Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
تفسير سورة يونس : ٨١
يذهب عليه أنهم لم يكونوا يصدّقُونه فى الخبر عمّا جاءوه به من الباطل، فيستخبرهم
أو يستجيز استخبارهم عنه ، ولكنه صلوات الله عليه أعلمهم أنه عالم ببطول
ما جاءوا به من ذلك بالحق الذى أتاه ، (١) ومبطلٌ كيدهم بحَدِّه. (٢) وهذه أولى
بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخرى.
فإن قال قائل: فما وجه دخول ((الألف واللام)) فى ((السحر))، إن كان
الأمر على ما وصفت ، وأنت تعلم أن كلام العرب فى نظير هذا أن يقولوا: (( ما
جاءنى به عمرو درهمٌ = والذى أعطانى أخوك دينار))، ولا يكادون أن يقولوا (٣) :
(( الذى أعطانى أخوك الدرهم = وما جاءنى به عمرو الدينار))؟
قيل له: بلى، كلام العرب إدخال ((الألف واللام)) فى خبر (( ما)) و ((الذى))،
إذا كان الخبر عن معهود قد عرفه المخاطَب، والمخاطِب ، بل لا يجوز إذا كان
ذلك كذلك إلا بالألف واللام، لأنّ الخبر حينئذ خبرٌ عن شىء بعينه معروف
عند الفريقين، وإنما يأتى ذلك بغير ((الألف واللام))، (٤) إذا كان الخبر عن
مجهول غير معهود ولا مقصود قصدَ شىء بعينه، فحينئذ لا تدخل الألف واللام
فى الخبر. (٥) وخبرُ موسى كان خبراً عن معروف عنده وعند السحرة . وذلك
أنها كانت نسبت ما جاءهم به موسى من الآيات التى جعلها اللّه عَلَماً له على صدقه
(١) فى المخطوطة: ((ما جاءوا به من ذلك الحق الذى أتاه))، وأرجح أن ناسخ المخطوطة قد أسقط
شيئاً من الكلام، ولكن ما فى المطبوعة يؤدى عن معناه، وذلك بزيادة الباء فى ((بالحق))، وإن كانت
الجملة عندى ضعيفة .
(٢) فى المطبوعة: ((بجده)) بالجيم، والصواب بالحاء. و((الحد)) الشدة والبأس والسطوة.
(٣) هكذا فى المخطوطة ((لا يكادون أن يقولوا))، وبعد ((يقولوا)) حرف ((ط)) دلالة على الخطأ،
وليس خطأ. وقد عقد ابن هشام فى شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح : ٩٨ - ١٠٢ فصلا جيداً
فى وقوع خبر ((كاد)) مقروناً به ((أن))، وذكر شواهده فى الحديث وفى الشعر، واحتج لذلك أحسن
الاحتجاج .
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة أسقط ((واللام)).
(٥ ) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٧٥.
ج ١٥ (١١)

١٦٢
تفسير سورة يوفى : ٨١، ٨٢
ونبوته ، إلى أنه سحرٌ ، فقال لهم موسى: السحرُ الذى وصفتم به ما جئتكم به من
الآيات، أيها السحرة ، هو الذى جثم به أنتم ، لا ما جئتكم به أنا . ثم أخبرهم
أن الله سيبطله فقال: ((إن الله سيبطله))، يقول: سيذهب به. فذهب به تعالى
ذكره ، بأن سلط عليه عصا موسى قد حوّلها ثعباناً يتلقَّقه، حتى لم يبق منه شىء
= ((إن الله لا يصلح عمل المفسدين ))، یعنی : إنه لا يصلح عمل من سعى فى أرض
اللّه بما يكرهه، وعمل فيها بمعاصيه.(١)
١٠٣/١١
وقد ذكر أن ذلك فى قرأة أبى بن كعب: ﴿مَا أَتْيَمْ بِهِ سِحْرٌ﴾.
وفى قراءة بن مسعود: ﴿مَاجِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ)، (٢) وذلك مما يؤيد قراءة من قرأ
بنحو الذى اخترنا من القراءة فيه .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ م
وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُجْرِمُونَ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، مخبراً عن موسى أنه قال للسحرة :
((ويحق اللّه الحق))، يقول: ويثبت اللّه الحق الذى جئتكم به من عنده ، فيعليه
على باطلكم ويصححه = ((بكلماته))، يعنى: بأمره (٣) = ((ولو كره المجرمون))،
يعنى : الذين اكتسبوا الإثم بربِّهم ، (٤) بمعصيتهم إياه .
٠
(١) انظر تفسير ((الإفساد)) فيما سلف من فهارس اللغة (فسد).
(٢) انظر هاتين القراءتين فى معانى القرآن للفراء ١: ٤٧٥.
(٣) انظر تفسير ((يحق الحق بكلماته)) فيما سلف ١٣: ٤٠٧، تعليق: ٣،٢، والمراجع هناك.
(٤) انظر بيان معنى ((أثم بربه)) فيما سلف ص: ١٥٥، تعليق: ٣:، والمراجع هناك.

