Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٨٨ - ١٩٠
وقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة) الآية، قال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم: نزلت على سؤال
قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم عن الهلال وما فائدة محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس؟،
وجمع ﴿الأهلّة﴾ وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالاً في شهر غير كونه هلالاً في الآخر، فإنما جمع
أحواله من الهلالية، والهلال ليلتان بلا خلاف ثم يقمر، وقيل ثلاث.
وقال الأصمعي: هو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق، وقيل هو هلال حتى يبهر بضوئه
السماء وذلك ليلة سبع.
وقوله: ﴿مواقيت﴾ معناه لمحل الديون وانقضاء العدد والأكرية وما أشبه هذا من مصالح العباد،
ومواقيت الحج أيضاً يعرف بها وقته وأشهره، و﴿مواقيت﴾ لا ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الآحاد، فهو
جمع ونهاية إذ ليس يجمع، وقرأ ابن أبي إسحاق ((والحج)) بكسر الحاء في جميع القرآن، وفي قوله
((حج البيت)) في آل عمران.
قال سيبويه: الحج كالرد والشد، والحج كالذكر، فهما مصدران بمعنى، وقيل: الفتح مصدر والكسر
الاسم .
وقوله تعالى: ﴿وليس البر) الآية، قال البراء بن عازب والزهري وقتادة: سببها أن الأنصار كانوا إذا
حجوا أو اعتمروا يلتزمون تشرعاً أن لا يحول بينهم وبين السماء حائل، فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم على
الجدرات، وقيل: كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فتوحاً يدخلون منها ولا يدخلون من الأبواب، وقيل غير
هذا مما يشبهه فاختصرته، فجاء رجل منهم فدخل من باب بيته فعيّر بذلك، فنزلت الآية فيه.
وقال إبراهيم: ((كان يفعل ما ذكر قوم من أهل الحجاز)).
وقال السدي: ناس من العرب، وهم الذين يسمون الحمس، قال: فدخل النبي صلى الله عليه
وسلم باباً ومعه رجل منهم، فوقف ذلك الرجل وقال إني أحمس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وأنا
أحمس ، ونزلت الآية.
وروى الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل وخلفه رجل أنصاري فدخل وخرق عادة قومه، فقال
له النبي صلى الله عليه وسلم: لم دخلت وأنت قد أحرمت؟، قال: دخلت أنت فدخلت بدخولك، فقال له
النبي صلى الله عليه وسلم: إني أحمس، أي من قوم لا يدينون بذلك، فقال الرجل: وأنا ديني دينك،
فنزلت الآية .
وقال أبو عبيدة: الآية ضرب مثل، المعنى: ليس البر أن تسألوا الجھَّال ولكن اتقوا واسألوا العلماء،
فهذا كما يقال أتيت هذا الأمر من بابه .
وقال غير أبي عبيدة: ((المعنى ليس البر أن تشذوا في الأسئلة عن الأهلّة وغيرها فتأتون الأمور على
غير ما يجب)).
قال القاضي أبو محمد: وهذا يحتمل والأول أسدُّ، وأما ما حكاه المهدوي ومكي عن ابن الأنباري

٢٦٢
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٩١ - ١٩٤
من أن الآية مثل في جماع النساء فبعيد مغير نمط الكلام، وقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي ونافع بخلاف
عنه ((البيوت)) بكسر الباء، وقرأ بعض القراء (ولكنَّ البرَّ) بتشديد نون ((لكنَّ)) ونصب ((البرَّ))، وقد
تقدم القول على ﴿من﴾ في قوله ﴿من آمن بالله﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿واتقوا﴾ معناه اجعلوا بينكم وبين
عقابه وقاية، و﴿لعلكم﴾ ترجٍّ في حق البشر، والفلاح درك البغية.
وقوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ الآية، هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال.
قال ابن زيد والربيع: معناها قاتلوا من قاتلكم وكفوا عمن كف عنكم، ولا تعتدوا في قتال من لم
يقاتلوكم، وهذه الموادعة منسوخة بآية براءة، وبقوله: ﴿قاتلوا المشركين كافةٍ﴾ [التوبة: ٣٦].
وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: معنى الآية قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلكم، ولا
تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم، فهي محكمة على هذا القول، وقال قوم: المعنى لا
تعتدوا في القتال لغير وجه الله كالحمية وكسب الذكر.
قوله عز وجل :
وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّمِنَ الْقَتْلِّ وَلَا تُقَدِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ حَتَّى يُقَتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنِ قَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَفِرِينَ (١٦) فَإِ أَنَهَوْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
﴿﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنَهَوْ فَلاَ عُدْوَنَ إِلََّ عَلَى الَّلِينَ (١٣) الشَّهُ الْحَرَامُ
بِالشَّهْرِ الْحَامِ وَالْمُرُمَتُ قِصَاصُ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَّدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْاللَّهَ
وَأَعْلَمُوْ اْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ
!
قال ابن إسحاق وغيره: نزلت هذه الآيات في شأن عمرو بن الحضرمي وواقد، وهي سرية
عبد الله بن جحش، و﴿ثقفتموهم﴾ معناه أحكمتم غلبهم ولقيتموهم قادرين عليهم، يقال رجل ثقف لقف
إذا حان محكماً لما يتناوله من الأمور، ﴿وأخرجوهم﴾ .
قال الطبري: ((الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار قريش».
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: بل الخطاب لجميع المؤمنين، ويقال ﴿أخرجوكم﴾
إذا أخرجوا بعضهم الأجل قدراً وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون، ﴿والفتنة أشد من القتل﴾ أي
الفتنة التي حملوكم عليها وراموكم بها على الرجوع إلى الكفر أشد من القتل.
قال مجاهد: ((أي من أن يقتل المؤمن، فالقتل أخف عليه من الفتنة)).
قال غيره: بل المعنى الفتنة التي فعلوا أشد في هتك حرمات الحق من القتل الذي أبيح لكم أيها
المؤمنون أن توقعوه بهم، ويحتمل أن يكون المعنى والفتنة أي الكفر والضلال الذي هم فيه أشد في الحرم
وأعظم جرماً من القتل الذي عيروكم به في شأن ابن الحضرمي.
:

٢٦٣
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٩١ - ١٩٤
وقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام) الآية، قال الجمهور: كان هذا ثم نسخ وأمر
بالقتال في كل موضع .
قال الربيع : نسخه ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾.
وقال قتادة: نسخه قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾
[التوبة: ٥].
وقال مجاهد: ((الآية محكمة ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل)).
وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ((ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم
فاقتلوهم)) بالقتل في الأربعة، ولا خلاف في الأخيرة أنها ﴿فاقتلوهم﴾، والمعنى على قراءة حمزة
والكسائي: فإن قتلوا منكم فاقتلوهم أيها الباقون، وذلك كقوله تعالى: ﴿قتل معه ربيون كثير فما وهنوا﴾
[آل عمران: ١٤٦] أي فما وهن الباقون، والانتهاء في هذه الآية هو الدخول في الإسلام، لأن غفران الله
ورحمته إنما تكون مع ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع على قول من
رآها ناسخة، ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم ﴿فإن قاتلوكم﴾، والأول
أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله ﴿ويكون الدين لله﴾، والفتنة هنا:
الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين، قاله ابن عباس وقتادة والربيع والسدي، و﴿الدين﴾ هنا الطاعة
والشرع. وقال الأعشى ميمون بن قيس: [الخفيف]
ـن دراكاً بغزوةٍ وصيال
هو دان الرباب إذ كرهوا الديـ
والانتهاء في هذا الموضع يصح مع عموم الآية في الكفار أن يكون الدخول في الإسلام، ويصح أن
يكون أداء الجزية، وسمى ما يصنع بالظالمين عدواناً من حيث هو جزاء عدوان إذ الظلم يتضمن العدوان،
والعقوبة تسمى باسم الذنب في غير ما موضع، والظالمون هم على أحد التأويلين: من بدأ بقتال، وعلى
١
التأويل الآخر: من بقي على كفر وفتنة.
وقوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام) الآية، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقسم والسدي
والربيع والضحاك وغيرهم: نزلت في عمرة القضاء وعام الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم خرج معتمراً حتى بلغ الحديبية سنة ست، فصده كفار قريش عن البيت، فانصرف ووعده الله أنه
سيدخله عليهم، فدخله سنة سبع، فنزلت الآية في ذلك، أي الشهر الحرام الذي غلبكم الله فيه وأدخلكم
الحرم عليهم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه، ومعنى ﴿الحرمات قصاص﴾ على هذا التأويل: أي حرمة
الشهر وحرمة البلد وحرمة المحرمين حين صددتم بحرمة البلد والشهر والقطان حين دخلتم .
وقال الحسن بن أبي الحسن: نزلت الآية في أن الكفار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل يقاتل
في الشهر الحرام؟ فأخبرهم أنه لا يقاتل فيه، فهموا بالهجوم عليه فيه وقتل من معه حين طمعوا أنه لا يدافع

