Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ تفسير سورة البقرة / الآية: ١ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ سُورَةِ التَّقْرة هذه السورة مدنية، نزلت في مُدد شتَّى، وفيها آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ [البقرة: ٢٨٠]. ويقال لسورة البقرة: ((فسطاط القرآن)) وذلك لعظمها وبهائها وما تضمنت من الأحكام والمواعظ. وتعلمها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بفقهها وجميع ما تحتوي عليه من العلوم في ثمانية أعوام، وفيها خمسمائة حكم، وخمسة عشر مثلاً. وروى الحسن بن أبي الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أي القرآن أفضل؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((سورة البقرة)) ثم قال: ((وأيها أفضل؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((آية الکرسي)» . ويقال إن آيات الرحمة والرجاء والعذاب تنتهي فيها معانيها إلى ثلاثمائة وستين معنى. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى. وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش)). وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غيايتان بينهما شَرَفٌ، أو غمامتان سوداوان، أو كأنهما ظلة من طير صوافٌ تجادلان عن صاحبهما)). وفي البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)). وروى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان)) . وروي عنه عليه السلام أنه قال: ((لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة، فيها آية هي سيدة أي القرآن هي آية الكرسي)). وعدد آي سورة البقرة مائتان وخمس وثمانون آية، وقيل: ست وثمانون، وقيل سبع وثمانون. قوله تعالی : الرّ ١ اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولين: ٨٢ تفسير سورة البقرة / الآية: ١ قال الشعبي عامر بن شراحيل وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: ((هي سرّ الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن يؤمن بها وتُمَرُّ كما جاءت)». وقال الجمهور من العلماء: ((بل يجب أن يُتكلم فيها وتُلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها)) واختلفوا في ذلك على اثني عشر قولاً: فقال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما: ((الحروف المقطعة في القرآن هي اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها)». وقال ابن عباس أيضاً: ((هي أسماء الله أقسم بها)). وقال زيد بن أسلم: ((هي أسماء للسور)). وقال قتادة: ((هي أسماء للقرآن كالفرقان والذكر)). وقال مجاهد: ((هي فواتح للسور)). قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كما يقولون في أول الإنشاد لشهير القصائد: ((بل)) و ((لا بل)). نحا هذا النحو أبو عبيدة والأخفش. وقال قوم: «هي حساب أبي جاد لتدل على مدة ملة محمد صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث حيي بن أخطب)) وهو قول أبي العالية رفيع وغيره. وقال قطرب وغيره: ((هي إشارة إلى حروف المعجم، كأنه يقول للعرب: إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم، فقوله ﴿الَمّ﴾ بمنزلة قولك أ، ب، ت، ث، لتدل بها على التسعة والعشرين حرفاً)). وقال قوم: ((هي أمارة قد كان الله تعالى جعلها لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد كتاباً في أول سور منه حروف مقطعة)). وقال ابن عباس: ((هي حروف تدل على: أنا الله أعلم، أنا الله أرى، أنا الله أفصّل)). وقال ابن جبير عن ابن عباس: ((هي حروف كل واحد منها إما أن يكون من اسم من أسماء الله، وإما من نعمة من نعمه، وإما من اسم ملك من ملائكته، أو نبي من أنبيائه)). وقال قوم: ((هي تنبيه كـ ((يا)) في النداء)). وقال قوم: ((روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة نزلت ليستغربوها فيفتحوا لها: أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة)). قال القاضي أبو محمد: والصواب ما قاله الجمهور أن تفسر هذه الحروف ويلتمس لها التأويل، لأنا نجد العرب قد تكلمت بالحروف المقطعة نظماً لها ووضعاً بدل الكلمات التي الحروف منها، كقول الشاعر: [الواليد بن المغيرة] [الرجز]. قلنا لها قفي فقالت قاف ٨٣ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢ أراد قالت: وقفت. وكقول القائل: [زهير بن أبي سلمى] [الرجز]. بالخير خيرات وإن شرّاً فا ولا أريد الشر إلا أن تا أراد: وإن شرّاً فشر، وأراد: إلا أن تشاء. والشواهد في هذا كثيرة، فليس كونها في القرآن مما تنكره العرب في لغتها، فينبغي إذا كان من معهود كلام العرب أن يطلب تأويله ويلتمس وجهه، والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرْتَ عنها أو عطفْتَها فإنك تُعربها. وموضع ﴿الَمَ﴾ من الإعراب رفع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو على أنه ابتداء، أو نصب بإضمار فعل، أو خفض بالقسم، وهذا الإعراب يتجه الرفع منه في بعض الأقوال المتقدمة في الحروف، والنصب في بعض، والخفض في قول ابن عباس رضي الله عنه أنها أسماء الله أقسم بها . قوله عز وجل : ذَلِكَ الْكِتَبُ لَاَرَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُنَّقِينَ ٢ الاسم من ﴿ذلك﴾ الذال والألف، وقيل الذال وحدها، والألف تقوية، واللام لبعد المشار إليه وللتأكيد، والكاف للخطاب، وموضع ﴿ذلك﴾ رفع كأنه خبر ابتداء، أو ابتداء وخبره بعده، واختلف في ﴿ذلك﴾ هنا فقيل: هو بمعنى ((هذا))، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن. قال القاضي أبو محمد: وذلك أنه قد يشار بـ ((ذلك)) إلى حاضر تعلق به بعض الغيبة وبـ ((هذا)) إلى غائب هو من الثبوت والحضور بمنزلة وقُرْب. وقيل: هو على بابه إشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ؛ أي الكتاب الذي هو القدر وقيل: إن الله قد كان وعد نبيه أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء، فأشار إلى ذلك الوعد. وقال الكسائي: ((﴿ذلك) إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد)). وقيل: إن الله قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد كتاباً، فالإشارة إلى ذلك الوعد. وقيل: إن الإشارة إلى حروف المعجم في قول من قال ﴿الَمّ﴾ حروف المعجم التي تحديتكم بالنظم منها. ولفظ ﴿الكتاب﴾ مأخوذ من ((كتبتُ الشيء)) إذا جمعته وضممتَ بعضه إلى بعض ككتبَ الخَرَز بضم، الكاف وفتح التاء وكتبَ الناقة. ورفع ﴿الكتاب﴾ يتوجه على البدل أو على خبر الابتداء أو على عطف البيان. و﴿لا ريب فيه﴾ معناه: لا شكّ فيه ولا ارتياب به؛ والمعنى أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريبٌ للكفار. وقال قوم: لفظ قوله ﴿لا ريب﴾ فيه لفظ الخبر ومعناه النهي. وقال قوم: هو عموم يراد به الخصوص؛ أي عند المؤمنين. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. ٨٤ تفسير سورة البقرة / الآية: ٣ وقرأ الزهري، وابن محيصن، ومسلم بن جندب، وعبيد بن عمير: ((فِيهُ)) بضم الهاء؛ وكذلك ((إليهُ)) و((علَيْهُ)) و((بِهُ) و((نُصْلِهُ)) ونولهُ وما أشبه ذلك حيث وقع على الأصل. وقرأ ابن إسحاق: ((فيهو)) ضم الهاء ووصلها بواو. و﴿هدى﴾ معناه رشاد وبيان، وموضعه، من الإعراب رفع على أنه خبر ﴿ذلك﴾، أو خبر ابتداء مضمر، أو ابتداء وخبره في المجرور قبله، ويصح أن يكون موضعه نصباً على الحال من ذلك، أو من الكتاب، ،ويكون العامل فيه معنى الإشارة، أو من الضمير في ﴿فيه﴾، والعامل معنى الاستقرار؛ وفي هذا القول ضعف. وقوله ﴿للمتقين﴾ اللفظ مأخوذ من وَقَى، وفعله اتَّقى، على وزن افتعل، وأصله (للموتقيين)) استثقلت الكسرة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء، وأبدلت الواو تاءً على أصلهم في اجتماع الواو والتاء، وأدغمت التاء في التاء فصار ﴿للمتقين). والمعنى: الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذاب الله. قوله عز وجل: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّارَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ ٣ ﴿يؤمنون﴾ معناه يصدقون ويتعدى بالباء، وقد يتعدى باللام كما قال تعالى: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾ [آل عمران: ٧٣] وكما قال: ﴿فما آمن لموسى﴾ [يونس: ٨٣] وبين التعديتين فرق، وذلك أن التعدية باللام في ضمنها تعدٍّ بالباء يفهم من المعنى. واختلف القراء في همز ﴿يؤمنون) فكان ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي یهمزون («یؤمنون» وما أشبهه، مثل يأكلون، ويأمرون، ويؤتون؛ وكذلك مع تحرك الهمزة مثل ((يؤخركم)) و((يؤوده)) إلا أن حمزة كان يستحب ترك الهمز إذا وقف، والباقون يقفون بالهمز. وروى ورش عن نافع ترك الهمز في جميع ذلك. وقد روي عن عاصم أنه لم يكن يهمز الهمزة الساكنة . وكان أبو عمرو إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة لم يهمز كل همزة ساكنة، إلا أنه كان يهمز حروفاً من السواكن بأعيانها ستذكر في مواضعها إن شاء الله. وإذا كان سكون الهمزة علامة للجزم لم يترك همزها مثل ﴿ننساها﴾ [البقرة: ١٠٥] ﴿وهيىء لنا﴾ [الكهف: ٨] وما أشبهه. وقوله: ﴿بالغيب﴾ قالت طائفة: معناه يصدقون إذا غابوا وخلوا، لا كالمنافقين الذين يؤمنون إذا حضروا ويكفرون إذا غابوا. وقال آخرون: معناه يصدقون بما غاب عنهم مما أخبرت به الشرائع. واختلفت عبارة المفسرين في تمثيل ذلك، فقالت فرقة: ((الغيب في هذه الآية هو الله عز وجل)) وقال آخرون: ((القضاء والقدر)) وقال آخرون: ((القرآن وما فيه من الغيوب)) وقال آخرون: ((الحشر والصراط والميزان والجنة والنار)). قال القاضي أبو محمد: وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها، والغيب في اللغة: ما غاب عنك من أمر، ومن مطمئن الأرض الذي يغيب فيه داخله. ٨٥ تفسير سورة البقرة / الآيتان : ٥،٤ وقوله: ﴿يقيمون﴾ معناه يظهرونها ويثبتونها، كما يقال: أقيمت السوق، وهذا تشبيه بالقيام من حالة خفاء، قعود أو غيره، ومنه قول الشاعر: [الكامل]. حتى تقيمَ الخيلُ سوقَ طِعان وإذا يقال أتيتُم لم يبرحوا ومنه قول الشاعر: [المتقارب] أقمنا لأهل العراقين سوق الطَّ طِعان فخاموا وولّوا جميعا وأصل ﴿يقيمون﴾ يقومون، نقلت حركة الواو إلى القاف فانقلبت ياء لكون الكسرة قبلها. و ﴿الصلاة﴾ مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا، كما قال الشاعر: [البسيط] يوماً فإنَّ لجنب المرءِ مُضْطَجعا عليكِ مثل الذي صليت فاغتمضي ومنه قول الآخر: [الطويل] وإنْ ذبحت صلّى عليها وزمزما لها حارس لا يبرح الدهر بيتها فلما كانت الصلاة في الشرع دعاء انضاف إليه هيئات وقراءة سمي جميع ذلك باسم الدعاء. وقال قوم: هي مأخوذة من الصَّلَا وهو عِرْق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي مع صَلَوي السابق، فاشتقّت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلِّي من الخيل، وإما لأن الراكع والساجد صَلَواه. قال القاضى أبو محمد: والقول إنها من الدعاء أحسن. وقوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون) كتبت ((مما)) متصلة ((وما)) بمعنى ((الذي) فحقّها أن تكون منفصلة، إلا أن الجار والمجرور كشيء واحد، وأيضاً فلما خفيت نون ((من)) في اللفظ حذفت في الخط. والرزق عند أهل السنة. ما صح الانتفاع به حلالاً كان أو حراماً، بخلاف قول المعتزلة إن الحرام ليس برزق. و﴿ينفقون﴾ معناه هنا يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وما ندبهم إليه من غير ذلك. قال ابن عباس: ﴿ينفقون﴾ يؤتون الزكاة احتساباً لها)). قال غيره: ((الآية في النفقة في الجهاد)). قال الضحاك: ((هي نفقة كانوا يتقربون بها إلى الله عز وجل على قدر يُسْرهم)). قال ابن مسعود وابن عباس أيضاً: ((هي نفقة الرجل على أهله)). قال القاضي أبو محمد: والآية تعمّ الجميع. وهذه الأقوال تمثيل لا خلاف. قوله عز وجل : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُرِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِلْآَخِرَةِهُمْ يُوقِنُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّىِّن زَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِعُونَ ٥ اختلف المتأولون فيمن المراد بهذه الآية وبالتي قبلها. ١ ٨٦ __ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٥،٤ فقال قوم: ((الآيتان جميعاً في جميع المؤمنين)). وقال آخرون: ((هما في مؤمني أهل الكتاب)). وقال آخرون: ((الآية الأولى في مؤمني العرب، والثانية في مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وفيه نزلت». قال القاضي أبو محمد: فمن جعل