Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢٠٤ - ٢٠٨ قال القاضي أبو محمد: والحب له على الإرادة مزية إيثار، فلو قال أحد: إن الفساد المراد تنقصه مزية الإيثار لصح ذلك، إذ الحب من الله تعالى إنما هو لما حسن من جميع جهاته . وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله﴾ الآية، هذه صفة الكافر أو المنافق الذاهب بنفسه زهواً، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في نحو هذا. وقال بعض العلماء: كفى بالمرء إثماً أن يقول له أخوه اتق الله فيقول له: عليك نفسك، مثلك يوصيني؟. والعزة هنا المنعة وشدة النفس، أي اعتز في نفسه وانتخى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته به وألزمته أباه، ويحتمل لفظ الآية أن يكون أخذته العزة مع الإثم، فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلين، و﴿حسبه﴾ أي كافيه معاقبة وجزاء، كما تقول للرجل كفاك ما حل بك، وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل به، و﴿المهاد﴾ ما مهد الرجل لنفسه كأنه الفراش، ومن هذا الباب قول الشاعر: [الوافر] تَحِيَُّ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِعُ وقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه) الآية تتناول كل مجاهد في سبيل الله أو مستشهد في ذاته أو مغير منكر، والظاهر من هذا التقسيم أن تكون الآيات قبل هذه على العموم في الكافر بدليل الوعيد بالنار ويأخذ العصاة الذين فيهم شيء من هذا الخلق بحظهم من وعيد الآية، ومن قال إن الآيات المتقدمة هي في منافقين تكلموا في غزوة الرجيع قال: هذه الآية في شهداء غزوة الرجيع، ومن قال تلك في الأخنس قال: هذه في الأنصار والمهاجرين المبادرين إلى الإيمان. وقال عكرمة وغيره: هذه في طائفة من المهاجرين، وذكروا حديث صهيب أنه خرج من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعته قريش لترده، فنثر كنانته، وقال لهم: تعلمون والله إني لمن أرماكم رجلاً، والله لأرمينكم ما بقي لي سهم، ثم لأضربن بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فقالوا له: لا نتركك تذهب عنا غنياً وقد جئتنا صعلوكآً، ولكن دلنا على مالك ونتركك، فدلهم على ماله وتركوه، فهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال له: ((ربح البيع أبا يحيى))، فنزلت فيه هذه الآية، ومن قال قصد بالأول العموم قال في هذه كذلك بالعموم، و﴿يشري﴾ معناه يبيع، ومنه ﴿وشروه بثمن بخس﴾ [يوسف: ٢٠]، ومنه قول يزيد بن مفرغ الحميري: [مجزوء الكامل] وَشَرِيْتُ برداً لَيْتَنِي مِنْ بَعْدٍ بِرْدٍ كُنْتَ هَامَه وقال الآخر: [الكامل] يعطى بها ثمناً فَيَمْنَعُها وَيَقُولُ صَاحِبُهُ أَّ تَشْرِي ومن هذا تسمى الشراة كأنهم الذين باعوا أنفسهم من الله تعالى، وحكى قوم أنه يقال شرى بمعنى اشترى، ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب، لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها، اللهم إلا أن يقال إن عزم صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله تعالى فتستقيم اللفظة على معنى باع. وتأول هذه الآية عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم في مغيري ٢٨٢ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢٠٤ - ٢٠٨ المنكر، ولذلك قال علي وابن عباس: اقتتل الرجلان، أي قال المغير للمفسد: اتق الله، فأبى المفسد وأخذته العزة، فشری المغير نفسه من الله تعالى وقاتله فاقتتلا. وروي أن عمر بن الخطاب كان يجمع في يوم الجمعة شباباً من القرأة فيهم ابن عباس والحر بن قيس وغيرهما فيقرؤون بين يديه ومعه، فسمعَ عمر ابن عباس رضي الله عنهم يقول: اقتتل الرجلان، حين قرأ هذه الآية، فسأله عما قال، ففسر له هذا التفسير، فقال له عمر: (لله تلادك يا ابن عباس)). وقال أبو هريرة وأبو أيوب حين حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، ليس كما قالوا، بل هذا قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾ الآية. و﴿ابتغاء﴾ مفعول من أجله، ووقف حمزة على ﴿مرضاة﴾ بالتاء والباقون بالهاء. قال أبو علي: (وجه وقف حمزة بالتاء إما أنه على لغة من يقول طلحت وعلقمت، ومنه قول الشاعر: [الرجز] بل جوز تيهاء كظهر الحجفت وإما أنه لما كان المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما تثبت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد. وقوله تعالى: ﴿والله رؤوف بالعباد) ترجية تقتضي الحض على امتثال ما وقع به المدح في الآية كما في قوله تعالى: ﴿فحسبه جهنم﴾ تخويف يقتضي التحذير مما وقع به الذم في الآية. ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخول في السلم، وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي (السلم)) بفتح السين، وقرأ الباقون بكسرها في هذا الموضع، فقيل: هما بمعنى واحد، يقعان للإسلام وللمسالمة. وقال أبو عمرو بن العلاء: ((السِّلم بكسر السين الإسلام، وبالفتح المسالمة))، وأنكر المبرد هذه التفرقة، ورجح الطبري حمل اللفظة على معنى الإسلام، لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالانتداب إلى الدخول في المسالمة، وإنما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجنح للسلم إذا جنحوا لها، وأما أن يبتدىء بها فلا . واختلف بعد حمل اللفظ على الإسلام من المخاطب؟ فقالت فرقة: جميع المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أمرهم بالثبوت فيه والزيادة من التزام حدوده، ويستغرق ﴿كافة﴾ حينئذ المؤمنين وجميع أجزاء الشرع، فتكون الحال من شيئين، وذلك جائز، نحو قوله تعالى: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾ [مريم: ٢٧]، إلى غير ذلك من الأمثلة. وقال عكرمة: ((بل المخاطب من آمن بالنبي من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره)). وذلك أنهم ذهبوا إلى تعظيم يوم السبت وكرهوا لحم الجمل وأرادوا استعمال شيء من أحكام التوراة وخلط ذلك بالإسلام فنزلت هذه الآية فيهم، فـ ﴿كافة﴾ على هذا الإجزاء الشرع فقط. وقال ابن عباس: ((نزلت الآية فى أهل الكتاب))، والمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الإسلام بمحمد كافة، ف﴿كافة﴾ على هذا الإجزاء الشرع وللمخاطبين على من يرى السلم الإسلام، ومن ٢٨٣ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢٠٩ - ٢١٢ يراها المسالمة يقول: أمرهم بالدخول في أن يعطوا الجزية، و﴿كافة﴾ معناه جميعاً، والمراد بالكافة الجماعة التي تكف مخالفها، وقيل: إن ﴿كافة﴾ نعت لمصدر محذوف، كأن الكلام: دخله كافة، فلما حذف المنعوت بقي النعت حالاً، وتقدم القول في ﴿خطوات﴾، والألف واللام في ﴿الشيطان﴾ للجنس، و ﴿عدو﴾ يقع على الواحد والاثنين والجميع، و ﴿مبين﴾ يحتمل أن يكون بمعنى أبان عداوته وأن يكون بمعنى بان في نفسه أنه عدو، لأن العرب تقول: بان الأمر وأبان بمعنى واحد. قوله عز وجل : أهَلّ فَإِن زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَنْكُمُ الْبَيِّنَتُ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَّمِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُجَعُ سَلْ بَنِيّ إِسْرَاءِيلَ كُمْ ءَاتَيْنَهُم مِّنْ ءَايَةِ بَيِّنَةٍ وَ مَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَتَّهُ فَإِنَّ ٢١٠ اُلْأُمُورُ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿ أَزُ يِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَوْاْ ٢١٢ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ قرأ جمهور الناس ((زلَلتم)) بفتح اللام، وقرأ أبو السمال ((زللتم)) بكسرها، وأصل الزلل في القدم ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، والمعنى ضللتم وعجتم عن الحق، و﴿البينات﴾ محمد وآياته ومعجزاته إذا كان الخطاب أولاً لجماعة المؤمنين، وإذا كان الخطاب لأهل الكتابين، فالبينات ما ورد في شرائعهم من الإعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم والتعريف به، و﴿عزيز﴾ صفة مقتضية أنه قادر علیکم لا تعجزونه، ولا تمتنعون منه، و ﴿حكيم﴾ أي محکم فیما یعاقبكم به لزللكم. وحكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن، فأقرأه الذي كان يعلمه: فاعلموا أن الله غفور رحيم، فقال كعب: إني لأستنكر أن يكون هكذا، ومر بهما رجل، فقال كعب: كيف تقرأ هذه الآية؟