٢٦٤
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٩٥، ١٩٦
فيه، فنزلت: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾، أي هو عليكم في الامتناع من القتال
أو الاستباحة بالشهر الحرام عليهم في الوجهين، فأية سلكوا فاسلكوا، و﴿الحرمات﴾ على هذا جمع حرمة
عموماً: النفس والمال والعرض وغير ذلك، فأباح الله بالآية مدافعتهم. والقول الأول أكثر.
وقالت فرقة: قوله: ﴿والحرمات قصاص﴾ مقطوع مما قبله، وهو ابتداء أمر كان في أول الإسلام أن
من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك به، ثم نسخ ذلك بالقتال.
وقالت طائفة: ما تناول من الآية التعدي بين أمة محمد والجنايات ونحوها لم ينسخ، وجائز لمن
تعدي عليه في مال أو جرح أن يتعدى بمثل ما تعدي عليه به إذا خفي ذلك له، وليس بينه وبين الله في ذلك
شيء، قاله الشافعي وغيره، وهي رواية في مذهب مالك.
وقالت طائفة منهم مالك: ليس ذلك له، وأمور القصاص وقف على الحكام، والأموال يتناولها قول
النبي صلى الله عليه وسلم ((أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)).
وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((والحرمات)» بسكون الراء.
وقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم) الآية، اختلف في نسخ هذه الآية حسبما تقدم، وسمي الجزاء
على العدوان عدواناً كما قال ﴿الله يستهزىء بهم﴾ [البقرة: ١٥] إلى غير ذلك، ﴿واتقوا الله﴾، قيل:
معناه في أن لا تعتدوا، وقيل: في أن لا تزيدوا على المثل.
وقال ابن عباس: ((نزلت هذه الآية وما هو في معناها بمكة والإسلام لم يعزَّ، فلما هاجر رسول الله
صلى الله عليه وسلم وعز دينه أمر المسلمون برفع أمورهم إلى حكامهم وأمروا بقتال الكفار)).
وقال مجاهد: ((بل نزلت هذه الآية بالمدينة بعد عمرة القضاء، وهي من التدريج في الأمر بالقتال)).
قوله عز وجل :
وَأَتِقُواْ الْحَجَّ
١٩٥
وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلى النَّهُكَةِ وَأَحْسِنُوْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ
وَالْعُمْرَةَلِلّهِ فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدِّ وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُوَّ ◌َلُغَ الْهَدْىُ مَحِلٌّ فَنْ كَانَ مِنْكُم
قَرِيضًا أَوْبِهَِ أَذَّى مِّن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْصَدَقَةٍ أَوْنُسٍُ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ هَا
أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْئِ
﴿سبيل الله﴾ هنا الجهاد، واللفظ يتناول بعد جميع سبله.
وقال أبو عبيدة وقوم: الباء في قوله ﴿بأيديكم﴾ زائدة، التقدير تلقوا أيديكم.
وقال الجمهور: ذلك ضرب مثل، تقول ألقى فلان بيده في أمر كذا إذا استسلم، لأن المستسلم في
القتال يلقي سلاحه بيده، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان، ومنه قول عبد المطلب: ((والله إن إلقاءنا
بأيدينا إلى الموت لعجز)).

٢٦٥
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٩٦،١٩٥
وقال قوم: التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم، كما تقول لا تفسد حالك برأيك، و ((التهلكة)) بضم
اللام مصدر من هلك، وقرأ الخليل ﴿التهلكة) بكسر اللام، وهي تفعلة من ((هلّك)) بشد اللام.
وروي عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم
ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا إن هذه الآية نزلت في الأنصار حين أرادوا لما ظهر الإسلام أن
يتركوا الجهاد ويعمروا أموالهم، وأما هذا فهو الذي قال الله فيه: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء
مرضاه الله﴾ [البقرة: ٢٠٧].
وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس والحسن وعطاء وعكرمة وجمهور الناس: المعنى لا تلقوا بأيديكم
بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة، فيقول الرجل ليس عندي ما أنفق.
وقال قوم: المعنى لا تقنطوا من التوبة .
وقال البراء بن عازب وعبيدة السلماني: الآية في الرجل يقول قد بالغت في المعاصي فلا فائدة في
التوبة فينهمك بعد ذلك، وقال زيد بن أسلم: المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد، وقد كان فعل ذلك
قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق أو الكون عالة على الناس، وقوله ﴿وأحسنوا﴾، قيل: معناه في
أعمالكم بامتثال الطاعات، وروي ذلك عن بعض الصحابة، وقيل: المعنى وأحسنوا في الإنفاق في سبيل
الله وفي الصدقات، قاله زيد بن أسلم.
وقال عكرمة: المعنى وأحسنوا الظن بالله.
وقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله)، قال ابن زيد والشعبي وغيرهما: إتمامهما أن لا تفسخ
وأن تتمهما إذا بدأت بهما .
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وفعله عمران بن
حصين .
وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن تخرج قاصداً لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك، ويؤيد هذا قوله:
وقال قتادة والقاسم بن محمد: إتمامهما أن تحرم بالعمرة وتقضيها في غير أشهر الحج، وأن تتم
الحج دون نقص ولا جبر بدم، وهذا مبني على أن الدم في الحج والعمرة جبر نقص، وهو قول مالك
وجماعة من العلماء. وأبو حنيفة وأصحابه يرون أن كثرة الدم كمال وزيادة، وكلما كثر عندهم لزوم الدم فهو
أفضل، واحتجوا بأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أفضل الحج؟ فقال: العج والثج، ومالك ومن قال
بقوله يراه ثج التطوع.
وقالت فرقة: إتمامهما أن تفرد كل واحدة من حجة وعمرة ولا تقرن، وهذا على أن الإفراد أفضل.
وقالت فرقة: القرآن أفضل، وذلك هو الإتمام عندهم.

