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا، وتركت اثنين فماتا، فعارضه إبراهيم بالشمس فبهت. وذكر الأصوليون في هذه الآية: أن إبراهيم عليه السلام وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة، لكنه أمر له حقيقة ومجاز، قصد إبراهيم عليه السلام الحقيقة، ففزع نمرود إلى المجاز وموه به على قومه، فسلم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه من المثال، وجاءه بأمر لا مجاز فيه، ﴿فبهت الذي كفر﴾، ولم يمكنه أن يقول: أنا الآتي بها من المشرق، لأن ذوي الأسنان يكذبونه. وقوله ﴿حاجٌ﴾ وزنه ((فاعل)) من الحجة أي جاذبه إياها والضمير في ﴿ربه﴾ يحتمل أن يعود على إبراهيم عليه السلام، ويحتمل أن يعود على ﴿الذي حاج﴾، و﴿أن﴾ مفعول من أجله والضمير في ﴿آتاه﴾ للنمرود، وهذا قول جمهور المفسرين، وقال المهدوي: يحتمل أن يعود الضمير على إبراهيم أن آتاه ملك النبوءة، وهذا تحامل من التأويل، وقرأ جمهور القراء ﴿أن أحيي﴾ بطرح الألف التي بعد النون من ﴿أنا﴾ إذا وصلوا في كل القرآن غير نافع، فإن ورشاً وابن أبي أويس وقالون رأوا إثباتها في الوصل إذا لقيتها همزة في كل القرآن، مثل أنا أحيي أنا أخوك إلا في قوله تعالى: ﴿إن أنا إلا نذير﴾ [الأعراف: ١٨٨] [الشعراء: ١١٥] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء وتابع أصحابه في حذفها عند غير همزة، قال أبو علي: ضمير المتكلم الاسم فيه الهمزة والنون ثم إن الألف تلحق في الوقف كما تلحق الهاء أحياناً في الوقف فإذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء سقطت الهاء فكذلك الألف، وهي مثل ألف حيهلا . قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال الألف التي تلحق في القوافي، فتأمل. قال أبو علي: فإذا اتصلت الكلمة بشيء سقطت الألف، لأن الشيء الذي تتصل به الكلمة يقوم مقام الألف، وقد جاءت الألف مثبتة في الوصل في الشعر من ذلك قول الشاعر: حمیداً قد تذریت السناما أنا شيخ العشيرة فاعرفوني وقرأ الجمهور: ((فُبُهِتَ)) الذي بضم الباء وكسر الهاء، يقال بهت الرجل: إذا انقطع وقامت عليه الحجة. قال ابن سيده: ويقال في هذا المعنى: ((بَهِتَّ)) بفتح الباء وكسر الهاء، ((وَبَهُت)) بفتح الباء وضم الهاء. قال الطبري: وحكي عن بعض العرب في هذا المعنى، ((بَهَت)) بفتح الباء والهاء. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هكذا ضبطت اللفظة في نسخة ابن ملول دون تقييد بفتح الباء والهاء، قال ابن جني: قرأ أبو حيوة: ((فَبَهُت)) بفتح الباء وضم الهاء هي لغة في بهت بكسر الهاء، قال: وقرأ ابن السميفع: ((فَبَهَت)) بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في موضع ٣٤٧ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٥٩ نصب، قال: وقد يجوز أن يكون ((بَهَتَ)) بفتحهما لغة في بهت. قال: وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة. (فبهِت)) بكسر الهاء كَخَرِقَ ودهِش، قال: والأكثر بالضم في الهاء، قال ابن جني: يعني أن الضم يكون للمبالغة، قال الفقيه أبو محمد: وقد تأول قوم في قراءة من قرأ ﴿فبهت﴾ بفتحهما أنه بمعنى سب وقذف، وأن نمرود هو الذي سب إبراهيم حين انقطع ولم تكن له حيلة، وقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾، إخبار لمحمد عليه السلام وأمته . والمعنى: لا يرشدهم في حججهم على ظلمهم، لأنه لا هدى في الظلم، فظاهره العموم، ومعناه الخصوص، كما ذكرنا، لأن الله قد يهدي الظالمين بالتوبة والرجوع إلى الإيمان. ويحتمل أن يكون الخصوص فيمن يوافي ظالماً. قوله عز وجل : أَوْ كَلَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَّةٌ عَلَى حُرُوشِهَا قَالَ أَنَّ يُحِىء هَذِهِاللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ صل مِائَةَ عَامِ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْبَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ عطفت ﴿أو﴾ في هذه الآية على المعنى، لأن مقصد التعجيب في قوله: ﴿ألم تر إلى الذي حاج﴾ [الآية: ٢٥٨] يقتضي أن المعنى أرأيت كالذي حاج، ثم جاء قوله ﴿أو كالذي﴾، عطفاً على ذلك المعنى، وقرأ أبو سفيان بن حسين ((أوَ كالذي مر)) بفتح الواو، وهي واو عطف دخل عليها ألف التقرير، قال سليمان بن بريدة وناجية بن كعب وقتادة وابن عباس والربيع وعكرمة والضحاك: الذي مر على القرية هو عزير، وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وبكر بن مضر: هو أرمياء، وقال ابن إسحاق: أرمياء هو الخضر وحكاه النقاش عن وهب بن منبه، قال الفقيه أبو محمد: وهذا كما تراه، إلا أن يكون اسماً وافق اسماً؛ لأن الخضر معاصر لموسى، وهذا الذي مر على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب بن منبه، وحكى مكي عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل غير مسمى، قال النقاش: ويقال هو غلام لوط عليه السلام. قال أبو محمد: واختلف في القرية أيما هي؟ فحكى النقاش أن قوماً قالوا هي المؤتفكة. وقال ابن زيد: إن القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله: ﴿موتوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] مرّ عليهم رجل وهم عظام تلوح، فوقف ينظر فقال: ﴿أَنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام﴾، وترجم الطبري على هذا القصص بأنه قول بأن القرية التي مرّ عليها هي التي هلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم. قال القاضي أبو محمد: وقول ابن زيد لا يلائم الترجمة، لأن الإشارة بهذه على مقتضى الترجمة هي إلى المكان، وعلى نفس القول هي إلى العظام والأجساد. وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذ لآية إنما تضمنت قرية خاوية لا أنيس فيها. والإشارة بهذه إنما هي إلى القرية، وإحياؤها إنما هو بالعمارة وجود البناء والسكان. وقال وهب بن منبه وقتادة والضحاك وعكرمة والربيع: القرية بيت المقدس