Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ تفسير سورة هود : ٥٥ وأشهدكم أيضًا ، أيها القوم ، أنى برىء مما تشركون فى عبادة الله من آلهتكم وأوثانكم من دونه = ((فكيدونى جميعاً))، يقول : فاحتالوا أنتم جميعًا وآلهتكم فى ضرى ومكروهى(١) = ((ثم لا تنظرون))، يقول: ثم لا تؤخروا ذلك، (٢) فانظروا هل تنالونى أنتم وهم بما زعمتم أن آلهتكم نالتنى به من السوء ؟ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ١٨٢٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((اعتراك بعض آلهتنا بسوء))، قال: أصابتك الأوثان يجنون . ١٨٢٦٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((اعتراك بعض آلهتنا بسوء))، قال : أصابك الأوثان بجنون . ١٨٢٦٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا ابن دكين قال، حدثنا سفيان ، عن عيسى ، عن مجاهد: ((إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء))، قال : سببتَ آلهتنا وعبتها ، فأجنَّتك . ... قال، حدثنا أبو حذيفةقال، حدثناشبل، عن ابن أبى نجیح، ١٨٢٧٠ - عن مجاهد: ((اعتراك بعض آلهتنا بسوء))، أصابك بعض آلهتنا بسوء، يعنون الأوثان. ١٨٢٧١ -.... قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد اللّه، عن ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء))، قال : أصابك الأوثان يجنون. (١) انظر تفسير ((الكيد)) فيما سلف ١٣: ٤٤٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((الإنظار)) فيما سلف ص: ١٥١، تعليق: ٣، والمراجع هناك. ٣٦٢ تفسير سورة هود : ٥٥ ١٨٢٧٢ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال، حدثنى عمى قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء)) ، قال : تصيبك آلهتنا بالجنون . ١٨٢٧٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ((إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء))، قال: ما يحملك على ذمّ ٣٧/١٢ آلهتنا إلا أنه أصابك منها سوء. ١٨٢٧٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ((إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء))، قال: إنما تصنع هذا بآلهتنا ، أنَّها أصابتك بسوء . ١٨٢٧٥ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال عبد الله بن كثير : أصابتك آلهتنا بشر. ١٨٢٧٦ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء))، يقولون : نخشى أن يصيبك من آلهتنا سوء، ولا نحب أن تعتريك ، يقولون : يصيبك منها سوء . ١٨٢٧٧ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء))، يقولون: اختلط عقلك فأصابك هذا ، مما صنعت بك آلهتنا . ٠٫٠ وقوله: ((اعتراك))، ((افتعل)) من: ((عرانى الشىء يعرونى))، إذا أصابك، كما قال الشاعر : (١) (١) هو أبو خراش الهذلى . ٣٦٣ تفسير سورة هود : ٥٥ ، ٥٦ • مِنَ القَوْمِ يَعْرُوهُ أُخْتِرَاء وَمَأْتَمُ. (١) القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّى وَرَبِّكُم مَّا مِن دَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌُ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّى عَلَى صِرَّطَ. مُسْتَقِيمٍ﴾٥ قال أبو جعفر : يقول : إنى على الله الذى هو مالكى ومالككم، والقيم على جميع خلقه ، توكلت من أن تصيبونى، أنتم وغيركم من الخلق بسوء ، (١) فإنه ليس من شىء يدبُّ على الأرض ، (٢) إلا واللّه مالكه، وهو فى قبضته وسلطانه. ذليلٌ له خاضعٌ . (١) ديوان الهذليين ٢: ١٤٧، مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٩٠، من قصيدته التى ذكر فيها فراره من قائد وأصحابه الخزاعيين ، وكان لهم وتر عنده . فلما لقوه فر وعدا، فذكر ذلك فى شعره ، ثم انتهى إلى ذكر رجل كان يتبعه وهو يعدو فقال : لَدَى المَتْنِ مَشْبُوحُ الذُّرَ اعَيْزِ خَلْجَمُ أُوَائِلُ بِالشَّدِّ الذَّلِيقِ، وَحَثَِّي مِنَ القوم، يَعْرُوهُ أَحْتِرَاءٌ وَأْثَمُ تَذَ كَرِّ ذَحْلاً عِنْدَنَا، وهو فاتِكٌ يقول: ((أوائل بالشد))، أطلب النجاة بالعدو السريع، و((الذليق))، الحديد السريع الشديد، و((حثنى لدى المتن))، يحثنى على عدوى، رجل من ورائى، كأنه من قربه قد ركب متنى، ((مشبوح الذراعين))، من صفة هذا الرجل أنه عريض الذراعين، ((خلجم))، طويل شديد. و((تذكر نحلا))، أى ثأراً، فكان تذكره للثأر أحفز له على طلب أبى خراش. ثم قال: إنه فاتك من فتاكهم ، لا يرهب ، ويدفعه على ذلك ((اجتراء))، أى جرأة لا تكفها المخافة، و((مأثم))، أى طلب الأثام، وهو المجازاة والعقوبة على إثمى الذى سلف إليهم. و((المأثم)) و((الأثام)) وأجد. وكان فى المطبوعة: ((اجترام))، وفى المخطوطة: ((اجتراماً))، وهما خطأ، صوابه ما أثبت من ديوانه . (٢) انظر تفسير ((التوكل)) فيما سلف من فهارس اللغة (وكل). (٣) انظر تفسير ((دابة)) فيما سلف ص: ٢٤٠، تعليق: ١، والمراجع هناك. ٣٦٤ تفسير سورة هود : ٥٦ فإن قال قائل: وكيف قيل: ((هو آخذ بناصيتها))، فخصَّ بالأخذ ((الناصية))، دون سائر أماكن الجسد . قيل : لأن العرب كانت تستعمل ذلك فى وصفها من وصفته بالذلة والخضوع ، فتقول: ((ما ناصية فلان إلاّ بيد فلان))، أى: إنه له مطيع، يصرفه كيف شاء. وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمنّ عليه، جزُّوا ناصيته، ليعتدُّوا بذلك عليه فخرًا عند المفاخرة . فخاطبهم الله بما يعرفون فى كلامهم ، والمعنى ما ذكرت . وقوله: ((إن ربى على صراط مستقيم))، يقول: إن ربى على طريق الحقّ، يجازى المحسن من خلقه بإحسانه ، والمسىءَ بإساته ، لا يظلم أحداً منهم شيئًا ، ولا يقبل منهم إلا الإسلام والإيمان به، (١) كما : - ١٨٢٧٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((إن ربى على صراط مستقيم))، الحق . ١٨٢٧٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله . ١٨٢٨٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله . ١٨٢٨١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . (١) انظر تفسير ((صراط مستقيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (سرط)، (قوم). ٣٦٥ تفسير سورة هود : ٥٧ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَإن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بهِهَ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَ كُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ، شَيْئًا إِنَّ رَبِّى عَلَى كُلِّ شَىءٍ حَفِيظٌ ﴾ (٢) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: مخبراً عن قيل هود لقومه: ((فإن تولوا))، يقول : فإن أدبروا معرضين عما أدعوهم إليه من توحيد الله وترك عبادة الأوثان (١) = ((فقد أبلغتكم))، أيها القوم = ((ما أرسلت به إليكم))، وما على الرَّسول إلا البلاغ = (( ويستخلف ربى قوما غيركم))، يهلككم ربى ، ثم يستبدل ربى منكم قومًا غيركم، (٢) يوحِّدونه ويخلصون له العبادة = ((ولا تضرونه شيئًا))، يقول : ولا تقدرون له على ضرّ إذا أراد هلاككم ، أو أهلككم . # وقد قيل : لا يضره هلاككُم إذا أهلككم ، لا تنقصونه شيئًا ، لأنه سواء عنده كُنتم أو لم تكونوا . # = ((إن ربى على كل شىء حفيظ))، يقول : إن ربى على جميع خلقه ذو حفظ وعلم . (٣) يقول: هو الذى يحفظى من أن تنالونى بسوء. (١) كان حق الكلام أن يقول: ((فإن أدبرتم معرضين عما أدعوكم إليه))، فهو خطاب من هود لقومه، أى: ((فإن تتواوا))، وحذف إحدى التنامين. وكأن هذا سهو من أبى جعفر رحمه الله وغفر له. (٢) انظر تفسير « الاستخلاف)) فيما سلف من فهارس اللغة ( خلف). (٣) انظر تفسير ((حفيظ)) فيما سلف ٨: ١٢/٥٦٢: ٢٥، ٣٣. ٣٦٦ تفسير سورة هود : ٥٨ ، ٥٩ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ و بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجْيْنَهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) (٥) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولما جاء قوم هود عذابُنا ، نجينا منه هوداً والذين آمنوا بالله معه = ((برحمة منا))، يعنى: بفضل منه عليهم ونعمة = (( ونجيناهم من عذاب غليظ)) ، يقول : نجيناهم أيضًا من عذاب غليظ يوم القيامة، كما نجيناهم فى الدنيا من السخطة التى أنزلتها بعادٍ. (١) القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَأَتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) () ٣٨/١٢ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهؤلاء الذين أحللنا بهم نقمتنا وعذابنا ، عادٌ، جحدوا بأدلة الله وحججه، (٢) وعصوا رسله الذين أرسلهم إليهم للدعاء إلى توحيده واتباع أمره = ((واتبعوا أمر كل جبار عنيد))، يعنى: كلّ مستكبر على الله ، (٣) حائد عن الحق ، لا يُذعن له ولا يقبله . ٠ ٥ يقال منه: ((عَنَّدِ عن الحق، فهو يعنِدِ عُنُوداً)) و((الرجل عَاند، وعَنُود)). ومن ذلك قيل للعرق الذى ينفجر فلا يرقأ: ((عِرْق عاند)) أى ضَارٍ، (٤) ومنه قول الراجز : (٥) (١) انظر تفسير ((الغلظة)) فيما سلف ١٤: ٥٧٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((الجحد)) فيما سلف ١١: ١٢/٠٣٤ : ٤٧٦. (٣) انظر تفسير ((الجبار)) فيما سلف ١٠ : ١٧٢. (٤) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٩١، ففيه زياد بيان (٥) لم أعرف قائله . ٣٦٧ تفسير سورة هود : ٦٠ • إِنِى كَبِيرٌ لاَ أَطِيقُ الْمُنَّدَا.