٢٦٦
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٩٥، ١٩٦
وقال ابن عباس وعلقمة وإبراهيم وغيرهم: إتمامهما أن تقضي مناسكهما كاملة بما كان فيها من
دماء .
وفروض الحج: النية، والإحرام، والطواف المتصل بالسعي، والسعي بين الصفا والمروة عندنا
خلافاً لأبي حنيفة، والوقوف بعرفة، والجمرة على قول ابن الماجشون، وأما أعمال العمرة فنية وإحرام،
وطواف، وسعي .
1
واختلف في فرض العمرة فقال مالك رحمه الله: هي سنة واجبة لا ينبغي أن تترك كالوتر، وهي عندنا
مرة واحدة في العام، وهذا قول جمهور أصحابه، وحكى ابن المنذر في الإشراف عن أصحاب الرأي أنها
عندهم غير واجبة، وحكى بعض القرويين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه يوجبها كالحج، وبأنها سنة .
قال ابن مسعود وجمهور من العلماء، وأسند الطبري النص على ذلك عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق والشعبي وجماعة
تابعين: أنها واجبة كالفرض، وقاله ابن الجهم من المالكيين.
وقال مسروق: ((الحج والعمرة فرض، نزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة))، وقرأ الشعبي
وأبو حيوة ((والعمرةُ لله)) برفع العمرة على القطع والابتداء، وقرأ ابن أبي إسحاق ((الحج)) بكسر الحاء،
وفي مصحف ابن مسعود ((وأتموا الحج والعمرة إلى البيت الله))، وروي عنه: ((وأقيموا الحج والعمرة إلى
البيت))، وروي غير هذا مما هو كالتفسير.
وقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾، قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما: الآية
فیمن أحصر بالمرض لا بالعدو.
وقال ابن عباس وغيره بعكس ذلك، والمشهور من اللغة أحصر بالمرض وحصر بالعدو، وفي
المجمل لا بن فارس حصر بالمرض وأحصر بالعدو.
وقال الفراء: ((هما بمعنى واحد في المرض والعدو)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والصحيح أن حصر إنما هي فيما أحاط وجاور فقد
يحصر العدو والماء ونحوه ولا يحصر المرض، وأحصر معناه جعل الشيء ذا حصر كأقبر وأحمى وغير
ذلك، فالمرض والماء والعدو وغير ذلك قد يكون محصراً لا حاصراً، ألا ترى أن العدو كان محصراً في
عام الحديبية، وفي ذلك نزلت هذه الآية عند جمهور أهل التأويل، وأجمع جمهور الناس على أن المحصر
بالعدو یحل حیث أحصر، وینحر هدیه إن کان ثم هدي ویحلق رأسه.
وقال قتادة وإبراهيم: يبعث بهديه إن أمكنه فإذا بلغ محله صار حلالاً ولا قضاء عليه عند الجميع إلا
أن يكون صرورة فعليه حجة الإسلام.
:
وقال ابن الماجشون: ((ليست عليه حجة الإسلام وقد قضاها حين أحصر)).
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لا وجه له.
:
:

٢٦٧
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٩٥ ، ١٩٦
وقال أشهب: ((يهدي المحصر بعدو هدياً من أجل الحصر)).
وقال ابن القاسم: «لا يهدي شیئاً إلا إن کان معه هدي فأراد نحره)»، ذكره ابن أبي زيد.
وقال عطاء وغيره: المحصر بالمرض كالمحصر بالعدو.
وقال مالك رحمه الله وجمهور من العلماء: المحصر بالمرض لا يحله إلا البيت، ويقيم حتى يفيق،
وإن أقام سنين، فإذا وصل البيت بعد فوت الحج قطع التلبية في أوائل الحرم وحل بعمرة، ثم تكون عليه
حجة قضاء وفيها يكون الهدي، وقيل: إن الهدي يجب في وقت الحصر أولاً، ولم ير ابن عباس من أحصره
المرض داخلاً في هذه الآية، وقال: إن المريض إن لم يكن معه هدي حل حيث حبس، وإن كان معه
هدي لم يحل حتى يبلغ الهدي محله ثم لا قضاء عليه، قال: وإنما قال الله: ﴿فإذا أمنتم﴾ والأمن إنما هو
من العدو فليس المريض في الآية .
و﴿ما﴾ في موضع رفع، أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر، ويحتمل أن تكون في موضع نصب أي
فانحروا أو فاهدوا، و﴿ما استيسر﴾ عند جمهور أهل العلم: شاة.
وقال ابن عمر وعروة بن الزبير ﴿ما استيسر﴾ جمل دون جمل وبقرة دون بقرة.
وقال الحسن: أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة وأخسّه شاة، و﴿الهدي﴾ جمع هدية كجدية السرج
وهي البراد جمعها جدى، ويحتمل أن يكون ﴿الهدي﴾ مصدراً سمي به كالرهن ونحوه فيقع للإفراد
وللجمع .
وقال أبو عمرو بن العلاء: ((لا أعرف لهذه اللفظة نظيراً)).
وقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ الآية، الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى، ومن العلماء
من يراها للمحصرين خاصة، ومحل الهدي حيث يحل نحره، وذلك لمن لم يحصر بمنى ولمن أحصر
بعدو حیث أحصر إذا لم یمکن إرساله، وأما المریض فإن کان له هدي فیرسله إلى محله.
والترتيب أن يرمي الحاج الجمرة ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف طواف الإفاضة، فإن نحر رجل قبل
الرمي أو حلق قبل النحر فلا حرج حسب الحديث ولا دم.
وقال قوم: لا حرج في الحج ولكن يهرق دماً.
وقال عبد الملك بن الماجشون من أصحابنا: ((إذا حلق قبل أن ينحر فليهد، وإن حلق رجل قبل أن
يرمي فعليه دم قولاً واحداً في المذهب».
قال ابن المواز عن مالك: ويمر الموسى على رأسه بعد الرمي، ولا دم في ذلك عند أبي حنيفة
وجماعة معه .
وقرأ الزهري والأعرج وأبو حيوة ((الهدِيّ)) بكسر الدال وشد الياء في الموضعين واحدته هدية،
ورويت هذه القراءة عن عاصم.

٢٦٨
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٩٦،١٩٥
وقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً﴾ الآية، المعنى فحلق لإزالة الأذى ﴿ففدية﴾، وهذا هو فحوى
الخطاب عند أكثر الأصوليين، ونزلت هذه الآية في كعب بن عجرة حين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم
ورأسه يتناثر قملاً، فأمره بالحلاق ونزلت الرخصة، و﴿فدية﴾ رفع على خبر الابتداء، والصيام عند مالك
وعطاء ومجاهد وإبراهيم وغيرهم وجميع أصحاب مالك: ثلاثة أيام، والصدقة: ستة مساكين، لكل مسكين
نصف صاع، وذلك مدّان بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم، والنسك: شاة بإجماع، ومن ذبح أفضل منها
فهو أفضل.
وقال الحسن بن أبي الحسن وعكرمة: الصيام عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين.
وقرأ الزهري ((أو نسْك)) بسكون السين.
وقال سعيد بن جبير ومجاهد: النسْك شاة، فإن لم يجدها فقيمتها يشترى بها طعام فيطعم منه مدّان
لكل مسكين، فإن لم يجد القيمة عرفها وعرف ما يشترى بها من الطعام وصام عن كل مدين يوماً.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ذلك كله حيث شاء، وقاله إبراهيم وهو مذهب مالك
وأصحابه إلا ابن الجهم، فإنه قال: لا يكون النسك إلا بمكة.
وقال عطاء في بعض ما روي عنه وأصحاب الرأي: النسك بمكة، والصيام والإطعام حيث شاء.
وقال الحسن بن أبي الحسن وطاوس وعطاء أيضاً ومجاهد والشافعي: النسك والإطعام بمكة،
والصيام حيث شاء، والمفتدي مخير في أي هذه الثلاثة شاء، وكذلك قال مالك وغيره في كل ما في القرآن
أو فإنه على التخيير.
وقوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾، قال علقمة وعروة: المعنى إذا برأتم من مرضكم. وقال ابن عباس
وقتادة وغيرهما: إذا أمنتم من خوفكم من العدو المحصر، وهذا أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من
المرض فیکون الأمن منه.
وقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) الآية، قال عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم: الآية
في المحصرين دون المخلى سبيلهم، وصورة المتمتع عند ابن الزبير أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج
ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة ويقضي الحج من قابل، فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء،
وصورة المتمتع المحصر عند غيره أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر
الحج ویحج من عامه .
وقال ابن عباس وجماعة من العلماء: الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلي سبيله، وصورة
المتمتع أن تجتمع فيه ستة شروط: أن يكون معتمراً في أشهر الحج، وهو من غير حاضري المسجد
الحرام، ويحل وينشىء الحج من عامه ذلك دون رجوع إلى وطنه أو ما ساواه بعداً. هذا قول مالك
وأصحابه، واختلف لم سمي متمتعاً، فقال ابن القاسم: لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت
حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج، وقال غيره: سمي متمتعاً لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين، وذلك أن
أ
1
:
:
:

٢٦٩
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٩٦،١٩٥
حق العمرة أن تقصد بسفرة وحق الحج كذلك، فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هدياً كالقارن الذي
يجمع الحج والعمرة في سفر واحد.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذه شدة على القادم مكة من سائر الأقطار لما
أسقط سفراً، والمكي لا يقتضي حاله سفراً في عمرة ولا حج لأنه في بقعة الحج فلم يلزم شيئاً لأنه لم
يسقط شيئاً، ومن قال إن اسم التمتع وحكمه إنما هو من جهة التمتع بالنساء والطيب وغير ذلك فيرد عليه أنه
يستغرق قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ المكي وغيره على السواء في القياس، فكيف يشتد مع ذلك
على الغريب الذي هو أعذر ويلزم هدياً، ولا يفعل ذلك بالمكي، فيترجح بهذا النظر أن التمتع إنما هو من
أجل إسقاط أحد السفرين، إلا أن أبا عبيد قال في كتاب الناسخ والمنسوخ له: إن العمرة في أشهر الحج
ممنوعة للمكي لا تجوز له، ورخص الله تعالى للقادم لطول بقائه محرماً وقرن الرخصة بالهدي.
قال القاضي أبو محمد: فهذه شدة على أهل مكة، وبهذا النظر يحسن أن يكون التمتع من جهة
استباحة ما لا يجوز للمحرم، لكنه قول شاذ لا يعول عليه، وجل الأمة على جواز العمرة في أشهر الحج
للمكي ولا دم عليه، وذكر أبو عبيد القولين عن ابن عمر واستند إليه في الذي وافقه، وقد حكاه الطبري عن
ابن عباس وقال: إنه قال يا أهل مكة لا متعة لكم، إن الله قد أحلها لأهل الآفاق وحرمها عليكم، إنما يقطع
أحدكم وادياً ثم يحرم بعمرة.
قال القاضي أبو محمد: فمعنى هذا أنهم متى أحرموا داموا إلى الحج، وقال السدي: المتمتع هو
الذي يفسخ الحج في العمرة، وذلك لا يجوز عند مالك، وفي صحيح مسلم حديث سراقة بن مالك قال:
قلت يا رسول الله: فسخ الحج في العمرة ألنا خاصة أم للأبد؟ فقال: ((بل لأبد أبد، بل لأبد أبد)).
قال القاضي أبو محمد: وإنما شرط في المتمتع أن يحل في أشهر الحج لأنها مدة يملكها الحج فمن
كان فيها محرماً فحقه أن يصل الإحرام إلى الحج، وفي كتاب مسلم إيعاب الأحاديث في هذا المعنى،
ومذهب عمر وقول أبي ذر إن متعة النساء ومتعة الحج خاصتان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال
طاوس: ((من اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى حج من عامه فهو متمتع)).
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري ((من اعتمر بعد يوم النحر في بقية العام فهو متمتع))، وهذان
قولان شاذان لم يوافقهما أحد من العلماء، وتقدم القول فيما استيسر من الهدي .
قوله عز وجل :
فَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَنَّامٍ فِ الْحَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمُ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى
قلے
اُلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ
اَلْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَأَتَّقُواٌْللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أ ◌َنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (ـ
فِيهِنَ الْحَجَّ فَلَاَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَاجِدَالَ فِى الْحَجْ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ
وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىْ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ الَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ

٢٧٠
تفسير سورة البقرة / الآيات : ١٩٦ - ١٩٨
أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ
اَلْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِينَ
قوله: ﴿لم يجد﴾ إما بعدم المال وإما بعدم الحيوان، و﴿في الحج) قال عكرمة وعطاء: له أن
يصومها في أشهر الحج وإن كان لم يحرم بالحج.
وقال ابن عباس ومالك بن أنس: له أن يصومها منذ يحرم بالحج .
:
وقال عطاء أيضاً ومجاهد: لا يصومها إلا في عشر ذي الحجة .
وقال ابن عمر والحسن والحكم: يصوم يوماً قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة، وكلهم يقول:
لا يجوز تأخيرها عن عشر ذي الحجة لأن بانقضائه ينقضي الحج.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عمر ومالك بن أنس وجماعة من أهل العلم: من فاته
صيامها قبل يوم النحر فله صيامها في أيام التشريق، لأنها من أيام الحج .
وقال قوم: له ابتداء تأخيرها إلى أيام التشريق لأنه لا يجب عليه الصيام إلا بأن لا يجد يوم النحر.
وقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ قال مجاهد وعطاء وإبراهيم: المعنى إذا رجعتم من منى فمن
بقي بمكة صامها، ومن نهض إلى بلده صامها في الطريق.
وقال قتادة والربيع: هذه رخصة من الله تعالى، والمعنى إذا رجعتم إلى أوطانكم فلا يجب على أحد
صوم السبعة إلا إذا وصل وطنه، إلا أن يتشدد أحد كما يفعل من يصوم في السفر في رمضان، وقرأ زيد بن
علي ((وسبعةٌ)) بالنصب، أي وصوموا سبعة، ولما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج
وسبعة إذا رجع أزيل ذلك بالجملة من قوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ قال الحسن بن أبي الحسن:
المعنى كاملة في الثواب كمن أهدى، وقيل كاملة في الثواب كمن لم يتمتع، وهذا على أن الحج الذي لم
تكثر فيه الدماء أخلص وأفضل خلافاً لأبي حنيفة، وقيل: ﴿كاملة﴾ توكيد كما تقول كتبت بيدي، وكقوله
تعالى: ﴿فخر عليهم السقف من فوقهم﴾ [النحل: ٦]، وقيل: لفظها الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها
فذلك فرضها .
وقال الأستاذ الأجل أبو الحسن علي بن أحمد: المعنى تلك كاملة، وكرر الموصوف تأكيداً كما تقول
زید رجل عاقل.
وقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله) الآية، الإشارة إلى التمتع وهديه وحكمه، وهذا على قول
من يرى أن المكي لا تجوز له المتعة في أشهر الحج، فكان الكلام ذلك الترخيص، ويتأيد هذا بقوله
﴿لمن﴾، لأن اللام أبداً إنما تجيء مع الرخص، تقول لك إن تفعل كذا، وأما مع الشدة فالوجه أن تقول
عليك، وأما من يرى أن المكي يعتمر ولا دم عليه لأنه لم يسقط سفراً فالإشارة بذلك - على قوله - هي إلى
الهدي، أي ذلك الاشتداد والإلزام.
:
:

١
٢٧١
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٩٦ - ١٩٨
واختلف الناس في ﴿حاضري المسجد الحرام﴾ بعد الإجماع على أهل مكة وما اتصل بها، وقال
الطبري: بعد الإجماع على أهل الحرم، وليس كما قال: فقال بعض العلماء: من كان حيث تجب الجمعة
عليه بمكة فهو حضري، ومن کان أبعد من ذلك فهو بنوي .
قال القاضي أبو محمد: فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة، وقال بعضهم: من كان بحيث لا تقصر
الصلاة إلى مكانه فهو حاضر أي شاهد، ومن كان أبعد من ذلك فهو غائب، وقال عطاء بن أبي رباح: مكة
وضجنان وذو طوى وما أشبهها حاضرو المسجد الحرام .
وقال ابن عباس ومجاهد: أهل الحرم كله حاضرو المسجد الحرام، وقال مكحول وعطاء: من كان
دون المواقيت من كل جهة حاضرو المسجد الحرام.
وقال الزهري : من كان على يوم أو يومين فهو من حاضري المسجد الحرام، ثم أمر تعالى بتقواه على
العموم، وحذر من شدید عقابه.
وقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، في الكلام حذف تقديره: أشهر الحج أشهر، أو: وقت
الحج أشهر، أو: وقت عمل الحج أشهر، والغرض إنما هو أن يكون الخبر عن الابتداء هو الابتداء نفسه،
والحج ليس بالأشهر فاحتيج إلى هذه التقديرات، ومن قدر الكلام: الحج في أشهر، فيلزمه مع سقوط
حرف الجر نصب الأشهر، ولم يقرأ بنصبها أحد.
وقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري: أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو
لحجة كله .
وقال ابن عباس والشعبي والسدي وإبراهيم: هي شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، والقولان
لمالك رحمه الله، حكى الأخير ابن حبيب، وجمع على هذا القول الأخير الاثنان وبعض الثالث كما فعلوا
في جمع عشر فقالوا عشرون لعشرين ويومين من الثالث، وكما قال امرؤ القيس: [الطويل]
ثلاثون شهراً في ثلاثةِ أَحْوَال
فمن قال إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دماً فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر لأنها في
أشهر الحج، وعلى القول الآخر ينقضي الحج بيوم النحر ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك.
وقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ أي من ألزمه نفسه، وأصل الفرض الحز الذي يكون في
السهام والقسي وغيرها، ومنه فرضة النهر والجبل، فكأن من التزم شيئاً وأثبته على نفسه قد فرضه، وفرض
الحج هو بالنية والدخول في الإحرام، والتلبية تبع لذلك، و﴿من﴾ رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، والخبر
قوله ﴿فرض﴾ لأن ﴿من﴾ ليست بموصولة فكأنه قال فرجل فرض، وقوله ﴿فلا رفث﴾ يحتمل أن يكون
الخبر، وتكون ﴿فرض﴾ صفة .
وقوله تعالى: ﴿فيهن) ولم يجىء الكلام فرض فيها: فقال قوم: هما سواء في الاستعمال.
وقال أبو عثمان المازني: ((الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة، والقليل ليس كذلك،

٢٧٢
تفسير سورة البقرة / الآيات : ١٩٦ - ١٩٨
:
تقول الأجذاع انكسرن والجذوع انكسرت)»، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور﴾ [التوبة: ٣٦]،
ثم قال: ﴿منها﴾، وقرأ نافع (فلا رفث ولا فسوقَ ولا جدالَ)) بنصب الجميع، وهي قراءة ابن عامر
وعاصم وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «فلا رفث ولا فسوقٌ ولا جدالَ)) بالرفع في الاثنين
ونصب الجدال، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة، ورويت عن عاصم في بعض الطرق،
و﴿لا﴾ بمعنى ليس في قراءة الرفع وخبرها محذوف على قراءة أبي عمرو، و﴿في الحج﴾ خبر ﴿لا
جدال﴾، وحذف الخبر هنا هو مذهب أبي علي، وقد خولف في ذلك، بل ﴿في الحج) هو خبر الكل، إذ
هو في موضع رفع في الوجهين، لأن ﴿لا﴾ إنما تعمل على بابها فيما يليها وخبرها مرفوع باق على حاله من
خبر الابتداء، وظن أبو علي أنها بمنزلة ليس في نصب الخبر، وليس كذلك، بل هي والاسم في موضع
الابتداء يطلبان الخبر، و﴿في الحج﴾ هو الخبر في قراءة كلها بالرفع وفي قراءتها بالنصب، والتحرير أن
﴿في الحج﴾ في موضع نصب بالخبر المقدر كأنك قلت موجود في الحج، ولا فرق بين الآية وبين قولك زيد
في الدار.
وقال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة ومالك ومجاهد وغيرهم: الرفث الجماع.
وقال عبد الله بن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث الإعراب والتعريب، وهو الإفحاش بأمر الجماع
عند النساء خاصة، وهذا قول ابن عباس أيضاً، وأنشد وهو محرم:
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيساً إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيْسًا
فقيل له: ترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء وقال قوم: الرفث الإفحاش بذكر
النساء كان ذلك بحضرتهن أم لا، وقد قال ابن عمر للحادي: ((لا تذكر النساء».
قال القاضي أبو محمد: وهذا يحتمل أن تحضر امرأة فلذلك نهاه، وإنما يقوي القول من جهة ما يلزم
من توقير الحج .
وقال أبو عبيدة: ((الرفث اللغا من الكلام))، وأنشد:
وَرُبَّ أَسْرَابٍ حَجِيجٍ كُظُمِ عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ النِّكَلُمِ
قال القاضي أبو محمد: ولا حجة في البيت، وقرأ ابن مسعود ((ولا رفوث)).
وقال ابن عباس وعطاء والحسن وغيرهم: الفسوق المعاصي كلها لا يختص بها شيء دون شيء.
وقال ابن عمر وجماعة معه: الفسوق المعاصي في معنى الحج كقتل الصيد وغيره.
وقال ابن زيد ومالك: الفسوق الذبح للأصنام، ومنه قول الله تعالى: ﴿أو فسقاً أهل لغير الله به﴾
[الأنعام: ١٤٥].
وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب، ومنه قول الله تعالى: ﴿بئس الاسم الفسوق﴾
[الحجرات: ١١].

٢٧٣
تفسير سورة البقرة / الآيات : ١٩٦ - ١٩٨
وقال ابن عمر أيضاً ومجاهد وعطاء وإبراهيم: الفسوق السباب، ومنه قول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)).
قال القاضي أبو محمد: وعموم جميع المعاصي أولى الأقوال.
وقال قتادة وغيره: الجدال هنا السباب.
وقال ابن مسعود وابن عباس وعطاء ومجاهد: الجدال هنا أن تماري مسلماً حتى تغضبه .
وقال مالك وابن زيد: الجدال هنا أن يختلف الناس أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام كما
كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب ثم يتجادلون بعد ذلك.
وقال محمد بن كعب القرظي: الجدال أن تقول طائفة حجنا أبر من حجكم وتقول الأخرى مثل
ذلك.
وقالت فرقة: الجدال هنا أن تقول طائفة: الحج اليوم وتقول طائفة بل الحج غداً، وقيل: الجدال كان
في الفخر بالآباء .
وقال مجاهد وجماعة معه: الجدال أن تنسىء العرب الشهور حسبما كان النسيء عليه، فقرر الشرع
وقت الحج وبينه، وأخبر أنه حتم لا جدال فيه، وهذا أصح الأقوال وأظهرها، والجدال مأخوذ من الجدل
وهو الفتل، كأن كل مجادل يفاتل صاحبه في الكلام. وأما ما كان النسيء عليه فظاهر سير ابن إسحاق
وغيرها من الدواوين أن الناسىء كان يحل المحرم لئلا تتوالى على العرب ثلاثة أشهر لا إغارة فيها، ويحرم
صفر، وربما سموه المحرم، وتبقى سائر الأشهر بأسمائها حتى يأتي حجهم في ذي الحجة على الحقيقة،
وأسند الطبري عن مجاهد أنه قال: كانوا يسقطون المحرم ثم يقولون صفران لصفر وشهر ربيع الأول، ثم
كذلك ينقلون أسماء الشهور، ويتبدل وقت الحج في الحقيقة، لكنه يبقى في ذي الحجة بالتسمية لا في
حقيقة الشهر، قال: فكان حج أبي بكر سنة تسع في ذي القعدة على الحقيقة ثم حج رسول الله صلى الله
عليه وسلم سنة عشر في ذي الحجة على الحقيقة، وحينئذ قال: ((إن الزمان قد استدار)) الحديث، ونزلت
﴿ولا جدال في الحج﴾ أي قد تبين أمره فلا ينتقل شهر البتة أبداً.
وقوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾ المعنى فيثيب عليه، وفي هذا تخصيص على فعل
الخير.
وقوله تعالى: ﴿وتزودوا﴾ الآية، قال ابن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد: نزلت الآية في
طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد ويقول بعضهم: نحن المتوكلون، ويقول بعضهم: كيف
نحج بيت الله ولا يطعمنا، فكانوا يبقون عالة على الناس، فنهوا عن ذلك وأمروا بالتزود.
وقال بعض الناس: المعنى تزودوا الرفيق الصالح، وهذا تخصيص ضعيف، والأولى في معنى
الآية: وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة، وفي قوله تعالى: ﴿فإن خير الزاد التقوى﴾ حض على
التقوى، وخص أولو الألباب بالخطاب وإن كان الأمر يعم الكل لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله وهم