١٦٣
تفسير سورة يونس : ٨٣
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٌ إِلَّا ذُرِيَّةٌ
مِّن قَوْمِهِ مَ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ
فِرْعَونَ لَعَالٍ فِى الْأَرْضِ وَإِنَّهُ، لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلم يؤمن لموسى ، مع ما أتاهم به من
الحجج والأدلّة = ((إلا ذرية من قومه))، خائفين من فرعون ، ومائهم .
ثم اختلف أهل التأويل فى معنى ((الذرية))، فى هذا الموضع.
فقال بعضهم: ((الذرية)) ، فى هذا الموضع ، القليل .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٧٧٤ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه))، قال ، كان ابن عباس يقول:
((الذرية))، القليل.
١٧٧٧٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول :
أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله تعالى: ((فما آمن لموسى إلا
ذرية من قومه))، ((الذرية))، القليل، كما قال الله تعالى: ﴿كما أَنْشَأْ كُمْ مِنْ
ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾، [سورة الأنعام: ١٣٣].
...
وقال آخرون : معنى ذلك: فما آمن لموسى إلا ذرية من أرسل إليه موسى من
بنى إسرائيل، لطول الزّمان، لأن الآباء ماتوا وبقى الأبناء، فقيل لهم ((ذرية))،
لأنهم كانوا ذرية من هلك ممن أرسل إليهم موسى عليه السلام. (١)
* ذكر من قال ذلك :
(١) انظر تفسير ((الذرية)) فيما سلف ١٢: ١٢٧، ١٢٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وانظر تفسيرها بمعنى ((القليل)) فى معانى القرآن الفراء ١ : ٤٧٦.

١٦٤
تفسير سورة يونس : ٨٣
١٧٧٧٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة، عن محمد
ابن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد فى قوله: (( فما آمن لموسى
إلا ذرية من قومه))، قال : أولاد الذين أرسل إليهم من طول الزمان ، ومات
آباؤهم .
١٧٧٧٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد=
١٧٧٧٨ - وحدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله ، عن
ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه .
١٧٧٧٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد: (( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه))، قال: أولاد
الذين أرسل إليهم موسى ، من طول الزمان، ومات آباؤهم .
١٧٧٨٠ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان ،
عن الأعمش: ((فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملأهم
أن يفتنهم))، قال : أبناء أولئك الذين أرسل إليهم، فطال عليهم الزمان، وماتت
آباؤهم .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فما آمن لموسى إلا ذرية من قوم فرعون ..
*
*
• ذكر من قال ذلك :
١٧٧٨١ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((فما آمن لموسى إلا ذرية من
قومه على خوف من فرعون وملأهم أن يفتنهم)) ، قال : كانت الذرية التى آمنت
لموسى ، من أناس غير بنى إسرائيل ، من قوم فرعون يسير ، منهم : امرأة فرعون،
ومؤمن آل فرعون ، وخازن فرعون ، وامرأة خازنه .

