Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٩٢ - ٩٥
و((ما)) في موضع رفع والتقدير: بئس الشىء قتل واتخاذ عجل وقول ﴿سمعنا وعصينا﴾، ويجوز أن تكون ((ما))
في موضع نصب، و﴿إن كنتم مؤمنين﴾ شرط. وقد يأتي الشرط والشارط يعلم أن الأمر على أحد الجهتين،
كما قال الله تعالى عن عيسى عليه السلام: ﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾ [المائدة: ١١٦]، وقد علم عيسى
عليه السلام أنه لم يقله، وكذلك ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، والقائل يعلم أنهم غير مؤمنين، لكنه إقامة حجة
بقياس بين، وقال قوم ﴿إِن﴾ هنا نافية بمنزلة ((ما)) كالتي تقدمت، وقرأ الحسن ومسلم بن جندب: ((يأمركم
بهو إيمانكم)» برفع الهاء.
وقوله تعالى: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة﴾ الآية أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم، والمعنى:
إن كان لكم نعيمها وحظوتها وخيرها فذلك يقتضي حرصكم على الوصول إليها ﴿فتمنوا الموت﴾، و ﴿الدار﴾
اسم﴿كانت﴾،و ﴿خالصة﴾خبرها،ويجوز أن یکون نصب﴿خالصة﴾علی الحال، و ﴿عند الله﴾ خبر كان، و ﴿من
دون الناس﴾: يحتمل أن يراد بـ ﴿الناس) محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم التام
وهو قول اليهود فيما حفظ عنهم، وقرأ ابن أبي إسحاق بكسر الواو من ((تمنوا)) للالتقاء، وحكى الأهوازي
عن أبي عمرو أنه قرأ ((تمنوا الموت)) بفتح الواو، وحكي عن غيره اختلاس الحركة في الرفع، وقراءة
الجماعة بضم الواو. وهذه آية بينة أعطاها الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم لأن اليهود قالت: نحن
أبناء الله وأحباؤه، وشبه ذلك من القول، فأمر الله نبيه أن يدعوهم إلى تمني الموت، وأن يعلمهم أنه من
تمناه منهم مات، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فعلم اليهود صدقه، فأحجموا عن تمنيه، فرقاً من
الله لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكذبهم في قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وحرصاً منهم على الحياة.
وقيل إن الله تعالى منعهم من التمني وقصرهم على الإمساك عنه، لتظهر الآية لنبيه صلى الله عليه
وسلم. والمراد بقوله ((تمنوا)) أريدوه بقلوبكم واسألوه، هذا قول جماعة من المفسرين، وقال ابن عباس:
المراد فيه السؤال فقط وإن لم يكن بالقلب، وقال أيضاً هو وغيره: إنما أمروا بالدعاء بالموت على أردأ
الحزبين من المؤمنين أو منهم، وذكر المهدوي وغيره أن هذه الآية كانت مدة حياة النبي صلى الله عليه
وسلم وارتفعت بموته. والصحيح أن هذه النازلة من موت من تمنى الموت إنما كانت أياماً كثيرة عند نزول
الآية، وهي بمنزلة دعائه النصارى من أهل نجران إلى المباهلة، وقالت فرقة: إن سبب هذا الدعاء إلى
تمني الموت أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد به هلاك الفريق المكذب أو قطع حجتهم، لا أن علته
قولهم نحن أبناء الله .
ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم وأنهم لا يتمنونه، و﴿أبداً﴾ ظرف زمان وإذا كانت ((ما)) بمعنى الذي
فتحتاج إلى عائد تقديره قدمته، وإذا كانت مع قدمت بمثابة المصدر غنيت عن الضمير، هذا قول سيبويه،
والأخفش يرى الضمير في المصدرية، وأضاف ذنوبهم واحترامهم إلى الأيدي وأسند تقديمها إليها إذ الأكثر
من كسب العبد الخير والشر إنما هو بيديه، فحمل جميع الأشياء على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿والله عليم بالظالمين) ظاهرها الخبر ومضمنها الوعيد، لأن الله عليم بالظالمين
وغيرهم، ففائدة تخصيصهم حصول الوعيد.

١٨٢
بـ
تفسير سورة البقرة / الآيات : ٩٦ - ٩٩
قوله عز وجل :
وَلَنَجِدَ تَهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّأَ حَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍوَمَا
هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرِّ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (4) قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّحِبْرِيلَ
فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدِّى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
مَن
كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَنْلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌ لِّلْكَفِرِينَ
٩٨
وَلَقَدْ أَنَزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ وَمَا يَكْفُرُبِهَا إِلَّا الْفَسِقُونَ
((وجد)) في هذا المعنى تتعدى إلى مفعولين لأنها من أفعال النفس، ولذلك صح تعديها إلى ضمير
المتكلم في قول الشاعر:
تَلَفْتُ نحو الحيِّ حتَّى وجدتُني وَجِعْتُ من الإصغاءِ لِيتاً وأخدعا
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الضب: (إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه))، وحرصهم
على الحياة لمعرفتهم بذنوبهم وأن لا خير لهم عند الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ قيل المعنى وأحرص من الذين أشركوا، لأن مشركي العرب لا
يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا، ألا ترى إلى قول امرىء القيس [الطويل]:
تمتّعْ من الدنيا فإنك فان
والضمير في ﴿أحدهم﴾ يعود في هذا القول على اليهود، وقيل إن الكلام تم في قوله ﴿حياة﴾، ثم
استؤنف الإخبار عن طائفة من المشركين أنهم ﴿يود أحدهم﴾ وهي المجوس، لأن تشميتهم للعاطس لفظ
بلغتهم معناه ((عِشْ ألف سنة)) فكأن الكلام: ومن المشركين قوم ﴿يود أحدهم﴾، وفي هذا القول تشبيه بني
إسرائيل بهذه الفرقة من المشركين، وقصد ((الألف)) بالذكر لأنها نهاية العقد في الحساب.
زقوله تعالى: ﴿وما هو بمزحزحه﴾: اختلف النحاة في ﴿هو﴾، فقيل هو ضمير الأحد المتقدم الذكر،
فالتقدير وما أحدهم بمزحزحه وخبر الابتداء في المجرور، و﴿أن يعمر﴾ فاعل بمزحزح، وقالت فرقة هو
ضمير التعمير، والتقدير وما التعمير بمزحزحه والخبر في المجرور، و﴿أن يعمر﴾ بدل من التعمير في هذا
القول، وقالت فرقة ﴿هو﴾ ضمير الأمر والشأن، وقد رد هذا القول بما حفظ عن النحاة من أن الأمر والشأن إنما
يفسر بجملة سالمة من حرف جر، وقد جوز أبو علي ذلك في بعض مسائله الحلبيات، وحكى الطبري عن
فرقة أنها قالت هو عماد، وقيل ﴿ما﴾ عاملة حجازية و﴿هو﴾ اسمها والخبر في ﴿بمزحزحه﴾، والزحزحة
الإبعاد والتنحية .
وفي قوله ﴿والله بصير بما يعملون﴾ وعيد، والجمهور على قراءة ((يعملون)) بالياء من أسفل، وقرأ
قتادة والأعرج ويعقوب ((تعملون)) بالتاء من فوق، وهذا على الرجوع إلى خطاب المتوعدين من بني
إسرائیل.