٢٧٤
تفسير سورة البقرة / الآيات : ١٩٦ - ١٩٨
قابلو أوامره والناهضون بها، وهذا على أن اللب لب التجارب وجودة النظر، وإن جعلناه لب التكليف
فالنداء بـ ﴿أولي الألباب﴾ عام لجميع المكلفين، واللب العقل، تقول العرب لبُبْت بضم الباء الأولى ألُب بضم
اللام، حكاه سيبويه، وليس في الكلام فعل يفعل بضم العين فيهما غير هذه الكلمة.
وقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح) الآية، الجناح أعم من الإثم لأنه فيما يقتضي العقاب وفيما
يقتضي العتاب والزجر، و﴿تبتغوا﴾ معناه تطلبون بمحاولتكم.
وقال ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعطاء: إن الآية نزلت لأن العرب تحرجت لما جاء الإسلام أن
يحضروا أسواق الجاهلية كعكاظ وذي المجاز ومجنة، فأباح الله تعالى ذلك، أي لا درك في أن تتجروا
وتطلبوا الربح .
وقال مجاهد: ((كان بعض العرب لا يتجرون مذ يحرمون، فنزلت الآية في إباحة ذلك)).
وقال ابن عمر فيمن أكرى ليحج: ((حجه تام ولا حرج عليه في ابتغاء الكراء))، وقرأ ابن عباس وابن
مسعود وابن الزبير: ((ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج)).
وقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ أجمع أهل العلم على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال
وأفاض نهاراً قبل الليل إلا مالك بن أنس، فإنه قال: ((لا بد أن يأخذ من الليل شيئاً، وأما من وقف بعرفة
بالليل فلا خلاف بين الأمة في تمام حجه)) وأفاض القوم أو الجيش إذا اندفعوا جملة، ومنه أفاض الرجل
في الكلام، ومنه فاض الإناء، وأفضته، ومنه المفيض في القداح، والتنوين في عرفات على حده في
مسلمات، الكسرة مقابلة للياء في مسلمين والتنوين مقابل للنون، فإذا سميث به شخصاً ترك، وهو معرف
على حده قبل أن تسمي به، فإن كان ﴿عرفات﴾ اسماً لتلك البقعة كلها فهو كما ذكرناه، وإن كان جمع
عرفة فهو كمسلمات دون أن يسمى به، وحكى سيبويه كسر التاء من («عرفاتٍ)) دون تنوين في حال النصب
والخفض مع التعريف، وحكى الكوفيون فتحها في حال النصب والخفض تشبيهاً بتاء فاطمة وطلحة،
وسميت تلك البقعة ﴿عرفات) لأن إبراهيم عرفها حين رآها على ما وصفت له، قاله السدي.
وقال ابن عباس: ((سميت بذلك لأن جبريل عليه السلام كان يقول لإبراهيم عليه السلام: هذا موضع
كذا، فيقول قد عرفت))، وقيل: سميت بذلك لأن آدم عرف بها حواء حين لقيها هناك.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع، وعرفة هي نعمان الأراك،
وفيها يقول الشاعر:
لهند ولكن من يبلغه هندا؟
تزودت من نعمان عود أراكة
و ﴿المشعر الحرام﴾ جمع كله، وهو ما بين جبلي المزدلفة من حد مفضى مأزمي عرفة، قال ذلك
ابن عباس وابن جبير والربيع وابن عمر ومجاهد، فهي كلها مشعر إلى بطن محسر، كما أن عرفة كلها موقف
إلا بطن عُرَنة، بفتح الراء وضمها، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((عرفة كلها موقف إلا بطن
عرنة، والمزدلفة كلها مشعر، إلا وارتفعوا عن بطن محسر)» وذكر هذا عبد الله بن الزبير في خطبته، وفي

٢٧٥
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٩٩ - ٢٠٣
المزدلفة قرن قزح الذي كانت قريش تقف عليه، وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام ندب عند أهل العلم.
وقال مالك: «من مر به ولم ينزل فعلیه دم))،
وقال الشافعي: ((من خرج من مزدلفة قبل نصف الليل فعليه دم، وإن كان بعد نصف الليل فلا شيء
علیه»؟
وقال الشعبي والنخعي : من فاته الوقوف بمزدلفة فاته الحج .
وقوله: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ تعديد للنعمة وأمر بشكرها، ثم ذكرهم بحال ضلالهم ليظهر قدر
الإنعام، والكاف في ﴿كما﴾ نعت لمصدر محذوف، و﴿إِن﴾ مخففة من الثقيلة، ويدل على ذلك دخول
اللام في الخبر، هذا قول سيبويه.
وقال الفراء: ((هي النافية بمعنى ما، واللام بمعنى إلّ))، والضمير في ﴿قبله﴾ عائد على الهدي.
قوله عز وجل :
ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَ كُمْ أَوْأَشَدَ ذِكْرَأْ
فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِىِ الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقِ
٢٠٠
وَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ رَيَّنَآءَانِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةٌ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢) وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِىّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ
فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخََّ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ أَتَّقَىَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ
٢٠٣
أَنَّكُمْ إِلَيْهِ ثُشَرُونَ
قال ابن عباس وعائشة وعطاء وغيرهم: المخاطب بهذه الآية قريش ومن ولدت وهم الحمس، وذلك
أنهم كانوا يقولون نحن قطين الله فينبغي لنا أن نعظم الحرم ولا نعظم شيئاً من الحل، فسنوا شق الثياب في
الطواف إلى غير ذلك، وكانوا مع معرفتهم وإقرارهم أن عرفة هي موقف إبراهيم لا يخرجون من الحرم
ويقفون بجمع ويفيضون منه، ويقف الناس بعرفة، فقيل لهم أن يفيضوا مع الجملة، و﴿ثم﴾ ليست في
هذه الآية للترتيب، إنما هي لعطف جملة كلام على جملة هي منها منقطعة، وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم من الحمس، ولكنه كان يقف مذ كان بعرفة، هداية من الله .
وقال الضحاك: ((المخاطب بالآية جملة الأمة))، والمراد بـ ﴿الناس﴾ إبراهيم عليه السلام كما قال:
﴿الذين قال لهم الناس﴾ [آل عمران: ١٧٣] وهو يريد واحداً، ويحتمل على هذا أن يؤمروا بالإفاضة من
عرفة، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من المزدلفة فتجيء ﴿ثم﴾ على هذا الاحتمال على