١٦٥
تفسير سورة يونس : ٨٣
وقد روى عن ابن عباس خبرٌ يدُّل على خلاف هذا القول، وذلك ما :-
١٧٧٨٢ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((ذرية من قومه))، يقول : بنى إسرائيل .
#
١٠٤/١١
= فهذا الخبر، ینبیء عن أنه کان یری أن ((الذربة ))،فی هذا الموضع، (١)هم
بنو إسرائيل دون غيرهم من قوم فرعون .
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندى بتأويل الآية، القولُ الذى ذكرته
عن مجاهد، وهو أن (( الذرية))، فى هذا الموضع، أريد بها ذُرّية من أرسل إليه
موسی من بنى إسرائيل، فهلكوا قبل أن يقرُّوا بنبوته لطول الزمان، فأدرکت ذريتهم،
فآمن منهم من ذكر الله ، بموسى .
وإنما قلت: ((هذا القولُ أولى بالصواب فى ذلك))، لأنه لم يجر فى هذه الآية
الآية ذكرٌ لغير موسى،- فَلأن تكون («الهاء»، فى قوله: ((من قومه))، من ذكر
موسى لقربها من ذكره، أولى من أن تكون من ذكر فرعون، لبعد ذكره منها ، إذ
لم يكن بخلاف ذلك دليلٌ من خبر ولا نظرٍ.
وبعدُ ، فإن فى قوله: ((على خوف من فرعون وملئهم))، الدليلُ الواضح
على أن ((الهاء)) فى قوله: ((إلا ذرية من قومه))، من ذكر موسى، لا من ذكر
فرعون، لأنها لو كانت من ذكر فرعون، لكان الكلام، ((على خوف منه ))، ولم
يكن: (( على خوف من فرعون )) .
*
#
وأما قوله: ((على خوف من فرعون))، فإنه يعنى على حال خوف ممن آمن من
ذرية قوم موسى بموسى = فتأويل الكلام : فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ،
من بنى إسرائيل ، وهم خائفون من فرعون وملأهم أن يفتنوهم .
(١) فى المطبوعة: ((ينبىء عنه))، وأثبت ما فى المخطوطة.

١٦٦
تفسير سورة يونس : ٨٣
وقد زعم بعض أهل العربية أنه إنما قيل: (( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ))،
لأن الذين آمنوا به إنما كانت أمهاتهم من بنى إسرائيل ، وآباؤهم من القبط ،
فقيل لهم ((الذرية)) من أجل ذلك ، كما قيل لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من
العرب وآباؤهم من العجم: ((أبناء)).(١)
والمعروف من معنى (( الذرية))، فى كلام العرب ، أنها أعقاب من نسبت
إليه من قبل الرجال والنساء، كما قال الله جل ثناؤه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾،
[سورة الإسراء: ٣]، وكما قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ﴾،
ثم قال بعد: ﴿وَزَ كَرِيًّا وَيَحْسِىَ وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾، [سورة الأنعام: ٨٤، ٨٥]،
فجعل من كان من قبل الرجال والنساء من ذرية إبراهيم .
وأما قوله: ((وملئهم))، فإن ((الملأ)) الأشراف. (٢) وتأويل الكلام: على خوف
من فرعون ومن أشرافهم .
واختلف أهل العربية فيمن عُنى بالهاء والميم اللتين فى قوله: ((وملئهم))،
فقال بعض نحوبى البصرة: عُنى بها الذرية. وكأنّه وجَّه الكلام إلى: (( فما
آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون))، وملأ الذرّيّة من بنى إسرائيل.
وقال بعض: نحوبى أهل الكوفة: (٣) عنى بهما فرعون. قال: وإنما جاز ذلك،
وفرعون واحد ، لأن الملك إذا ذكر بخوف أو سفر أو قدوم من سفر، (٤) ذهب
الوهم إليه وإلى من معه. وقال: ألا ترى أنك تقول: ((قدم الخليفة فكثر الناس))،
تريد ، بمن معه = ((وقدم فغلت الأسعار))، لأنك تنوى بقدومه قدوم من معه،. (٥)
(١) هو الفراء فى معانى القرآن ١ : ٤٧٦.
(٢) انظر تفسير ((الملأ)) فيما سلف ص: ١٥٥ تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) فى المطبوعة: ((نحوبى الكوفة))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) فى المطبوعة: ((لخوف))، والصواب من معانى القرآن للفراء. أما المخطوطة فقد أسقط نا سخها
وكتب: ((لأن الملك، وقال ألا ترى)).
(٥) فى المطبوعة ((: لأنا ننوى بقدومه ... ))، وفى المخطوطة: ((لأنا ننوى بقدومه وقدوم من
معه))، وهو خطأ، وأثبت ما فى معانى القرآن للفراء.