١٨٣
تفسير سورة البقرة / الآيات : ٩٦ - ٩٩
وقوله تعالى: ﴿قل من كان عدواً لجبريل) الآية. نزل على سبب لم يتقدم له ذكر فيما مضى من
الآيات، ولكن أجمع أهل التفسير أن اليهود قالت: جبريل عدونا، واختلف في كيفية ذلك، فقيل إن يهود
فدك قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نسألك عن أربعة أشياء فإن عرفتها اتبعناك، فسألوه عما حرم إسرائيل
على نفسه، فقال: لحوم الإبل وألبانها، وسألوه عن الشبه في الولد، فقال: أي ماء علا كان الشبه له،
وسألوه عن نومه، فقال: تنام عيني ولا ينام قلبي، وسألوه عمن يجيئه من الملائكة، فقال: جبريل، فلما
ذكره قالوا ذاك عدونا، لأنه ملك الحرب والشدائد والجدب، ولو كان الذي يجيئك ميكائيل ملك الرحمة
والخصب والأمطار لاتبعناك، وقيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتكرر على بيت المدراس
فاستحلفهم يوماً بالذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتعلمون أن محمداً نبي؟ قالوا نعم، قال: فلم
تهلکون في تكذیبه، قالوا : صاحبه جبريل وهو عدونا، وذکر أنهم قالوا سبب عداوتهم له أنه حمی بختنصر
حين بعثوا إليه قبل أن يملك من يقتله، فنزلت هذه الآية لقولهم.
وفي جبريل لغات: ((جبريل)) بكسر الجيم والراء من غير همز، وبها قرأ نافع، و((جَبرِيل)) بفتح الجيم
وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم
وهو يقرأ جبريل وميكال فلا أزال أقرؤهما أبداً كذلك))، وجَبريل بفتح الجيم والراء وهمزة بين الراء واللام
وبها قرأ عاصم، و((جَبَرَءيل)) بفتح الجيم والراء وهمزة بعد الراء وياء بين الهمزة واللام، وبها قرأ حمزة
والكسائي وحكاها الكسائي عن عاصم، ((وجبرائل)) بألف بعد الراء ثم همزة وبها قرأ عكرمة، و((جبرائيل))
بزيادة ياء بعد الهمزة، و((جبرائيل)) بياءين وبها قرأ الأعمش، و((جَبرَئلٌ)) بفتح الجيم والراء وهمزة ولام
مشددة، وبها قرأ يحيى بن يعمر، و((جبرال)) لغة فيه، و((جِبرِين)) بكسر الجيم والراء وياء ونون، قال
الطبري: ((هي لغة بني أسد)) ولم يقرأ بها، و((جبريل)) اسم أعجمي عربته العرب فلها فيه هذه اللغات،
فبعضها هي موجودة في أبنية العرب، وتلك أدخل في التعريب كجبريل الذي هو كقنديل، وبعضها خارجة
عن أبنية العرب فذلك كمثل ما عربته العرب ولم تدخله في بناء کإبریسم وفرند وآجر ونحوه.
وذكر ابن عباس رضي الله عنه وغيره أن ((جبر)) و((ميك)) و((سراف)) هي كلها بالأعجمية بمعنى
عبد ومملوك، وإيل اسم الله تعالى، ويقال فيه إلّ، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع
سجع مسيلمة: هذا كلام لم يخرج من إلّ.
وقوله تعالى: ﴿فإنه نزّله على قلبك﴾ الضمير في ﴿فإنه﴾ عائد على الله عز وجل، والضمير في
﴿نزّله﴾ عائد على جبريل صلى الله عليه وسلم، والمعنى بالقرآن وسائر الوحي، وقيل: الضمير في ((إنه))
عائد على جبريل وفي ﴿نزله﴾ على القرآن، وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف،
وجاءت المخاطبة بالكاف في ﴿قلبك﴾ اتساعاً في العبارة إذ ليس ثم من يخاطبه النبي صلى الله عليه وسلم
بهذه الكاف، وإنما يجيء قوله: فإنه نزله على قلبي، لكن حسن هذا إذ يحسن في كلام العرب أن تحرز
اللفظ الذي يقوله المأمور بالقول ويحسن أن تقصد المعنى الذي يقوله فتسرده مخاطبة له، كما تقول لرجل :
قل لقومك لا يهينوك، فكذلك هي الآية، ونحو من هذا قول الفرزدق [الطويل]
ألم تَرَ أَنّي يوم جو سويقة بكيت فنادتْني هنيدةُ ما ليا

١٨٤
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٠٠ - ١٠٢
فأحرز المعنى ونكب عن نداء هنيدة («ما لك))، و﴿بإذن الله﴾ معناه: بعلمه وتمكينه إياه من هذه
المنزلة، و﴿مصدقاً﴾ حال من ضمير القرآن في ﴿نزله﴾ و﴿ما بين يديه﴾: ما تقدمه من كتب الله تعالى،
﴿هدى﴾ إرشاد، والبشرى: أكثر استعمالها في الخير، ولا تجيء في الشر إلا مقيدة به، ومقصد هذه الآية:
تشريف جبريل صلى الله عليه وسلم وذم معاديه.
وقوله تعالى: ﴿من كان عدواً لله﴾ الآية وعيد وذم لمعادي جبريل عليه السلام، وإعلام أن عداوة
البعض تقتضي عداوة الله لهم، وعداوة العبد لله هي معصيته واجتناب طاعته ومعاداة أوليائه، وعداوة الله
للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه، وذكر جبريل وميكائيل وقد كان ذكر الملائكة عمهما تشريفاً لهما،
وقيل خصا لأن اليهود ذكروهما ونزلت الآية بسببهما، فذكرهما واجب لئلا تقول اليهود إنا لم نعاد الله
وجميع ملائكته، وقرأ نافع ((میکائل)» بهمزة دون ياء، وقرأ بها ابن كثير في بعض ما روي عنه، وقرأ ابن عامر
وابن كثير أيضاً وحمزة والكسائي، ((ميكائيل)) بياء بعد الهمزة، وقرأ أبو عمرو وعاصم ((ميكال))، ورويت عن ابن
كثير منذ رآها في النوم كما ذكرنا، وقرأ ابن محيصن ((ميكئل)) بهمزة دون ألف، وقرأ الأعمش ((میکاییل» بياءین،
وظهر الاسم في قوله: ﴿فإن الله﴾ لئلا يشكل عود الضمير، وجاءت العبارة بعموم الكافرين لأن عود الضمير
على من يشكل سواء أفردته أو جمعته، ولو لم نبال بالاشكال وقلنا المعنى يدل السامع على المقصد للزم
تعيين قوم بعداوة الله لهم، ويحتمل أن الله تعالى قد علم أن بعضهم يؤمن فلا ينبغي أن تطلق عليه عداوة
الله للمآل.
وروي أن رجلاً من اليهود لقي عمر بن الخطاب فقال له: أرأيت جبريل الذي يزعم صاحبك أنه
يجيئه ذلك عدونا، فقال له عمر رضي الله عنه: ﴿من كان عدواً لله﴾ إلى آخر الآية، فنزلت على لسان عمر
رضي الله عنه .
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا الخبر يضعف من جهة معناه.
وقوله تعالى: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات﴾، ذكر الطبري أن ابن صوريا قال للنبي صلى الله عليه
وسلم: يا محمد ما جئت بآية بينة؟ فنزلت هذه الآية. و﴿الفاسقون﴾ هنا الخارجون عن الإيمان، فهو فسق
الكفر، والتقدير: ﴿ما يكفر بها﴾ أحد ﴿إلا الفاسقون﴾، لأن الإيجاب لا يأتي إلا بعد تمام جملة النفي.
قوله عز وجل :
أَوَكُلَّمَا عَهَدُ واْعَهْدًا تَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣) وَلَمَّاجَآءَ هُمْ
رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَيَقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ كِتَبَ اُللَّهِ وَرَآءَ
◌ُهُورِهِمْ كَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْالشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ
سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ
هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا غَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرّ
قال سيبويه: الواو واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، وقال الأخفش: هي زائدة، وقال

١٨٥
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٠٠ - ١٠٢
الكسائي: هي ((أو)) وفتحت تسهيلاً، وقرأها قوم ((أو)) ساكنة الواو فتجيء بمعنى بل، وكما يقول القائل:
لأضربنك فيقول المجيب: أوْ يكفي الله .
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا كله متكلف، وأو في هذا المثل متمكنة في
التقسيم، والصحيح قول سيبويه وقرىء ((عهدوا عهداً)) وقرأ الحسن وأبو رجاء ((عوهدوا)) و ﴿عهداً﴾ مصدر،
وقيل: مفعول بمعنى أعطوا عهداً، والنبذ: الطرح والإلقاء، ومنه النبيذ والمنبوذ، والفريق اسم جمع لا
واحد له من لفظه، ويقع على اليسير والكثير من الجمع، ولذلك فسرت كثرة النابذين بقوله: ﴿بل أكثرهم﴾ لما
احتمل الفريق أن يكون الأقل، و﴿لا يؤمنون﴾ في هذا التأويل حال من الضمير في ﴿أكثرهم﴾، ويحتمل الضمير
العود على الفريق، ويحتمل العود على جميع بني إسرائيل وهو أذم لهم، والعهد الذي نبذوه هو ما أخذ
عليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مصحف ابن مسعود ((نقضه فريق)).
وقوله تعالى: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله﴾، يعني به محمد صلى اللّه عليه وسلم، وما
﴿معهم﴾ هو التوراة، و﴿مصدق﴾ نعت لـ ﴿رسول﴾، وقرأ ابن أبي عبلة ((مصدقاً)) بالنصب، و﴿لما﴾ يجب بها
الشيء لوجوب غيره، وهي ظرف زمان، وجوابها ﴿نبذ﴾ الذي يجيء، و﴿الكتاب﴾ الذي أوتوه: التوراة،
و﴿كتاب الله﴾ مفعول بـ ﴿نبذ﴾، والمراد القرآن، لأن التكذيب به نبذ، وقيل المراد التوراة، لأن مخالفتها والكفر بما
أخذ عليهم فيها نبذ، و﴿وراء ظهورهم﴾ مثل لأن ما يجعل ظهرياً فقد زال النظر إليه جملة، والعرب تقول
جعل هذا الأمر وراء ظهره ودبر أذنه، وقال الفرزدق:
بظهرٍ فلا يعيى عليَّ جوابُها
تميم بنَ مرّ لا تكونن حاجتي
و﴿كأنهم لا يعلمون﴾ تشبيه بمن لا يعلم، إذ فعلوا فعل الجاهل، فيجيء من اللفظ أنهم كفروا
على علم.
وقوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين) الآية، يعني اليهود، قال ابن زيد والسدي: المراد من
كان في عهد سليمان، وقال ابن عباس: المراد من كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل
الجميع، و﴿تتلو﴾ قال عطاء: معناه تقرأ من التلاوة، وقال ابن عباس: ﴿تتلو﴾ تتبع، كما تقول: جاء القوم
يتلو بعضهم بعضاً، وتتلو بمعنى تلت، فالمستقبل وضع موضع الماضي، وقال الكوفيون: المعنى ما كانت
تتلو، وقرأ الحسن والضحاك: ((الشیاطون» بالواو.
وقوله: ﴿على ملك سليمان﴾ أي على عهد ملك سليمان، وقيل المعنى في ملك سليمان بمعنى في
قصصه وصفاته وأخباره، وقال الطبري: ﴿اتبعوا﴾ بمعنى فضلوا، و﴿على ملك سليمان﴾ أي على شرعه ونبوته
وحاله، والذي تلته الشياطين: قيل إنهم كانوا يلقون إلى الكهنة الكلمة من الحق معها المائة من الباطل
حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سليمان ودفنه تحت كرسيه، فلما مات قالت الشياطين: إن ذلك كان علم
سليمان، وقيل: بل كان الذي تلته الشياطين سحراً وتعليماً فجمعه سليمان عليه السلام كما تقدم، وقيل إن
سليمان عليه السلام كان يملي على كاتبه آصف بن برخيا علمه ويختزنه، فلما مات أخرجته الجن وكتبت
بين كل سطرين سطراً من سحر ثم نسبت ذلك إلى سليمان، وقيل إن آصف تواطأ مع الشياطين على أن