لما حربها بخت نصر البابلي في الحديث الطويل. حين أحدثت بنو إسرائيل الأحداث وقف أرمياء أو عزير على لقرية وهي كالتل العظيم وسط بيت المقدس لأن بخت نصر أمر جنده بنقل التراب إليه حتى جعله ٣٤٨ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٥٩ كالجبل، ورأى أرمياء البيوت قد سقطت حيطانها على سقفها، والعريش سقف البيت وكل ما يهيأ ليظل أو يكن فهو عريش ومنه عريش الدالية والثمار، ومنه قوله تعالى: ﴿ومما يعرشون﴾، [النحل: ٦٨] قال السدي: يقول هي ساقطة على سقفها أي سقطت السقف ثم سقطت الحيطان عليها، وقال غير السدي: معناه خاوية من الناس على العروش أي على البيوت، وسقفها عليها لكنها خوت من الناس والبيوت قائمة، (قال أبو محمد: وانظر استعمال العريش مع على، في الحديث في قوله، وكان المسجد يومئذ على عريش في أمر ليلة القدر، و﴿خاوية﴾ معناه خالية، يقال خوت الدار تخوي خواء وخوياً ويقال خويت قال الطبري: والأول أفصح وقوله: ﴿أَنَى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ معناه من أي طريق وبأي سبب؟ وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان كما يقال الآن في المدن الخربة التي يبعد أن تعمر وتسكن فكأن هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته، وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه، والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون على أن سؤاله، إنما كان عن إحياء الموتى من بني آدم، أي أنى يحيي الله موتاها، وقد حكى الطبري عن بعضهم أنه قال كان هذا القول شكاً في قدرة الله على الإحياء، فلذلك ضرب له المثل في نفسه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وليس يدخل شك في قدرة الله على إحياء قرية بجلب العمرة إليها، وإنما يتصور الشك من جاهل في الوجه الآخر، والصواب أن لا يتأول في الآية شك، وروي في قصص هذه الآية أن بني إسرائيل لما أحدثوا الأحداث بعث الله عليهم بخت نصر البابلي فقتلهم وجلاهم من بيت المقدس فخربه، فلما ذهب عنه جاء أرمياء فوقف على المدينة معتبراً فقال، ﴿أَنّ يحيي هذه الله بعد موتها﴾؟ قال: ﴿فأماته الله﴾ تعالی وکان معه حمار قد ربطه بحبل جدید وكان معه سلة فيها تبن وهو طعامه، وقيل تبن وعنب، وكان معه ركوة من خمر، وقيل من عصير وقيل، قلة ماء هي شرابه، وبقي ميتاً مائة عام، فروي أنه بلي وتفرقت عظامه هو وحماره، وروي أنه بلي دون الحمار، وأن الحمار بقي حياً مربوطاً لم يمت ولا أكل شيئاً ولا بليت رمته، وروي أن الحمار بلي وتفرقت أوصاله دون عزير، وروي أن الله بعث إلى تلك القرية من عمرها ورد إليها جماعة بني إسرائيل حيث كملت على رأس مائة سنة، وحينئذ حيي عزير، وروي أن الله رد عليه عينيه وخلق له حياة يرى بها كيف تعمر القرية ويحيى مدة من ثلاثين سنة تكملة المائة، لأنه بقي سبعين ميتاً كله، وهذا ضعيف ترد عليه ألفاظ الآية. وقوله تعالى: ﴿ثم بعثه﴾، معناه: أحياه وجعل له الحركة والانتقال، فسأله الله تعالى بواسطة الملك ﴿كم لبثت﴾؟ على جهة التقرير، و﴿كم﴾ في موضع نصب على الظرف، فقال: ﴿لبثت يوماً أو بعض يوم﴾، قال ابن جريج وقتادة والربيع: أماته الله غدوة يوم ثم بعث قبل الغروب، فظن هذا اليوم واحداً فقال ﴿لبثت يوماً﴾ ثم رأى بقية من الشمس فخشي أن يكون كاذباً فقال: ﴿أو بعض يوم﴾ فقيل له ﴿بل لبثت مائة عام﴾، ورأى من عمارة القرية وأشجارها ومبانيها ما دله على ذلك قال النقاش: العام مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفلك، والعوم كالسبح، وقال تعالى: ﴿وكل في فلك يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣]. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذا معنى كلام النقاش. والعام على هذا كالقول والقال. وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد، وروي في قصص هذه الآية: أن الله بعث لها ٣٤٩ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٥٩ ملكاً من الملوك يعمرها ويجد في ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل: ﴿أُنّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع: ﴿لبثت﴾ في كل القرآن بإظهار الثاء وذلك لتباين الثاء من مخرج التاء، وذلك أن الطاء والتاء والدال من حيز، والظاء والذال والثاء المثلثة من حيز، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي، بالإدغام في كل القرآن، أجروهما مجرى المثلى من حيث اتفق الحرفان في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا وفي أنهما مهموستان، قال أبو علي: ويقوي ذلك وقوع هذين الحرفين في «روي قصيدة واحدة)). قوله عز وجل : فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِرُ هَاثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّشَىْءٍ قَدِيرٌ ٢٥٩ وقف في هذه الألفاظ على بقاء طعامه وشرابه على حاله لم يتغير، وعلى بقاء حماره حيّاً على مربطه. هذا على أحد التأويلين. وعلى التأويل الثاني، وقف على الحمار كيف يحيى وتجتمع عظامه. وقرأ ابن مسعود: ((وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه))، وقرأ طلحة بن مصرف وغيره: ((وانظر إلى طعامك وشرابك لمائة سنة))، قال أبو علي: واختلفوا في إثبات الهاء في الفعل من قوله عز وجل: ﴿لم يتسنه﴾ و﴿اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]، و﴿ما أغنى عني ماليه﴾ [الحاقة: ٢٨] و﴿سلطانيه﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿وما أدراك ماهيه﴾ [القارعة: ١٠] وإسقاطها في الوصل، ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل، وكان حمزة يحذفهن في الوصل، وكان الكسائي يحذفها في ﴿يتسنّه﴾، و﴿اقتده﴾، ويثبتها في الباقي. ولم يختلفوا في ﴿حسابيه﴾ [الحاقة: ٢٠ - ٢٦] و﴿كتابيه﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٥] أنهما بالهاء في الوقف والوصل، و﴿يتسنّه﴾ يحتمل أن يكون من تسنن الشيء إذا تغير وفسد، ومنه الحمأ المسنون في قول بعضهم. وقال الزجّاج: ليس منه وإنما المسنون المصبوب على سنة الأرض، فإذا كان من تسنن فهو لم يتسنن. قلبت النون ياء كما فعل في تظننت، حتى قلت لم أتظنن، فيجيء تسنن تسنى. ثم تحذف الياء للجزم فيجيء المضارع لم يتسن. ومن قرأها بالهاء على هذا القول فهي هاء السكت. وعلى هذا يحسن حذفها في الوصل. ويحتمل ﴿يتسنه﴾ أن يكون من السنة وهو الجدب. والقحط، وما أشبهه، يسمونه بذلك. وقد اشتق منه فعل فقيل: استنّوا، وإذا كان هذا أو من السنة التي هي العام على قول من يجمعها سنوات فعلى هذا أيضاً الهاء هاء السكت، والمعنى لم تغير طعامك القحوط والجدوب ونحوه، أو لم تغيره السنون والأعوام. وأما من قال في تصغير السنة سنيهة وفي الجمع سنهات، وقال أسنهت عند بني فلان وهي لغة الحجاز ومنها قول الشاعر: ولكن عرايا في السنين الجوائح وليست بسنهاء ولا رجبية فإن القراءة على هذه اللغة هي بإثبات الهاء ولا بد، وهي لام الفعل، وفيها ظهر الجزم بـ ﴿لم﴾، ٣٥٠ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٥٩ وعلى هذا هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، وقد ذكر . وقرأ طلحة بن مصرف ((لم يسنّه)) على الإدغام. وقال النقاش: ﴿لم يتسنه﴾ معناه: لم يتغير من قوله تعالى: ﴿ماء غير آسن﴾ [محمد: ١٥]، قال أبو محمد: ورد النحاة على هذا القول، لأنه لو كان من أسن الماء لجاء لم يتأسن، وأما قوله تعالى: ﴿وانظر إلى حمارك﴾، فقال وهب بن منبه وغيره: المعنى وانظر إلى اتصال عظامه وإحيائه جزءاً جزءاً. ويروى أنه أحياه الله كذلك حتى صار عظاماً ملتئمة، ثم كساه لحماً حتى كمل حماراً، ثم جاء ملك فنفخ في أنفه الروح، فقام الحمار ينهق، وروي عن الضحاك ووهب بن منبه أيضاً أنهما قالا: بل قيل له وانظر إلى حمارك قائماً في مربطه لم يصبه شيء مائة سنة، قالا: وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه، قالا: وأعمى الله العيون عن أرمياء وحماره طول هذه المدة. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وكثر أهل القصص في صورة هذه النازلة تكثيراً اختصرته لعدم صحته، وقوله تعالى: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾ معناه لهذا المقصد من أن تكون آية فعلنا بك هذا، وقال الأعمش موضع كونه آية هو أنه جاء شاباً على حاله يوم مات، فوجد الحفدة والأبناء شيوخاً، وقال عكرمة: جاء وهو ابن أربعين سنة كما كان يوم مات، ووجد بنيه قد نيفوا على مائة سنة، وقال غير الأعمش: بل موضع كونه آية أنه جاء وقد هلك كل من يعرف، فكان آية لمن كان حياً من قومه، إذ كانوا موقنين بحاله سماعاً . قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي إماتته هذه المدة، ثم إحيائه أعظم آية، وأمره كله آية للناس غابر الدهر، لا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض. وأما العظام التي أمر بالنظر إليها فقد ذكرنا من قال: هي عظام نفسه، ومن قال: هي عظام الحمار، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ((نَنْشُرُها)) بضم النون الأولى وبالراء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ((ننشزها)) بالزاي، وروى أبان عن عاصم ((نَنشرُها)) بفتح النون الأولى وضم الشين وبالراء، وقرأها كذلك ابن عباس والحسن وأبو حيوة. فمن قرأها ((نُنشرها)) بضم النون الأولى وبالراء فمعناه نحييها. يقال أنشر الله الموتى فنشروا، قال الله تعالى: ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ [عبس: ٢٢﴾. وقال الأعشى : [السريع] يَا عَجَبا للمَيِّت النَّاشِرِ وقراءة عاصم: ((تَنشرها)) بفتح النون الأولى يحتمل أن تكون لغة في الإحياء، يقال: نشرت الميت وأنشرته فيجيء نشر الميت ونشرته، كما يقال حسرت الدابة وحسرتها، وغاض الماء وغضته، ورجع زيد ورجعته. ويحتمل أن يراد بها ضد الطيّ، كأن الموت طيّ للعظام والأعضاء، وكأن الإحياء وجمع بعضها إلى بعض نشر. وأما من قرأ: ((ننشزها)) بالزاي فمعناه: نرفعها، والنشر المرتفع من الأرض، ومنه قول الشاعر: ترى الثَّعْلَبَ الْحَولِيَّ فيها كأَنَّهُ إذا مَا علا نَشْزاً حِصَانٌ مُجَلَّلُ. ٣٥١ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٥٩ قال أبو علي وغيره: فتقديره ننشرها برفع بعضها إلى بعض للإحياء، ومنه نشوز المرأة وقال الأعشى: [الطويل] قُضَاعِيَّةٌ تَأْتِي الكَواهِنَ ناشِزا يقال نشز وأنشزته . قال القاضي أبو محمد: ويقلق عندي أن يكون معنى النشوز رفع العظام بعضها إلى بعض، وإنما النشوز الإرتفاع قليلاً قليلاً، فكأنه وقف على نبات العظام الرفات وخروج ما يوجد منها عند الاختراع، وقال النقاش: ننشزها معناه ننبتها، وانظر استعمال العرب تجده على ما ذكرت، من ذلك نشز ناب البعير، والنشز من الأرض على التشبيه بذلك، ونشرت المرأة كأنها فارقت الحال التي ينبغي أن تكون عليها، وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾ [المجادلة: ١١] أي فارتفعوا شيئاً شيئاً كنشوز الناب. فبذلك تكون التوسعة، فكأن النشوز ضرب من الارتفاع. ويبعد في الاستعمال أن يقال لمن ارتفع في حائط أو غرفة: نشز. وقرأ النخعي ((نَنشُزُها)) بفتح النون وضم الشين والزاي، وروي ذلك عن ابن عباس وقتادة. وقرأ أبي بن كعب: ((كيف ننشيها)) بالياء. والكسوة: ما وارى من الثياب، وشبه اللحم بها، وقد استعاره النابغة للإسلام فقال: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيتُ من الإسلامِ سربالا وروي أنه كان يرى اللحم والعصب والعروق كيف تلتئم وتتواصل وقال الطبري: المعنى في قوله: ﴿فلما تبين له﴾ أي لما اتضح له عياناً ما كان مستنكراً في قدرة الله عنده قبل عيانه، ﴿قال أعلم). قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ، وفسر على القول الشاذ والاحتمال الضعيف، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: ((أعلمُ أن)) مقطوعة الألف مضمومة الميم. وقرأ حمزة والكسائي: ((قال اعلم أن