١٦٧
تغير سورة يونس : ٨٣
قال: وقد يكون أن تريد بـ ((فرعون))، آل فرعون، وتحذف ((الآل))، (١) فيجوز كما
قال: ﴿ وَأُسْأَّلِ الْقَرْيَةَ﴾، [سورة يوسف: ٨٢]، يريد أهل القرية، والله أعلم. قال:
ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُ النِّسَاءَ فَطَلَّقُوهُنَّ ◌ِدَّتِهِنَّ﴾ [سورة الطلاق: ١].(٢)
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك عندى بالصواب ، قول من قال :
((الهاء والميم))، عائدتان على ((الذرية))، ووجَّه معنى الكلام إلى أنه: على خوف من
فرعون وملأ الذرية = لأنه كان فى ذرية القرن الذين أرسل إليهم موسى من كان
أبوه قبطياً وأمه إسرائيلية . فمن كان كذلك منهم ، كان مع فرعون على موسى .
وقوله: ((أن يفتنهم))، يقول: كان إيمان من آمن من ذرية قوم موسى على
خوف من فرعون = ((أن يفتنهم )) بالعذاب ، فيصدّهم عن دينهم ، ويحملهم
على الرجوع عن إيمانهم والكفر بالله. (٣)
وقال: ((أن يفتهم))، فوحَّد، ولم يقل: ((أن يفتنوهم))، لدليل الخبر عن
فرعون بذلك : أن قومه كانوا على مثل ما كان عليه ، لما قد تقدم من قوله :
(( على خوف من فرعون وملئهم)).
وقوله: ((وإن فرعون لعال فى الأرض))، يقول: تعالى ذكره : وإن فرعون
الجبّارٌ مستكبر على الله فى أرضه =((وإنه لمن المسرفين))، وإنه لمن المتجاوزين الحقّ
إلى الباطل، (٤) وذلك كفره بالله، وتركه الإيمان به، وجحودُه وحدانية الله، ١٠٥/١١
وادّعاؤه لنفسه الألوهة، وسفكه الدماء بغير حِلّها .
(١) فى المطبوعة، (وبحذف))، وفى المخطوطة: ((فتحذفآل فرعون))، وهو خطأ، صوابه من معانى القرآن.
(٢) هذا الذى مضى نص مقالة الفراء فى معانى القرآن ١ : ٤٧٦، ٤٧٧.
. (٣) انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف من فهارس اللغة ( فتن).
(٤) انظر تفسير ((الإسراف)) فيما سلف ص: ٣٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

١٦٨
تفسير سورة يونس : ٨٤، ٨٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِ إِن كُنتُمْ
ءَامَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَ كَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ (@)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : مخبراً عن قيل موسى نبيّه لقومه: يا قوم
إن كنتم أقررتم بوحدانية الله، وصدّقتم بربوبيته = ((فعليه توكلوا))، يقول: فبه
فثقوا، ولأمره فسلموا، (١) فإنه لن يخذل وليّه، ولن يسلم من توكل عليه (٢)=((إن
كنتم مسلمين))، يقول: إن كنتم مذعنين الله بالطاعة، فعليه توكلوا . (٣)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَقَالُواْ عَلَى اللهِ تَوَ كَّلْنَا
رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِّلْقَوْمِ الظَّلِمِينَ) (٥)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فقال قوم موسى الموسى: ((على اللّه
توكلنا)) ، أى: به وثقنا ، وإليه فوَّضنا أمرنا .
وقوله: ((ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين))، يقول جل ثناؤه ، مخبراً عن
قوم موسى : أنهم دعوا ربهم فقالوا : يا ربنا ، لا تختبر هؤلاء القوم الكافرين
ولا تمتحنهم بنا ! (٤) = يعنون قوم فرعون .
وقد اختلف أهل التأويل فى المعنى الذى سألوه ربّهم ، من إعادته ابتلاء قوم
فرعون بهم .
(١) انظر تفسير ((التوكل)) فيما سلف ص: ١٤٧، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((ويسلم))، وفى المخطوطة: ((ولم يسلم))، والصواب ما أثبت.
(٣) انظر تفسير ((الإسلام)) فيما سلف من فهارس اللغة (سلم ).
(٤) انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف من فهارس اللغة (فتن).