الآيتين في صنف واحد فإعراب ﴿والذين﴾ خفض على العطف، ويصح أن يكون رفعاً على الاستئناف، (( أي وهم الذين)) ومن جعل الآيتين في صنفين، فإعراب ((الذين)) رفع على الابتداء، وخبره ﴿أولئك على هدى﴾ ويحتمل أن يكون عطفاً. وقوله: ﴿بما أنزل إليك﴾ يعني القرآن ﴿وما أنزل من قبلك﴾ يعني الكتب السالفة. وقرأ أبو حيوة ويزيد بن قطيب. ((بما أنزل ... وما أنزل)) بفتح الهمزة فيهما خاصة. والفعل على هذا يحتمل أن يستند إلى الله تعالى، ويحتمل إلى جبريل، والأول أظهر وألزم. ﴿وبالآخرة﴾ قيل معناه بالدار الآخرة، وقيل بالنشأة الآخرة. و﴿يوقنون﴾ معناه يعلمون علماً متمكناً في نفوسهم. واليقين أعلى درجات العلم، وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه وقول مالك رحمه الله: ((فيحلف على يقينه ثم يخرج الأمر على خلاف ذلك» تجوّز منه في العبارة على عرف تجوّز العرب، ولم يقصد تحرير الكلام في اليقين. وقوله تعالى: ﴿أولئك﴾ إشارة إلى المذكورين، و((أولاء)) جمع ((ذا))، وهو مبني على الكسر لأنه ضَعُفَ لإبهامه عن قوة الأسماء، وكان أصل البناء السكون فحرك لالتقاء الساكنين، والكاف للخطاب، و ((الهدى)) هنا الإرشاد. و﴿أولئك﴾ الثاني ابتداء، و﴿المفلحون﴾ خبره، و﴿هم﴾ فصل، لأنه وقع بين معرفتين ويصح أن يكون ﴿هم﴾ ابتداء، و﴿المفلحون) خبره، والجملة خبر ﴿أولئك﴾، والفلاح الظفر بالبغية وإدراك الأمل ومنه قول لبيد: [الرمل]. ولقد أفلح من كان عقلْ اعقلي إن كنت لمّا تعقلي وقد وردت للعرب أشعار فيها الفلاح بمعنى البقاء، كقوله: [الطويل] ونرجو الفلاحَ بَعْدَ عادٍ وحمْیْرِ وقول الأضبط: [المنسرح] لِكُلّ همٍّ من الهمومِ سَعَهْ والصُّبْحُ والمسى لا فلاح معه. والبقاء يعمه إدراك الأمل والظفر بالبغية، إذ هو رأس ذلك وملاكه وحكى الخليل الفلاح على المعنيين . قوله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ٦ ٨٧ تفسير سورة البقرة / الآيتان : ٧،٦ وَعَلَى سَمْعِهِمٌ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٧ معنى الكفر مأخوذ من قولهم كفر إذا غطى وستر، ومنه قول الشاعر لبيد بن ربيعة: [الكامل] في ليلة كفر النجوم غمامها أي سترها ومنه سمي الليل كافراً لأنه يغطي كل شيء بسواده قال الشاعر: [ثعلبة بن صغيرة]: [الكامل]. فتذكر ثقلًا رئيداً بعدما ألقت ذكاءً يمينها في كافر ومنه قيل للزراع كفار، لأنهم يغطون الحب، فـ((كفر)) في الدين معناه غطى قلبه بالرَّين عن الإيمان أو غطى الحق بأقواله وأفعاله. واختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها. فقال قوم: ((هي فيمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن یعین أحد)). وقال ابن عباس: ((نزلت هذه الآية في حيي بن أخطب، وأبي ياسر وابن الأشرف ونظرائهم)) وقال الربيع بن أنس: ((نزلت في قادة الأحزاب وهم أهل القليب ببدر)). قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هكذا حكي هذا القول، وهو خطأ، لأن قادة الأحزاب قد أسلم كثير منهم، وإنما ترتيب الآية في أصحاب القليب، والقول الأول مما حكيناه هو المعتمد عليه، وكل من عين أحداً فإنما مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر أنه في ضمن الآية. وقوله: ﴿سواء عليهم) معناه معتدل عندهم، ومنه قول الشاعر: [أعشى قيس]: [الطويل] سواء صحیحات العیونِ وعورها وليل يقول الناس من ظلماتِهِ قال أبو علي: في اللفظة أربع لغات: سوى بكسر السين، وسواء بفتحها والمد، وهاتان لغتان معروفتان، ومن العرب من يكسر السين ويمد، ومنهم من يضم أوله ويقصره، وهاتان اللغتان أقل من تينك. ويقال سي بمعنى سواء كما قالوا: ((قي، وقواء)»، و﴿سواء﴾ رفع على خبر ﴿إن﴾، أو رفع على الابتداء وخبره فيما بعده، والجملة خبر ﴿إن﴾، ويصح أن يكون خبر ﴿إِن﴾ ﴿لا يؤمنون﴾. وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع: ((((آنذرتهم)) بهمزة مطولة، وكذلك ما أشبه ذلك في جميع القرآن، وكذلك كانت قراءة الكسائي إذا خفف، غير أن مد أبي عمرو أطول من مد ابن كثير، لأنه يدخل بين الهمزتين ألفاً، وابن كثير لا يفعل ذلك. وروى قالون وإسماعيل بن جعفر عن نافع إدخال الألف بين الهمزتين مع تخفيف الثانية. وروى عنه ورش تخفيف الثانية بين بين دون إدخال ألف بين الهمزتين، فأما عاصم وحمزة والكسائي إذا حقق وابن عامر: فبالهمزتين ((أأنذرتهم))، وما كان مثله في كل القرآن. وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما . ٨٨ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٧،٦ وقرأ الزهري وابن محيصن ((أنذرتهم) بحذف الهمزة الأولى، وتدل ﴿أم﴾ على الألف المحذوفة، وكثر مكي في هذه الآية بذكر جائزات لم يقرأ بها، وحكاية مثل ذلك في كتب التفسير عناء. والإنذار إعلام بتخويف، هذا حده، وأنذرت فعل يتعدى إلى مفعولين. قال الله عز وجل: ﴿فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ [فصلت: ١٣] وقال: ﴿إِنا أنذرناكم عذاباً قريباً﴾ [النساء: ٤٠] وأحد المفعولين في هذه الآية محذوف لدلالة المعنى عليه. وقوله تعالى: ﴿آنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الخبر، وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام لأن فيه التسوية التي هي في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا قلت مخبراً سواء عليّ أقعدت أم ذهبت، وإذا قلت مستفهماً أخرج زيد أم قام، فقد استوى الأمران عندك، هذان في الخبر، وهذان في الاستفهام وعدم علم أحدهما بعينه، فلما عمتهما التسوية جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام لمشاركته إياه في الإبهام، وكل استفهام تسوية، وإن لم تكن كل تسوية استفهاماً . وقوله تعالى: ﴿ختم الله﴾ مأخوذ من الختم وهو الطبع، والخاتم الطابع، وذهبت طائفة من المتأولين إلى أن ذلك على الحقيقة، وأن القلب على هيئة الكف ينقبض مع زيادة الضلال والإعراض إصبعاً إصبعاً . وقال آخرون: ذلك على المجاز، وإن ما اخترع له في قلوبهم من الكفر والضلال والإعراض عن الإيمان سماه ختماً . وقال آخرون ممن حمله على المجاز: ((الختم هنا أسند إلى الله تعالى لما كفر الكافرون به وأعرضوا عن عبادته وتوحيده، كما يقال أهلك المال فلاناً وإنما أهلكه سوء تصرفه فيه)). وقرأ الجمهور: ﴿وعلى سمعهم﴾ . وقرأ ابن أبي عبلة: ((وعلى أسماعهم))، وهو في قراءة الجمهور مصدر يقع للقليل والكثير، وأيضاً فلما أضيف إلى ضمير جماعة دل المضاف إليه على المراد، ويحتمل أن يريد على مواضع سمعهم فحذف وأقام المضاف إليه مقامه. والغشاوة الغطاء المغشي الساتر، ومنه قول النابغة: [البسيط] إذا الدخان تغشى الأشمط البرما هلا سألت بني ذبيان ما حسبي وقال الآخر: [الحارث بن خالد المخزومي]: [الطويل] فلما انجلتْ قطعت نفسي ألومها تبعتك إذ عيني عليها غشاوة ورفع غشاوة على الابتداء وما قبله خبره. وقرأ عاصم فيما روى المفضل الضبي عنه ((غشاوة)) بالنصب على تقدير وجعل على أبصارهم غشاوة، والختم على هذا التقدير في القلوب والأسماع، والغشوة على الأبصار، والوقف على قوله ﴿وعلى سمعهم﴾. ٨٩ تفسير سورة البقرة / الآية : ٩،٨ وقرأ الباقون ((غشاوةٌ)) بالرفع . قال أبو علي: ((وقراءة الرفع أولى لأن النصب إما أن تحمله على ختم الظاهر فيعترض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به)) وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه ﴿ختم﴾ تقديره وجعل على أبصارهم، فيجيء الكلام من باب: ((متقلداً سيفاً ورمحاً)) وقول الآخر: [الرجز] : علفتها تبناً وماءً بارداً ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار. فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة)). قال: ((ولم أسمع من الغشاوة فعلاً مصرفاً بالواو، فإذا لم يوجد ذلك وكان معناها معنى ما اللام منه الياء من غشي يغشى بدلالة قولهم الغشيان فالغشاوة من غشي كالجباوة من جبيت في أن الواو كأنها بدل من الياء، إذ لم يصرف منه فعل كما لم يصرف من الجباوة)). وقال بعض المفسرين: الغشاوة على الأسماع والأبصار، والوقف في قوله ﴿على قلوبهم﴾. وقال آخرون: ((الختم في الجميع، والغشاوة هي الخاتم)). قال القاضي أبو محمد: وقد ذكرنا اعتراض أبي عليّ هذا القول. وقرأ أبو حيوة (غَشوة))، بفتح الغين والرفع، وهي قراءة الأعمش. وقال الثوري: ((كان أصحاب عبد الله يقرؤونها (غَشيةٌ)) بفتح الغين والياء والرفع)). وقرأ الحسن: ((غُشاوة) بضم الغين، وقرئت ((غشاوة)) بفتح الغين، وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة والأشياء التي هي أبداً مشتملة، فهكذا يجيء وزنها كالضمامة والعمامة والكتابة والعصابة والربابة وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ معناه بمخالفتك يا محمد وكفرهم بالله استوجبوا ذلك، و ﴿عظيم﴾ معناه بالإضافة إلى عذاب دونه يتخلله فتور، وبهذا التخلل المتصور يصح أن يتفاضل العرضان كسوادين أحدهما أشبع من الآخر، إذ قد تخلل الآخر ما ليس بسواد. قوله عز وجل : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِالَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ (٥) يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ ٩ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ كان أصل النون أن تكسر لالتقاء الساكنين، لكنها تفتح مع الألف واللام. ومن قال: استثقلت كسرتان تتوالى في كلمة على حرفين فمعترض بقولهم من ابنك ومن اسمك وما أشبهه . ٩٠ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٩،٨ واختلف النحويون في لفظة ﴿الناس﴾ فقال قوم: ((هي من نسي فأصل ناس نسي قلب فجاء نيس تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً فقيل ناس، ثم دخلت الألف واللام)). وقال آخرون: ناس اسم من أسماء الجموع دون هذا التعليل، دخلت عليه الألف واللام. وقال آخرون: ((أصل ناس أناس دخلت الألف واللام فجاء الأناس، حذفت الهمزة فجاء الناس أدغمت اللام في النون لقرب المخارج)). وهذه الآية نزلت في المنافقين. وقوله تعالى: ﴿من يقول آمنا بالله﴾ رجع من لفظ الواحد إلى لفظ الجمع بحسب لفظ ﴿من﴾ ومعناها، وحسن ذلك لأن الواحد قبل الجمع في الرتبة، ولا يجوز أن يرجع متكلم من لفظ جمع إلى توحيد، لو قلت ومن الناس من يقولون ويتكلم لم يجز. وسمى الله تعالى يوم القيامة ﴿اليوم الآخر﴾ لأنه لا ليل بعده، ولا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل، ثم نفى تعالى الإيمان عن المنافقين، وفي ذلك رد على الكرامية في قولهم إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب. واختلف المتأولون في قوله تعالى: ﴿يخادعون الله﴾. فقال الحسن بن أبي الحسن: ((المعنى يخادعون رسول الله فأضاف الأمر إلى الله تجوزاً لتعلق رسوله به، ومخادعتهم هي تحيلهم في أن يفشي رسول الله والمؤمنون لهم أسرارهم فيتحفظون مما يكرهونه ويتنبهون من ضرر المؤمنين على ما يحبونه)). وقال جماعة من المتأولين: ((بل يخادعون الله والمؤمنين، وذلك بأن يظهروا من الإيمان خلاف ما أبطنوا من الكفر ليحقنوا دماءهم ويحرزوا أموالهم ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا وفازوا، وإنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب وما شعروا لذلك)). واختلف القراء في يخادعون الثاني . فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ((يخادعون)). وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ((وما يخدعون)). وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بن أبي سبرة: ((يُخدعون)) بضم الياء. وقرأ قتادة ومورق العجلي: ((يُخَدِّعون)) بضم الياء وفتح الخاء وكسر الدال وشدها. فوجه قراءة ابن كثير ومن ذكر إحراز تناسب اللفظ، وأن يسمى الفعل الثاني باسم الفعل الأول المسبب له ويجيء ذلك كما قال الشاعر: [عمرو بن كلثوم]: [الوافر]. ألَ لَا يَجْهلنْ أحدٌ عليْنا فَنَجْهل فوق جهْل الجاهلينا فجعل انتصاره جهلاً، ويؤيد هذا المنزع في هذه الآية أن فاعل قد تجيء من واحد كعاقبت اللص وطارقت النعل. وتتجه أيضاً هذه القراءة بأن ينزل ما يخطر ببالهم ويهجس في خواطرهم من الدخول في ٩١ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٩،٨ الدين والنفاق فيه والكفر في الأمر وضده في هذا المعنى بمنزلة مجاورة أجنبيين فيكون الفعل كأنه من اثنين. وقد قال الشاعر: [الكميت] [الطويل]. يؤامرُ نفسيه كذي الهجمة الأبل تذكر من أَنَّى ومن أين شربه وأنشد ابن الأعرابي : [المنسرح] لم تدر ما لا ولست قائلها ولم تؤامرْ نفسيك ممترياً فيـ عمرك ما عشت آخر الأبد ـها وفي أختها ولم تكد وقال الآخر: أيستوتغ الذوبانَ أمْ لا يطورُها يؤامر نفسيهِ وفي العيشِ فُسْحَةٌ وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي : [الطويل] وكنتَ كذات الضنء لم تدر إذْ بَغَتْ تؤامرُ نفسيْها أتسرِقُ أم تزني ووجه قراءة عاصم ومن ذكر، أن ذلك الفعل هو خدع لأنفسهم يمضي عليها، تقول: ((خادعت الرجل)) بمعنى أعملت التحيل عليه، فخدعته بمعنى تمت عليه الحيلة ونفذ فيه المراد، والمصدر ((خدع)) بكسر الخاء وخديعة، حكى ذلك أبو زيد. فمعنى الآية وما ينفذون السوء إلا على أنفسهم وفيها. ووجه قراءة أبي طالوت أحد أمرين إما أن يقدر الكلام وما يخدعون إلا عن أنفسهم فحذف حرف الجر ووصل الفعل كما قال تعالى: ﴿واختار موسى قومه﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي من قومه وإما أن يكون ((يخدعون)) أعمل عمل ينتقصون لما كان المعنى وما ينقصون ويستلبون إلا أنفسهم، ونحوه قول الله تعالى: ﴿ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ [البقرة: ١٨٧] ولا تقول رفثت إلى المرأة ولكن لما كان بمعنى الإفضاء ساغ ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ [النازعات: ١٨] وإنما يقال هل لك فى كذا، ولكن لما كان المعنى أجد بك إلى أن تزكى ساغ ذلك وحسن، وهو باب سني من فصاحة الكلام، ومنه قول الفرزدق: [الرجز]. قد قتل الله زياداً عني كيف تراني قالباً مجني لما كانت قتل قد دخلها معنى صرف. ومنه قول الآخر: [نحيف العامري]: [الوافر] إذا رضيت عليّ بنو قشيرٍ لعمر اللَّهِ أعجبني رضاها لما كانت رضيت قد تضمنت معنى أقبلت علي . وأما الكسائي فقال في هذا البيت: ((وصل رضي بوصل نقيضه وهو سخط وقد تجرى أمور في اللسان مجری نقائضها)) . ووجه قراءة قتادة المبالغة في الخدع، إذ هو مصير إلى عذاب الله. قال الخليل: ((يقال خادع من واحد لأن في المخادعة مهلة، كما يقال عالجت المريض لمكان المهلة)» . ٩٢ تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٠ - ١٢ قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا من دقيق نظره وكأنه يرد فاعل إلى الاثنين، ولا بد من حيث ما فيه مهلة ومدافعة ومماطلة، فكأنه يقاوم في المعنى الذي تجيء فيه فاعل. وقوله تعالى: ﴿وما يشعرون﴾ معناه وما يعلمون علم تفطن وتهد، وهي لفظة مأخوذة من الشعار كأن الشيء المتفطن له شعار للنفس، والشعار الثوب الذي يلي جسد الإنسان، وهو مأخوذ من الشعر، والشاعر المتفطن لغريب المعاني . وقولهم: ((ليت شعري)) معناه ليت فطنتي تدرك، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [المنخل الهذلي]. عقوا بسهمٍ فلم يشعر به أحدٌ ثم استفاؤوا وقالوا حبّذا الوضح واختلف ما الذي نفى الله عنهم أن يشعروا له. فقالت طائفة: ((وما يشعرون أن ضرر تلك المخادعة راجع عليهم لخلودهم في النار)). وقال آخرون: ((وما يشعرون أن الله يكشف لك سرهم ومخادعتهم في قولهم آمنا)). قوله عز وجل : فِي قُلُوبِهِم ◌َرَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِ بُونَ (٢) وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُ واْ فِي الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿ أَلَآَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُرُونَ( المرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائد هؤلاء المنافقين وذلك إما أن يكون شكاً، وإما جحداً بسبب حسدهم مع علمهم بصحة ما يجحدون، وبنحو هذا فسر المتأولون. وقال قوم: ((المرض غمهم بظهور أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم)). وقرأ الأصمعي عن أبي عمر: ((مرْض)» بسكون الراء وهي لغة في المصدر قال أبو الفتح: ((وليس بتخفيف)» . واختلف المتأولون في معنى قوله ﴿فزادهم الله مرضاً﴾ فقيل هو دعاء عليهم، وقيل هو خبر أن الله قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحي ويظهر من البراهين، فهي على هؤلاء المنافقين عمى وكلما كذبوا زاد المرض. وقرأ حمزة: ((فزادهم)) بكسر الزاي، وكذلك ابن عامر. وكان نافع يشم الزاي إلى الكسر، وفتح الباقون. و﴿أليم) معناه مؤلم كما قال الشاعر وهو عمرو بن معدي كرب: [الوافر]. أمن ريحانة الداعي السميع بمعنى : مسمع . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ((يُكذِّبون)) بضم الياء وتشديد الذال. وقرأ الباقون بفتح الياء وتخفيف الذال. فالقراءة بالتثقيل يؤيدها قوله تعالى قبل ﴿وما هم بمؤمنين﴾ ٩٣ تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٠ - ١٢ فهذا إخبار بأنهم يكذبون. والقراءة بالتخفيف يؤيدها أن سياق الآيات إنما هي إخبار بكذبهم، والتوعد بالعذاب الأليم، متوجه على التكذيب، وعلى الكذب في مثل هذه النازلة، إذ هو منطوٍ على الكفر، وقراءة التثقيل أرجح. و﴿إذا﴾ ظرف زمان، وحكي عن المبرد أنها في قولك في المفاجأة خرجت فإذا زيد ظرف مكان، لأنها تضمنت جثة، وهذا مردود لأن المعنى ((خرجت فإذا حضور زيد)) فإنما تضمنت المصدر، كما يقتضيه سائر ظروف الزمان، ومنه قولهم: ((اليوم خمر، وغداً أمر)) فمعناه وجود خمر ووقوع أمر، والعامل في ﴿إذا﴾ في هذه الآية ﴿قالوا﴾. وأصل ﴿قيل﴾ قول نقلت حركة الواو إلى القاف فقلبت ياء لانكسار ما قبلها. وقرأ الكسائي: ((قُيل وغُيض وسيء وسُيئت وحُيل وسُيق وجيء)) بضم أوائل ذلك كله. وروي مثل ذلك عن ابن عامر. وروي أيضاً عنه أنه كسر ((غيض وقِيل وجيء)»، الغين والقاف والجيم حيث وقع من القرآن وضم نافع من ذلك كله حرفين ((سيء وسُيئت)» وكسر ما بقي. وكان ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة يكسرون أوائل هذه الحروف كلها، والضمير في ﴿لهم﴾ هو عائد إلى المنافقين المشار إليهم قبل. وقال بعض الناس: ((الإشارة هنا هي إلى منافقي اليهود)). وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: لم يجىء هؤلاء بعد ومعنى قوله: لم ينقرضوا بل هم يجيئون في كل زمان. و﴿لا تفسدوا في الأرض﴾ معناه بالكفر وموالاة الكفرة، و﴿نحن﴾ اسم من ضمائر المرفوع مبني على الضم، إذ كان اسماً قوياً يقع للواحد المعظم والاثنين والجماعة، فأعطي أسنى الحركات. وأيضاً فلما كان في الأغلب ضمير جماعة، وضمير الجماعة في الأسماء الظاهرة الواو أعطي الضمة إذ هي أخت الواو، ولقول المنافقين: ﴿إنما نحن مصلحون﴾ ثلاث تأويلات: أحدها: جحد أنهم مفسدون وهذا استمرار منهم على النفاق. والثاني: أن يقروا بموالاة الكفار ويدعون أنها