٢٧٦
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٩٩ - ٢٠٣
-
بابها، وعلى هذا الاحتمال عول الطبري، وقرأ سعيد بن جبير ((الناسي)) وتأوله آدم عليه السلام، ويجوز
عند بعضهم تخفيف الیاء فیقول الناس کالقاض والهاد.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، وأما جوازه
مقروءاً به فلا أحفظه، وأمر تعالى بالاستغفار لأنها مواطنه ومظان القبول ومساقط الرحمة، وفي الحديث أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عشية عرفة فقال: ((أيها الناس، إن الله عز وجل قد تطاول عليكم في
مقامكم هذا، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم إلا التبعات فيما بينكم، أفيضوا على اسم
الله))، فلما كان غداة جمع، خطب فقال: ((أيها الناس إن الله تطاول عليكم فعوض التبعات من عنده)).
وقالت فرقة: المعنى واستغفروا الله من فعلكم الذي كان مخالفاً لسنة إبراهيم في وقوفكم بقزح من
المزدلفة .
وقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ الآية، قال مجاهد: ((المناسك الذبائح وهراقة الدماء))،
والمناسك عندي العبادات في معالم الحج ومواضع النسك فيه، والمعنى إذا فرغتم من حجكم الذي هو
الوقوف بعرفة فاذكروا الله بمحامده وأثنوا عليه بآلائه عندكم، وخص هذا الوقت بالقضاء لما يقضي الناس
فيه مناسكهم في حين واحد، وما قبل وما بعد فهو على الافتراق: هذا في طواف وهذا في رمي وهذا في
حلاق وغير ذلك، وكانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة فتتفاخر بالآباء وتذكر أيام أسلافها
من بسالة وكرم وغير ذلك، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله تعالى أكثر من التزامهم ذكر آبائهم بأيام
الجاهلية، هذا قول جمهور المفسرين.
وقال ابن عباس وعطاء: معنى الآية اذكروا الله كذكر الأطفال آباءهم وأمهاتهم، أي فاستغيثوا به
والجژوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم.
وقالت طائفة: معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من أراد الشرك والنقص في
دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم، وقرأ محمد
ابن كعب القرظي ((كذكركم آباؤكم)) أي اهتبلوا بذكره كما يهتبل المرء بذكر ابنه، فالمصدر على هذه
القراءة مضاف إلى المفعول، و﴿أشد﴾ في موضع خفض عطفاً على ﴿ذكركم) ويجوز أن يكون في
موضع نصب، التقدير أو اذكروه أشد ذكراً .
وقوله تعالى: ﴿فمن الناس من يقول﴾ الآية، قال أبو وائل والسدي وابن زيد: كانت عادتهم في
الجاهلية أن يدعوا في مصالح الدنيا فقط إذ كانوا لا يعرفون الآخرة، فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر
الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم، والخلاق: النصيب والحظ، و﴿من﴾ زائدة لأنها بعد النفي،
فهي مستغرقة لجنس الحظوظ.
وقال قتادة: ((حسنة الدنيا العافية في الصحة وكفاف المال)).
وقال الحسن بن أبي الحسن: ((حسنة الدنيا العلم والعبادة)).

٢٧٧
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٩٩ - ٢٠٣
وقال السدي: ((حسنة الدنيا المال))، وقيل: حسنة الدنيا المرأة الحسناء، واللفضة تقتضي هذا كله
وجميع محاب الدنيا، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع، ووقنا عذاب النار﴾ دعاء في أن لا يكون المرء ممن
يدخلها بمعاصيه وتخرجه الشفاعة، ويحتمل أن يكون دعاء مؤكداً لطلب دخول الجنة، لتكون الرغبة في
معنى النجاة والفوز من الطرفين، كما قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا إنما أقول في
دعائي اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ»، فقال له رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((حولها ندندن)).
وقوله تعالى: ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا﴾ الآية، وعد على كسب الأعمال الصالحة في صيغة
الإخبار المجرد، والرب تعالى سريع الحساب لأنه لا يحتاج إلى عقد ولا إلى إعمال فكر، وقيل لعلي بن
أبي طالب رضي الله عنه: كيف يحاسب الله الخلائق في يوم؟ فقال ((كما يرزقهم في يوم))، وقيل: الحساب
هنا المجازاة، كأن المجازي يعد أجزاء العمل ثم يجازي بمثلها، وقيل معنى الآية سريع مجيء يوم
الحساب، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة، وأمر الله تعالى عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي
الثلاثة التي بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وليس يوم النحر من المعدودات، ودل على ذلك إجماع
الناس على أنه لا ينفر أحد يوم القر وهو ثاني يوم النحر، فإن يوم النحر من المعلومات، ولو كان يوم النحر
في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلاً يوم القر، لأنه قد أخذ يومين من المعدودات، وحكى مكي
والمهدوي عن ابن عباس أنه قال: ((المعدودات هي أيام العشر))، وهذا إما أن يكون من تصحيف النسخة،
وإما أن يريد العشر الذي بعد يوم النحر، وفي ذلك بعد، والأيام المعلومات هي يوم النحر ويومان بعده
لإجماعهم على أنه لا ينحر أحد في اليوم الثالث، والذكر في المعلومات إنما هو على ما رزق الله من بهيمة
الأنعام .
وقال ابن زيد: ((المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق))، وفي هذا القول بعد، وجعل الله الأيام
المعدودات أيام ذكر الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هي أيام أكل وشرب وذكر لله)).
ومن جملة الذكر التكبير في إثر الصلوات، واختلف في طرفي مدة التكبير: فقال عمر بن الخطاب
وعلي بن أبي طالب وابن عباس: يكبر من صلاة الصبح من يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق.
وقال ابن مسعود وأبو حنيفة: يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر.
وقال يحيى بن سعيد: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من آخر يوم التشريق.
وقال مالك: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال
الشافعي .
وقال ابن شهاب: ((يكبر من الظهر يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق)).
وقال سعيد بن جبير: ((يكبر من الظهر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق)).
وقال الحسن بن أبي الحسن: ((يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر يوم النفر الأول)).
i

٢٧٨٠
تفسير سورة البقرة / الآيات : ١٩٩ - ٢٠٣
وقال أبو وائل: ((يكبر من صلاة الظهر يوم عرفة إلى صلاة الظهر يوم النحر)).
ومشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاث تكبيرات، وفي المذهب رواية أنه يقال بعد
التكبيرات الثلاث: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد.
وقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾، قال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد:
المعنى من نفر في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج عليه، ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج عليه،
فمعنى الآية كل ذلك مباح، وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماماً وتأكيداً إذ كان من العرب من يذم المتعجل
وبالعكس، فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك، ومن العلماء من رأى أن التعجل إنما أبيح لمن بعد
قطره لا للمكي والقريب، إلا أن يكون له عذر، قاله مالك وغيره، ومنهم من رأى أن الناس كلهم مباح لهم
ذلك، قاله عطاء وغيره.
وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وإبراهيم: معنى الآية من تعجل فقد غفر له ومن تأخر فقد غفر
له، واحتجوا بقوله عليه السلام: ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من خطاياه کیوم ولدته
أمه)»، فقوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾ نفي عام وتبرئة مطلقة، وقال مجاهد أيضاً: معنى الآية من تعجل أو
تأخر فلا إثم عليه إلى العام القابل، وأسند في هذا القول أثر.
وقال أبو العالية: المعنى في الآية لا إثم عليه لمن اتقى بقية عمره، والحاج مغفور له البتة.
وقال أبو صالح وغيره: معنى الآية لا إثم عليه لمن اتقى قتل الصيد وما يجب عليه تجنبه في الحج،
وقال أيضاً: لمن اتقى في حجه فأتى به تاماً حتى كان مبروراً، واللام في قوله ﴿لمن اتقى﴾ متعلقة إما
بالغفران على بعض التأويلات، أو بارتفاع الإثم في الحج على بعضها، وقيل: بالذكر الذي دل عليه قوله
﴿واذكروا﴾، أي الذكر لمن اتقى، ويسقط رمي الجمرة الثالثة عمن تعجل.
وقال ابن أبي زمنین: «یرمیها في یوم النفر الأول حین یرید التعجل)).
قال ابن المواز: ((يرمي المتعجل في يومين بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع حصيات،
فیصیر جمیع رمیه بتسع وأربعين حصاة)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: لأنه قد رمى جمرة العقبة بسبع يوم النحر.
قال ابن المواز: ((ويسقط رمي اليوم الثالث)).
وقرأ سالم بن عبد الله ﴿فلا إثم عليه﴾ بوصل الألف، ثم أمر تعالى بالتقوى وذكر بالحشر والوقوف
بين يديه .
قوله عز وجل :
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّاُ لْخِصَامِ
آلے
﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
:

٢٧٩
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢٠٤ - ٢٠٨
أَوَ إِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْمٍّ فَحَسْبُهُ جَهَتَّمٌ وَلَبِئْسَ اَلْمِهَادُ (١) وَمِنَ
٢٠٥
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
٢٠٧
النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاَللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ {
ءَامَنُواْأَدْخُلُواْ فِي الْسِلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ
مُّبِينٌ
٢٠٨
قال السدي: ((نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبيّ، والأخنس لقب، وذلك أنه جاء إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام، وقال: الله يعلم أني صادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم من
المسلمين، فأحرق لهم زرعاً، وقتل حمراً، فنزلت فيه هذه الآيات)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم.
وقال ابن عباس: نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة الرجيع عاصم بن ثابت
وخبيب وابن الدثنة وغيرهم قالوا: ويح هؤلاء القوم لا هم قعدوا في بيوتهم ولا أدوا رسالة صاحبهم، فنزلت
هذه الآيات في صفات المنافقين. ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله: ﴿ومن الناس من يشري
نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾ الآية، وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء: نزلت هذه الآيات في كل مبطن
كفر أو نفاق أو كذب أو إضرار وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك، فهي عامة، وهي تشبه ما ورد في الترمذي أن في
بعض كتب الله تعالى: ((أن من عباد الله قوماً ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون
للناس جلود الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، يقول الله تعالى: أبي يغترون وعلي يجترون؟ حلفت
لأسلطن عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيران)). ومعنى ﴿ويشهد الله﴾ أي يقول: الله يعلم أني أقول حقاً،
وقرأ أبو حيوة وابن محيصن ((ويشهدُ الله)) بإسناد الفعل إلى اسم الجلالة، المعنى يعجبك قوله والله يعلم
منه خلاف ما قال، والقراءة التي للجماعة أبلغ في ذمه، لأنه قوى على نفسه التزام الكلام الحسن ثم ظهر
من باطنه خلافه، و﴿ما في قلبه﴾ مختلف بحسب القراءتين، فعلى قراءة الجمهور هو الخير الذي يظهر،
أي هو في قلبه بزعمه، وعلى قراءة ابن محيصن هو الشر الباطن، وقرأ ابن عباس ((والله يشهد على ما في
قلبه))، وقرأ أبي وابن مسعود ((ويستشهد الله على ما في قلبه))، والألد: الشديد الخصومة الصعب
الشكيمة الذي يلوي الحجج في كل جانب، فيشبه انحرافه المشي في لديدي الوادي، ومنه لديد الفم،
واللدود، ويقال منه: لدِدت بكسر العين ألد، وهو ذم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أبغض
الرجال إلى الله الألد الخصم))، ويقال: لدَدته بفتح العين أُلُّده بضمها إذا غلبته في الخصام، ومن اللفظة
قول الشاعر: [الخفيف]
إِنَّ تَحْتَ الأَحْجَارِ حَزْماً وَعَزْماً وَخَصيماً أَلَدَّ ذا مِعْلَاقٍ
و ﴿الخصام) في الآية مصدر خاصم، وقيل جمع خصم ككلب وكلاب، فكان الكلام وهو أشد
الخصماء والدهم.

٢٨٠
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢٠٤ - ٢٠٨
و﴿تولى﴾ و﴿سعى﴾ تحتمل جميعاً معنيين: أحدهما أن تكون فعل قلب فيجيء﴿تولى﴾ بمعنى ضل
وغضب وأنف في نفسه فسعى بحيله وإرادته الدوائر على الإسلام، ومن هذا السعي قول الله تعالى: ﴿وأن
ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]، ومنه ﴿وسعى لها سعيها﴾ [الإسراء: ١٩]. ومنه قول الشاعر:
[الرجز]
أسعى على حيِّ بني مالك كل امرىء في شأنِهِ سَاعٍ
ونحا هذا المنحى في معنى الآية ابن جريج وغيره، والمعنى الثاني أن يكونا فعل شخص فيجيء
﴿تولى﴾ بمعنى أدبر ونهض عنك يا محمد، و﴿سعى﴾ يجيء معناها بقدميه فقطع الطريق وأفسدها، نحا
هذا المنحى ابن عباس وغيره، وكلا السعيين فساد.
وقوله تعالى: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾.
قال الطبري: ((المراد الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر)).
وقال مجاهد: ((المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل))،
وقيل: المراد أن المفسد يقتل الناس فينقطع عمار الزرع والمنسلون».
وقال الزجّاج: ((يحتمل أن يراد بالحرث النساء وبالنسل نسلهن)).
قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن الآية عبارة عن مبالغة في الإفساد، إذ كل فساد في أمور الدنيا،
فعلى هذين الفصلين يدور، وأكثر القراء على ﴿يُهلكَ﴾ بضم الياء وكسر اللام وفتح الكاف عطفاً على
﴿ليفسدَ﴾، وفي مصحف أبي بن كعب ((وليهلكَ))، وقرأ قوم ((ويهلكُ)) بضم الكاف، إما عطفاً على
﴿يعجبك﴾ وإما على ﴿سعى﴾، لأنها بمعنى الاستقبال، وإما على القطع والاستئناف، وقرأ الحسن وابن
أبي إسحاق وأبو حيوة وابن محيصن ((وَيهلِكُ)) بفتح الياء وكسر اللام وضم الكاف ورفع ((الحرثُ))
و ((النسَلُ))، وكذلك رواه ابن سلمة عن ابن كثير وعبد الوارث عن أبي عمرو، وحكى المهدوي أن الذي
روى حماد بن سلمة عن ابن كثير إنما هو ((ويُهلكُ)) بضم الياء والكاف ((الحرث)) بالنصب، وقرأ قوم
((وَيهلِكَ)) بفتح الياء واللام ورفع ((الحرثُ)) وهي لغة هلِكَ يهلَكُ، تلحق بالشواذ كركن يركن، و ﴿الحرث﴾
في اللغة شقَ الأرض للزراعة، ويسمى الزرع حرثاً للمجاورة والتناسب، ويدخل سائر الشجر والغراسات
في ذلك حملاً على الزرع، ومنه قول عز وجل ﴿إذ يحكمان في الحرث﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وهو كرم على
ما ورد في التفاسير، وسمي النساء حرثاً على التشبيه، و﴿النسل﴾ مأخوذ من نسل ينسل إذا خرج متتابعاً،
ومنه نسال الطائر ما تتابع سقوطه من ريشه، ومنه قوله تعالى: ﴿وهم من كل حدب ينسلون﴾
[الأنبياء: ٩٦]، ومنه قول امرىء القيس: [الطويل]
فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلٍ
و﴿لا يحب﴾ معناه لا يحبه من أهل الصلاح، أي لا يحبه ديناً، وإلا فلا يقع إلا ما يحب الله تعالى
وقوعه، والفساد واقع، وهذا على ما ذهب إليه المتكلمون من أن الحب بمعنى الإرادة.