١٦٩
تفسير سورة يونس : ٨٥
فقال بعضهم : سألوه أن لا يظهرهم عليهم ، فيظنُّوا أنهم خيرٌ منهم ، وأنهم
إنما سُلِّطوا عليهم لكرامتهم عليه وهوان الآخرين
* ذكر من قال ذلك :
١٧٧٨٣ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن عمران بن حدير ،
عن أبى مجلز فى قوله: (( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين))، قال : لا يظهروا
علينا ، فيروا أنهم خيرٌ منّا .
١٧٧٨٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد ، عن
عمران بن حدير ، عن أبى مجلز فى قوله: ((ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين))،
قال : قالوا : لا تظهرهم علينا ، فيروا أنهم خيرٌ منّا.
١٧٧٨٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن أبيه ،
عن أبى الضحى: ((ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين))، قال: لا تسلّطهم علينا ،
فيزدادوا فتنة .
وقال آخرون: بل معنى ذلك لا تسلطهم علينا فيفتنونا .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٧٨٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبى نجيح ،
عن مجاهد: (( لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين)) ، لا تسلطهم علينا فيفتنونا .
١٧٧٨٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
الزبير ، عن ابن عيينة، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((ربنا لا تجعلنا
فتنة للقوم الظالمين ))، قال : لا تسلطهم علينا فيضلونا .
١٧٧٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
ابن عيينة ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله = وقال أيضاً : فيفتنونا .
١٧٧٨٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن

١٧٠
· تفسير سورة يونس : ٨٥
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين )) ، لا تعذبنا بأيدى
قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: ((لو كانوا على حقّ"
ما سُلِّطْنا عليهم ولا عُدُّبُوا)) ، فيفتنوا بنا .
١٧٧٩٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: (( لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين))، قال : لا تعذبنا
بأيدى قوم فرعون ولا بعذاب من عندك ، فيقول قوم فرعون: (( لو كانوا على
حق ما سُلِّطنا عليهم ولا عذِّبوا)) ، فيفتتنوا بنا .
١٧٧٩١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة ، عن محمد
ابن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد قوله: (( لا تجعلنا فتنة
للقوم الظالمين))، قال : لا تصبنا بعذاب من عندك ولا بأيديهم، فيفتتنوا ويقولوا :
(( لو كانوا على حق ما سلِّطْنا عليهم وما عذَّبوا)).
١٧٧٩٢ - حدثنى يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد فى
قوله: (( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين))، لا تبتلنا ربّنا فتجهدنا، وتجعله فتنة
لهم، هذه الفتنة. وقرأ: ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِينَ﴾، [سورة الصافات: ٢٣]، قال: المشركون،
حين كانوا يؤذون النبى صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ويرمونهم، أليس ذلك
فتنة لهم وسوءً لهم ، وهى بلية للمؤمنين ؟
*
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أن يقال : إن القوم رغبوا إلى
١٠٦/١١
اللّه فى أن يُحِيرهم من أن يكونوا محنةً لقوم فرعون وبلاء"، وكلُّ ما كان من أمر
كان لهم مصدّة عن اتباع موسى والإقرار به ، وبما جاءهم به ، فإنه لا شك أنه
كان لهم ((فتنة))، وكان من أعظم الأمور لهم إبعاداً من الإيمان بالله ورسوله . وكذلك
من المصدَّة كان لهم عن الإيمان: أن لو كان قوم موسى عاجلتهم من اللّه محنةٌ

١٧١
تفسير سورة يونس : ٨٥-٨٧
فى أنفسهم ، من بلية تنزل بهم ، فاستعاذ القوم بالله من كل معنى يكون صادًا
لقوم فرعون عن الإيمان بالله بأسبابهم .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ
اُلْكَفِرِينَ ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونجِّنا، يا ربنا، برحمتك، فخلِّصنا من
أيدى القوم الكافرين ، قوم فرعون ، لأنهم كانوا يستعبدونهم ويستعملونهم فى
الأشياء القذرة من خدمتهم .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ
أَن تَبَوًَّا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَأَجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ
الصَّلَوةَ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
٨٧
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأوحينا إلى موسى وأخيه أن اتخذا لقومكما
بمصر بيوتاً .
=يقال منه: ((تبوَّأ فلان لنفسه بيتاً))، إذا اتخذه. وكذلك: ((تبوَّأ مصْحفاً))،
إذا اتخذه، ((وبوأته أنا بيتاً))، إذا اتخذته له . (١)
= ((واجعلوا بيوتكم قبلة))، يقول: واجعلوا بيوتكم مساجد تصلُّون فيها.
(١) انظر تفسير ((بوا)) في إساف ٧ : ١٦٤/ ١٢: ٥٤١.