صلاح من حيث هم قرابة توصل. والثالث: أنهم مصلحون بين الكفار والمؤمنين، فلذلك يداخلون الكفار. و﴿ألا﴾ استفتاح كلام، و ((إن)) بكسر الألف استئناف، و﴿هم﴾ الثاني رفع بالابتداء، و﴿المفسدون﴾ خبره والجملة خبر ((إن))، ويحتمل أن يكون فصلاً ويسميه الكوفيون: ((العماد)) ويكون ﴿المفسدون﴾ خبر ((إن))، فعلى هذا لا موضع ـ ﴿هم﴾ من الإعراب، ويحتمل أن يكون تأكيداً للضمير في أنهم فموضعه نصب، ودخلت الألف واللام في قوله: ﴿المفسدون﴾ لما تقدم ذكر اللفظة في قوله: ﴿لا تفسدوا﴾ فكأنه ضرب من العهد، ولو جاء الخبر عنهم ولم يتقدم من اللفظة ذكر لكان ألا إنهم مفسدون. قاله الجرجاني . قال القاضي أبو محمد: وهذه الألف واللام تتضمن المبالغة كما تقول زيد هو الرجل أي حق الرجل، نقد تستغني عن مقدمة تقتضي عهداً، و﴿لكن﴾ بجملته حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا لا يشعرون نهم مفسدون، ويحتمل أن يراد لا يشعرون أن الله يفضحهم، وهذا مع أن يكون قولهم ﴿إنما نحن مصلحون﴾ تحداً محضاً للإفساد. والاحتمال الأول هو بأن يكون قولهم: ﴿إنما نحن مصلحون﴾ اعتقاداً منهم أنه ٩٤ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٤،١٣ صلاح في صلة القرابة، أو إصلاح بين المؤمنين والكافرين. قوله عز وجل : وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْأَنُؤْمِنُ كَمَآءَ امَنَ الشُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَّا يَعْلَمُونَ ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَ أْءَامَنَا وَ إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْإِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ ١٤ مُسْتَهْزِءُونَ المعنى صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرعه، مثل ما صدقه المهاجرون والمحققون من أهل يثرب، قالوا: أنكون كالذين خفت عقولهم؟ والسفه الخفة والرقة الداعية إلى الخفة يقال ((ثوب سفيه)) إذا كان رقيقاً مهلهل النسج، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] أعاليَهَا مرّ الرياح النواسم مشين كما اهتزت رماح تسفهت وهذا القول إنما كانوا يقولونه في خفاء فأطلع الله عليه نبيه والمؤمنين، وقرر أن السفه ورقة الحلوم وفساد البصائر إنما هو في حيزهم وصفة لهم، وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء للرّين الذي على قلوبهم . وقال قوم: ((الآية نزلت في منافقي اليهود، والمراد بالناس عبد الله بن سلام ومن أسلم من بني إسرائيل». قال القاضي أبو محمد: وهذا تخصیص لا دليل عليه. و﴿لقوا﴾ أصله لقيوا استثقلت الضمة على الياء فسكنت فاجتمع الساكنان فحذفت الياء. وقرأ ابن السميفع ((لاقوا الذين)). وهذه كانت حال المنافقين إظهار الإيمان للمؤمنين وإظهار الكفر في خلواتهم بعضهم مع بعض، وكان المؤمنون يلبسونهم على ذلك لموضع القرابة فلم تلتمس عليهم الشهادات ولا تقرر تعينهم في النفاق تقرراً يوجب لوضوحه الحكم بقتلهم وكان ما يظهرونه من الإيمان يحقن دماءهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنهم ويدعهم في غمرة الاشتباه مخافة أن يتحدث عنه أنه يقتل أصحابه فينفر الناس حسبما قال عليه السلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال له في وقت قول عبد الله بن أبي ابن سلول: ((لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)) القصة: ((دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق)) فقال: ((دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)). فهذه طريقة أصحاب مالك رضي الله عنه في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين مع علمه بكفرهم في الجملة. نص على هذا محمد بن الجهم وإسماعيل القاضي والأبهري وابن الماجشون واحتج بقوله تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً﴾ [الأحزاب: ٦٠ -٦١]. قال قتادة: ((معناه إذا هم أعلنوا النفاق)). ٩٥ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٣، ١٤ قال مالك رحمه الله: ((النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة، لأنه لا يظهر ما يستتاب منه، وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليسن لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يشهد على المنافقين)). قال القاضي إسماعيل: ((لم يشهد على عبد الله بن أبي إلا زيد بن أرقم وحده، ولا على الجلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه وحده، ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل)). قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أقوى من انفراد زيد وغيره أن اللفظ ليس بصريح كفر وإنما يفهم من قوته الكفر. قال الشافعي رحمه الله: ((السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه)). وبه قال أصحاب الرأي والطبري وغيرهم. قال الشافعي وأصحابه: ((وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام بألسنتهم مع العلم بنفاقهم لأن ما يظهرونه يجب ما قبله فمن قال إن عقوبة الزنادقة أشد من عقوبة الكفار فقد خالف معنى الكتاب والسنة وجعل شهادة الشهود على الزنديق فوق شهادة الله على المنافقين)) . قال الله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾. [المنافقون: ١]. - قال الشافعى وأبو حنيفة وابن حنبل وأهل الحديث: فالمعنى الموجب لكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع العلم بهم أن الله تعالى نهاه عن قتلهم إذا أظهروا الإيمان وصلوا فكذلك هو الزندیق . واحتج ابن حنبل بحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار عن رجل من الأنصار في الذي شهد عليه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنفاق فقال: ((أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا بلى ولا شهادة له، قال: أليس يصلي؟ قالوا بلى ولا صلاة له، قال: أولئك الذين نهاني الله عنهم)). وذكر أيضاً أهل الحديث ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فيهم: ((لعل الله سيخرج من أصلابهم من يؤمن بالله ويصدق المرسلين ويخلص العبادات لرب العالمين)). قال أبو جعفر الطبري في كتاب اللطيف في باب المرتد: ((إن الله تعالى قد جعل الأحكام بين عباده على الظاهر وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر لأنه حكم الظنون، ولو كان ذلك لأحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا ووكل سرائرهم إلى الله وقد كذب الله ظاهرهم في قوله تعالى: ﴿والله يشهد إن منافقين لكاذبون﴾ [المنافقون: ١]. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ينفصل المالكيون عما ألزموه من هذه الآية بأنها لم ٩٦ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٤،١٣ تعين أشخاصهم وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموض عليه بالنفاق وبقي لكل واحد منهم أن يقول لم أرد بها ولا أنا إلا مؤمن ولو عين أحد لما جب كذبه شيئاً . وقوله تعالى: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ وصلت ﴿خلوا﴾ بـ ﴿إلى﴾ وعرفها أن توصل بالباء فتقول خلوت بفلان من حيث نزلت ﴿خلوا﴾ في هذا الموضع منزلة ذهبوا وانصرفوا، إذ هو فعل معادل لقوله ﴿لقوا﴾، وهذا مثل ما تقدم من قول الفرزدق: [الرجز] فقد قتل الله زياداً عني جني مـ كيف تراني قالباً لما أنزله منزلة صرف ورد. قال مكي: ((يقال خلوت بفلان بمعنى سخرت به فجاءت إلى في الآية زوالاً عن الاشتراك في الباء)». وقال قوم: ﴿إلى﴾ بمعنى مع، وفي هذا ضعف ويأتي بيانه إن شاء الله في قوله تعالى: ﴿من أنصاري إلى الله﴾. [آل عمران: ٥٢، الصف: ١٤]. وقال قوم: ﴿إِلى﴾ بمعنى الباء إذ حروف المعاني يبدل بعضها من بعض. وهذا ضعيف يأباه الخليل وسیبویه وغيرهما . واختلف المفسرون في المراد بالشياطين فقال ابن عباس رضي الله عنه: ((هم رؤساء الكفر)). وقال ابن الكلبي وغيره: ((هم شياطين الجن)). قال القاضي أبو محمد: وهذا في الموضع بعيد. وقال جمع من المفسرين: ((هم الكهان)). ولفظ الشيطنة الذي معناه البعد عن الإيمان والخير يعم جميع من ذكر والمنافقين حتى يقدر كل واحد شيطان غيره، فمنهم الخالون، ومنهم الشياطين. و﴿مستهزئون﴾ معناه نتخذ هؤلاء الذين نصانعهم بإظهار الإيمان هزواً ونستخف بهم. ومذهب سيبويه رحمه الله أن تكون الهمزة مضمومة على الواو في ﴿مستهزئون﴾. وحكى عنه أبو علي أنها تخفف بین بین. ومذهب أبي الحسن الأخفش أن تقلب الهمزة ياء قلباً صحيحاً فيقرأ ((مستهزِيُون)). قال ابن جني: «حمل الياء الضمة تذكراً لحال الهمزة المضمومة والعرب تعاف ياء مضمومة قبلها كسرة)». وأكثر القراء على ما ذهب إليه سيبويه، ويقال ((هزىء واستهزأ)) بمعنى، فهو ((کعجب واستعجب))، ومنه قول الشاعر [أوس بن حجر]: [الطويل] ولو زبنته الحرب لم يترمرم ومستعجب مما يرى من أناتنا ٩٧ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٥، ١٦ قوله عز وجل : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ رَبِحَت ◌َحَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْمُهْتَدِینَ ١٦ اختلف المفسرون في هذا الاستهزاء فقال جمهور العلماء: ((هي تسمية العقوبة باسم الذنب)). والعرب تستعمل ذلك كثيراً، ومنه قول الشاعر [عمرو بن كلثوم]: [الوافر]. فنجهل فوق جهل الجاهلينا ألا لا يجهلنْ أحد علينا وقال قوم: إن الله تعالى يفعل بهم أفعالاً هي في تأمل البشر هزو حسبما يروى أن النار تجمد كما تجمد الإهالة فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم، وما يروى أن أبواب النار تفتح لهم فيذهبون إلى الخروج، نحا هذا المنحى ابن عباس والحسن، وقال قوم: استهزاؤه بهم هو استدراجهم من حيث لا يعلمون، وذلك أنهم بدرور نعم الله الدنيوية عليهم يظنون أنه راض عنهم وهو تعالى قد حتم عذابهم، فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء. ﴿ويمدهم﴾ معناه يزيدهم في الطغيان. وقال مجاهد: ((معناه يملي لهم))، قال يونس بن حبيب: ((يقال مد في الشر وأمد في الخير)) وقال غيره: ((مد الشيء ومده ما كان مثله ومن جنسه، وأمدّه ما كان مغايراً له، تقول: مدّ النهر ومدّه نهر آخر، ويقال أمدّه)). قال اللحياني: ((يقال لكل شيء دخل فيه مثله فكثره مده يمده مدّاً، وفي التنزيل: ﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر﴾ [لقمان: ٢٧]. ومادة الشيء ما يمده دخلت فيه الهاء للمبالغة)). قال ابن قتيبة وغيره: ((مَدَدْت الدواة وأمَددْتُها بمعنى)). قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: يشبه أن يكون ((مددتها)) جعلت إلى مدادها آخر، و((أمددتها)) جعلتها ذات مداد، مثل ((قبر، وأقبر، وحصر، وأحصر))، ومددنا القوم صرنا لهم أنصاراً، وأمددناهم بغيرنا. وحكى اللحياني أيضاً أمدّ الأمير جنده بالخيل، وفي التنزيل: ﴿وأمددناكم بأموال وبنين﴾ [الإسراء: ٦]. قال بعض اللغويين: ﴿ويمدهم في طغيانهم﴾ يمهلهم ويلجهم. قال القاضي أبو محمد: فتحتمل اللفظة أن تكون من المد الذي هو المطل والتطويل، كما فسر في : ﴿عمد ممددة﴾ [الهمزة: ٩]. ويحتمل أن تكون من معنى الزيادة في نفس الطغيان، والطغيان الغلو وتعدي الحد كما يقال: ((طغا الماء وطغت النار)). وروي عن الكسائي إمالة طغيانهم. و﴿يعمهون﴾ يترددون حيرة، والعمه الحيرة من جهة النظر، والعامه الذي كأنه لا يبصر من التحير في ظلام أو فلاة أو هم. وقوله: ﴿أولئك﴾ إشارة إلى المتقدم ذكرهم، وهو رفع بالابتداء و﴿الذين﴾ خبره، و﴿اشتروا﴾ ٩٨ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٨،١٧ صلة لـ ﴿الذين﴾، وأصله اشتريوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً فحذفت لالتقاء الساكنين، وقيل استثقلت الضمة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء وحركت الواو بعد ذلك للالتقاء بالساكن بعدها، وخصت بالضم لوجوه منها أن الضمة أخت الواو وأخف الحركات عليها، ومنها أنه لما كانت واو جماعة ضمت كما فعل بالنون في ((نحنُ)). ومنها أنها ضمت إتباعاً لحركة الياء المحذوفة قبلها. قال أبو علي: ((صار الضم فيها أولى ليفصل بينها وبين واو ((أو)) و((لو)) إذ هذان يحركان بالكسر)). وقرأ أبو السمال قعنب العدوي بفتح الواو في: ((اشتروا الضلالة)). وقرأها يحيى بن يعمر بكسر الواو. والضلالة والضلال: التلف نقيض الهدى الذي هو الرشاد إلى المقصد . واختلفت عبارة المفسرين عن معنى قوله: ﴿اشتروا الضلالة بالهدى﴾ فقال قوم: ((أخذوا الضلالة وتركوا الهدى)). وقال آخرون : استحبوا الضلالة وتجنبوا الهدى كما قال تعالى: ﴿فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]. وقال آخرون: الشراء هنا استعارة وتشبيه، لما تركوا الهدى وهو معرض لهم ووقعوا بدله في الضلالة واختاروها شبهوا بمن اشترى فكأنهم دفعوا في الضلالة هداهم إذ كان لهم أخذه. وبهذا المعنى تعلق مالك رحمه الله في منع أن يشتري الرجل على أن يتخير في كل ما تختلف آحاد جنسه ولا يجوز فيه التفاضل. وقال قوم: الآية فيمن كان آمن من المنافقين ثم ارتد في باطنه وعقده ويقرب الشراء من الحقيقة على هذا. وقوله تعالى: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ ختم للمثل بما يشبه مبدأه في لفظة الشراء، وأسند الربح إلى التجارة كما قالوا: ((ليل قائم ونهار صائم)). والمعنى فما ربحوا في تجارتهم. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة ((فما ربحت تجاراتهم)) بالجمع. وقوله تعالى: ﴿وما كانوا مهتدين﴾ قيل المعنى في شرائهم هذا، وقيل على الإطلاق، وقيل في سابق علم الله، وكل هذا يحتمله اللفظ. قوله عز وجل : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِظُلُّمَتٍلَّا حُمْ بُكُمْ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ يُبْصِرُونَ (٣) ((المَثَل والمِثْل والمثيل)) واحد، معناه الشبه، هكذا نص أهل اللغة والمتماثلان المتشابهان، وقد يكون مثل الشيء جرماً مثله، وقد يكون ما تعقل النفس وتتوهمه من الشيء مثلاً له، فقوله تعالى: ﴿مثلهم : ٩٩ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٨،١٧ كمثل﴾ معناه أن الذي يتحصل في نفس الناظر في أمرهم كمثل الذي يتحصل في نفس الناظر في أمر المستوقد، وبهذا يزول الإشكال الذي في تفسير قوله تعالى: ﴿مثل الجنة﴾ [الرعد: ٣٥، محمد: ١٥] وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] لأن ما يتحصل للعقل من وحدانيته وأزليته ونفي ما لا يجوز عليه ليس يماثله فيه شيء، وذلك المتحصل هو المثل الأعلى الذي في قوله عز وجل : ﴿ولله المثل الأعلى﴾ [النحل: ٦]. وقد جاء في تفسيره أنه لا إله إلا الله ففسر بجهة الوحدانية. وقوله: ﴿مثلهم﴾ رفع بالابتداء والخبر في الكاف، وهي على هذا اسم كما هي في قول الأعشى : [البسيط]. أتنتهون ولا ينهى ذوي شططٍ كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً تقديره مثلهم مستقر كمثل، فالكاف على هذا حرف، ولا يجوز ذلك في بيت الأعشى لأن المحذوف فاعل تقديره شيء كالطعن، والفاعل لا يجوز حذفه عند جمهور البصريين، ويجوز حذف خبر الابتداء إذا كان الكلام دالاً عليه، وجوز الأخفش حذف الفاعل، وأن يكون الكاف في بيت الأعشى حرفاً ووحد الذي لأنه لم يقصد تشبيه الجماعة بالجماعة، وإنما المقصد أن كل واحد من المنافقين فعله كفعل المستوقد، و﴿الذي﴾ أيضاً ليس بإشارة إلى واحد ولا بد، بل إلى هذا الفعل: وقع من واحد أو من جماعة. قال النحويون: الذي اسم مبهم يقع للواحد والجميع. و﴿استوقد﴾ قيل معناه أوقد، فذلك بمنزلة عجب واستعجب بمعنى . قال أبو علي: وبمنزلة هزىء واستهزأ وسخر واستسخر، وقر واستقر وعلا قرنه واستعلاه، وقد جاء استفعل بمعنى أفعل أجاب واستجاب ومنه قول الشاعر [كعب بن سعد الغنوي]: [الطويل]. فلم يستجبه عند ذاك مجيب وأخلف لأهله واستخلف إذا جلب لهم الماء، ومنه قول الشاعر: [الطويل] ومستخلفات من بلاد تنوفة لمصفرة الأشداق حمر الحواصل ومنه قول الآخر: [الطويل] سقاها فرواها من الماء مخلف ومنه أوقد واستوقد قاله أبو زيد، وقیل استوقد يراد به طلب من غيره أن یوقد له على المشهور من باب استفعل، وذلك يقتضي حاجته إلى النار، فانطفاؤها مع حاجته إليها أنكى له. واختلف في ﴿أضاءت﴾ فقيل يتعدى لأنه نقل بالهمزة من ضاء، ومنه قول العباس بن عبد المطلب في النبي صلى الله عليه وسلم: [المنسرح] وأنت لما ولدت أشرقَتِ الـ أرضُ وضاءت بنورك الطرق ١٠٠ - تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٨،١٧ وعلى هذا، فـ (ما) في قوله: ﴿ما حوله﴾ مفعولة، وقيل (أضاءت) لا تتعدى، لأنه يقال ضاء وأضاء بمعنى، فـ (ما) زائدة، وحوله ظرف. واختلف المتأولون في فعل المنافقين الذي يشبه فعل (الذي استوقد ناراً). فقالت طائفة: هي فيمن آمن ثم كفر بالنفاق، فإيمانه بمنزلة النار إذا أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها وذهاب النور. وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: ((إن ما يظهر المنافق في الدنيا من الإيمان فيحقن به دمه ويحرز ماله ويناكح ويخالط كالنار التي أضاءت ما حوله، فإذا مات صار إلى العذاب الأليم، فذلك بمنزلة انطفائها وبقائه في الظلمات)). وقالت فرقة: إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار وانصرافهم إلى مردتهم وارتكاسهم عندهم كذهابها . وقالت فرقة: إن المنافقين كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في منزلة بما أظهروه، فلما فضحهم الله وأعلم بنفاقهم سقطت المنزلة، فكان ذلك كله بمنزلة النار وانطفائها . وقالت فرقة منهم قتادة: نطقهم بـ ((لا إله إلا الله)) والقرآن كإضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها . قال جمهور النحاة: جواب ((لما)) ذهب، ويعود الضمير من ((نورهم)) في هذا القول على (الذي)، ويصح شبه الآية بقول الشاعر: [الأشهب بن رميلة]: [الطويل]. وإنّ الذي حانتْ بفلجٍ دماؤهم همُ القومُ كلَّ القومِ يا أمّ خالدِ وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد، لأن بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق على الاختلاف المتقدم . وقال قوم: جواب ((لما)) مضمر، وهو طفئت، والضمير في ((نورهم)) على هذا للمنافقين والإخبار بهذا هو عن حال تكون في الآخرة وهو قوله تعالى: ﴿فضرب بينهم بسور له باب﴾ [الحديد: ١٣]. قال القاضي أبو محمد: وهذا القول غير قوي، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو السمال ((في ظلمات)) بسكون اللام، وقرأ قوم ((ظلمات)) بفتح اللام. قال أبو الفتح: في ظلمات وكسرات ثلاث لغات: اتباع الضم الضم والكسر الكسر أو التخفيف بأن يعدل إلى الفتح في الثاني أو التخفيف بأن يسكن الثاني، وكل ذلك جائز حسن، فأما فعلة بالفتح فلا بد فيه من التثقيل إتباعاً فتقول ثمرة وثمرات. قال القاضي أبو محمد: وذهب قوم في ((ظلّمات)) بفتح اللام إلى أنه جمع ظلم فهو جمع الجمع، والأصم الذي لا يسمع، والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس، وقيل الأبكم والأخرس واحد،