١٨٦
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٠٠ - ١٠٢
يكتبوا سحراً وينسبوه إلى سليمان بعد موته، وقيل إن الجن كتبت ذلك بعد موت سليمان واختلقته ونسبته
إليه، وقيل إن الجن والإنس حين زال ملك سليمان عنه اتخذ بعضهم السحر والكهانة علماً، فلما رجع
سليمان إلى ملكه تتبع كتبهم في الآفاق ودفنها، فلما مات قال شيطان لبني إسرائيل: هل أدلكم على كنز
سليمان الذي به سخرت له الجن والريح، هو هذا السحر، فاستخرجته بنو إسرائيل وانبث فيهم، ونسبوا
سليمان إلى السحر وكفروا في ذلك حتى برأه الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، وروي أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر سليمان في الأنبياء قال بعض اليهود: انظروا إلى محمد يذكر سليمان في
الأنبياء وما كان إلا ساحراً .
وقوله تعالى: ﴿وما كفر سليمان﴾ تبرئة من الله تعالى لسليمان، ولم يتقدم في الآيات أن أحداً نسبه
إلى الكفر، ولكنها آية نزلت في السبت المتقدم أن اليهود نسبته إلى السحر، والسحر والعمل به كفر،
ويقتل الساحر عند مالك رضي الله عنه كفراً، ولا يستتاب كالزنديق، وقال الشافعي: يسأل عن سحره فإن
كان كفراً استتيب منه فإن تاب وإلا قتل، وقال مالك: فيمن يعقد الرجال عن النساء يعاقب ولا يقتل،
واختلف في ساحر أهل الذمة فقيل: يقتل، وقال مالك: لا يقتل إلا إن قتل بسحره ويضمن ما
جنى، ويقتل إن جاء منه بما لم يعاهد عليه، وقرأ نافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو بتشديد النون
من ((لكنّ)) ونصب الشياطين، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر بتخفيف النون ورفع ((الشياطينُ))،
قال بعض الكوفيين : التشديد أحب إليّ إذا دخلت عليها الواو لأن المخففة بمنزلة بل، وبل
لا تدخل عليها الواو، وقال أبو علي: لبس دخول الواو عليها معنى يوجب التشديد، وهي مثقلة
ومخففة بمعنى واحد إلا أنها لا تعمل إذا خففت، وكفر الشياطين إما بتعليمهم السحر، وإما بعلمهم به،
وإما بتكفيرهم سليمان به، وكل ذلك كان، والناس المعلمون أتباع الشياطين من بني إسرائيل،
و ﴿السحر﴾ مفعول ثان بـ ﴿يعلمون﴾، وموضع ﴿يعلمون﴾ نصب على الحال، أو رفع على خبر ثان.
وقوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾: ﴿ما﴾ عطف على ﴿السحر﴾ فهي
مفعولة، وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر على الملكين فتنة للناس ليكفر من اتبعه ويؤمن من
تركه، أو على قول مجاهد وغيره: إن الله تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه
دون السحر، أو على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما ليعلم على جهة التحذير منه والنهي عنه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والتعليم على هذا القول إنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل إن
﴿ما﴾ عطف على ﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما تتلو﴾، وقيل: ﴿ما) نافية، رد على قوله: ﴿وما كفر سليمان﴾،
وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائل بالسحر فنفى اللّه ذلك، وقرأ ابن عباس والحسن
والضحاك وابن أبزى ((الملكين)) بكسر اللام، وقال ابن أبزى: هما داود وسليمان، وعلى هذا القول أيضاً
فـ ﴿ما﴾ نافية، وقال الحسن: هما علجان كانا ببابل ملكين، ﴿فما﴾ على هذا القول غير نافية، وقرأها
كذلك أبو الأسود الدؤلي، وقال: هما ﴿هاروت وماروت﴾، فهذا كقول الحسن.
و﴿بابل﴾ لا ينصرف للتأنيث والتعريف، وهي قطر من الأرض، واختلف أين هي؟ فقال قوم: هي

١٨٧
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٠٠ - ١٠٢
بالعراق وما والاه، وقال ابن مسعود لأهل الكوفة: أنتم بين الحيرة وبابل، وقال قتادة: هي من نصيبين إلى
رأس العين، وقال قوم: هي بالمغرب.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف، وقال قوم: هي جبل دماوند، و﴿هاروت
وماروت﴾ بدل من ﴿الملكين﴾ على قول من قال: هما ملكان، ومن قرأ ((ملكين)) بكسر اللام وجعلهما
داود وسليمان أو جعل الملكين جبريل وميكائل، جعل ﴿هاروت وماروت﴾ بدلاً من ﴿الشياطين) في قوله
﴿ولكن الشياطين كفروا﴾، وقال هما شيطانان، ويجيء ﴿يعلمون﴾: إما على أن الاثنين جمع، وإما على
تقدير أتباع لهذين الشيطانين اللذين هما الرأس، ومن قال كانا علجين قال: ﴿هاروت وماروت﴾ بدل من
قوله ﴿الملكين﴾، وقيل هما بدل من ﴿الناس) في قوله ﴿يعلمون الناس﴾، وقرأ الزهري ﴿هاروتُ
وماروتُ﴾ بالرفع، ووجهه البدل من ﴿الشياطين) في قوله ﴿تتلو الشياطين) أو من ﴿الشياطين) الثاني
على قراءة من خفف ((لكنْ)) ورفع، أو على خبر ابتداء مضمر تقديره هما ﴿هاروت وماروت﴾.
وروى من قال إنهما ملكان أن الملائكة مقتت حكام بني إسرائيل وزعمت أنها لو كانت بمثابتهم من
البعد عن الله لأطاعت حق الطاعة، فقال الله لهم: اختاروا ملكين يحكمان بين الناس، فاختاروا هاروت
وماروت، فكانا يحكمان، فاختصمت إليهما امرأة ففتنا بها فراوداها، فأبت حتى يشرب الخمر ويقتلا،
ففعلا، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها إياه، فتكلمت به فعرجت، فمسخت
کوکباً فهي الزهرة، وكان ابن عمر يلعنها.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا كله ضعيف وبعيد على ابن عمر رضي الله عنهما، وروي أن
الزهرة نزلت إليهما في صورة امرأة من فارس فجرى لهما ما ذكر، فأطلع الله عز وجل الملائكة على ما كان
من هاروت وماروت، فتعجبوا، وبقيا في الأرض لأنهما خُيِّرا بين عذاب الآخرة وعذاب الدنيا فاختارا
عذاب الدنيا، فهما في سرب من الأرض معلقين يصفقان بأجنحتهما، وروت طائفة أنهما يعلمان السحر في
موضعهما ذلك، وأخذ عليهما أن لا يعلما أحداً حتى يقولا له: ﴿ إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا القصص يزيد في بعض الروايات وينقص في بعض، ولا يقطع
منه بشيء، فلذلك اختصرته .
ذكر ابن الأعرابي في الياقوتة أن ﴿يعلمان﴾ بمعنى يعلمان ويشعران كما قال كعب بن زهير
[الطويل].
تَعَلَّمْ رسولَ اللَّهِ أَنَّك مدركي وأنّ وعيداً منك كالأخذِ باليدِ
وحمل هذه الآية على أن الملكين إنما نزلا يعلمان الناس بالسحر وينهيان عنه، وقال الجمهور: بل
التعليم على عرفه، و((لا تكفر)) قالت فرقة: بتعلم السحر، وقالت فرقة: باستعماله، وحكى المهدوي أن
قولهما: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله، و﴿من﴾ في قوله
﴿من أحد﴾ زائدة بعد النفي.

١٨٨
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٠٢ - ١٠٤
قوله عز وجل:
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَايُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَاهُم بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنَعَلَّمُونَ مَايَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ أَشْتَرَنُهُ مَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ
مِنْ خَلَقٍ وَلَبِتْسَ مَا شَرَوْابِهِ: أَنْفُسَهُمْ لَوْكَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْءَامَنُواْ
وَأَثَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْكَانُوا يَعْلَمُونَ (٣) يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ
١٠٤
رَيِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
وقوله تعالى: ﴿فيتعلمون﴾: قال سيبويه: التقدير فهم يتعلمون، وقيل هو معطوف على قوله ﴿يعلمون
الناس﴾، ومنعه الزجاج، وقيل: هو معطوف على موضع ﴿وما يعلمان﴾ لأن قوله ﴿وما يعلمان) وإن دخلت
عليه ما النافية فمضمنه الإيجاب في التعليم، وقيل التقدير فيأتون فيتعلمون، واختاره الزجاج، والضمير في
﴿يعلمان﴾ هو لهاروت وماروت الملكين أو الملكين العلجين على ما تقدم، والضمير في ﴿منهما﴾ قيل:
هو عائد عليهما، وقيل: على ﴿السحر﴾ وعلى الذي أنزل على الملكين، و﴿يفرقون﴾ معناه فرقة العصمة، وقيل
معناه: يؤخّذون الرجل عن المرأة حتى لا يقدر على وطئها فهي أيضاً فرقة.
وقرأ الحسن والزهري وقتادة ((المرِء)) براء مكسورة خفيفة، وروي عن الزهري تشديد الراء، وقرأ
ابن أبي إسحاق ((المُرء)) بضم الميم وهمزة وهي لغة هذيل، وقرأ الأشهب العقيلي ((المرء)) بكسر الميم
وهمزة، ورويت عن الحسن، وقرأ جمهور الناس ((المرء)) بفتح الميم وهمزة، والزوج هنا امرأة الرجل،
وكل واحد منهما زوج الآخر، ويقال للمرأة زوجة قال الفرزدق. [الطويل]
كساعٍ إلى أُسْد الشرى يسْتبيلها
وإن الذي یسعی لیفسِدَ زوجتي
وقرأ الجمهور ((بضارين به))، وقرأ الأعمش ((بضاري به من أحد)) فقيل: حذفت النون تخفيفاً،
وقيل: حذفت للإضافة إلى ﴿أحد﴾ وحيل بين المضاف والمضاف إليه بالمجرور، و﴿بإذن الله﴾ معناه
بعلمه وتمكينه، و﴿يضرهم﴾ معناه في الآخرة ﴿ولا ينفعهم﴾ فيها أيضاً، وإن نفع في الدنيا بالمكاسب
فالمراعى إنما هو أمر الآخرة، والضمير في ﴿علموا﴾ عائد على بني إسرائيل حسب الضمائر المتقدمة،
وقيل: على ﴿الشياطين)، وقيل على ﴿الملكين) وهما جمع، وقال ﴿اشتراه﴾ لأنهم كانوا يعطون الأجرة
على أن يعلموا، والخلاق النصيب والحظ، وهو هنا بمعنى الجاه والقدر، واللام في قوله ﴿لمن﴾
المتقدمة للقسم المؤذنة بأن الكلام قسم لا شرط، وتقدم القول في (بئسما))، و﴿شروا﴾ معناه باعوا، وقد
تقدم مثله، والضمير في ﴿يعلمون﴾ عائد على بني إسرائيل باتفاق، ومن قال إن الضمير في ﴿علموا﴾
عائد عليهم خرج هذا الثاني على المجاز، أي لما عملوا عمل من لا يعلم كانوا كأنهم لا يعلمون، ومن قال.
إن الضمير في ﴿علموا﴾ عائد على ﴿الشياطين﴾ أو على ﴿الملكين﴾ قال: إن أولئك علموا أن لا خلاق

١٨٩
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٠٢ - ١٠٤
لمن اشتراه وهؤلاء لم يعلموا فهو على الحقيقة، وقال مكي: الضمير في ﴿علموا﴾ لعلماء أهل الكتاب،
وفي قوله ﴿لو كانوا يعلمون﴾ للمتعلمين منهم.
وقوله تعالى: ﴿ولو أنهم آمنوا﴾: موضع ((أن)) رفع، المعنى لو وقع إيمانهم، ويعني الذين اشتروا
السحر، ﴿ولو﴾ تقتضي جواباً، فقالت فرقة جوابها ﴿المثوبة﴾، لأنها مصدر يقع للمضي والاستقبال،
وجواب ﴿لو﴾ لا يكون إلا ماضياً أو بمعناه، وقال الأخفش: لا جواب لـ ﴿لو﴾ في هذه الآية مظهراً ولكنه
مقدر، أي لو آمنوا لأثيبوا.
وقرأ قتادة وأبو السمال وابن بريدة ((لمثْوَبة)) بسكون الثاء وفتح الواو، وهو مصدر أيضاً كمشورة
ومشورة، ومثوبة رفع بالابتداء و﴿خير﴾ خبره والجملة خبر ان، والمثوبة عند جمهور الناس بمعنى الثواب
والأجر، وهذا هو الصحيح، وقال قوم: معناه لرجعة إلى الله من ثاب يثوب إذا رجع، واللام فيها لام القسم
لأن لام الابتداء مستغنى عنها، وهذه لا غنى عنها، وقوله تعالى: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ يحتمل نفي العلم
عنهم، ويحتمل أن يراد: لو كانوا يعلمون علماً ينفع.
وقرأ جمهور الناس ((راعِنا)) من المراعاة بمعنى فاعلنا أي أرعنا نرعك، وفي هذا جفاء أن يخاطب
به أحد نبيه، وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره، فقال من ذهب إلى هذا
المعنى إن الله تعالى نهى المؤمنين عنه لهذه العلة، ولا مدخل لليهود في هذه الآية على هذا التأويل، بل
هو نهي عن كل مخاطبة فيها استواء مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت طائفة: هي لغة كانت الأنصار
تقولها، فقالها رفاعة بن زيد بن التابوت للنبي صلى الله عليه وسلم ليّاً بلسانه وطعناً كما كان يقول: اسمع
غير مسمع، فنهى الله المؤمنين أن تقال هذه اللفظة.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ووقف هذه اللغة على الأنصار تقصير، بل هي لغة
لجميع العرب فاعل من المراعاة. فكانت اليهود تصرفها إلى الرعونة، يظهرون أنهم يريدون المراعاة
ويبطنون أنهم يريدون الرعونة التي هي الجهل، وحكى المهدوي عن قوم أن هذه الآية على هذا التأويل
ناسخة لفعل قد كان مباحاً؛ وليس في هذه الآية شروط النسخ لأن الأول لم يكن شرعاً متقرراً. وقرأ
الحسن بن أبي الحسن وابن أبي ليلى وابن محيصن وأبو حيوة ((راعنا)) بالتنوين، وهذه من معنى الجهل،
وهذا محمول على أن اليهود كانت تقوله فنهى الله تعالى المؤمنين عن القول المباح سد ذريعة لئلا يتطرق
منه اليهود إلى المحظور، إذ المؤمنون إنما كانوا يقولون ((راعنا)) دون تنوين، وفي مصحف ابن مسعود
((راعونا))، وهي شاذة، ووجهها أنهم كانوا يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم كما تخاطب الجماعة،
يظهرون بذلك إكباره وهم يريدون في الباطن فاعولاً من الرعونة .
و﴿انظُرنا﴾ مضمومة الألف والظاء معناها انتظرنا وأمهل علينا، ويحتمل أن يكون المعنى تفقدنا من
النظر، وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم على المعنيين، والظاهر عندي استدعاء نظر
العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى ﴿راعنا﴾، فبدلت للمؤمنين اللفظة ليزول تعلق اليهود، وقرأ
الأعمش وغيره ((أنظِرنا)) بقطع الألف وكسر الظاء بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك.
ولما نهى الله تعالى في هذه الآية وأمر، حض بعد على السمع الذي في ضمنه الطاعة، واعلم أن