الله)). موصولة الألف ساكنة الميم. وقرأها أبو رجاء، وقرأ عبد الله بن مسعود والأعمش، ((قيل أعلم)). قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فأما هذه فبينة المعنى أي قال الملك له. والأولى بينة المعنى أي قال هو أنا أعلم أن الله على كل شيء قدير. وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبل ينكره كما زعم الطبري. بل هو قول بعثه الاعتبار كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئاً غريباً من قدرة الله: الله لا إله إلا هو ونحو هذا. وقال أبو علي: معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: يعني علم المعاينة، وأما قراءة حمزة والكسائي فتحتمل وجهين أحدهما، قال الملك له ((اعلم))، والآخر أن ينزل نفسه منزلة المخاطب الأجنبي المنفصل، فالمعنى فلما تبين له قال لنفسه: ((اعلم)) وأنشد أبو علي في مثل هذا قول الأعشى: [البسيط] ودَعْ هُرَيْرَةَ إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَجِلُ و- ألمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَرْمَدَا؟ [الطويل] ٣٥٢ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٦٠ وأمثلة هذا كثيرة وتأنس أبو علي في هذا المعنى بقول الشاعر: [الطويل] تَذَكِّرَ مِنْ أَنّى وَمِنْ أَيْنَ شُرْبُه يؤامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الْهَجْمَةِ الآبل قوله عز وجل : وَإِذْقَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِىّ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أُجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ ٢٦٠ يَأْتِينَكَ سَعْيًّاً وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ العامل في ﴿إذ﴾ فعل مضمر تقديره واذكر. واختلف الناس لم صدرت هذه المقالة عن إبراهيم عليه السلام؟ فقال الجمهور: إن إبراهيم عليه السلام لم يكن شاكاً في إحياء الله الموتى قط، وإنما طلب المعاينة. وترجم الطبري في تفسيره فقال: وقال آخرون سأل ذلك ربه لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى وأدخل تحت الترجمة عن ابن عباس أنه قال: ما في القرآن آية أرجى عندي منها، وذكر عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾؟ وذكر حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نحن أحق بالشك من إبراهيم. الحديث. ثم رجح الطبري هذا القول الذي يجري مع ظاهر الحديث. وقال: إن إبراهيم لما رأى الجيفة تأكل منها الحيتان ودواب البر ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذه من بطون هؤلاء؟ وأما من قال: بأن إبراهيم لم يكن شاكاً، فاختلفوا في سبب سؤاله، فقال قتادة: إن إبراهيم رأى دابة قد توزعتها السباع فعجب وسأل هذا السؤال. وقال الضحاك: نحوه، قال: وقد علم عليه السلام أن الله قادر على إحياء الموتى، وقال ابن زيد: رأى الدابة تتقسمها السباع والحيتان لأنها كانت على حاشية البحر، وقال ابن إسحاق، بل سببها أنه لما فارق النمرود وقال له: أنا أحيي وأميت، فكر في تلك الحقيقة والمجاز، فسأل هذا السؤال. وقال السدي وسعيد بن جبير: بل سبب هذا السؤال أنه لما بشر بأن الله اتخذه خليلاً أراد أن يدل بهذا السؤال ليجرب صحة الخلة، فإن الخليل يدل بما لا يدل به غيره، وقال سعيد بن جبير: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ یرید بالخلة. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وما ترجم به الطبري عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة متأول، فأما قول ابن عباس: هي أرجى آية فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله، ﴿أو لم تؤمن﴾؟ أي إن الإيمان كاف لا يحتاج بعده إلى تنقير وبحث، وأما قول عطاء بن أبي رباح: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فمعناه من حب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به، ولهذا قال النبي عليه السلام: ((ليس الخبر كالمعاينة))، وأما قول النبي عليه السلام نحن أحق بالشك من إبراهيم فمعناه: أنه لو كان شك لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك، فإبراهيم عليه السلام أحرى أن لا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم. والذي روي فيه عن النبي عليه السلام أنه قال: ذلك محض ٣٥٣ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٦٠ الإيمان إنما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام. وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلم به، يدلك على ذلك قوله: ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨] فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوءة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً، وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكاً، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله، وقد تکون ﴿ کیف﴾ خبراً عن شيء شأنه أن یستفهم عنه، ﴿کیف﴾ نحو قولك: کیف شئت فکن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي، و﴿كيف﴾ في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدع: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول له المكذب: أرني كيف ترفعه؟ فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول أفرض أنك ترفعه أرني كيف؟ فلما كان في عبارة الخليل عليه السلام هذا الاشتراك المجازي، خلص الله له ذلك وحمله على أن يبين الحقيقة فقال له: ﴿أُوَلَمْ تؤمن قال بلى﴾، فكمل الأمر وتخلص من كل شك، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: ﴿أُوَلَمْ تؤمن﴾ معناه إيماناً مطلقاً دخل فيه فصل إحياء الموتى، والواو واو حال دخلت عليها ألف التقرير، و﴿ليطمئن﴾ معناه ليسكن عن فكره، والطمأنينة اعتدال وسكون على ذلك الاعتدال فطمأنينة الأعضاء معروفة، كما قال عليه السلام: ((ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)، الحديث، وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد. والفكر في صورة الإحياء غير محظورة، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها، بل هي فكر فيها عبر، فأراد الخليل أن يعاين، فتذهب فكره في صورة الإحياء، إذ حركه إلى ذلك إما أمر الدابة المأكولة وإما قول النمرود: أنا أحيي وأميت، وقال الطبري: معنى ﴿ليطمئن﴾ ليوقن. وحكي نحو ذلك عن سعيد بن جبير، وحكي عنه ليزداد يقيناً. وقاله إبراهيم وقتادة. وقال بعضهم: لأزداد إيماناً مع إيماني. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر، وإلا فاليقين لا يتبعض، وروي أن الأربعة التي أخذ إبراهيم هي الديك، والطاووس، والحمام، والغراب، ذكر ذلك ابن إسحاق عن بعض أهل العلم الأول، وقاله مجاهد وابن جريج وابن زيد، وقال ابن عباس: مكان الغراب الكركي . وروي في قصص هذه الآية أن الخليل عليه السلام أخذ هذه الطير حسبما أمر وذكاها ثم قطعها قطعاً صغاراً وجمع ذلك مع الدم والريش، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءاً على كل جبل، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء، وأمسك رؤوس الطير في يده، ثم قال تعالين بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاء ٣٥٤ تفسير سورة البقرة/ الآية: ٢٦٠ وطار الدم إلى الدم، والريش إلى الريش، حتى التأمت كما كانت أولاً وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته سعياً حتى وضعت أجسادها في رؤوسها، وطارت بإذن الله تعالى، وقرأ حمزة وحده: ((فصِرهن إليك)) بكسر الصاد، وقرأ الباقون بضمها ويقال صرت الشيء أصوره بمعنى قطعته، ومنه قول ذي الرمة: [الرجز] صِرْنا بِهِ الحُكْمَ وَعَنَّا الحَكَمَا ومنه قول الخنساء: [السريع] فلو يلاقي الذي لاقيتُه حضنٌ لظلَّتِ الشُّمُّ مِنْهُ وَهْيَ تتصارُ أي تنقطع ويقال أيضاً صرت الشيء بمعنى أملته ومنه قول الشاعر: [الوافر] يصُورُ عنوقَها أحوى زنيمُ لَهُ صَخَبُ كَمَا صَخِبَ الْغَرِيمُ ومنه قول الأعرابي في صفة نساء هن إلى الصبا صور، وعن الخنا زور، فهذا كله في ضم الصاد. ويقال أيضاً في هذين المعنيين: القطع والإمالة. صرت الشيء بكسر الصاد أصيره، ومنه قول الشاعر: [الطويل] وفرعٌ يَصيرُ الْجِيدَ وَجْفٌ كأَنَّهُ عَلى اللَّيْتِ قِنْوانُ الكرومِ الدَّوالِحِ ففي اللفظة لغتان قرىء بهما، وقد قال ابن عباس ومجاهد في هذه الآية ﴿صرهن﴾ معناه: قطعهن، وقال عكرمة وابن عباس فيما في بعض ما روي عنه أنها لفظة بالنبطية معناها قطعهن، وقاله الضحاك، وقال أبو الأسود الدؤلي: هي بالسريانية، وقال قتادة: ﴿صرهن﴾ فصلهن، وقال ابن إسحاق: معناه قطعهن، وهو الصور في كلام العرب، وقال عطاء بن أبي رباح: ﴿فصرهن﴾ معناه اضممهن إلیك. وقال ابن زيد معناه اجمعهن، وروي عن ابن عباس معناه أوثقهن. قال القاضي أبو محمد: فقد تأول المفسرون اللفظة بمعنى التقطيع وبمعنى الإمالة. فقوله ﴿إليك﴾ على تأويل التقطيع متعلق بخذ. وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق بـ ﴿صرّهنّ﴾، وفي الكلام متروك يدل عليه الظاهر تقديره فأملهن إليك فقطعهن. وقرأ قوم ((فصُرَّهن)) بضم الصاد وشد الراء المفتوحة كأنه يقول فشدَّهن. ومنه صرة الدنانير. وقرأ قوم ((فصِرَّهن)) بكسر الصاد وشد الراء المفتوحة ومعناه صيحهن من قولك صر الباب والقلم إذا صوَّتَ، ذكره النقاش. قال ابن جني وهي قراءة غريبة وذلك أن يفعل بكسر العين في المضاعف المتعدي قليل، وإنما بابه يفعُل بضم العين كشد يشُد ونحوه. لكن قد جاء منه نمّ الحديث يَنْمُّه ويُنَّه وهر الحرب يَهرها ويُهرها ومنه قول الأعشى : لَيَعْتَوِرَنْكَ الْقَوْلَ حَتَّی تھرَّهُ إلى غير ذلك في حروف قليلة. قال ابن جني، وأما قراءة عكرمة بضم الصاد فيحتمل في الراء الضم والفتح والكسر كمد وشد والوجه ضم الراء من أجل ضمة الهاء من بعد قال المهدوي وغيره وروي عن عكرمة فتح الصاد وشد الراء المكسورة. قال القاضي أبو محمد: وهذه بمعنى فاحبسهن من قولهم صرى يصري إذا حبس، ومنه الشاة ٣٥٥ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٦٢،٢٦١ المصراة، واختلف المتأولون في معنى قوله: ﴿ثم إجعل على كل جبل منهن جزءاً﴾، فروى أبو حمزة عن ابن عباس أن المعنى اجعل جزءاً على كل ربع من أرباع الدنيا كأن المعنى اجعلها في أركان الأرض الأربعة. وفي هذا القول بعد، وقال قتادة والربيع المعنى واجعل على أربعة أجبل على كل جبل جزءاً من ذلك المجموع المقطع، فكما يبعث الله هذه الطير من هذه الجبال فكذلك يبعث الخلق يوم القيامة من أرباع الدنيا وجميع أقطارها. وقرأ الجمهور ((جزءاً)) بالهمز، وقرأ أبو جعفر ((جزّا)) بشد الزاي في جميع القرآن. وهي لغة في الوقف فأجرى أبو جعفر الوصل مجراه. وقال ابن جريج والسدي أمر أن يجعلها على الجبال التي كانت الطير والسباع حين تأكل الدابة تطير إليها وتسير نحوها وتتفرق فيها. قالا: وكانت سبعة أجبل فكذلك جزأ ذلك المقطع من لحم الطير سبعة أجزاء. وقال مجاهد: بل أمر أن يجعل على كل جبل يليه جزءاً. قال الطبري معناه دون أن تحصر الجبال بعدد، بل هي التي كان يصل إبراهيم إليها وقت تكليف الله إياه تفريق ذلك فيها، لأن الكل لفظ يدل على الإحاطة . قال القاضي أبو محمد: وبعيد أن يكلف جميع جبال الدنيا، فلن يحيط بذلك بصره، فيجيء ما ذهب إليه الطبري جيداً متمكناً. والله أعلم أي ذلك كان. ومعنى الآية أن إبراهيم عليه السلام كان بحيث يرى الأجزاء في مقامه، ويرى كيف التأمت، وكذلك صحت له العبرة، وأمره بدعائهن وهن أموات إنما هو لتقرب الآية منه وتكون بسبب من حاله، ويرى أنه قصد بعرض ذلك عليه. ولذلك جعل الله تعالى سيرهن إليه ﴿سعياً﴾، إذ هي مشية المجدّ الراغب فيما يمشي إليه، فكان من المبالغة أن رأى إبراهيم جدها في قصده وإجابة دعوته. ولو جاءته مشياً لزالت هذه القرينة، ولو جاءت طيراناً لكان ذلك على عرف أمرها، فهذا أغرب منه. ثم وقف عليه السلام على العلم