، فقرأ الرجل: ﴿فاعلموا أن الله عزيز حكيم﴾، فقال كعب: هكذا ينبغي. وقوله تعالى: ﴿هل ينظرون﴾ الآية، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، و﴿هل﴾ من حروف الابتداء كأما، و﴿ينظرون﴾ معناه ينتظرون. والمراد هؤلاء الذين يزلون، والظلل جمع ظلة وهي ما أظل من فوق، وقرأ قتادة والضحاك ((في ظلال)»، وكذلك روى هارون بن حاتم عن أبي بكر عن عاصم هنا، وفي الحرفين في الزمر. وقال عكرمة: ﴿ظلل﴾ طاقات، وقرأ الحسن ويزيد بن القعقاع وأبو حيوة ((والملائكةٍ)) بالخفض عطفاً على ﴿الغمام﴾، وقرأ جمهور الناس بالرفع عطفاً على ﴿الله﴾، والمعنى يأتيهم حكم الله وأمره ونهيه وعقابه إياهم، وذهب ابن جريج وغيره إلى أن هذا التوعد هو بما يقع في الدنيا. وقال قوم: بل هو توعد بيوم القيامة، وقال قوم: قوله ﴿إلا أن يأتيهم الله﴾ وعيد بيوم القيامة، وأما الملائكة فالوعيد هو بإتيانهم عند الموت، و ﴿الغمام﴾ أرق السحاب وأصفاه وأحسنه، وهو الذي ظلل به بنو إسرائيل. ! أ ٢٨٤ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢٠٠٩ - ٢١٢ وقال النقاش: ((هو ضباب أبيض))، وفي قراءة ابن مسعود ((إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام)»، و﴿قضي الأمر﴾ معناه وقع الجزاء وعذب أهل العصيان، وقرأ معاذ بن جبل ((وقضاء الأمر))، وقرأ يحيى بن يعمر ((وقضى الأمور)) بالجمع، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ((تَرجع)) على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الباقون ((تُرجَع)) على بنائه للمفعول، وهي راجعة إليه تعالى قبل وبعد، وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿سل بني إسرائيل) الآية، الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وفيه إباحة السؤال لمن شاء من أمته، ومعنى الآية توبيخهم على عنادهم بعد الآيات البينة. وقرأ أبو عمرو في رواية عباس عنه ((اسأل)) على الأصل، وقرأ قوم ((اسل) على نقل الحركة إلى السين وترك الاعتداد بذلك في إبقاء ألف الوصل على لغة من قال الحمر، ومن قرأ ((سل)) فإنه أزال ألف الوصل حين نقل واستغنى عنها. و﴿كم) في موضع نصب إما بفعل مضمر بعدها لأن لها صدر الكلام، تقديره كم آتينا آتيناهم، وإما بـ ﴿آتيناهم﴾. وقوله: ﴿من آية﴾ هو على التقدير الأول مفعول ثان لـ ﴿آتيناهم)، وعلى الثاني في موضع التمييز. ويصح أن تكون ﴿كم﴾ في موضع رفع بالابتداء والخبر في ﴿آتيناهم﴾. ويصير فيه عائد على ﴿كم﴾ تقديره كم آتيناهموه، والمراد بالآية: كم جاءهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم من آية معرفة به دالة عليه ، و﴿نعمة الله﴾ لفظ عام لجميع أنعامه، ولكن يقوي من حال النبي معهم أن المشار إليه هنا محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: ومن يبدل من بني إسرائيل صفة نعمة الله، ثم جاء اللفظ منسحباً على كل مبدل نعمة لله تعالى . وقال الطبري: ((النعمة هنا الإسلام)»، وهذا قريب من الأول، ويدخل في اللفظ أيضاً كفار قريش الذين بعث محمد منهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفراً، والتوراة أيضاً نعمة على بني إسرائيل أرشدتهم وهدتهم، فبدلوها بالتحريف لها وجحد أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: ﴿فإن الله شديد العقاب﴾ خبر يقتضي ويتضمن الوعيد، و﴿العقاب﴾ مأخوذ من العقب، كأن المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب وعقبة القدر. وقوله تعالى: ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا﴾ المزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضاً الشيطان بوسوسته وإغوائه، وقرأ مجاهد وحميد بن قيس وأبو حيوة ((زَيَن)) على بناء الفعل للفاعل ونصب ((الحياة))، وقرأ ابن أبي عبلة ((زينت)) بإظهار العلامة، والقراءة دون علامة هي للحائل ولكون التأنيث غير حقيقي، وخص الذين كفروا الذكر لقبولهم التزيين جملة وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة سببها، والتزيين من الله تعالى واقع للكل، وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملاً، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قدم عليه بالمال: ((اللهم إنّا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زینت لنا». وقوله تعالى: ﴿ويسخرون﴾ إشارة إلى كفار قريش لأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها ويسخرون من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم كبلال وصهيب وابن مسعود وغيرهم، فذكر الله قبيح فعلهم ونبه على خفض منزلتهم بقوله: ﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾، ومعنى الفوق هنا في الدرجة ٢٨٥ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢١٤،٢١٣ والقدر فهي تقتضي التفضيل وإن لم يكن للكفار من القدر نصيب، كما قال تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً﴾ [الفرقان: ٢٤]، وتحتمل الآية أن المتقين هم في الآخرة في التنعم والفوز بالرحمة فوق ما هم هؤلاء فيه في دنياهم، وكذلك خير مستقراً من هؤلاء في نعمة الدنيا، فعلى هذا الاحتمال وقع التفضيل في أمر فيه اشتراك، وتحتمل هذه الآية أن يراد بالفوق المكان من حيث الجنة في السماء والنار في أسفل السافلين، فيعلم من ترتيب الأمكنة أن هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وتحتمل الآيتان أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار، فإنهم كانوا يقولون: وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم، ومنه حديث خباب مع العاصي بن وائل، وهذا كله من التحميلات حفظ لمذهب سيبويه والخليل في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك. وقوله تعالى: ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب) يحتمل أن يكون المعنى: والله يرزق هؤلاء الكفرة في الدنيا فلا تستعظموا ذلك ولا تقيسوا عليه الآخرة، فإن الرزق ليس على قدر الكفر والإيمان بأن يحسب لهذا عمله ولهذا عمله فيرزقان بحساب ذلك، بل الرزق بغير حساب الأعمال، والأعمال ومجازاتها محاسبة ومعادة إذ أجزاء الجزاء تقابل أجزاء الفعل المجازى عليه، فالمعنى أن المؤمن وإن لم يرزق في الدنيا فهو فوق يوم القيامة، وتحتمل الآية أن يكون المعنى أن الله يرزق هؤلاء المستضعفين علو المنزلة بكونهم فوق، وما في ضمن ذلك من النعيم بغير حساب، فالآية تنبيه على عظم النعمة عليهم وجعل رزقهم بغير حساب، حيث هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينفد، ويحتمل أن يكون ﴿بغير حساب﴾ صفة لرزق الله تعالى كيف تصرف، إذ هو جلت قدرته لا ينفق بعد، ففضله كله بغير حساب، ويحتمل أن يكون المعنى في الآية من حيث لا يحتسب هذا الذي يشاؤه الله، كأنه قال بغير احتساب من المرزوقين، كما قال تعالى: ﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق: ٣]، وإن اعترض معترض على هذه الآية بقوله تعالى: ﴿عطاء حساباً﴾ [النبأ: ٣٦]، فالمعنى في ذلك محسباً، وأيضاً فلو كان عداً لكان الحساب في الجزاء والمثوبة لأنها معادة وغير الحساب في التفضل والإنعام. قوله عز وجل : كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ ◌ِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلََّ الَّذِينَ أُوْتُوُهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تُهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَأْ بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاَللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ﴿١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْ خُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتُهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّآءُ وَزَلْزِ لُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُاللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِہِبُ ٢١٤ قال أبي بن كعب وابن زيد: المراد بـ ﴿الناس﴾ بنو آدم حين أخرجهم الله نسماً من ظهر آدم، أي كانوا على الفطرة. : ٢٨٦ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢١٤،٢١٣ وقال مجاهد: ((الناس آدم وحده)). وقال قوم: «آدم وحواء)). وقال ابن عباس وقتادة: ﴿الناس﴾ القرون التي كانت بين آدم ونوح، وهي عشرة، كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله تعالى نوحاً فمن بعده. وقال قوم: الناس نوح ومن في سفینته، کانوا مسلمین ثم بعد ذلك اختلفوا. وقال ابن عباس أيضاً: كان الناس أمة واحدة كفاراً، يريد في مدة نوح حين بعثه الله، و﴿كان﴾ على هذه الأقوال هي على بابها من المضي المنقضي، وتحتمل الآية معنى سابعاً وهو أن يخبر عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق. لولا منّ الله عليهم وتفضله بالرسل إليهم، فـ ﴿كان﴾ على هذا الثبوت لا تختص بالمضي فقط، وذلك كقوله تعالى: ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ٩٦ - ٩٩ - ١٠٠ - ١٥٢، الفرقان: ٧٠، الأحزاب: ٥ - ٥٩، الفتح: ١٤]، والأمة الجماعة على المقصد الواحد، ويسمى الواحد أمة إذا كان منفرداً بمقصد، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قس بن ساعدة: ((يحشر يوم القيامة أمة وحده))، وقرأ أبي بن كعب ((كان البشر أمة واحدة»، وقرأ ابن مسعود ((كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث))، وكل من قدر ﴿الناس﴾ في الآية مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا، وكل من قدرهم كفاراً كانت بعثة ﴿النبيين﴾ إليهم، وأول الرسل على ما ورد في الصحيح في حديث الشفاعة نوح، لأن الناس يقولون له: أنت أول الرسل، والمعنى إلى تقويم كفار وإلا فآدم مرسل إلى بنيه يعلمهم الدين والإيمان، و﴿مبشرين﴾ معناه بالثواب على الطاعة، و﴿منذرين﴾ معناه من العقاب على المعاصي، ونصب اللفظتين على الحال، و﴿الكتاب﴾ اسم الجنس، والمعنى جميع الکتب. وقال الطبري: ((الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوراة))، و(ليحكم﴾ مسند إلى الكتاب في قول الجمهور. وقال قوم: المعنى ليحكم الله، وقرأ الجحدري ((ليُحكّم)) على بناء الفعل للمفعول، وحكى عنه مکي ((لنحكم)). قال القاضي أبو محمد: وأظنه تصحيفاً لأنه لم يحك عنه البناء للمفعول كما حكى الناس، والضمير في ﴿فيه﴾ عائد على ﴿ما﴾ من قوله: ﴿فيما﴾، والضمير في ﴿فيه﴾ الثانية يحتمل العود على الكتاب ويحتمل على الضمير الذي قبله، والذين أوتوه أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيهاً منه تعالى على الشنعة في فعلهم والقبح الذي واقعوه. و﴿البيئات﴾ الدلالات والحجج، و﴿بغياً﴾ منصوب على المفعول له، والبغي التعدي بالباطل، و﴿هدى﴾ معناه أرشد، وذلك خلق الإيمان في قلوبهم، وقد تقدم ذكر وجوه الهدى في سورة الحمد، والمراد بـ ﴿الذين آمنوا﴾. من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. فقالت طائفة: معنى الآية: أن الأمم كذب بعضهم كتاب بعض فهدى الله أمة محمد التصديق بجمیعھا . ٢٨٧ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢١٤،٢١٣ وقالت طائفة: إن الله هدى المؤمنين للحق فيما اختلف فيه أهل الكتابين من قولهم: إن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً . وقال ابن زيد: من قبلتهم، فإن قبلة اليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى المشرق، ومن يوم الجمعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فلليهود غد، وللنصارى بعد غد»، ومن صيامهم وجميع ما اختلفوا فيه . وقال الفراء: في الكلام قلب، واختاره الطبري، قال: وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه. ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه وعساه غير الحق في نفسه، نحا إلى هذا الطبري في حكايته عن الفراء. قال القاضي أبو محمد: وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ورصفه، لأن قوله ﴿فهدى﴾ يقتضي أنهم أصابوا الحق، وتم المعنى في قوله ﴿فيه﴾، وتبين بقوله ﴿من الحق﴾ جنس ما وقع الخلاف فيه. قال المهدوي: ((وقدم لفظ الخلاف على لفظ الحق اهتماماً، إذ العناية إنما هي بذكر الاختلاف)). قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وليس هذا عندي بقوي، وفي قراءة عبد الله بن مسعود ((لما اختلفوا عنه من الحق)) أي عن الإسلام. و﴿بإذنه﴾ قال الزجّاج: معناه بعلمه، وقيل: بأمره، والإذن هو العلم والتمكين، فإن اقترن بذلك أمر صار أقوى من الإذن بمزية، وفي قوله تعالى: ﴿والله يهدي من يشاء﴾ رد على المعتزلة في قولهم إن العبد يستبد بهداية نفسه. وقوله تعالى: ﴿أم حسبتم﴾ الآية، (أم) قد تجيء لابتداء كلام بعد كلام وإن لم يكن تقسيم ولا معادلة ألف استفهام، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة ألف الاستفهام يبتدأ بها، و﴿حسبتم﴾ تطلب مفعولين، فقال النحاة ﴿أن تدخلوا﴾ تسد مسد المفعولين لأن الجملة التي بعد ﴿أن﴾ مستوفاة المعنى، ويصح أن يكون المفعول الثاني محذوفاً، تقديره أحسبتم دخولكم الجنة واقعاً، و﴿لما﴾، ولا يظهر أن يتقدر المفعول الثاني في قوله ﴿ولما يأتكم﴾ بتقدير أحسبتم دخولكم الجنة خلواً من أن يصيبكم ما أصاب من قبلكم، لأن ﴿خلوا﴾ حال، والحال هنا إنما تأتي بعد توفية المفعولين، والمفعولان هما الابتداء والخبر قبل دخول حسب، و﴿البأساء﴾: في المال، و﴿الضراء﴾: في البدن، و﴿خلوا﴾ معناه انقرضوا، أي صاروا في خلاء من الأرض. وهذه الآية نزلت في قصة الأحزاب حين حصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة، هذا قول قتادة والسدي وأكثر المفسرين. وقالت فرقة: نزلت الآية تسلية للمهاجرين الذين أصيبت أموالهم بعدهم في بلادهم وفتنوا هم قبل ذلك، و﴿مثل﴾ معناه شبه، فالتقدير شبه آتى الذين ﴿خلوا﴾، والزلزلة شدة التحريك، تكون في الأشخاص وفي الأحوال، ومذهب سيبويه أن ((زلزل)) رباعي كـ ((دحرج)). ٢٨٨ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢١٥ - ٢١٧ وقال الزجّاج: ((هو تضعيف في زل)) فيجيء التضعيف على هذا في الفاء، وقرأ الأعمش ((وزلزلوا ويقول الرسول)» بالواو بدل حتى، وفي مصحف ابن مسعود ((وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول الرسول))، وقرأ نافع (يقولُ)) بالرفع، وقرأ الباقون ((يقولَ)) بالنصب، فـ ﴿حتى﴾ غاية مجردة تنصب الفعل بتقدير إلى أن، وعلى قراءة نافع كأنها اقترن بها تسبيب فهي حرف ابتداء ترفع الفعل، وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك ولا ارتياب، و﴿الرسول﴾ اسم الجنس، وذكره الله تعظيماً للنازلة التي دعت الرسول إلى هذا القول، وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول الرسول ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان. قال القاضي أبو محمد: وهذا تحكم، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر، ويحتمل أن يكون ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾ إخباراً من الله تعالى مؤتنفاً بعد تمام ذكر القول. قوله عز وجل : يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَاَلْبَ وَالْسَكِينِ وَآَبْنِ السَكِيلُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّاللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ (٤٥ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَّكُزْهُ لَّكُمْ وَعَسَىَّ أَنْ تَكّرَهُواْ شَيْئًاوَهُوَ خَيْرٌلَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّلَّكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُوْلَا يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ٢١٦ تَعْلَمُونَ وَكُفْرَّبِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبُ مِنَ الْقَتْلُ السائلون هم المؤمنون، والمعنى يسألونك ما هي الوجوه التي ينفقون فيها وأين يضعون ما لزم إنفاقه، و((ما)) يصح أن تكون في موضع رفع على الابتداء، و((ذا)) خبرها، فهي بمعنى الذي، و﴿ينفقون﴾ صلة، وفيه عائد على ((ذا)) تقديره ينفقونه، ويصح أن تكون ﴿ماذا﴾ اسماً واحداً مركباً في موضع نصب بـ ﴿ينفقون﴾، فيعرى من الضمير، ومتى كانت اسماً مركباً فهي في موضع نصب لا ما جاء من قول الشاعر: [الطويل]. وَمَاذا عَسَىْ الْوَاشُونِ أَنْ يَتَحَدَّثُوا سِوَى أَنْ يَقُولُوا إِنّنِي لَكِ عاشقُ فإن عسى لا تعمل، فماذا في موضع رفع وهو مركب إذ لا صلة لذا. قال قوم: هذه الآية في الزكاة المفروضة، وعلى هذا نسخ منها الوالدان ومن جرى مجراهما من الأقربین. وقال السدي: ((نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة، ثم نسختها الزكاة المفروضة))، ووهم المهدوي على السدي في هذا فنسب إليه أنه قال إن الآية في الزكاة المفروضة، ثم نسخ منها الوالدان، وقال ابن ٢٨٩ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢١٥ - ٢١٧ جريج وغيره: هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها، واليتم فقد الأب قبل البلوغ، وتقدم القول في المسكين و﴿ابن السبيل﴾، و﴿ما تفعلوا﴾ جزم بالشرط، والجواب في الفاء، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((يفعلوا)) بالياء على ذكر الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة، و﴿كتب﴾ معناه فرض، وقد تقدم مثله، وهذا هو فرض الجهاد، وقرأ قوم ((كتب عليكم القتل)). وقال عطاء بن أبي رباح: ((فرض القتال على أعيان أصحاب محمد، فلما استقر الشرع وقيم به صار على الكفاية))، وقال جمهور الأمة: أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة للإسلام، فهو حينئذ فرض عين، وذكر المهدوي وغيره عن الثوري أنه قال: الجهاد تطوع. وهذه العبارة عندي إنما هي على سؤال سائل وقد قيم بالجهاد. فقيل له: ذلك تطوع وال ﴿كُره﴾ بضم الكاف الاسم، وفتحها المصدر. وقال قوم ((الكره) بفتح الكاف ما أكره المرء عليه، و ((الكُره) ما كرهه هو. وقال قوم : هما بمعنى واحد. وقوله تعالى ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً﴾ الآية، قال قوم ﴿عسى﴾ من الله واجبة، والمعنى عسى أن تکرهوا ما في الجهاد من المشقة ﴿وهو خير لكم﴾ في أنکم تغلبون وتظهرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيداً، ﴿وعسى أن تحبوا﴾ الدعة وترك القتال ﴿وهو شر لكم﴾ في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم، وفي قوله تعالى ﴿والله يعلم﴾ الآية قوة أمر. وقوله تعالى ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾ الآية، نزل في قصة عمروبن الحضرمي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية عليها عبد الله بن جحش الأسدي مقدمه من بدر الأولى، فلقوا عمرو بن الحضرمي ومعه عثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل المخزوميان والحكم بن كيسان في آخر يوم من رجب على ما ذكر ابن إسحاق، وفي آخر يوم من جمادى الآخرة على ما ذكره الطبري عن السدي وغيره. والأول أشهر، على أن ابن عباس قد ورد عنه أن ذاك كان في أول ليلة من رجب والمسلمون يظنونها من جمادى، وأن القتل في الشهر الحرام لم يقصدوه، وأما على قول ابن إسحاق فإنهم قالوا إن تركناهم اليوم دخلوا الحرم فأزمعوا قتالهم، فرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وأسر عثمان بن عبد الله والحكم، وفر نوفل فأعجزهم، واستسهل المسلمون هذا في الشهر الحرام خوف فوتهم، فقالت قريش: محمد قد استحل الأشهر الحرم، وعيروا بذاك، وتوقف النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم، فنزلت هذه الآية. وذكر المهدوي أن سبب هذه الآية أن عمرو بن أمية الضمري قتل رجلين من بني كلاب في رجب فنزلت، وهذا تخليط من المهدوي. وصاحبا عمرو كان عندهما عهد من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عمرو قد أفلت من قصة بئر معونة، وذكر الصاحب بن عباد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن ٢٩٠ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢١٥ - ٢١٧ جحش سمي أمير المؤمنين في ذلك الوقت، لكونه مؤمراً على جماعة من المؤمنين، و ﴿قتال﴾ بدل عند سيبويه، وهو بدل الاشتمال. وقال الفراء: هو خفض بتقدير عن. وقال أبو عبيدة ((هو خفض على الجوار))، وقوله هذا خطأ، وفي مصحف عبد الله بن مسعود ((يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه)) بتكرير عن، وكذلك قرأها الربيع والأعمش، وقرأ عكرمة ((عن الشهر الحرام قتل فيه قل قتل)) دون ألف فيهما، و﴿الشهر﴾ في الآية اسم الجنس، وكانت العرب قد جعل الله لها ﴿الشهر الحرام﴾ قواماً تعتدل عنده، فكانت لا تسفك دماً ولا تغير في الأشهر الحرم، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يغزو فيها إلا أن يغزى، فذلك قوله تعالى ﴿قل قتال فيه كبير﴾، و﴿صد﴾ مبتدأ مقطوع مما قبله، والخبر ﴿أكبر﴾، و﴿المسجد﴾ معطوف على ﴿سبيل الله﴾، وهذا هو الصحيح. وقال الفراء: ﴿صد﴾ عطف على ﴿كبير﴾، وذلك خطأ، لأن المعنى يسوق إلى أن قوله ﴿وكفر به﴾ عطف أيضاً على ﴿كبير﴾، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله، وهذا بين فساده، ومعنى الآية على قول الجمهور: إنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ومن كفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد عنه كما فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر جرماً عند الله . وقال الزهري ومجاهد وغيرهما: قوله ﴿قل قتال فيه كبير﴾ منسوخ بقوله (وقاتلوا المشركين كافة﴾ [التوبة: ٣٦]، وبقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]. وقال عطاء: ((لم تنسخ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم))، وهذا ضعيف. وقوله تعالى: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾ المعنى عند جمهور المفسرين، والفتنة التي كنتم تفتنون المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشد اجتراماً من قتلكم في الشهر الحرام، وقيل: المعنى والفتنة أشد من أن لو قتلوا ذلك المفتون، أي فعلكم على كل إنسان أشد من فعلنا. وقال مجاهد وغيره: ﴿الفتنة﴾ هنا الكفر أي كفركم أشد من قتلنا أولئك. قوله عز وجل : وَلَ يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَقَّى يَرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُواْ وَ مَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنِدِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةٌ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْوَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ ٢٩١ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢١٧ - ٢٢٠ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًا وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَّ (٦) فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ قوله تعالى: ﴿ولا يزالون﴾ ابتداء خبر من الله - عز وجل - وتحذير منه للمؤمنين من شر الكفرة، و﴿يردوكم﴾ نصب بـ (حتى) لأنها غاية مجردة، وقوله تعالى ﴿ومن يرتدد﴾ [أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر، قالت طائفة من العلماء: يستتاب المرتد فإن تاب وإلا قتل. وقال عبيد بن عمير وطاوس والحسن - على خلاف عنه - والشافعي في أحد قوليه: يقتل دون أن يستتاب، وروي نحو هذا عن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل. قال القاضي أبو محمد: ومقتضى قولهما إنه يقال له للحين: راجع، فإن أبى ذلك قتل، وقال عطاء ابن أبي رباح: ((إن كان المرتد ابن مسلمين قتل دون استتابة وإن كان أسلم ثم ارتد استتيب»، وذلك لأنه يجهل من فضل الإسلام ما لا يجهل ابن المسلمين، واختلف القائلون بالاستتابة: فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستتاب ثلاثة أيام. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه . وقال الزهري: ((يدعى إلى الإسلام فإن تاب وإلا قتل)). وروي عن علي أبي طالب رضي الله عنه أنه استتاب مرتداً شهراً فأبى فقتله، وقال النخعي والثوري : يستتاب محبوساً أبداً، قال ابن المنذر: واختلفت الآثار عن عمر في هذا الباب. قال القاضي أبو محمد: كان رضي الله عنه ينفذ بحسب جرم ذلك المرتد أو قلة جرمه المقترن بالردة، وحبط العمل إذا انفسد في آخر فبطل، وقرأ أبو السمال ((حبطت)) بفتح الباء في جميع القرآن. وقال علي بن أبي طالب والحسن والشعبي والحكم والليث وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه: ميراث المرتد لورثته من المسلمين، وقال مالك وربيعة وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور: ميراثه في بيت المال، وأجمع الناس على أن ورثته من أهل الكفر لا يرثونه إلا شذوذاً، روي عن عمر بن عبد العزيز وعن قتادة، وروي عن عمر بن عبد العزیز خلافه. وقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا﴾ الآية، قال جندب بن عبد الله وعروة بن الزبير وغيرهما: لما قتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ خمسه الذي وفق في فرضه له عبد الله بن جحش وفي الأسيرين، فعنف المسلمون عبد الله بن جحش وأصحابه حتى شق ذلك عليهم، فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية في الشهر الحرام، ثم بذكرهم والإشارة إليهم في قوله: ﴿إن الذين آمنوا﴾، ثم هي باقية في كل من فعل ما ذكر الله عز وجل، وهاجر الرجل إذا انتقل نقلة إقامة من موضع إلى موضع وقصد ترك الأول إيثاراً للثاني، وهي مفاعلة من هجر، ومن قال المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله، وجاهد مفاعلة من جهد إذا استخرج الجهد، ﴿ويرجون﴾ ٢٩٢ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢١٧ - ٢٢٠ معناه يطمعون ويستقربون، والرجاء تنعم، والرجاء أبداً معه خوف ولا بد، كما أن الخوف معه رجاء، وقد يتجوز أحياناً ويجيء الرجاء بمعنى ما يقارنه من الخوف، كما قال الهذلي : [الطويل] إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا وَحَالَفَهَا فِي بَيْتِ نَوْبٍ عَوَامِلُ وقال الأصمعي: ((إذا اقترن حرف النفي بالرجاء كان بمعنى الخوف))، كهذا البيت، وكقوله عز وجل: ﴿لا يرجون لقاءنا﴾ [سورة يونس: الآيات: ٧ - ١١ - ١٥، سورة الفرقان: الآية ٢١]، المعنى لا يخافون، وقد قيل: إن الرجاء في الآية على بابه، أي لا يرجون الثواب في لقائنا، وبإزاء ذلك خوف العقاب، وقال قوم: اللفظة من الأضداد دون تجوز في إحدى الجهتين، وليس هذا بجيد، وقال الجاحظ في كتاب البلدان: ((إن معنى قوله لم يرج لسعها أي لم يرج برء لسعها وزواله، فهو يصبر عليه))، وباقي الآية وعد. وقوله تعالى ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية، السائلون هم المؤمنون، و ﴿الخمر﴾ مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((خمروا الإناء))، ومنه خمار المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره، ومنه قول الشاعر: ألا يا زيد والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريق أي سيرا مدلين فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر بها الذئب وغيره، ومنه قول العجاج: في لامِعِ العقْبَانِ لاَ يَمْشِي الخَمر يصف جيشاً جاء برايات غير مستخف، ومنه قولهم دخل فلان في غمار الناس وخمارهم، أي هو بمكان خاف، فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطي عليه سميت بذلك، والخمر ماء العنب الذي غلي ولم يطبخ أو طبخ طبخاً لم يكف غليانه، وما خامر العقل من غير ذلك فهو في حكمه. قال أبو حنيفة: قد تكون الخمر من الحبوب، قال ابن سيده: وأظنه تسفحاً منه، لأن حقيقة الخمر إنما هي ماء العنب دون سائر الأشياء، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الخمر من هاتين الشجرتين: العنب والنخلة)»، وحرمت الخمر بالمدينة يوم حرمت وهي من العسل والزبيب والتمر والشعير والقمح، ولم تكن عندهم خمر عنب، وأجمعت الأمة على خمر العنب إذا غلت ورمت بالزبد أنها حرام قليلها وكثيرها، وأن الحد واجب في القليل منها والكثير، وجمهور الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره. والحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب، فما لا يسكر منه حلال، وإذا سكر أحد منه دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف يرده النظر، وأبو بكر الصديق وعمر الفاروق والصحابة على خلافه، وروي أن النبي عليه السلام قال: ((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام))، قال ابن المنذر في الإشراف: ((لم يبق هذا الخبر مقالة لقائل ولا لحجة لمحتج))، وروي أن هذه الآية أول تطرق إلى تحريم الخمر، ثم بعده ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣]، ثم قوله : ٢٩٣ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢١٧ - ٢٢٠ تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون﴾، [المائدة: ٩١]، ثم قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والانصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حرمت الخمر))، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في حد الخمر إلا أنه جلد أربعين، خرجه مسلم وأبو داود، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ضرب فيها ضرباً مشاعاً، وحزره أبو بكر أربعين سوطاً، وعمل بذلك هو ثم عمر، ثم تهافت الناس فيها فشدد عليهم الحد وجعله كأخف الحدود ثمانين، وبه قال مالك، وقال الشافعي بالأربعين، وضرب الخمر غير شديد عند جماعة من العلماء لا يبدو إبط الضارب، وقال مالك: ((الضرب كله سواء لا يخفف ولا يبرح))، ويجتنب من المضروب الوجه والفرج والقلب والدماغ والخواصر بإجماع، وقالت طائفة: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠]، يريد ما في قوله ﴿ومنافع للناس﴾ من الإباحة والإشارة إلى الترخيص. و ﴿الميسر﴾ مأخوذ من يسر إذا جزر، والياسر الجازر، ومنه قول الشاعر: فَلَمْ يَزَلْ بِكَ واشيهِمْ وَمَكْرُهُمْ حَتَّى أَشَاطُوا بِغْيِبٍ لَحْمَ مَنْ يَسَرُوا ومنه قول الآخر: أَقُولُ لَهُمْ بِالشَّعْبِ إِذْ يَيْسِرونني أَلَمْ تَيْأُسُوا إِنّي ابْنُ فَارِسٍ زهدمٍ ؟ والجزور الذي يستهم عليه يسمى ميسراً لأنه موضع اليسر، ثم قيل للسهام ميسر للمجاورة. وقال الطبري: ((الميسر مأخوذ من يسر لي هذا إذا وجب وتسنى))، ونسب القول إلى مجاهد، ثم جلب من نص كلام مجاهد ما هو خلاف لقوله، بل أراد مجاهد الجزر، واليسر: الذي يدخل في الضرب بالقداح، وجمعه أيسار وقيل يسر جمع ياسر، كحارس وحرس وأحراس، وسهام الميسر سبعة لها حظوظ وفيها فروض على عدة الحظوظ، وثلاثة لا حظوظ لها، ولا فروض فيها، وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى، والثلاثة التي لا حظوظ لها المنيح والسفيح والوغد، تزاد هذه الثلاثة لتكثر السهام وتختلط على الحرضة وهو الضارب بها، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلاً، وكانت عادة العرب أن تضرب بهذه القداح في الشتوة وضيق الوقت وكلب البرد على الفقراء، تشتري الجزور ويضمن الأيسار ثمنها ثم تنحر وتقسم على عشرة أقسام، وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور، فذكر أنها كانت على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرين قسماً، وليس كذلك. ثم يضرب على العشرة الأقسام، فمن فاز سهمه بأن يخرج من الربابة متقدماً أخذ أنصباءه وأعطاها الفقراء، وفي أحيان ربما تقامروا لأنفسهم ثم يغرم الثمن من لم يفز سهمه. ويعيش بهذه السيرة فقراء الحي، ومنه قول الأعشى: [السريع] والجاعلو القوت على الياسر المطعمو الضيف إذا ما شتا ومنه قول الآخر: [الطويل] بأيديهمُ مَقْرِومَةٌ وَمَغَالقٌ يَعُودُ بأرزاقِ، العُفَاةِ مَنِيحُها والمنيح في هذا البيت المستمنح، لأنهم كانوا يستعيرون السهم الذي قد أملس وكثر فوزه، فذلك ٢٩٤ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢١٧ - ٢٢٠ المنيح الممدوح، وأما المنيح الذي هو أحد الثلاثة الأغفال، فذلك إنما يوصف بالكر، وإياه أراد جرير بقوله: [الكامل] وَلَقَدْ عَطَفْنَ عَلَى فَزَارَةَ عَطْفَةٌ كَرِّ الْمَنيحِ وَجُلْنَ ثُمَّ مَجَالاً ومن المیسر قول لبید : [الطويل] فَوَاحِش يُنْعِى ذكرُها بِالْمَصَاِفِ إذا يَسِرُوا لَمْ يُورِثِ الْيُسْرُ بَيْنَهُمْ فهذا كله هو نفع الميسر، إلا أنه أكل المال بالباطل، ففيه إثم كبير، وقال محمد بن سيرين والحسن وابن عباس وابن المسيب وغيرهم: كل قمار ميسر من نرد وشطرنج ونحوه حتى لعب الصبيان بالجوز. وقوله تعالى: ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) الآية، قال ابن عباس والربيع: الإثم فيهما بعد التحريم، والمنفعة فيهما قبله، وقالت طائفة: الإثم في الخمر ذهاب العقل والسباب والافتراء والإذاية والتعدي الذي يكون من شاربها، والمنفعة اللذة بها كما قال حسان بن ثابت: وَنَشْرَبُهَا فََتْرُكُنَا ملوكاً وَأَسْداً ما يُنَهْنِهُنَا اللقَاءُ إلى غير ذلك من أفراحها، وقال مجاهد: ((المنفعةَ بها كسب أثمانها))، ثم أعلم الله عز وجل أن الإثم أكبر من النفع وأعود بالضرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم، وقرأ حمزة والكسائي ((كثير)» بالثاء المثلثة، وحجتها أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة: بائعها، ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، والمعصورة له، وساقيها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، فهذه آثام كثيرة، وأيضاً فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام، و((كثير)) بالثاء المثلثة يعطي ذلك، وقرأ باقي القراء وجمهور الناس ((كبير)) بالباء بواحدة، وحجتها أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر فوصفه بالكبير أليق، وأيضاً فاتفاقهم على ﴿أكبر﴾ حجة لكبير بالباء بواحدة، وأجمعوا على رفض أكثر بالثاء مثلثة، إلا ما في مصحف ابن مسعود فإن فيه ((قل فيهما إثم كثير وإثمهما أكثر)) بالثاء مثلثة في الحرفين، وقوله تعالى: ((فيهما إثم)) يحتمل مقصدين، أحدهما أن يراد في استعمالهما بعد النهي، والآخر أن يراد خلال السوء التي فيهما، وقال سعيد بن جبير: لما نزلت ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ كرهها قوم للإثم وشربها قوم للمنافع، فلما نزلت ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] تجنبوها عند أوقات الصلوات الخمس، فلما نزلت ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠] قال عمر بن الخطاب: ضيعة لك اليوم قرنت بالميسر والأنصاب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت الخمر. ولما سمع عمر بن الخطاب قوله تعالى: ﴿فهل أنتمْ منتهون﴾ [المائدة: ٩١] قال: ((انتهينا، انتهينا))، قال الفارسي: وقال بعض أهل النظر: حرمت الخمر بهذه الآية لأن الله تعالى قال: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم﴾ [الأعراف: ٣٣]، وأخبر في هذه الآية أن فيها إثماً، فهي حرام. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ليس هذا النظر بجيد لأن الإثم الذي فيها هو ٢٩٥ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٢٠، ٢٢١ الحرام، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر. وقال قتادة: ذم الله الخمر بهذه الآية ولم يحرمها. وقوله تعالى ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قال قيس بن سعد: ((هذه الزكاة المفروضة)). وقال جمهور العلماء: بل هي نفقات التطوع. وقال بعضهم: نسخت بالزكاة. وقال آخرون: هي محكمة وفي المال حق سوى الزكاة. و﴿ العفو﴾: هو ما ينفقه المرء دون أن يجهد نفسه وماله. ونحو هذا هي عبارة المفسرين، وهو مأخوذ من عفا الشيء إذا كثر، فالمعنى أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: ((من كان له فضل فلينفقه على نفسه، ثم على من يعول، فإن فضل شيء فليتصدق به))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((خير الصدقة ما أبقت غنى))، وفي حديث آخر: ((ما كان عن ظهر غنی)). وقرأ جمهور الناس ((العفو)) بالنصب، وقرأ أبو عمرو وحده ((العفوُ)) بالرفع، واختلف عن ابن كثير، وهذا متركب على ﴿ماذا﴾، فمن جعل ((ما)) ابتداء و(( ذا)» خبره بمعنى الذي وقدر الضمير في ﴿ينفقونه﴾ عائداً قرأ ((العفو)) بالرفع، لتصح مناسبة الجمل، ورفعه على الابتداء تقديره العفو إنفاقكم، أو الذي تنفقون العفو، ومن جعل ﴿ماذا﴾ اسماً واحداً مفعولاً بـ ﴿ينفقون﴾، قرأ ((قل العفو)) بالنصب بإضمار فعل، وصح له التناسب، ورفع ((العفوُ)) مع نصب ((ما) جائز ضعيف، وكذلك نصبه مع رفعها. وقوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ الإشارة إلى ما تقدم تبيينه من أمر الخمر والميسر والإنفاق، وأخبر تعالى أنه يبين للمؤمنين الآيات التي تقودهم إلى الفكرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريق النجاة لمن تنفعه فكرته، وقال مكي: ((معنى الآية أنه يبين للمؤمنين آيات في الدنيا والآخرة تدل عليهما وعلى منزلتيهما لعلهم يتفكرون في تلك الآيات، فقوله ﴿في الدنيا﴾ متعلق على هذا التأويل بـ﴿الآيات﴾، وعلى التأويل الأول وهو المشهور عن ابن عباس وغيره يتعلق ﴿في الدنيا﴾ بـ ﴿تتفكرون). قوله عز وجل : -- وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّىّ قُلْ إِصْلَاٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ (جَ وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ الْمُصْلِحَ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ ج مُؤْمِنُ خَيْرٌمِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْأَ عْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ ٢٢١ بِذْنِةٌ وَيُبَيِّنُ ءَايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قوله قبل ﴿في الدنيا﴾ ابتداء آية، وقد تقدم تعلقه، وكون ﴿تتفكرون) موقفاً يقوي تعلق ﴿في الدنيا﴾ بـ ﴿الآيات﴾، وقرأ طاوس ((قل أصلح لهم خير))، وسبب الآية فيما قال السدي والضحاك أن العرب كانت عادتهم أن يتجنبوا مال اليتيم ولا يخالطوه في مأكل ولا مشرب ولا شيء، فكانت تلك مشقة عليهم، فسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب: سببها أن المسلمين لما 1 ٢٩٦ تفسير سورة البقرة / الآيتان : ٢٢١٠،٢٢٠ نزلت ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ [الأنعام: ١٥٢] الآية ونزلت ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ [النساء: ١٠] تجنبوا اليتامى وأموالهم وعزلوهم عن أنفسهم، فنزلت ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ الآية، وقيل: إن السائل عبد الله بن رواحة، وأمر الله تعالى نبيه أن يجيب بأن من قصد الإصلاح في مال اليتيم فهو خير، وما فعل بعد هذا المقصد من مخالطة وانبساط بعوض منه فلا حرج، ورفع تعالى المشقة في تجنب اليتيم ومأكله ومشربه، وأباح الخلطة في ذلك إذا قصد الإصلاح ورفق اليتيم، مثال ذلك أن يكتفي اليتيم دون خلطة بقدر ما في الشهر، فإن دعت خلطة الولي إلى أن يزاد في ذلك القدر فهي مخالطة فساد، وإن دعت إلى الحط من ذلك القدر فهي مخالطة إصلاح، وقوله تعالى: ﴿فإخوانكم﴾ خبر ابتداء محذوف، وقوله ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ تحذير، والعنت المشقة، منه عنت العزبة، وعقبة عنوت أي شاقة، وعنت البعير إذا انكسر بعد جبر، فالمعنى: لأتعبكم في تجنب أمر اليتامى، ولكنه خفف عنكم، وقال ابن عباس: المعنى لأوبقكم بما سلف من نيلكم من أموال اليتامى، و﴿عزيز﴾ مقتضاه لا يرد أمره، و﴿حكيم﴾ أي محكم ما ينفذه. .-- وقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنْ﴾ الآية، قرأ جمهور الناس ((تنكحوا)) بفتح التاء، وقرئت في الشاذ بالضم كأن المتزوج لها أنكحها من نفسسه، ونكح أصله الجماع، ويستعمل في التزوج تجوزاً واتساعاً، وقالت طائفة: ﴿المشركات﴾ هنا من يشرك مع الله إلهاً آخر، فلم تدخل اليهوديات ولا النصرانيات في لفظ هذه الآية، ولا في معناها، وسببها قصة أبي مرثد كناز بن حصينٌ مع عناق التي كانت بمكة، وقال قتادة وسعيد بن جبير: لفظ الآية العموم في كل كافرة، والمراد بها الخصوص في الكتابيات، وبينت الخصوص آية المائدة ولم يتناول قط الكتابيات، وقال ابن عباس والحسن: تناولهن العموم ثم نسخت آية سورة المائدة بعض العموم في الكتابيات، وهذا مذهب مالك رحمه الله، ذكره ابن حبيب وقال: ((ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله مستثقل مذموم))، وكره مالك رحمه الله تزوج الحربيات لعلة ترك الولد في دار الحرب ولتصرفها في الخمر والخنزير، وأباح نكاح الكتابيات عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وجابر بن عبد الله وطلحة وعطاء بن أبي رباح وابن المسيب والحسن وطاوس وابن جبير والزهري والشافعي وعوام أهل المدينة والكوفة، ومنه مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق نكاح المجوسية، وقال ابن حنبل: لا يعجبني، وروي أن حذيفة بن اليمان تزوج مجوسية، وقال ابن الفصار: ((قال بعض أصحابنا: يجب ــ على أحد القولين أن لهم كتاباً - أن تجوز مناكحتهم)). وقال ابن عباس في بعض ماروي عنه إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات، وكل من كان على غير الإسلام حرام)). قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في سورة المائدة، وينظر إلى هذا قول ابن عمر في الموطأ: ((ولا أعلم إشراكاً أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى))، وروي عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا: نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما، ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة. قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يستند جيداً، وأسندمنه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا ٢٩٧ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٢١،٢٢٠ المومسات منهن، وروي عن ابن عباس نحو هذا، وقوله تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة﴾ إخبار أن المؤمنة المملوكة خير من المشركة وإن كانت ذات الحسب والمال ولو أعجبتكم في الحسن وغير ذلك، هذا قول الطبري وغيره، وقال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب، ثم ندم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، وقال: هي تصوم وتصلي وتشهد الشهادتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه مؤمنة. فقال ابن رواحة: لأعتقَنْها ولأتزوجنّها، ففعل، فطعن عليه ناس فنزلت الآية فيه، ومالك رحمه الله لا يجوز عنده نكاح الأمة الكتابية، وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أسلم وتحته أمة كتابية: إنه لا يفرق بينهما، وروى ابن وهب وغيره عن مالك أن الأمة المجوسية لا يجوز أن توطأ بملك اليمين، وأبو حنيفة وأصحابه يجيزون نكاح الإماء الكتابيات. وقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ الآية، أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على دين الإسلام، والقراء على ضم التاء من ﴿تنكحوا﴾، وقال بعض العلماء: إن الولاية في النكاح نص في لفظ هذه الآية. ﴿ولعبد مؤمن﴾ مملوك ﴿خير من مشرك﴾ حسيب ولو أعجبك حسنه وماله حسبما تقدم، وليس التفضيل هنا بلفظة ﴿خير﴾ من جهة الإيمان فقط لأنه لا اشتراك من جهة الإيمان، لكن الاشتراك موجود في المعاشرة والصحبة وملك العصمة وغير شيء، وهذا النظر هو على مذهب سيبويه في أن لفظة ((أفعل)) التي هي للتفضيل لا تصح حيث لا اشتراك. كقولك ((الثلج أبرد من النار))، والنور أضوأ من الظلمة))، وقال الفراء وجماعة من الكوفيين: تصح لفظة ((أفعل)) حيث الاشتراك وحيث لا اشتراك، وحكى مكي عن نفطويه أن لفظة التفضيل تجيء في كلام العرب إيجاباً للأول ونفياً عن الثاني . قال القاضي أبو محمد: وتحتمل الآية عندي أن يكون ذكر العبد والأمة عبارة عن جميع الناس حرهم ومملوكهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله))، وكما نعتقد أن الكل عبيد الله، وكما قال تعالى: ﴿نعم العبد إنه أواب﴾ [ص: ٣٠]، فكأن الكلام في هذه الآية: ولامرأة ولرجل. وقوله تعالى: ﴿أولئك﴾ الإشارة إلى المشركات والمشركين، أي أنَّ صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النسل، فهذا كله دعاء إلى النار مع السلامة من أن يدعو إلى دينه نصاً من لفظه، والله تعالى يمن بالهداية ويبين الآيات ويحض على الطاعات التي هي كلها دواع إلى الجنة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((والمغفرةُ)) بالرفع على الابتداء، والإذن العلم والتمكين، فإن انضاف إلى ذلك أمر فهو أقوى من الإذن، لأنك إذا قلت ((أذنت كذا)) فليس يلزمك أنك أمرت، و﴿لعلهم﴾ ترجٍّ في حق البشر، ومن تذكر عَمِلَ حسب التذكر فنجا. قوله عز وجل : وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِّ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّالْمُتَطَهِرِينَ (٦) نِسَآؤُكُمْ ٢٩٨ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢٢٢ - ٢٢٤ حَرْثٌّ لَّكُمْ فَأْتُوْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْلِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْأَنَّكُمْ مُلَقُوهُ وَبَشِرٍ اٌلْمُؤْمِنِينَ (*) وَلَا تَجْعَلُواْاللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٢٢٤ النَّاسُِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ذكر الطبري عن السدي أن السائل ثابت بن الدحداح، وقال قتادة وغيره: إنما سألوا لأن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها، فنزلت هذه الآية، وقال مجاهد: ((كانوا يتجنبون النساء في الحيض ويأتونهن في أدبارهنّ فنزلت الآية في ذلك)»، والمحيض مصدر كالحيض، ومثله المَقيل من قال يقيل. قال الراعي: [الكامل]. بُنِيَتْ مَرَافِقُهِنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ لا يستطيعُ بِهَا الْقُرَادُ مَقِيلًا وقال الطبري: ﴿المحيض﴾ اسم الحيض، ومنه قول رؤية في المعيش: [الرجز]. إليك أشكو شِدَّةَ المَعِيشِ وَمَرَّ أَعْوامٍ نَتَفْنَ ريشي و ﴿أذى﴾ لفظ جامع لأشياء تؤذي لأنه دم وقذر ومنتن ومن سبيل البول، وهذه عبارة المفسرين للفظة، وقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا﴾ يريد جماعهن بما فسر من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يشد الرجل إزار الحائض ثم شأنه بأعلاها، وهذا أصح ما ذهب إليه في الأمر، وبه قال ابن عباس وشريح وسعيد بن جبير ومالك وجماعة عظيمة من العلماء، وروي عن مجاهد أنه قال: ((الذي يجب اعتزاله من الحائض الفرج وحده)»، وروي ذلك عن عائشة والشعبي وعكرمة، وروي أيضاً عن ابن عباس وعبيدة السلماني أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت، وهذا قول شاذه وقد وقفت ابن عباس عليه خالته ميمونة رضي الله عنهما، وقالت له: أرغبة عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ . وقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه («يطْهُرْنَ)) بسكون الطاء وضم الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل عنه ((يطَّهَّرْنَ)) بتشديد الطاء والهاء وفتحهما، وفي مصحف أبيّ وعبد الله ﴿حتى يتطهرن﴾، وفي مصحف أنس بن مالك ((ولا تقربوا النساء في محيضهن، واعتزلوهن حتى يتطهرن»، ورجح الطبري قراءة تشديد الطاء وقال: هي بمعنى يغتسلن لإجماع الجميع على أن حراماً على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر، قال: وإنما الاختلاف في الطهر ما هو؟ فقال قوم: هو الاغتسال بالماء. وقال قوم: هو وضوء كوضوء الصلاة. وقال قوم: هو غسل الفرج وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة. ورجح أبو علي الفارسي قراءة تخفيف الطاء إذ هو ثلاثي مضاد لطمئت، وهو ثلاثي. قال القاضي أبو محمد: وكل واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه، وما ذهب إليه الطبري من أن قراءة شد الطاء مضمنها الاغتسال وقراءة التخفيف مضمنها انقطاع الدم: أمر غير لازم، وكذلك ادعاؤه الإجماع، أما إنه لا خلاف في كراهية الوطء قبل ٢٩٩ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢٢٢ - ٢٢٤ الاغتسال بالماء، وقال ابن عباس والأوزاعي: من فعله تصدق بنصف دينار، ومن وطىء في الدم تصدق بدينار، وأسند أبو داود عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: ((يتصدق بدينار أو بنصف دينار))، وقال ابن عباس: ((الدينار في الدم، والنصف عند انقضائه))، ووردت في الشدة في هذا الفعل آثار، وجمهور العلماء على أنه ذنب عظيم يتاب منه ولا كفارة فيه بمال، وذهب مالك رحمه الله وجمهور العلماء إلى أن الطهر الذي يحل جماع الحائض التي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهور الجنب، ولا يجزي من ذلك تيمم ولا غيره، وقال يحيى بن بكير وابن القرظي: إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلّت لزوجها وإن لم تغتسل. وقال مجاهد وعكرمة وطاوس: انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ. و﴿حتى﴾ غاية لا غير، و﴿تقربوهن﴾ يريد بجماع، وهذا من سد الذرائع، وقوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾ الآية، القراءة ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ بتاء مفتوحة وهاء مشددة، والخلاف في معناه كما تقدم من التطهير بالماء أو انقطاع الدم. ومجاهد وجماعة من العلماء يقولون هنا: إنه أريد الغسل بالماء، ولا بد بقرينة الأمر بالإتيان وإن كان قربهن قبل الغسل مباحاً، لكن لا تقع صيغة الأمر من الله تعالى إلا على الوجه الأكمل، و﴿فآتوهن﴾ إباحة، والمعنى (من حيث أمركم الله﴾ باعتزالهن وهو الفرج أو من السرة إلى الركبتين. أو جميع الجسد، حسبما تقدم. هذا كله قول واحد، وقال ابن عباس وأبو رزين: المعنى من قبل الطهر لا من قبل الحيض، وقاله الضحاك. وقال محمد بن الحنفية: المعنى من قبل الحلال لا من قبل الزنا، وقيل: المعنى من قبل حال الإباحة، لا صائمات ولا محرمات ولا غير ذلك. والتوابون: الراجعون، وعرفه من الشر إلى الخير، والمتطهرون: قال عطاء وغيره: المعنى بالماء، وقال مجاهد وغيره: المعنى من الذنوب، وقال أيضاً مجاهد: المعنى من إتيان النساء في أدبارهن. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن قوم لوط ﴿أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾ [الأعراف: ٨٢]، وقرأ طلحة بن مصرف ((المطّهّرين)) بشد الطاء والهاء. وقوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ الآية، قال جابر بن عبد الله والربيع: سببها أن اليهود قالت: إن الرجل إذا أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، وعابت على العرب ذلك، فنزلت الآية تتضمن الرد على قولهم، وقالت أم سلمة وغيرها: سببها أن قريشاً كانوا يأتون النساء في الفرج على هيئات مختلفة، فلما قدموا المدينة وتزوجوا أنصاريات أرادوا ذلك، فلم ترده نساء المدينة إذ لم تكن عادة رجالهم إلا الإتيان على هيئة واحدة وهي الانبطاح، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وانتشر كلام الناس في ذلك، فنزلت الآية مبيحة الهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، و﴿حرث﴾ تشبيه، لأنهنّ مزدرع الذرية، فلفظة ((الحرث)) تعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة، إذ هو المزدرع، وقوله ﴿أنى شئتم﴾ معناه عند جمهور العلماء من صحابة وتابعين وائمة: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة وعلى جنب، و﴿أنى﴾ إنما تجيء سؤالاً أو إخباراً عن أمر له جهات، فهي أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن متى، هذا هو الاستعمال العربي، وقد فسر الناس ﴿أَنّى﴾ في هذه الآية بهذه الألفاظ. وفسرها سيبويه بـ (كيف)) ومن أين باجتماعهما، وذهبت فرقة ممن فسرها بـ ((أين)) إلى أن الوطء في الدبر جائز، روي ذلك عن عبد الله بن عمر، وروي عنه خلافه وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به، ورويت الإباحة أيضاً ٣٠٠ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٦٢٢ - ٢٢٤ عن ابن أبي ملیکة ومحمد بن المنكدر، ورواها مالك عن یزید بن رومان عن سالم عن ابن عمر، وروي عن مالك شيء في نحوه، وهو الذي وقع في العتبية، وقد كذب ذلك على مالك، وروى بعضهم أن رجلاً فعل ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم الناس فيه، فنزلت هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصنف التسائي وفي غيره أنه قال: ((إتيان النساء في أدبارهن حرام)»، وورد عنه فيه أنه قال: ((ملعون من أثی امرأة في دبرها))، وورد عنه أنه قال: ((من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم))، وهذا هو الحق المتبع، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه، والله المرشد لا رب غيره. وقال السدي: معنى قوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ أي الأجر في تجنب ما نهيتم عنه وامتثال ما أمرتم به، وقال ابن عباس: ((هي إشارة إلى ذكر الله على الجماع))، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره)»، وقيل: معنى ﴿قدموا لأنفسكم﴾ طلب الولد، ﴿واتقوا الله﴾ تحذير، ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾ خبر يقتضي المبالغة في التحذير، أي فهو مجازيكم على البر والإثم، ﴿وبشر المؤمنين﴾ تأنيس لفاعلي البر ومتبعي سنن الهدى. وقوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) الآية، ﴿عرضة﴾ فعلة بناء للمفعول، أي كثيراً ما يتعرض بما ذكر، تقول ((جمل عرضة للركوب)) و((فرس عرضة للجري))، ومنه قول كعب بن زهير: [البسيط]. عرضتها طامس الاعلام مجهول من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت ومقصد الآية: ولا تعرضوا اسم الله تعالى للأيمان به، ولا تكثروا من الأيمان فإن الحنث مع الإكثار، وفيه قلة رعي لحق الله تعالى، ثم اختلف المتأولون: فقال ابن عباس وإبراهيم النخعي ومجاهد والربيع وغيرهم: المعنى فيما تريدون الشدة فيه من ترك صلة الرحم والبر والإصلاح. قال الطبري: ((التقدير لأن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا))، وقدره المهدوي: كراهة أن تبروا، وقال بعض المتأولين: المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح، فلا يحتاج إلى تقدیر ((لا)) بعد ((أن))، ويحتمل أن يكون هذا التأويل في الذي يريد الإصلاح بين الناس، فيحلف حانثاً ليكمل غرضه، ويحتمل أن يكون على ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((نزلت في تكثير اليمين بالله نهياً أن يحلف الرجل به برا فكيف فاجراً)، فالمعنى: إذا أردتم لأنفسكم البر وقال الزجاج وغيره: معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتل بالله تعالى، فقال عليّ يمين، وهو لم يحلف، و﴿أن تبروا﴾ مفعول من أجله، والبر جميع وجوه الخير. ((بر الرجل)) إذا تعلق به حكمها ونسبها كالحاج والمجاهد والعالم وغير ذلك. وهو مضاد للإثم، إذ هو الحكم اللاحق عن المعاصي. و﴿سميع﴾ أي لأقوال العباد ﴿عليم﴾ بنياتهم، وهو مجاز على الجميع.