(١) ١٨٢٨٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((واتبعوا أمر كل جبار عنيد))، المشرك . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَتْبِعُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَّمَةِ أَا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمٍ هُودٍ) (٥) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأتبع عادٌ قومُ هود فى هذه الدنيا غضباً من اللّه، وسخطةً يوم القيامة مثلها، لعنةً إلى اللعنة التى سلفت لهم من اللّه فى الدنيا (٢) = ((ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعداً لعاد قوم هود))، يقولُ: أبعدهم اللّه من الخير. (٣) # يقال: ((كفر فلان ربه وكفر بربه))، ((وشكرت لك، وشكرتك)). (٤) # ٠ ٠٠ وقيل = إن معنى: ((كفروا ربهم))، كفروا نعمةَ ربهم . ... (١) مجاز القرآن ١: ٢٩١، البطليوسى: ٤١٥، الجواليق: ٣٣٦، اللسان (عند)، وسيأتى فى التفسير ٢٩: ٩٧ (بولاق)، وغيرها، وهى أبيات لشواهد الإكفاء ، يقول: إذَا رَحَلْتُ فَاجْعَلُونِى وَسَطَا إِى كَبِيرٌ لاَ أُطِيقُ العُنَّدَا وَلَاَ أُطِيقُ الْبَكَرَاتِ الشُّرَّدَا (٢) انظر تفسير ((اللعنة)) فيما سلف من فهارس اللغة (لمن). (٣) انظر تفسير ((البعد)) فيما سلف ص : ٣٣٥. (٤) انظر ما سلف ٣ : ٢١٢، مثله . ٣٦٨ تفسير سورة هود : ٦١ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَبِلِحًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ الله مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُجِيبٌ) ®) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا فقال لهم: يا قوم، اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأخلصوا له العبادة دون ما سواه من الآلهة، فما لكم من إله غيره يستوجب عليكم العبادة، ولا تجوز الألوهة إلاّ له = ((هو أنشأكم من الأرض))، يقول: هو ابتدأ خلقكم من الأرض. (١) # وإنما قال ذلك ، لأنه خلق آدم من الأرض ، فخرج الخطاب لهم ، إذ كان ذلك فعله بمن هم منه . # م = ((واستعمركم فيها))، يقول: وجعلكم عُمَّارًا فيها، فكان المعنى فيه: أسكنكم فيها أيام حياتكم . = من قولهم: ((أعْمِر فلانٌ فلانًا دارَه))، و((هى له عُمْرَى)).(٢) ٠ ٠ ٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : (١) انظر تفسير ((الإنشاء)) فيما سلف ١٢: ١٥٦، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٢) ((عمرى)) (بضم فسكون، فراء مفتوحة)، مصدر مثل ((الرجعى)): و((أعمره الدار))، جعله يسكنها مدة عمره، فإذا مات عادت إلى صاحبها . وكان ذلك من فعل الجاهلية ، فأبطله الله بالإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تعمروا ولا ترقبوا))، فمن أعمر داراً أو أرقبها، فهى لورثته من بعده )) . ٣٦٩ تفسير سورة هود : ٦٢،٦١ ١٨٢٨٣ - حدثنى محمد بن عمرو وقال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: (( واستعمركم فيها))، قال : أعمركم فيها . ١٨٢٨٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( واستعمركم فيها)) ، يقول : أعمركم . # وقوله: ((فاستغفروه))، يقول: اعملوا عملاً يكون سببًا لستر الله عليكم ذنوبكم ، وذلك الإيمانُ به، وإخلاصُ العبادة له دون ما سواه ، واتباعُ رسوله صالح = ((ثم توبوا إليه))، يقول: ثم اتركوا من الأعمال ما يكرهه ربكم، إلى ما يرضاه ويحبه = ((إن ربى قريب مجيب)) ، يقول : إن ربى قريب ممن أخلص له العبادة ورغب إليه فى التوبة ، مجيبٌ له إذا دعاه . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ كُنتَ فِيْنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَمنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُءَابَلَوُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكِّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾® قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت ثمود لصالح نبيَّهم: ((يا صالح قد كنت فينا مرجوًّا))، أى: كنا نرجُو أن تكون فينا سيداً قبل هذا القول الذى قلته لنا، من أنه مالنا من إله غير الله (١) = ((أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا))، يقول: أتنهانا أن نعبد الآلهة التى كانت آباؤنا تعبدها = ((وإننا لفي شك مما تدعونا إليه (١) انظر تفسير ((الرجاء)) فيما سلف ٤ : ٣١٩. ج ٢٤١١٥ ٣٧٠ تفسير سورة هود : ٦٢ ، ٦٣ مريب))، يعنون أنهم لا يعلمون صحَّة ما يدعوهم إليه من توحيد اللّه ، وأن الألوهة لا تكون إلاّ لهُ خالصًا . # وقوله: ((مريب))، أى يوجب التهمة، من: ((أربته فأنا أريبه إرابةٌ))، إذا فعلت به فعلاً يوجب له الريبة، (١) ومنه قولى الهذلى: (٢) يَشَمُّ عِطْفِى وَيَبُزُّ تَوْبِى كُنْتُ إذَا أَنَوْنُهُ مِنْ غَيْبٍ كَأَنْمَ أَرَبْتُهُ بِرَيْبٍ. (٣) # # القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَنْنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ، فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ) (٢) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال صالح لقومه من ثمود: ((يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى)) ، يقول : إن كنت على برهان وبيان من اللّه قد علمته وأيقنته (٤) = ((وآتانى منه رحمة))، يقول: وآتانى منه النبوة والحكمة ٣٩/١٢ (١) انظر تفسير ((الريبة)) فيما سلف من فهارس اللغة (ريب). (٢) هو خالد بن زهير الهذلى . (٣) ديوان الهذليين ١: ١٦٥، واللسان (ريب)، (بزز)، (أتى)، وغيرها كثير، وسيأتى فى التفسير ٢٢: ٧٦ (بولاقٍ). وكان خالد بن زهير ، ابن أخت أبي ذؤيب ، وكان رسول أبى ذؤيب إلى صديقته ، فأفدها عليه ، فكان يشكك فى أمره ، فقال له خالد : يَا قَوْمِ مَالِ وَأَبَا ذُؤَيْبٍ كُنْتُ إِذَا أَتَوْتُهُ مِن غَيْبٍ ((أتوتة))، لغة فى ((أتيته))، وقوله: ((من غيب))، من حيث لا يدرى، لأن ((الغيب))، هو الموضع الذى لا يدرى ما وراءه. و((يبز ثوبى))، أى يجذبه إليه، يريد أن يمسكه حتى يستخرج خب. ◌ِفَسِتُه ، من طول ارتيابه فيه . (٤) انظر تفسير ((البينة)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين). ٣٧١ تفسير سورة هود : ٦٣، ٦٤ والإسلام = ((فمن ينصرنى من اللّه إن عصيته))، يقول: فمن الذى يدفع عنى عقابه إذا عاقبنى إن أنا عصيته، فيخلصنى منه = ((فما تزيدوننى)) ، بعذركم الذى تعتذرون به ، من أنكم تعبدُون ما كان يعبدُ آباؤكم = ((غير تخسير))، لكم يخسركم حظوظكم من رحمة الله، (١) كما - : ١٨٢٨٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((فما تزيدونى غير تخسير))،. يقول : ما تزدادون أنتم إلاّ خساراً . القول فى تأويل قوله تعالى (وَيُقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ ءَايَّةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، مخبراً عن قيل صالح لقومه من ثمود ، إذ قالوا له: (( وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب))، وسألوه الآية على مادعاهم إليه: ((يا قوم هذه ناقة الله لكم آية))، يقول: حجة وعلامة ودلالة على حقيقة ما أدعوكم إليه = ((فذروها تأكل فى أرض الله))، فليس عليكم رزقها ولا مؤونتها = (( ولا تمسوها بسوء))، يقول: لا تقتلوها ولا تنالوها بعَقْر = ((فيأخذكم عذاب قريب))، يقول : فإنكم إن تمسوها بسوء، يأخذ كم عذاب من اللّه غير بعيد فيهلككم. (١) انظر تفسير ((الخسران)) فيما سلف من فهارس اللغة (خسر). : ٣٧٢ تفسير سورة هود : ٦٥ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَنَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فعقرت ثمود ناقة اللّه = وفى الكلام محذوفٌ قد ترك ذكرُه، استغناءً بدلالة الظاهر عليه، وهو: ((فكذبوه))، ((فعقروها)) = فقال لهم صالح : = ((تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام))، يقول: استمتعوا فى دار الدنيا بحياتكم ثلاثة أيام = ((ذلك وعد غير مكذوب))، يقول : هذا الأجل الذى أجَّتكم، وَعْدٌ من اللّه، وعدكم بانقضائه الهلاك ونزول العذاب بكم = ((غير مكذوب))، يقول: لم يكذبكم فيه من أعلمكم ذلك . # * ١٨٢٨٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((فعقروها فقال تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب))، وذكر لنا أن صالحًا حين أخبرهم أنَّ العذاب أتاهم، لبسُوا الأنطاع والأكسية، (١) وقيل لهم : إن آية ذلك أن تصفرَّ ألوانكم أوَّل يوم ، ثم تحمرَّ فى اليوم الثانى ، ثم تسودً فى اليوم الثالث. وذكر لنا أنهم لما عقرُوا الناقة ندموا، وقالوا: ((عليكم الفَصيلَ))؟ فصعد الفصيل القارة = و((القارة))، الجبل = حتى إذا كان اليوم الثالث استقبل القبلة، وقال: (( يا رب أمى، يا رب أمى))، ثلاثًا . قال: فأرسلت الصيحة عند ذلك . = وكان ابن عباس يقول : لو صعدتم القارة لرأيتم عظام الفصيل . وكانت منازل ثمود بحجْر ، بين الشأم والمدينة . ١٨٢٨٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن (١) ((الأنطاع)) جمع ((قطع)) ( بكسر فسكون)، وهو: الجلد والأدم . كانوا يتخذون لأنفسهم منها أكفافاً، كما سيأتى فى آخر الحديث رقم: ١٨٢٩٠ ص : ٣٧٧ ٣٧٣ تفسير سورة هود : ٦٥ ، ٦٦ معمر، عن قتادة: ((تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام))، قال : بقية آجالهم . ١٨٢٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة : أن ابن عباس قال: لو صعدتم على القارة لرأيتم عظام الفصيل . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَ الِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّ وَمِنْ خِزْىٍ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾ ﴾) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما جاء ثمود عذابُنا = ((نجينا صالحًاً والذين آمنوا به معه برحمة منا))، يقول: بنعمة وفضل من الله = ((ومن خزى يومئذ))، يقول: ونجيناهم من هوان ذلك اليوم، وذلّه بذلك العذاب (١) = ((إن ربك هو القوى))، فى بطشه، إذا بطش بشىء أهلكه ، كما أهلك ثمود حين بطش بها = ((العزيز))، فلا يغلبه غالب ، ولا يقهره قاهر ، بل يغلب كل شىء ويقهره . (٢) وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل : « ذكر من قال ذلك : ١٨٢٨٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن (١) انظر تفسير ((الخزى)) فيما سلف من فهارس اللغة (خزى). (٢) انظر تفسير ((القوى)) فيما سلف ١٤ : ١٩. = وتفسير ((العزيز)) فيما سلف من فهارس اللغة ( عزز) ٣٧٤ تفسير سورة هود : ٦٦ معمر، عن قتادة: ((برحمة منا ومن خزى يومئذ))، قال: نجاه الله برحمة منه، (١) ونجاه من خزی یومئذ . ١٨٢٩٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن أبى بكر بن عبد الله ، عن شهر بن حوشب ، عن عمرو بن خارجة قال : قلنا له : حدّثنا حديثَ نمود . قال : أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمود : كانت ثمودُ قومَ صالح ، أعمرهم اللّه فى الدنيا فأطال أعْمَارهم، حتى جعل أحدهم يبنى المسكنَ من المدَر فينهدم، (٢) والرَّجُل منهم حىّ . فلما رأوا ذلك، اتخذوا من الجبال بيوتاً فَرِهِين، فنحتوها وجَابُوها وجوَّفوها. (٣) وكانوا فى سعةٍ من معايشهم . فقالوا : يا صالح ، ادع لنا ربك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول ٤٠/١٢ اللّه! فدعا صالح ربَّه، فأخرج لهم الناقة، فكان شِرْبُها يومًا ، وشِرْبهم يومًا معلومًا. فإذا كان يوم شربها خَلَّوا عنها وعن الماء، وحلبوها لبنًا ملأوا كل إناء ووعاء وسقاء . حتى إذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء ولم تشرب منه شيئًا ، فملأوا كل إناء ووعاء وسقاء . فأوحى الله إلى صالح: إن قومك سيعقرون ناقتك! فقال لهم ، فقالوا: ما كنا لنفعل! فقال: إلاّ تعقروها أنتم ، يوشكُ أن يولد فيكم مولود [ يعقرها ]. (٤) قالوا : ما علامة ذلك المولود، فوالله لا نجده إلاّ قتلناه! قال : فإنه غلام أشقَر، أزرق ، أصهَبُ ، أحمر . قال : وكان فى المدينة شيخان عزيزان منيعان، لأحدهما ابن يرغب به عن المناكح، وللآخرابنة لا يجد لها كفؤاً ، فجمع بينهما مجلس، فقال أحدهما لصاحبه : ما يمنعك أن تزوج ابنك ؟ قال : لا أجد له كفؤاً. قال : فإن ابنتى كفؤ له ، وأنا أزوجك . فزوّجه، فولد (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((برحمة منا))، والسياق يقتضى ما أثبت. (٢) ((المدر))، الطين العلك، لا رمل فيه. (٣) قوله: ((وجابوها)) ساقطة من المطبوعة. ((جابوها))، خرقوا الصخر وحفروه، فاتخذوه بيوتاً . ( ٤) الزيادة بين القوسين، من تاريخ الطبرى . ٣٧٥ تفسير سورة هود : ٦٦ بينهما ذلك المولود . وكان فى المدينة ثمانية رهط يفسدون فى الأرض ولا يصلحون ، فلما قال لهم صالح: (( إنما يعقرها مولود فيكم )) ، اختاروا ثمانى نسوة قوابل من القرية، وجعلوا معهن شُرَطًا، كانوا يطوفون فى القرية، فإذا وجدُوا المرأة تمخَصُ نظروا ما ولدُها ، إن كان غلامًا قلَّبنه فنظرن ما هو، (١) وإن كانت جارية أعرضن عنها . فلما وجدوا ذلك المولود صرخ النسوة وقلن: (( هذا الذی یرید رسول الله صالح))! فأراد الشرَط أن يأخذوه ، فحال جدّاه بينهم وبينه ، وقالا: لو أن صالحًا أراد هذا قتلناه! فكان شرَّ مولود، وکان یشبُّ فی الیوم شباب غيره فى الجمعة ، ويشبّ فى الجمعة شباب غيره فى الشهر ، ويشب فى الشهر شباب غيره فى السنة . فاجتمع الثمانية الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون ، وفيهم الشيخان، فقالوا: ((استعمل علينا هذا الغلام))، (٢) لمنزلته وشرَف جدَّيه، فكانوا تسعة . وكان صالح لا ينام معهم فى القرية، كان فى مسجد يقال له ((مسجد صالح ))، فيه يبيت بالليل ، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم ، وإذا أمسى خرج إلى مسجده فبات فيه . = قال حجاج: وقال ابن جريج: لما قال لهم صالح: ((إنه سيولد غلام يكون هلاككم على يديه))، قالوا: فكيف تأمرنا ؟ قال: آمركم بقتلهم! فقتلوهم إلاّ واحداً . قال : فلما بلغ ذلك المولود ، قالوا : لوكنا لم نقتل أولادنا لكان لكل رجل منا مثل هذا ، هذا عملُ صالح ! فائتمروا بينهم بقتله ، وقالوا : نخرج مسافرين والناس يروننا علانيةً ، ثم نرجع من ليلة كذا من شهر كذا وكذا ، فترصُدُه عند مصلاه فنقتله، فلا يحسب الناس إلاّ أنّا مسافرون ، كما نحن ! فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصُدُ ونه ، فأرسل الله عليهم الصخرة فرضَخَتهم ، فأصبحوا رَضْخًا . فانطلق رجال ممَّن قد اطلع على ذلك منهم ، فإذا هم رضْخٌ ، فرجعوا (١) فى التاريخ: ((فإن كان ولداً قتلنه))، ليس فيه هذا الذى فى روايته فى التفسير، وهى أحسن الروايتين إن شاء الله . (٢) فى المطبوعة: ((تستعمل))، وأثبت ما فى المطبوعة والتاريخ. ٣٧٦ ! تفسير سورة هود : ٦٦ يصيحون فى القرية: أى عباد اللّه، أما رضى صالح أن أمرهم أن يقتلوا أولاً دهم حتى قتلهم ! فاجتمع أهل القرية على قتل الناقة أجمعون ، وأحجموا عنها إلا ذلك ابن العاشر . = ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وأرادوا أن يمكروا بصالح ، فمشوا حتى أتوا على سَرَّبٍ على طريق صالح ، فاختبأ فيه ثمانية، وقالوا: إذا خرج علينا قتلناه، وأتينا أهله، فبيَّتْنا هُمْ! فأمر الله الأرض فاستوت عنهم . قال : فاجتمعوا ومشَوْا إلى الناقة وهى على حَوْضها قائمة ، فقال الشّئُّ لأحدهم : انتها فاعقرها ! فأتاها ، فتعاظَمَه ذلك ، فأضرب عن ذلك. فبعث آخر ، فأعظم ذلك . فجعل لا يبعث رجلاً إلا تَعَاظمه أمرُها ، حتى مشوا إليها ، وتطاول فضرب عرقُوبَيْها، فوقعت تركُضُ . وأتى رجلٌ منهم صالحًا فقال: ((أدرك الناقةَ فقد عُقِرت))! فأقبل، وخرجوا يتَلقَّونه ويعتذرون إليه: ((يا نبي الله، إنما عقرها فلان، إنه لا ذنب لنا))! قال: فانظروا ، هل تدركون فصيلها ؟ فإن أدركتموه فعسَى اللّه أن يرفعَ عنكم العذابُ! فخرجوا يطلبونه، ولما رأى الفصيل أمَّه تضطرب، أتى جبلاً يقال له ((القارة))، قصيراً . فصعد ، وذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل فطالَ فى السماء، حتى ما تناله الطير. قال: ودخل صالح القرية ، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه ، ثم استقبل صالحًا فرغا رَغْوةً، ثم رغمًا أخرى، ثم رغما أخرى، فقال صالح لقومه: لكل رغوة أجلُ يوم، ((تمتعوا فى داركم ثلاثة أيامّ ذلك وعد غير مكذوب))، ألا إن آية ٤١/١٢ العذاب أنّ اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرّة، واليوم الثانى محمرة، واليوم الثالث مسودَّة. فلما أصبحوا فإذا وجوههم كأنها طليت بالخلوق ، (١) صغيرُ هم وكبيرُهم، ذكرهم وأنشَاهم. فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: (( ألا قد مضى يوم من الأجل ، وحضركم العذاب))! فلما أصبحوا اليوم الثانى ، إذا وجوههم محمرة ، (١). ((الخلوق))، طيب يتخذ من الزعفران، تغلب عليه الحمرة والصفرة. ٣٧٧ تفسير سورة هود : ٦٦ كأنها خُضبت بالدماء ، فصاحوا وضجُّوا وبكوا ، وعرفوا آية العذاب ، فلما أمسوا صاحُوا بأجمعهم: ((ألا قد مضى يومان من الأجل، وحضركم العذاب))! فلما أصبحوا اليوم الثالث، فإذا وجوههم مسودّة ، كأنها طُليت بالقار ، فصاحوا جميعًا: ((ألا قد حضركم العذاب، فتكفَُّوا وتحنَّطوا)). وكان حنوطهم الصَّبر