بالعزة التي في ضمنها القدرة وعلى الحكمة التي بها إتقان كل شيء. قوله عز وجل: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّأْئَةٌ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَآ أَذَىٌّ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ( ٢٦٢ هذه الآية لفظها بيان مثل بشرف النفقة في سبيل الله وبحسنها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآية في نفقة التطوع، وسبل الله كثيرة، وهي جميع ما هو طاعة وعائد بمنفعة على المسلمين والملة، وأشهرها وأعظمها غناء الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، والحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البر، وكثيراً ما يراد بالحب. ومنه قول المتلمس: [البسيط]. والحب يأكله في القرية السوس آليت حب العراق الدهر أطعمه وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر، ولكن المثال وقع بهذا القدر، وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد ٣٥٦ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٦٢،٢٦١ حسنتها بسبعمائة ضعف، وبين ذلك الحديث الصحيح، واختلف العلماء في معنى قوله: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾، فقالت طائفة هي مبينة ومؤكدة لما تقدم من ذكر السبعمائة. وليس ثمة تضعيف فوق سبعمائة، وقالت طائفة من العلماء: بل هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف. وروي عن ابن عباس أن التضعيف ينتهي لمن شاء الله إلى ألفي ألف. وليس هذا بثابت الإسناد عنه، وقال ابن عمر لما نزلت هذه الآية قال النبي عليه السلام ((رب زد أمتي)). فنزلت ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له﴾ [الحديد: ١١]، فقال رب زد أمتي، فنزلت ﴿إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠] و﴿سنبلة﴾ فنعلة من أسبل الزرع أي أرسل ما فيه كما ينسبل الثوب، والجمع سنابل، وفي قوله تعالى: ﴿مثل الذين﴾، حذف مضاف، تقديره مثل إنفاق الذين، أو تقدره كمثل ذي حبة، وقال الطبري في هذه الآية، إن قوله ﴿في كل سنبلة مائة حبة﴾، معناه إن وجد ذلك وإلا فعلى أن نفرضه ثم أدخل عن الضحاك أنه قال: ﴿في كل سنبلة مائة حبة﴾ معناه كل سنبلة أنبتت مائة حبة، فجعل الطبري قول الضحاك نحو ما قال هو، وذلك غير لازم من لفظ الضحاك، قال أبو عمرو الداني قرأ بعضهم ((مائة حبة)) بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة، وقوله تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم﴾ الآية، لما تقدم في الآية التي قبل هذه ذكر الإنفاق في سبيل الله على العموم بيّن في هذه الآية أن ذلك الحكم إنما هو لمن لم يتبع إنفاقه مناً ولا أذى، وذلك أن المنفق في سبيل الله إنما يكون على أحد ثلاثة أوجه، إما أن يريد وجه الله تعالى ويرجو ثوابه، فهذا لا يرجو من المنفق عليه شيئاً ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه، وإما أن يريد من المنفق عليه جزاء بوجه منَّ الوجوه، فهذا لم يرد وجه الله بل نظر إلى هذه الحال من المنفق عليه، وهذا هو الذي متى أخلف ظنه من بإنفاقه وآذى، وإما أن ينفق مضطراً دافع غرم إما لماتة للمنفق عليه أو قرينة أخرى من اعتناء معتن ونحوه، فهذا قد نظر في حال ليست لوجه الله، وهذا هو الذي متى توبع وحرج بوجه من وجوه الحرج آذى. فالمن والأذى يكشفان ممن ظهرا منه أنه إنما كان على ما ذكرناه من المقاصد، وأنه لم يخلص لوجه الله، فلهذا كان المن والأذى مبطلين للصدقة، من حيث بين كل واحد منهما أنها لم تكن صدقة، وذكر النقاش أنه قيل إن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقيل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال مكي في عثمان وابن عوف رضي الله عنهما: والمن ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المنّ، لأنّ المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه، وذهب ابن زيد إلى أن هذه الآية هي في الذين لا يخرجون في الجهاد، بل ينفقون وهم قعود، وأن الأولى التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم وأموالهم. قال: ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشترط على الأولين. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وفي هذا القول نظر، لأن التحكم فيه باد، وقال زيد بن أسلم: لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه، وقالت له امرأة: يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقاً، فإنهم إنما يخرجون ليأكلوا الفواكه، فإن عندي أسهماً وجعبة، فقال لها لا بارك الله في أسهمك وجعبتك، فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم. وضمن الله ٣٥٧ تفسير سورة البقرة / الآيتان : ٢٦٣، ٢٦٤ الأجر للمنفق في سبيل الله، والأجر الجنة، ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل والحزن على ما سلف من دنياه، لأنه يغتبط بآخرته . قوله عز وجل: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ٢٦٣ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَتَّىٌ وَاَللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ لَتُبْطِلُواْ صَدَ قَتِكُمْ بِالْمَنْ وَالْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَا لَهُرِنَّةَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرّ فَمَثَلُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًّا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ ٢٦٤ هذا إخبار جزم من الله تعالى أن القول المعروف وهو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة، وفي باطنها لا شيء. لأن ذلك القول المعروف فيه أجر، وهذه لا أجر فيها. وقال المهدوي وغيره التقدير في إعرابه ﴿قول معروف﴾ أولى ﴿ومغفرة خير﴾. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ذهاب برونق المعنى، وإنما يكون المقدر كالظاهر، والمغفرة الستر للخلة وسوء حالة المحتاج. ومن هذا قول الأعرابي، وقد سأل قوماً بكلام فصيح، فقال له قائل: ممن الرجل؟ فقال اللهم غفراً، سوء الاكتساب يمنع من الانتساب، وقال النقاش: يقال معناه ومغفرة للسائل إن أغلظ أو جفا إذا حرم، ثم أخبر تعالى بغناه عن صدقة من هذه حاله وعاقبة أمره، وحمله عمن يمكن أن يواقع هذا من عبيده وإمهالهم. وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ الآية، العقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات، فقال جمهور العلماء في هذه الآية: إن الصدقة التي يعلم الله في صاحبها أنه يمن أو يؤذي فإنها لا تتقبل صدقة، وقيل بل جعل الله للملك عليها أمارة فلا يكتبها . قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن، لأن ما نتلقى نحن عن المعقول من بني آدم فهو أن المن المؤذي ينص على نفسه أن نيته لم تكن لله عز وجل على ما ذكرناه قبل، فلم تترتب له صدقة، فهذا هو بطلان الصدقة بالمنّ والأذى، والمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها، إذ لم يكشف ذلك على النية في السليمة ولا قدم فيها، ثم مثل الله هذا الذي يمن ويؤذي بحسب مقدمة نيته بالذي ﴿ينفق رئاء﴾ لا لوجه الله، والرياء مصدر من فاعل من الرؤية. كأن الرياء تظاهر وتفاخر بين من لا خير فيه من الناس. قال المهدوي والتقدير كإيطال الذي ينفق رثاء، وقوله تعالى: ﴿ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ يحتمل أن يريد الكافر الظاهر الكفر، إذ قد ينفق ليقال جواد وليثنى عليه بأنواع الثناء ولغير ذلك. ويحتمل أن يريد المنافق الذي يظهر الإيمان. ثم مثل هذا المنفق رئاء بـ ﴿صفوان عليه تراب﴾ فيظنه الظانَّ أرضاً منبتة طيبة كما يظن قوم أن صدقة هذا المرائي لها قدر أو معنى، فإذا أصاب الصفوان وابل من المطر انكشف ذلك التراب وبقي صلداً، فكذلك هذا المرائي إذا كان يوم القيامة وحصلت الأعمال انكشف سره وظهر أنه لا قدر لصدقته ولا 1 معنى. فالمن والأذى والرياء يكشف عن النية. فيبطل الصدقة كما يكشف الوابل الصفا فيذهب ما ظن ٣٥٨ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٦٥ أرضاً. وقرأ طلحة بن مصرف «رياء الناس)) بغير همز. ورويت عن عاصم. والصفوان الحجر الكبير الأملس. قيل هو جمع واحدته صفوانة. وقال قوم واحدته صفواة، وقيل هو إفراد وجمعه صفى، وأنكره المبرد وقال: إنما هو جمع صفا، ومن هذا المعنى الصفواء والصفا. قال امرؤ القيس: [الطويل] كما زلت الصفواء بالمتنزل كميت يزل اللبد عن حال متنه وقال أبو ذؤيب: [الكامل] حتى كأني للحوادث مروة بصفا المشقّرِ كلَّ يومٍ تقرع وقرأ الزهري وابن المسيب ((صفَوان)) بفتح الفاء، وهي لغة، والوابل الكثير القوي من المطر وهو الذي يسيل على وجه الأرض، والصلد من الحجارة الأملس الصلب الذي لا شيء فيه، ويستعار للرأس الذي لا شعر فيه، ومنه قول رؤية: [الرجز] بَرَّاق أَصْلادِ الْجَبِينِ الأجْلَهِ قال النقاش: الصلد الأجرد بلغة هذيل، وقوله تعالى: ﴿لا يقدرون﴾ يريد به الذين ينفقون رثاء، أي لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم ذلك وهو كسبهم، وجاءت العبارة بـ ﴿يقدرون﴾ على معنى الذي. وقد انحمل الكلام قبل على لفظ الذي، وهذا هو مهيع كلام العرب ولو انحمل أولاً على المعنى لقبح بعد أن يحمل على اللفظ، وقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين) إما عموم يراد به الخصوص في الموافي على الكفر، وإما أن يراد به أنه لم يهدهم في كفرهم بل هو ضلال محض، وإما أن يريد أنه لا يهديهم في صدقاتهم وأعمالهم وهم على الكفر، وما ذكرته في هذه الآية من تفسير لغة وتقويم معنى فإنه مسند عن المفسرين وإن لم تجىء ألفاظهم ملخصة في تفسير إبطال المن والأذى للصدقة. قوله عز وجل : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَتْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَِّمٍ بِرَبْدَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ ٢٦٥ بَصِيرُ من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه ذكر نقيض ما يتقدم ذكره لتبيين حال التضاد بعرضها على الذهن، فلما ذكر الله صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما عقب في هذه الآية بذكر نفقات القوم الذين تزكو صدقاتهم وهي على وجهها في الشرع فضرب لها مثلاً، وتقدير الكلام ومثل نفقة الذين ينفقون كمثل غراس جنة، لأن المراد بذكر الجنة غراسها أو تقدر الإضمار في آخر الكلام دون إضمار نفقة في أوله، كأنه قال: كمثل غارس جنة، و﴿ابتغاء﴾ معناه طلب، وإعرابه النصب على المصدر في موضع الحال . وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من أجله. لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو ﴿وتثبيتاً﴾ عليه. ولا يصح في ﴿تثبيتاً﴾ أنه مفعول من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت. وقال مكي في المشكل: كلاهما مفعول : ٣٥٩ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٦٥ من أجله وهو مردود بما بيناه، و﴿مرضاة﴾ مصدر من رضي يرضى، وقال الشعبي والسدي وقتادة وابن زيد وأبو صالح: ﴿وتثبيتاً﴾ معناه وتيقناً، أي إن نفوسهم لها بصائر متأكدة فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تثبيتاً، وقال مجاهد والحسن: معنى قوله: ﴿وتثبيتاً﴾ أي إنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم؟ وقال الحسن كأن الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك، والقول الأول أصوب. لأن هذا المعنى الذي ذهب إليه مجاهد والحسن إنما عبارته وتثبتاً، فإن قال محتج إن هذا من المصادر التي خرجت على غير المصدر كقوله تعالى: ﴿وتبتل إليه تبتيلاً﴾ [المزمل: ٨]، وكقوله: ﴿أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ [نوح: ١٧] فالجواب لا يسوغ إلا مع ذكر المصدر والإفصاح بالفعل المتقدم للمصدر، وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه ثم تقول أحمله على فعل كذا وكذا لفعل لم يتقدم له ذكر، هذا مهيع كلام العرب فيما علمت، وقال قتادة: ﴿وتثبيتاً﴾ معناه وإحساناً من أنفسهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو القول الأول، والجنة البستان وهي قطعة أرض نبتت فيها الأشجار حتى سترت الأرض، فهي من لفظ الجن والجنن والجنة وجن الليل، والربوة ما ارتفع من الأرض ارتفاعاً يسيراً معه في الأغلب كثافة التراب وطيبه وتعمقه، وما كان كذلك فنباته أحسن، ورياض الحزن ليس من هذا كما زعم الطبري، بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد لأنها خير من رياض تهامة ونبات نجد أعطر ونسيمه أبرد وأرق، ونجد يقال له الحزن، وقل ما يصلح هواء تهامة إلا بالليل، ولذلك قالت الأعرابية: زوجي كليل تهامة، وقال ابن عباس: الربوة المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا إنما أراد به هذه الربوة المذكورة في كتاب الله، لأن قوله تعالى: ﴿أصابها وابل﴾ إلى آخر الآية يدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولم يرد ابن عباس أن جنس الربا لا يجري فيها ماء، لأن الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرار ومعين، والمعروف في كلام العرب أن الربوة ما ارتفع عما جاوره سواء جرى فيها ماء أو لم يجر، وقال الحسن: الربوة الأرض المستوية التي لا تعلو فوق الماء، وهذا أيضاً أراد أنها ليست كالجبل والظرب ونحوه، قال الخليل أرض مرتفعة طيبة وخص الله بالذكر التي لا يجري فيها ماء من حيث هي العرف في بلاد العرب فمثل لهم بما يحسونه كثيراً، وقال السدي ﴿بربوة﴾ أي برباوة وهو ما انخفض من الأرض، قال أبو محمد: وهذه عبارة قلقة ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد، يقال «رُبوة)) بضم الراء وبها قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو. ويقال ((رَبوة)) بفتح الراء وبها قرأ عاصم وابن عامر، وكذلك خلافهم في سورة المؤمنين، ويقال رٍبوة بكسر الراء وبها قرأ ابن عباس فيما حكي عنه. ويقال رَباوة بفتح الراء والباء وألف بعدها، وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن، ويقال رباوة بكسر الراء وبها قرأ الأشهب العقيلي، ﴿وآتت﴾ معناه أعطت، و((الأكْل)) بضم الهمزة وسكون الكاف الثمر الذي يؤكل، والشيء المأكول من كل شيء يقال له أكل، وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص كسرج الدابة وباب الدار، وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ((أُكْلُها)) بضم الهمزة وسكون الكاف، وكذلك كل مضاف إلى مؤنث وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل أكله أو كان غير مضاف إلى مكنى مثل أكل خمط فثقل أبو عمرو ذلك، وخففاه، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه بالتثقيل. ويقال أكل 1 ٣٦٠ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٦٦ وأكل بمعنى، وهو من أكل بمنزلة الطعمة من طعم، أي الشيء الذي يطعم ويؤكل، و﴿ضعفين﴾ معناه: أثنين مما يظن بها ويحرز من مثلها، ثم أكد تعالى مدح هذه الربوة بأنها ﴿إن لم يصبها وابل﴾ فإن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل، وذلك لكرم الأرض، والطل المستدق من القطر الخفيف، قاله ابن عباس وغيره، وهو مشهور اللغة، وقال قوم الطل الندى، وهذا تجوز وتشبيه، وقد روي ذلك عن ابن عباس. قال المبرد: تقديره ﴿فطلِّ﴾ يكفيها. وقال غيره التقدير فالذي أصابهم طل، فشبه نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل حسب الحديث بنمو نبات هذه الجنة بالربوة الموصوفة، وذلك كله بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلداً، وفي قوله تعالى: ﴿والله بما تعملون بصير﴾ وعد ووعيد، وقرأ الزهري يعملون بالياء كأنه يريد به الناس أجمع. أو يريد المنفقين فقط فهو وعد محض. قوله عز وجل : أَيَوَدُّ أَحَدُ كُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُلَهُ فِيهَا مِن كُلِ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِيَّةُ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ حكى الطبري عن السدي أن هذه الآية مثل آخر لنفقة الرياء، ورجح هو هذا القول، وحكى عن ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، قال ثم ضرب في ذلك مثلاً فقال: ﴿أيود أحدكم) الآية. قال القاضي أبو محمد: وهذا أبين من الذي رجح الطبري، وليست هذه الآية بمثل آخر لنفقة الرياء، هذا هو مقتضى سياق الكلام، وأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، فلما جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئاً، وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالوا الله ورسوله أعلم، فقال وهو غاضب قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال له ابن عباس هذا مثل ضربه الله كأنه قال: أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير، فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء، فرضي ذلك عمر، وروى ابن أبي مليكة أن عمر تلا هذه الآية: ﴿أيود أحدكم﴾، وقال: هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملاً صالحاً حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه، عمل عمل السوء. قال القاضي أبو محمد: فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها، وقال بنحو هذا مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم، وخص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر. وقرأ الحسن ((جنات)) بالجمع، وقوله ﴿من تحتها﴾ هو تحت بالنسبة إلى الشجر، والواو في قوله ﴿وأصابه﴾ واو الحال، وكذلك في قوله: ﴿وله﴾ و﴿ضعفاء﴾ جمع ضعيف وكذلك ضعاف، والـ ﴿إعصار﴾ الريح الشديدة العاصف التي فيها إحراق لكل ما مرت عليه، يكون ذلك في شدة الحر ويكون في شدة البرد وكل ذلك من فيح جهنم ونفسها كما تضمن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ! :