١٩٠
تفسير سورة البقرة / الآيتان : ١٠٦،١٠٥
لمن خالف أمره فكفر عذاباً أليماً، وهو المؤلم، ﴿واسمعوا﴾ معطوف على ﴿قولوا﴾ لا على معمولها.
ءَايَةٍ أَوْنُفسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاْ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّشَىْءٍ قَدِيُ
١٠٦
قوله عز وجل :
مَانَنسَخْ مِنْ
مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلْ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن
رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ﴾﴾
التقدير ولا من المشركين. وعم الذين كفروا ثم بيّن أجناسهم من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان
ليبين في الألف واللام في ﴿الذين﴾ أنها ليست للعهد يراد بها معين، ومعنى الآية أن ما أمرناكم به من أن
تعظموا نبيكم خير من الله منحكم إياه، وذلك لا يودّه الكفار. ثم يتناول اللفظ كل خير غير هذا، و﴿أن﴾ مع
الفعل بتأويل المصدر، و﴿من﴾ زائدة في قول بعضهم. ولما كان ود نزول الخير منتفياً، قام ذلك مقام الجحد
الذي يلزم أن يتقدم ﴿من﴾ الزائدة على قول سيبويه والخليل. وأما الأخفش فيجيز زيادتها في الواجب، وقال
قوم: ﴿من﴾ للتبعيض؛ لأنهم يريدون أن لا ينزل على المؤمنين من الخير قليل ولا كثير، ولو زال معنى
التبعيض لساغ لقائل أن يقول: نريد أن لا ينزل خير كامل ولا نكره أن ينزل بعض، فإذا نفي ود نزول
البعض فذلك أحرى في نزول خير كامل، والرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله
عباده قديماً وحديثاً، وقال قوم: الرحمة هي القرآن، وقال قوم: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه
أجزاء الرحمة العامة التي في لفظ الآية.
وقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ الآية، النسخ في كلام العرب على وجهين: أحدهما
النقل كنقل كتاب من آخر، والثاني الإزالة، فأما الأول فلا مدخل له في هذه الآية، وورد في كتاب الله
تعالى في قوله تعالى: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ [الجاثية: ٢٩]، وأما الثاني الذي هو الإزالة فهو
الذي في هذه الآية، وهو منقسم في اللغة على ضربين: أحدهما يثبت الناسخ بعد المنسوخ كقولهم
نسخت الشمس الظل، والآخر لا يثبت كقولهم ((نسخت الريح الأثر))، وورد النسخ في الشرع حسب هذين
الضربين، والناسخ حقيقة هو الله تعالى، ويسمى الخطاب الشرعي ناسخاً إذ به يقع النسخ، وحد الناسخ
عند حذاق أهل السنة: الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت، بالخطاب المتقدم على وجهٍ لولاه لكان
ثابتاً مع تراخیه عنه .
والنسخ جائز على الله تعالى عقلًا لأنه ليس يلزم عنه محال ولا تغيير صفة من صفاته تعالى، وليست
الأوامر متعلقة بالإرادة فيلزم من النسخ أن الإرادة تغيرت، ولا النسخ لطروّ علم، بل الله تعالى يعلم إلى أي
وقت ينتهي أمره بالحكم الأول ويعلم نسخه بالثاني. والبداء لا يجوز على الله تعالى لأنه لا يكون إلا لطروّ
علم أو لتغير إرادة، وذلك محال في جهة الله تعالى، وجعلت اليهود النسخ والبداء واحداً، ولذلك لم
یجوزوہ فضلُوا.
والمنسوخ عند أئمتنا: الحكم الثابت نفسه، لا ما ذهبت إليه المعتزلة، من أنه مثل الحكم الثابت

١٩١
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٠٥، ١٠٦
فيما يستقبل، والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة، وأن الحسن صفة نفسية للحسن، ومراد
الله تعالى حسن، وقد قامت الأدلة على أن الأوامر لا ترتبط بالإرادة، وعلى أن الحسن والقبح في الأحكام
إنما هو من جهة الشرع لا بصفة نفسية .
والتخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به، لأن المخصص لم يتناوله العموم قط، ولو ثبت
قطعاً تناول العموم لشيء ما ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخاً لا تخصيصاً. والنسخ لا يجوز
في الإخبار، وإنما هو مختص بالأوامر والنواهي، وردّ بعض المعترضين الأمر خبراً بأن قال: أليس معناه:
((واجب عليكم أن تفعلوا كذا))؟ فهذا خبر، والجواب أن يقال: إن في ضمن المعنى إلا أن أنسخه عنكم
وأرفعه، فكما تضمن لفظ الأمر ذلك الإخبار كذلك تضمن هذا الاستثناء.
وصور النسخ تختلف، فقد ينسخ الأثقل إلى الأخف كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين، وقد ينسخ
الأخف إلى الأثقل كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان، وقد ينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة كالقبلة،
وقد ينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى، والنسخ التام أن تنسخ التلاوة والحكم وذلك كثير، ومنه قول
أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ((كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر))، وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية
الرجم، وقد ينسخ الحكم دون التلاوة كصدقة النجوى، وكقوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم
إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾ [الممتحنة: ١١]، والتلاوة والحكم
حكمان، فجائز نسخ أحدهما دون الآخر.
وينسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وهذه العبارة يراد بها الخبر المتواتر القطعي، وينسخ خبر
الواحد بخبر الواحد، وهذا كله متفق عليه، وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجود في
قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا وصية لوارث))، وهو ظاهر مسائل مالك رحمه الله، وأبى ذلك الشافعي
رحمه الله، والحجة عليه من قوله إسقاطه الجلد في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم، فإنه لا مسقط لذلك
إلا السنة. فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك حذاق الأئمة على أن السنة تنسخ بالقرآن، وذلك
موجود في القبلة فإن الصلاة إلى الشام لم تكن قط في كتاب الله، وفي
قوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠]، فإن رجوعهن إنما كان يصلح النبي
صلى الله عليه وسلم لقريش، والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلاً، واختلفوا هل وقع
شرعاً، فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء في التحول إلى القبلة، وأبى ذلك قوم،
ولا يصح نسخ نص بقياس إذ من شروط القياس أن لا يخالف نصاً، وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه
وسلم، وأما بعد موته واستقرار الشرع فأجمعت الأمة أنه لا نسخ. ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ
لأنه إنما ينعقد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا وجدنا إجماعاً يخالف نصاً فنعلم أن الإجماع استند
إلی نص ناسخ لا نعلمه نحن.
وقال بعض المتكلمين: ((النسخ الثابت متقرر في جهة كل أحد علم الناسخ أو لم يعلمه))، والذي
عليه الحذاق أنه من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول، فإذا بلغه الناسخ طرأ عليه حكم النسخ،
والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله، وهو موجود في كتاب الله تعالى في قصة الذبيح.
!

١٩٢
تفسير سورة البقرة / الآيتان : ١٠٥، ١٠٦
وقرأ جمهور الناس ((ما نَّنْسخ)) بفتح النون، من نسخ، وقرأت طائفة ((نُنسخ))، بضم النون من
(أنسخ))، وبها قرأ ابن عامر وحده من السبعة، قال أبو علي الفارسي: ليست لغة لأنه لا يقال نسخ وأنسخ
بمعنى، ولا هي لتعدية لأن المعنى يجيء ما نكتب من آية أي ما ننزل فيجيء القرآن كله على هذا
منسوخاً، وليس الأمر كذلك، فلم يبق إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخاً، كما تقول: أحمدت الرجل
وأبخلته بمعنى وجدته محموداً أو بخيلاً، قال أبو علي: وليس نجده منسوخاً إلا بأن ننسخه فتتفق القراءتان
في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وقد خرج قرأة هذه القراءة المعنى على وجهين أحدهما
أن يكون المعنى ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله أي ذلك فعلنا فإنا نأتي
بخير من المؤخر المتروك أو بمثله، فيجيء الضميران في ﴿منها﴾ و﴿مثلها﴾ عائدين على الضمير في
﴿ننسها﴾، والمعنى الآخر أن يكون ﴿ننسخ﴾ من النسخ بمعنى الإزالة ويكون التقدير ما ننسخك أي نبيح
لك نسخه، كأنه لما نسخها الله أباح لنبيه تركها بذلك النسخ، فسمى تلك الإباحة إنساخاً، و﴿ما﴾ شرطية
وهي مفعولة بـ ﴿ننسخ﴾، و﴿ننسخ﴾ جزم بالشرط.
واختلف القراء في قراءة قوله ﴿ننسها﴾، فقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم وابن عامر وجمهور من
الناس ((نْسِها)) بضم النون الأولى وسكون الثانية وكسر السين وترك الهمزة، وهذه من أنسى المنقول من
نسي، وقرأت ذلك فرقة كما تقدم إلا أنها همزت بعد السين، فهذه بمعنى التأخير، تقول العرب أنسأت
الدين وغيره أنسؤه إنساء إذا أخرته، وقرأت طائفة ((أو نَنْسَها)) بفتح النون الأولى وسكون الثانية وفتح السين،
وهذه بمعنى الترك، ذكرها مكي ولم ينسبها، وذكرها أبو عبيد البكري في كتاب اللآلي عن سعد بن أبي
وقاص، وأراه وهمّ، وقرأ سعد بن أبي وقاص ((أو تَنْسَها)) على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ونون
بعدها ساكنة وفتح السين، هكذا قال أبو الفتح وأبو عمرو الداني، فقيل لسعد إن سعيد بن المسيب يقرؤها
بنون أولى مضمومة وسين مكسورة فقال: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، وتلا
﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦]، ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ [الكهف: ٢٤]، وقرأ سعيد بن المسيب
فيما ذكر عنه أيضاً ((أو تُنْسَها)) بضم التاء أولاً وفتح السين وسكون النون بينهما، وهذه من النسيان، وقرأ
الضحاك بن مزاحم وأبو رجاء ((نْنَسِّها)) بضم النون الأولى وفتح الثانية وسين مكسورة مشددة، وهذه أيضاً من
النسيان .
وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عباس وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعبيد
ابن عمير وابن كثير وأبو عمرو ((نَنْسَأها)» بنون مفتوحة وأخرى بعدها ساكنة وسين مفتوحة وألف بعدها
مهموزة، وهذه من التأخير، تقول العرب: نسأت الإبل عن الحوض أَنْسَؤُها نَسْأَ أي أخرتها، وكذلك يقال:
أنسأ الإبل إذا زاد في ظمئها يوماً أو يومين أو أكثر من ذلك بمعنى أخرها عن الورد، وقرأت فرقة مثل هذه
القراءة إلا أنها بتاء مفتوحة أولاً على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وإسناد الفعل إليه، وقرأ أبو حيوة
مثل ذلك إلا أنه ضم التاء أولاً، وقرأ أبي بن كعب ((أو نُنْسِك)) بضم النون الأولى وسكون الثانية وسين