والمقر، (١) وكانت أكفانهم الأنطاع، (٢) ثم ألقوا أنفسهم إلى الأرض، (٣) فجعلوا يقلبون أبصارهم ، فينظرون إلى السماء مرة ، وإلى الأرض مرة ، فلا يدرون من حيث يأتيهم العذاب ، من فوقهم من السماء ، أو من تحت أرجلهم من الأرض، جَشَعًا وفَرَقًا. (٤) فلما أصبحوا اليومَ الرابع ، أتتهم صيحةٌ من. السماء ، فيها صوتُ كلّ صاعقة، وصوت كل شىء له صوتٌ فى الأرض ، فتقطعت قلوبهم فى صُدورهم، فأصبحوا فى دارهم جائمين . (٥) (١) ((المقر)) (بفتح فكسر)، شبيه بالصبر، وقيل هو الصبر نفسه، وهو شجر مر. وكان فى المطبوعة: ((المغر)) بالغين، وهو خطأ. (٢) انظر تفسير ((الأنطاع)) فيما سلف ص: ٣٧٢ تعليق: ١. (٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((بالأرض))، وأثبت ما فى التاريخ. (٤) فى المطبوعة: ((خسفاً وغرقاً))، غير ما فى المخطوطة، وفيها ((حسما وفرقا))، الأولى غير منقوطة. وفى التاريخ: ((((خشعا وفرقا))، وضبط ((خشما)) بضم الخاء، وتشديد الشين، كأنه جمع ((خاشع))، وضبط ((فرقاً)) بضم الفاء والراء ، وهو فاسد من وجوه. والذى أثبته هو الصواب. و ((الجشع)) (بفتحتين)، الجزع لفراق الإلف، والحرص على الحياة. وفى حديث معاذ: ((فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم)). وفى حديث ابن الخصاصية: ((أخاف إذا حضر قتال جشعت نفسى فكرهت الموت)). و((الفرق))، أشد الفزع. (٥) الأثر: ١٨٢٩٠ - ((حجاج))، هو ((حجاج بن محمد المصيصى))، ثقة، روى له الجماعة ، مضى مراراً كثيرة . و ((أبو بكر بن عبد الله))، لم أعرف من يكون، فإن يكن هو: ((أبا بكر بن عبد الله بن محمد ابن أبى سبرة التمرشى))، فهو منكر الحديث، يروى الموضوعات عن الثقات، ومضى برقم : ١٤٠٤٤، ذكره حجاج بن محمد، فقال: ((قال لى أبو بكر البرى: عندى سبعون ألف حديث فى الحلال والحرام)» فقال أحمد: ((ليس بشىء، كان يضع الحديث))، بل هو أيضاً لم يدرك ((شهر بن حوشب))، فإنه مات سنة ١٦٢، وله ستون سنة، وشهر بن حوشب، مات سنة ١٠٠، أو بعدها بقليل. وإن يكن ((أبا بكر بن عبد الله بن أبى مريم الغانى))، كما ذكر الذهبى فى تعليقه عن المستدرك، فهو أيضاً متروك الحديث ، مضى برقم : ٩٠٧١، ولا أعلم أدرك شهراً ، أم لا ، فإنه مات سنة ١٥٦. ٣٧٨ تفسير سورة هود : ٦٦ ١٨٢٩١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال: حُدُّنت أنَّه لما أخذتهم الصيحة، أهلك اللّه مَنْ بَين المشارق والمغارب منهم ، إلا رجلاً واحداً كان فى حرم الله ، منعه حرم الله من عذاب اللّه. قيل: ومن هو، يا رسول الله؟ قال: أبو رِغال. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين أتى على قرية ثمود، لأصحابه: لا يدخلنَّ أحدٌ منكم القرية، ولا تشربوا من مائهم . وأراهم مُرْتَقَى الفصيل حين ارتقى فى القارة . = قال ابن جريجُ : وأخبرنى موسى بن عقبة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : أن النبى صلى الله عليه وسلم حين أتى على قرية ثمود قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا با كين فلا تدخلوا عليهم ، أنْ يُصيبكم ما أصابهم. = قال ابن جريج ، قال : جابر بن عبد الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى على الحِجْر، حمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد، فلا تسألوا رسُولَكم الآيات ، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية ، فبعث لهم الناقة ، فكانت تَرِدُ من هذا الفَجّ ، وتصدر من هذا الفَجّ، فتشرب ماءَ هم يوم ورودها .(١) وفى تاريخ الطبرى المطبوع (((أبو بكر بن عبد الرحمن))، وفى بعض نسخه المخطوطة ((أبو بكر بن عبد الله))، مطابقاً لما فى التفسير. و ((عمرو بن خارجة بن المنتفق الأشعرى))، صحابى ، ذكر العسكرى أن شهر بن حوشب ، لا يصح سماعه عنه، وإنما يروى عنه من طريق ((عبد الرحمن بن غنم الأشعرى)). وهذا الخبر رواه أبو جعفر الطبرى فى تاريخه ١ : ١١٦ - ١١٨. ورواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٥٦٦، ٥٦٧، وقال: ((هذا حديث جامع لذكر هلاك آل ثمود ، تفرد به شهر بن حوشب، وليس له إسناد غير هذا ، ولم يستغن عن إخراجه . وله شاهد على سبيل الاختصار بإسناد صحيح ، دل على صحة الحديث الطويل ، على شرط مسلم)). وقال الذهبى فى تعليقه عليه: ((أبو بكر، واه ، وهو ابن أبى مريم)). فهذا حديث ضعيف، لضعف ((أبى بكر بن عبد الله))، أيا كان، والشك فى رواية شهر عن عمرو ابن خارجة ، فهو منقطع . (١) الأثر : ١٨٢٩١ - فى هذا الخبر حديث مسند، حديث ابن جريج، عن موسى بن عقبة، ٣٧٩ تفسير سورة هود : ٦٦ ١٨٢٩٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبيَّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما مرّ بوادى ثمود وهو عامد إلى تبوك ، قال : فأمر أصحابه أن يسرعوا السير ، وأن لا ينزلوا به ، ولا يشربوا من مائه، وأخبرهم أنه وادٍ ملعون . قال : وذكر لنا أن الرجل المُوسِر من قوم صالح كان يعطى المعسر منهم ما يتكفّنون به ، وكان ، الرجل منهم يَلْحَد لنفسه ولأهل بيته ، لميعاد نىّ الله صالح الذى وعدهم. وحدَّث من رآهم بالطرق والأفنية والبيوت ، فيهم شبان وشيوخ ، أبقاهم اللّه عبرة وآية . ١٨٢٩٣ - حدثنا إسمعيل بن المتوكل الأشجعى من أهل حمص قال ، حدثنا محمد بن كثير قال ، حدثنا عبد اللّه بن واقد ، عن عبد الله ابن عثمان بن خثيم قال ، حدثنا أبو الطفيل قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غَزَاة تُبوك، (١) نزل الحجر . فقال: يا أيها الناس ، لا تسألوا نبيًّكم الآيات ، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيّهم أن يبعث لهم آية ، فبعث اللّه لهم الناقة آيَةً ، فكانت تلج عليهم يوم [ وردها من هذا الفجّ، فتشربُ ماءهم، ويوم وردهم كانوا يتزودون منه ]، (٢) ثم يحلبونها مثل ما كانوا يتزَوّدون من مائهم قبل ذلك لبنًا ، ثم تخرج من ذلك الفجّ. فعتوا عن أمر ربهم وعقروها ، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام ، وكان وعداً من اللّه غير مكذوب، فأهلك اللّه من كان عن عبد الله بن دينار، رواه أحمد من طرق، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وخرجه أخى رحمه الله فى المسند، انظر رقم: ٤٥٦١، ٥٢٢٥، ٥٣٤٢، ٥٤٠٤، ٥٤٤١ ، ٥٦٤٥، ٥٧٠٥ ، ٠٥٩٣١ وأما سائر ما فى الخبر، فهو مرسل، وقد مضى من حديث جابر نحوه ، من رقم : ١٤٨١٧ - ١٤٨٢٣، فانظر التعليق على هذه الآثار هناك. وانظر أيضاً مجمع الزوائد ٦: ٧/١٩٤ : ٣٧، من حديث جابر الذى رواه أحمد وغيره . (١) فى المطبوعة: ((غزوة تبوك))، غير ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى التاريخ. (٢) كان فى المطبوعة والمخطوطة: ((تاج عليهم يوم ورودهم الذى كانوا يتروون منه ثم يحلبونها ... ))، وهو غير مستقيم، أثبت الصواب من التاريخ، وفيه ((يتزودون)) فى الموضعين، فأصلحتهما جميعاً، ووضعت نص ما فى التاريخ بين قوسين . ٣٨٠ تفسير سورة هود : ٦٦، ٦٧، ٦٨ منهم فى مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلاً واحداً، كان فى حرم الله، فمنعه حَرَمُ اللّه من عذاب الله. قالوا: ومن ذلك الرجل يا رسول الله؟ قال: أبو رِغال.(١) القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَخَذَ اٌلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَّرِهِمْ جَئِمِينَ ﴾ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَّ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّشَمُودَ﴾ ( ٦٨ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأصاب الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله ، من عقر ناقة اللّه وكفرهم به = ((الصيحة فأصبحوا فى ديارهم جائمين))، قد جَثَّمتهم المنايا ، وتركتهم خموداً بأفنيتهم ، (٢) كما : - ١٨٢٩٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ٤٢/١٢ (١) الأثر: ١٨٢٩٣ - ((إسماعيل بن المتوكل الشامى الحمصى))، شيخ الطبرى، مترجم فى التهذيب . و ((محمد بن كثير))، كأنه ((محمد بن كثير بن أبى عطاء الثقفى المصيصى، الصنعانى))، وهو ضعيف جداً. مضى برقم : ٤١٥٠، ٤٨٣٦، ومضى فى نحو هذا الإسناد رقم : ٩٤٩٢ . و ((عبد الله بن واقد، أبو رجاء الهروى))، ثقة لا بأس به، مترجم فى التهذيب ، وابن أبى حاتم ١٩١/٢/٢. و((عبد الله بن عثمان بن خثيم المكى القارئ))، تابعى ثقة متكلم فيه، ولكن الصحيح توثيقه، وروى عن أبى الطفيل . مضى برقم : ٤٣٤١، ٥٣٨٨. و ((أبو الطفيل))، هو ((عامر بن واثلة))، مضى مراراً، صحابى من صغار الصحابة، كان له يوم مات رسول الله ثمانى سنوات، فهو قد سمع هذا الخبر ممن هو أكبر منه من الصحابة، ولعله سمعه من جابر بن عبد الله . وهذا الخبر لين الإسناد شيئاً ، وقد رواه أبو جعفر فى تاريخه ١ : ١١٨ من هذه الطريق نفسها ، ولم أجده فى مكان آخر . (٢) انظر تفسير ((الجثوم)) فيما سلف ١٢ : ٥٤٦، ٥٦٦.