١٩٣
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٠٥، ١٠٦
مكسورة وكاف مخاطبة، وفي مصحف سالم مولى أبي حذيفة ((أو ننسكها)) مثل قراءة أبيّ إلا أنه زاد ضمير
الآية .
وقرأ الأعمش ((ما ننسك من آية أو ننسخها نجىء بمثلها))، وهكذا ثبتت فى مصحف عبد الله بن
مسعود .
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه القراءات لا تخلو كل واحدة منها أن تكون من النسء أو الإنساء
بمعنى التأخير، أو تكون من النسيان.
والنسيان في كلام العرب يجيء في الأغلب ضد الذكر، وقد يجيء بمعنى التّرك، فالمعاني الثلاثة
مقولة في هذه القراءات، فما كان منها يترتب في لفظة النسيان الذي هو ضد الذكر.
فمعنى الآية: ما ننسخ من آية أو نقدر نسيانك لها فتنساها حتى ترتفع جملة وتذهب فإنا نأتي بما هو
خير منها لكم أو مثله في المنفعة .
وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى الترك فإن الآية معه تترتب فيها أربعة معان:
أحدها: ما ننسخ على وجوه النسخ أو نترك غير منزل عليك فإنا لا بد أن ننزل رفقاً بكم خيراً من ذلك
أو مثله حتی لا ینقص الدين عن حد كماله.
والمعنى الثاني أو نترك تلاوته وإن رفعنا حكمه فيجيء النسخ على هذا رفع التلاوة والحكم.
والمعنى الثالث أو نترك حكمه وإن رفعنا تلاوته فالنسخ أيضاً على هذا رفع التلاوة والحكم.
والمعنى الرابع أو نتركها غير منسوخة الحكم ولا التلاوة، فالنسخ على هذا المعنى هو على جميع
وجوهه، ويجيء الضميران في ﴿منها أو مثلها﴾ عائدين على المنسوخة فقط، وكان الكلام إن نسخنا أو أبقينا
فإنا نأتي بخير من المنسوخة أو مثلها.
وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى التأخير فإن الآية معه تترتب فيها المعاني الأربعة التي في
الترك، أولها ما ننسخ أو نؤخر إنزاله، والثاني ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر حكمه وإن أبقينا تلاوته،
والثالث ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر تلاوته وإن أبقينا حكمه، والرابع ما ننسخ أو نؤخره مثبتاً لا ننسخه،
ويعود الضميران كما ذكرنا في الترك، وبعض هذه المعاني أقوى من بعض، لكن ذكرنا جميعها لأنها
تحتمل، وقد قال ((جميعها)) العلماء إما نصاً وإما إشارة فكملناها.
وقال الزجاج: إن القراءة ((أو نْسِها)) بضم النون وسكون الثانية وكسر السين لا يتوجه فيها معنى
الترك لأنه لا يقال أنسأ بمعنى ترك، وقال أبو علي وغيره: ذلك متجه لأنه بمعنى نجعلك تتركها، وكذلك
ضعف الزجاج أن تحمل الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر، وقال: إن هذا لم يكن للنبي صلى الله
عليه وسلم ولا نسي قرآناً، وقال أبو علي وغيره: ذلك جائز وقد وقع ولا فرق بين أن ترفع الآية بنسخ أو
بتنسئة، واحتج الزجاج بقوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ [الإسراء: ٨٦]، أي لم
نفعل، قال أبو علي معناه لم نذهب بالجميع.

١٩٤
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٠٧ - ١٠٩
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: على معنى إزالة النعمة كما توعد، وقد حكى الطبري
القول عن أقدم من الزجاج، ورد عليه، والصحيح في هذا أن نسيان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله
تعالی أن یساه ولم يرد أن يثبت قرآناً جائز.
فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم منه قبل التبليغ وبعد التبليغ ما
لم يحفظه أحد من أصحابه، وأما بعد أن يحفظ فجائز عليه ما يجوز على البشر لأنه قد بلغ وأدى الأمانة،
ومنه الحديث حين أسقط آية، فلما فرغ من الصلاة قال: أفي القوم أبيّ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: فلم
لم تذكرني؟ قال: حسبت أنها رفعت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لم ترفع ولكني نسيتها.
ولفظة خير في الآية صفة تفضيل، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف،
وفي آجل إن كانت أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية، وقال قوم ((خير)) في الآية مصدر و ((من) لابتداء الغاية.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويقلق هذا القول لقوله تعالى ﴿أو مثلها﴾ إلا أن يعطف المثل
على الضمير في ﴿منها﴾ دون إعادة حرف الجر، وذلك معترض.
وقوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن﴾ ظاهره الاستفهام ومعناه التقرير، والتقرير محتاج إلى معادل كالاستفهام
المحض، فالمعادل هنا على قول جماعة ﴿أم تريدون﴾ [البقرة: ١٨]، وقال قوم (أم) هنا منقطعة، فالمعادل
على قولهم محذوف تقديره أم علمتم، وهذا كله على أن القصد بمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة
أمته، وأما إن كان هو المخاطب وحده فالمعادل محذوف لا غير، وكلا القولين مروي .
ومعنى الآية أن الله تعالى ينسخ ما يشاء ويثبت ما يشاء ويفعل في أحكامه ما يشاء، هو قدیر علی ذلك
وعلى كل شيء، وهذا لإنكار اليهود النسخ.
وقوله تعالى ﴿على كل شيء﴾ لفظ عموم معناه الخصوص، إذ لم تدخل فيه الصفات القديمة بدلالة
العقل ولا المحالات لأنها ليست بأشياء، والشيء في كلام العرب الموجود ، و﴿قدير﴾ اسم فاعل على المبالغة
من ((قَدَر)) بفتح العين ((يقدِر)) بكسرها. ومن العرب من يقول قَدِرَ بكسر العين يقدّر بفتحها.
قوله عز وجل :
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِِّ وَمَالَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
١٠٧
أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْتَلُواْرَسُولَكُمْ كَمَاسُيِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَنِ
فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴿ وَذَكَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْيَرُدُّونَكُمْ مِّنْ بَعْدٍ إِيمَانِكُمْ
كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ
بِأَمْرَِّإِنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
الملك السلطان ونفوذ الأمر والإرادة، وجمع الضمير في ﴿لكم﴾ دال على أن المراد بخطاب النبي

١٩٥
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٠٧ - ١٠٩
صلى الله عليه وسلم خطاب أمته، و((الولي)) فعيل من ولي إذا جاور ولحق، فالناصر والمعين والقائم بالأمر
والحافظ كلهم مجاور بوجه ما، و((النصير)) فعيل من النصر، وهو أشد مبالغة من ناصر.
وقوله تعالى: ﴿أم تريدون﴾: قالت فرقة: ﴿أم﴾ رد على الاستفهام الأول، فهي معادلته.
وقالت فرقة ﴿أم﴾ استفهام مقطوع من الأول، كأنه قال: أتريدون، وهذا موجود في كلام العرب.
وقالت فرقة: (أم) هنا بمعنى بل وألف الاستفهام، قال مكي وغيره: وهذا يضعف لأن ((أم)) لا تقع
بمعنى بل إلا إذا اعترض المتكلم شك فيما يورده.
قال القاضي أبو محمد: وليس كما قال مكي رحمه الله، لأن ((بل)) قد تكون للإضراب عن اللفظ الأول
لا عن معناه، وإنما يلزم ما قال على أحد معنيي ((بل)) وهو الإضراب عن اللفظ والمعنى، ونعم ما قال
سيبويه: بل هي لترك كلام وأخذ في غيره.
وقال أبو العالية: إن هذه الآية نزلت حين قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: ليت ذنوبنا
جرت مجرى ذنوب بني إسرائيل بتعجيل العقوبة في الدنيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أعطاكم
الله خيراً مما أعطى بني إسرائيل. وتلا: ﴿ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً
رحيماً﴾. [النساء: ١١٠].
قال القاضي أبو محمد: فتجيء إضافة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأمة على هذا حسب الأمر في
نفسه وحسب إقرارهم.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: إن رافع بن حريملة اليهودي سأل النبي صلى الله عليه وسلم تفجير
عيون وغير ذلك، وقيل: إن كفار قريش سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله جهرة، وقيل: سألوه
أن يأتي بالله والملائكة قبيلاً، وقال مجاهد: سألوه أن يرد الصفا ذهباً، فقال لهم: خذوا ذلك كالمائدة لبني
إسرائيل، فأبوا ونكصوا.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فتجيء على هذه الأقوال إضافة الرسول إليهم حسب
الأمر في نفسه، لا على إقرارهم، و﴿كما سئلَ موسى﴾ عليه السلام هو أن يرى الله جهرة. وقرأ الحسن بن
أبي الحسن وغيره («سِيل)) بكسر السين وياء وهي لغة، يقال: سلت أسال، ويحتمل أن يكون من همز أبدل
الهمزة ياء على غير قياس ثم كسر السين من أجل الياء، وقرأ بعض القراء بتسهيل الهمزة بين الهمزة والياء
مع ضم السين، وكني عن الإعراض عن الإيمان والإقبال على الكفر بالتبدل، وقال أبو العالية: ((الكفر هنا
الشدة، والإيمان الرخاء)).
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، إلا أن يريدهما مستعارتين، أي الشدة على نفسه والرخاء لها
عبارة عن العذاب والتنعيم، وأما المتعارف من شدة أمور الدنيا ورخائها فلا تفسر الآية به، و﴿ضل﴾ أخطأ
الطريق، و((السواء)) من كل شيء الوسط والمعظم، ومنه قوله تعالى ﴿في سواء الجحيم)
[الصافات: ٥٥].
-

١٩٦
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٠٧ - ١٠٩
وقال عيسى بن عمر: كتبت حتى انقطع سوائي، وقال حسان بن ثابت في رثاء النبي صلى الله عليه
وسلم على ما ذكر ابن إسحاق وغيره [الكامل]:
بَعْدَ المِغَيَّبِ في سواءِ الملحدِ
یا ویح أنصار النبيِّ ورهطِهِ
وقال أبو عبيد: هو في عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو عندي وهم منه، و ﴿السبيل﴾ عبارة عن
الشريعة التي أنزلها الله لعباده، لما كانت كالسبب إلى نيل رحمته كانت كالسبيل إليها.
وقوله تعالى: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾، ﴿كثير﴾ مرتفع بـ ﴿ود﴾، وهو نعت لنكرة، وحذف
الموصوف النكرة قلق، ولكن جاز هنا لأنها صفة متمكنة ترفع الإشكال بمنزلة فريق، قال الزهري عنى
بـ ﴿كثير﴾ واحد، وهو كعب بن الأشرف، وهذا تحامل، وقوله تعالى ﴿يردونكم﴾ يرد عليه، وقال ابن
عباس: المراد ابنا أخطب، حيي وأبو ياسر.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وفي الضمن الاتباع، فتجيء العبارة متمكنة،
و﴿الكتاب﴾ هنا التوراة، و﴿لو﴾ هنا بمنزلة ((إن)) لا تحتاج إلى جواب، وقيل يتقدر جوابها في ﴿ود﴾،
التقدیر لو یردونکم لودوا ذلك.
قال القاضي أبو محمد: فـ ((ود)) دالة على الجواب، لأن من شرطه أن يكون متأخراً عن ﴿لو﴾،
و﴿كفاراً﴾ مفعول ثان، ويحتمل أن يكون حالاً، و ﴿حسداً﴾ مفعول له، وقيل: هو مصدر في موضع الحال.
واختلف في تعلق قوله ﴿من عند أنفسهم): فقيل يتعلق بـ ﴿ود﴾ لأنه بمعنى ودوا، وقيل: يتعلق
بقوله ﴿حسداً﴾ فالوقف على قوله ﴿كفاراً﴾، والمعنى على هذين القولين أنهم لم يجدوا ذلك في كتاب
ولا أمروا به فهو من تلقائهم، ولفظة الحسد تعطي هذا، فجاء من عند أنفسهم تأكيداً وإلزاماً، كما قال
تعالى: ﴿يقولون بأفواههم﴾ [آل عمران: ١٦٧]، و﴿يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ [البقرة: ٧٩]، ﴿ولا طائر
يطير بجناحيه﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقيل يتعلق بقوله ﴿یردونكم﴾، فالمعنى أنهم ودوا الرد بزيادة أن يكون من
تلقائهم أي بإغوائهم وتزيينهم .
واختلف في سبب هذه الآية، فقيل: إن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر أتيا بيت المدراس، فأراد
اليهود صرفهم عن دينهم، فثبتا عليه ونزلت الآية، وقيل: إنما هذه الآية تابعة في المعنى لما تقدم من نهي
الله عن متابعة أقوال اليهود في ﴿راعنا﴾ [البقرة: ١٠٤] وغيره، وأنهم لا یودون أن ينزل خير، ويودون أن
يردوا المؤمنين كفاراً .
و﴿الحق﴾: المراد به في هذه الآية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصحة ما المسلمون عليه،
وهذه الآية من الظواهر في صحة الكفر عناداً، واختلف أهل السنة في جواز ذلك، والصحيح عندي جوازه
غفلاً وبعده وقوعاً، ويترتب في كل آية تقتضيه أن المعرفة تسلب في ثاني حال من العناد، والعفو ترك
العقوبة وهو من ((عفت الآثار))، والصفح الإعراض عن المذنب كأنه يولي صفحة العنق ..
وقال ابن عباس هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قوله
﴿صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]، وقيل: بقوله ﴿اقتلوا المشركين)، وقال قوم: ليس هذا حد المنسوخ، لأن
هذا في نفس الأمر كان التوقيف على مدته.

١٩٧
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١١٠ - ١١٣
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا على من يجعل الأمر المنتظر أوامر الشرع أو
قتل قريظة وإجلاء النضير، وأم من يجعله آجال بني آدم فيترتب النسخ في هذه الآية بعينها، لأنه لا يختلف
أن آيات الموادعة المطلقة قد نسخت كلها، والنسخ هو مجيء الأمر في هذه المقيدة، وقيل: مجيء الأمر
هو فرض القتال، وقيل: قتل قريظة وإجلاء النضير، وقال أبو عبيدة في هذه الآية: إنها منسوخة بالقتال،
لأن كل آية فيها ترك القتال فهي مكية منسوخة .
قال القاضي أبو محمد: وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف، لأن معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة،
وقوله تعالى: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ مقتضاه في هذا الموضوع وعد للمؤمنين.
قوله عز وجل:
وَأَقِيمُواْالصَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرِ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ () وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلََّ مَن كَانَ هُودًا أَوْنَصَرَىَّ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
١١١
قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِين
فَلَهُ أَخْرُهُ عِندَرَبِّهِ، وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ (١) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ
وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ اٌلْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبَ
قالت فرقة من الفقهاء: إن قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ عموم، وقالت فرقة: هو من مجمل
القرآن، والمرجح أن ذلك عموم من وجه ومجمل من وجه، فعموم من حيث الصلاة الدعاء، فحمله على
مقتضاه ممكن، وخصصه الشرع بهيئات وأفعال وأقوال، ومجمل من حيث الأوقات، وعدد الركعات
والسجدات لا يفهم من اللفظ، بل السامع فيه مفتقر إلى التفسير، وهذا كله في ﴿أقيموا الصلاة﴾، وأما
الزكاة فمجملة لا غير.
قال الطبري: إنما أمر الله هنا بالصلاة والزكاة لتحط ما تقدم من ميلهم إلى أقوال اليهود ﴿راعنا﴾
[البقرة: ١٠٤]، لأن ذلك نهي عن نوعه، ثم أمر المؤمنين بما يحطه، والخير المقدم منقض لأنه فعل،
فمعنى ﴿تجدوه﴾ تجدوا ثوابه وجزاءه، وذلك بمنزلة وجوده.
وقوله تعالى: ﴿إن الله بما تعملون بصير) خبر في اللفظ معناه الوعد والوعيد.
وقوله تعالى: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة) معناه قال اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقال
النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فجمع قولهم، ودل تفريق نوعيهم على تفرق قوليهم، وهذا
هو الإيجاز واللف، وهود جمع هائد، مثل عائد وعود، ومعناه التائب الراجع، ومثله في الجمع بازل وبزل
وحائل وحول وبائر وبور، وقيل هو مصدر يوصف به الواحد والجمع كفطر وعدل ورضا، وقال الفراء: أصله
يهودي حذفت ياءاه على غير قياس.

١٩٨
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١١٠ - ١١٣
وقرأ أبي بن كعب ((إلا من كان يهودياً))، وكذبهم الله تعالى وجعل قولهم أمنية، وقد قطعوا قبل بقوله
﴿فتمنوا الموت﴾ [البقرة: ٩٤، الجمعة: ٦]، وأمر محمد صلى الله عليه وسلم بدعائهم إلى إظهار
البرهان، وقيل: إن الهاء في ﴿هاتوا﴾ أصلية من هاتا يهاتي، وأميت تصريف هذه اللفظة كله إلا الأمر منه
وقيل: هي عوض من همزة آتى، وقيل: ها تنبيه، وألزمت همزة آتى الحذف، والبرهان الدليل الذي يوقع
اليقين، قال الطبري: طلب الدليل هنا يقضي بإثبات النظر ويرد على من ينفيه، وقول اليهود ﴿لن﴾ نفي
حسنت بعده ﴿يلى﴾، إذ هي رد بالإيجاب في جواب النفي، حرف مرتجل لذلك، وقيل: هي ((بل)) زيدت
عليها الياء لتزيلها على حد النسق الذي في ((بل))، و ﴿أسلم﴾ معناه استسلم وخضع ودان، ومنه قول زيد
ابن عمرو بن نفيل: [المتقارب].
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا
وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان وموضع الحواس وفيه يظهر العز والذل، ولذلك
يقال وجه الأمر أي معظمه وأشرفه، قال الأعشى: [السريع]:
ليس قضائي بالهوى الجائر
وأول الحكم على وجهه
ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد، ﴿وهو محسن﴾ جملة في موضع الحال، وعاد
الضمير في ﴿له﴾ على لفظ ﴿من﴾، وكذلك في قوله ﴿أجره﴾، وعاد في ﴿عليهم) على المعنى، وكذلك في
﴿يحزنون﴾، وقرأ ابن محيصن ((فلا خوف)) دون تنوين في الفاء المرفوعة، فقيل: ذلك تخفيف، وقيل:
المراد فلا الخوف فحذفت الألف واللام، والخوف هو لما يتوقع، والحزن هو لما قد وقع.
وقوله تعالى: ﴿وقالت اليهود﴾ الآية، معناه ادعى كل فريق أنه أحق برحمة الله من الآخر.
وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبي صلى الله عليه وسلم فتسابوا،
وكفر اليهود بعيسى وبملته وبالإنجيل، وكفر النصارى بموسى وبالتوراة.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها، لأن الإنجيل يتضمن صدق موسى
وتقرير التوراة، والتوراة تتضمن التبشير بعيسى وصحة نبوته، وكلاهما تضمن صدق محمد صلى الله عليه
وسلم، فعنفهم الله تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلاف ما قالوا.
وفي قوله تعالى: ﴿وهم يتلون الكتاب﴾ تنبيه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم على ملازمة القرآن
والوقوف عند حدوده، كما قال الحر بن قيس في عمر بن الخطاب، وكان وقافاً عند كتاب الله، و﴿الكتاب﴾
الذي يتلونه قيل: التوراة والإنجيل، فالألف واللام للجنس، وقيل: التوراة لأن النصارى تمتثلها، فالألف
واللام للعهد.
قوله عز وجل :
كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمّ ◌َاللّهُ يَحَكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْفِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ, وَسَعَى فِى خَرَابِهَا أُوْلَتِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ

١٩٩
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١١٣ - ١١٥
وَللَّهِ
يَدْخُلُوهَا إِلََّ خَيِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِىِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ
١١٥
الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعُ عَلِيمٌ
اختلف من المراد بقوله ﴿لا يعلمون﴾، فقال الجمهور: عنى بذلك كفار العرب، لأنهم لا كتاب
لهم، وقال عطاء: المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقال قوم: المراد اليهود، وكأنه أعيد قولهم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وأخبر تعالى بأنه ﴿يحكم بينهم﴾، والمعنى بأن يثيب من كان على
شيء، أي شيء حق، ويعاقب من كان على غير شيء، وقال الزجاج: المعنى يريهم عياناً من يدخل الجنة
ومن يدخل النار و﴿يوم القيامة﴾ سمي بقيام الناس من القبور، إذ ذلك مبد لجميع مبدأ في اليوم وفي
الاستمرار بعده، وقوله ﴿كانوا﴾ بصيغة الماضي حسن على مراعاة الحكم، وليس هذا من وضع الماضي
موضع المستقبل لأن اختلافهم ليس في ذلك اليوم، بل في الدنيا.
وقوله تعالى ﴿ومن أظلم﴾ الآية، ﴿من﴾ رفع بالابتداء، و﴿أظلم﴾ خبره، والمعنى لا أحد أظلم.
واختلف في المشار إليه من هذا الصنف الظالم، فقال ابن عباس وغيره: المراد النصارى الذين كانوا
يؤذون من يصلي ببيت المقدس ويطرحون فيه الأقذار، وقال قتادة والسدي: المراد الروم الذين أعانوا
بختنصر على تخريب بيت المقدس حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء عليه السلام، وقيل: المعنّي
بختنصر، وقال ابن زيد: المراد كفار قريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد
الحرام، وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة أو خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد، وإن
لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة، والمشهور مسجد بكسر الجيم، ومن العرب من يقول
مسجد بفتحها، و﴿أن يذكر﴾ في موضع نصب: إما على تقدير حذف ((من)) وتسلط الفعل، وإما على
البدل من المساجد، وهو بدل الاشتمال الذي شأن البدل فيه أن يتعلق بالمبدل منه ويختص به أو تقوم به
صفة، ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله، ويجوز أن تكون ﴿أن﴾ في موضع خفض على إسقاط حرف الجر،
ذكره سيبويه، ومن قال من المفسرين إن الآية بسبب بيت المقدس جعل الخراب الحقيقي الموجود، ومن
قال هي بسبب المسجد الحرام جعل منع عمارته خراباً، إذ هو داع إليه، ومن جعل الآية في النصارى روى
أنه مر زمان بعد ذلك لا يدخل نصراني بيت المقدس إلا أوجع ضرباً، قاله قتادة والسدي، ومن جعلها في
قريش قال كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يحج مشرك، و﴿خائفين﴾ نصب على
الحال، وهذه الآية ليست بأمر بين منعهم من المساجد، لكنها تطرق إلى ذلك وبدأة فيها وعد للمؤمنين
ووعید للكافرين .
ومن جعل الآية في النصارى قال: الخزي قتل الحربي وجزية الذمي، وقيل: الفتوح الكائنة في
الإسلام كعمورية وهرقلة وغير ذلك، ومن جعلها في قريش جعل الخزي غلبتهم في الفتح وقتلهم والعذاب
في الآخرة لمن مات منهم كافراً، و﴿خزي﴾ رفع بالابتداء وخبره في المجرور.
و﴿المشرق﴾ موضع الشروق، ﴿والمغرب﴾ موضع الغروب، أي هما له ملك وما بينهما من الجهات
۔
:

:
٢٠٠
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١١٣ - ١١٥
والمخلوقات، وخصهما بالذكر وإن كانت جملة المخلوقات كذلك لأن سبب الآية اقتضى ذلك، و((أينما))
شرط، و﴿تولوا﴾ جزم به، والجواب في قوله ﴿فثم﴾، والمعنى فأينما تولوا نحوه وإليه، لأن ولّی وإن كان
غالب استعمالها أدبر فإنها تقتضي أنه يقبل إلى ناحية، تقول وليت عن كذا وإلى كذا، وقرأ الحسن ((تولوا))
بفتح التاء واللام، وثمَّ مبنية على الفتح، وهي في موضع نصب على الظرف، و﴿وجه الله﴾ معناه الذي
وجهنا إليه، كما تقول سافرت في وجه كذا أي في جهة كذا.
واختلف الناس في تأويل الوجه الذي جاء مضافاً إلى الله تعالى في مواضع من القرآن، فقال
الحذاق: ذلك راجع إلى الوجود، والعبارة عنه بالوجه من مجاز كلام العرب، إذ كان الوجه أظهر الأعضاء
في الشاهد وأجلها قدراً، وقال بعض الأئمة: تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات
القديم تعالى، وضعف أبو المعالي هذا القول، ويتجه في بعض المواضع كهذه الآية أن يراد بالوجه الجهة
التي فيها رضاه وعليها ثوابه، كما تقول تصدقت لوجه الله تعالى، ويتجه في هذه الآية خاصة أن يراد بالوجه
الجهة التي وجهنا إليها في القبلة حسبما يأتي في أحد الأقوال، وقال أبو منصور في المقنع: يحتمل أن يراد
بالوجه هنا الجاه، كما تقول فلان وجه القوم أي موضع شرفهم، فالتقدير فثم جلال الله وعظمته.
واختلف المفسرون في سبب هذه الآية، فقال قتادة: أباح الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية أن
يصلي المسلمون حيث شاؤوا، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس حينئذ، ثم نسخ ذلك كله
بالتحول إلى الكعبة، وقال مجاهد والضحاك: معناه إشارة إلى الكعبة، أي حيث كنتم من المشرق
والمغرب فأنتم قادرون على التوجه إلى الكعبة التي هي وجه الله الذي وجهكم إليه.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا فهي ناسخة لبيت المقدس، وقال ابن زيد: كانت اليهود قد
استحسنت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت القدس، وقالوا: ما اهتدى إلا بنا، فلما حول إلى
الكعبة قالت اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم؟ فنزلت ﴿والله المشرق والمغرب﴾ الآية، وقال ابن عمر: نزلت
هذه الآية في صلاة النافلة في السفر حيث توجهت بالإنسان دابته، وقال النخعي: الآية عامة أينما تولوا في
متصرفاتكم ومساعيكم ﴿فثم وجه الله﴾، أي موضع رضاه وثوابه وجهة رحمته التي يوصل إليها بالطاعة، وقال
عبد الله بن عامر بن ربيعة: نزلت فيمن اجتهد في القبلة فأخطأ، وورد في ذلك حديث رواه عامر بن ربيعة
قال: ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة، فتحرى قوم القبلة وأعلموا علامات، فلما
أصبحوا رأوا أنهم قد أخطؤوها، فعرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت هذه الآية))، وذكر قوم
هذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مع القوم في السفر، وذلك خطأ، وقال قتادة
أيضاً: نزلت هذه الآية في النجاشي، وذلك أنه لما مات دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى
الصلاة عليه، فقال قوم كيف نصلي على من لم يصلِّ إلى القبلة قط؟، فنزلت هذه الآية، أي إن النجاشي
كان يقصد وجه الله وإن لم يبلغه التوجه إلى القبلة، وقال ابن جبير: نزلت الآية في الدعاء لما نزلت
﴿ادعوني استجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]، قال المسلمون: إلى أين ندعو، فنزلت ﴿فأينما تولوا فثم وجه
الله﴾، وقال المهدوي: وقيل هذه الآية منتظمة في معنى التي قبلها، أي لا يمنعكم تخريب مسجد من أداء
العبادات، فإن المسجد المخصوص للصلاة إن خرب ﴿فثم وجه الله﴾ موجود حيث توليتم.