١٧٢
تفسير سورة يونس : ٨٧.
واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((واجعلوا بيوتكم قبلة)). (١)
فقال بعضهم فى ذلك نحو الذى قلنا فيه .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٧٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن حميد ،
عن عكرمة ، عن ابن عباس: ((واجعلوا بيوتكم قبلة))، قال : مساجد
١٧٧٩٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان ، عن
خصيف ، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ((واجعلوا بيوتكم قبلة))، قال:
أمروا أن يتخذوها مساجد .
١٧٧٩٥ -.... قال، حدثنا أبو غسان مالك بن إسمعيل قال ، حدثنا
زهير قال، حدثنا خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس فى قول الله: ((واجعلوا
بيوتكم قبلة))، قال : كانوا يَفْرَقون من فرعون وقومه أن يصدُّوا، فقال لهم:
((اجعلوا بيوتكم قبلة))، يقول : اجعلوها مسجداً حتى تصلوا فيها .
١٧٧٩٦ - حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا ، حدثنا جرير، عن منصور ،
عن إبراهيم: ((واجعلوا بيوتكم قبلة))، قال: خافوا، فأمروا أن يصلوا فى بيوتهم .
١٧٧٩٧ - حدثنا ابن وکیع قال، حدثنا أبی ، عن سفيان، عن منصور، عن
إبراهيم: ((واجعلوا بيوتكم قبلة))، قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا فى بيوتهم .
١٧٧٩٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا شبل ، عن
خصيف، عن عكرمة ، عن ابن عباس فى قوله: ((واجعلوا بيوتكم قبلة ))، قال :
کانوا خائفین، فأمروا أن يصلوا فى بيوتهم .
١٧٧٩٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن أبى نجيح ،
عن مجاهد: ((واجعلوا بيوتكم قبلة))، قال: كانوا لا يصلون إلا فى البيع، وكانوا
لا يصلون إلا خائفين، فأمروا أن يصلوا فى بيوتهم .
(١) انظر تغير ((القبلة)) فيما ملف ٣ : ١٣١.

١٧٣
تغير سورة يونس : ٨٧
١٧٨٠٠ -.... قال، حدثنا جرير ، عن ليث، عن مجاهد قال: كانوا
خائفين ، فأمروا أن يصلوا فى بيوتهم .
قال ، حدثنا عبد اللّه، عن إسرائيل، عن السدى،
١٧٨٠١ - ٠ ٠
عن أبى مالك: ((واجعلوا بيوتكم قبلة))، قال : كانت بنو إسرائيل تخاف
فرعون ، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد يصلون فيها .
١٧٨٠٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرحمن
ابن سعد قال ، أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس فى قوله: ((واجعلوا بيوتكم
قبلة))، يقول : مساجد .
١٧٨٠٣ -.... قال، حدثنا أحمد بن يونس قال ، حدثنا إسرائيل ،
عن منصور، عن إبراهيم: ((واجعلوا بيوتكم قبلة))، قال: كانوا يصلون فى
بيوتهم، يخافون .
١٧٨٠٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن أبى سنان ،
عن الضحاك: ((أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً))، قال: مساجد .
١٧٨٠٥ - حدثنا ابن بشارقال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان، ١٠٧/١١
عن منصور، عن إبراهيم فى قوله: (( واجعلوا بيوتكم قبلة))، قال : كانوا خائفين،
فأمروا أن يصلوا فى بيوتهم .
١٧٨٠٦ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد فی
قوله: ((واجعلوا بيوتكم قبلة))، قال: قال أبى (١): اجعلوا فى بيوتكم مساجدكم
تصلُّون فيها، تلك ((القبلة)).
٠ ٠
وقال آخرون : معنى ذلك : واجعلوا مساجدكم قِبَل الكعبة .
(١) فى المطبوعة وحدها: ((قال قال أبى زيد))، يعنى، أباه زيداً، والقائل هو ((ابن زيد)).
وأثبت ما فى المخطوطة .

١٧٤
تفسير سورة يونس : ٨٧
ذكر من قال ذلك :
٠
١٧٨٠٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن محمد بن عبدالرحمن
ابن أبى ليلى ، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ((واجعلوا
بيوتكم قبلة )) ، يعنى الكعبة.
١٧٨٠٨ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس فى قوله: ((واجعلوا بيوتكم قبلة
وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين))، قال : قالت بنو إسرائيل لموسى : لا نستطيع
أن نظْهرَ صلاتنا مع الفراعنة! فأذن اللّه لهم أن يصلوا فى بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا
بيوتهم قبَل القبلة.
١٧٨٠٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قال، قال ابن عباس فى قوله: ((واجعلوا بيوتكم قبلة))،
يقول: وجِّهوا بيوتكم، ((مساجدكم))، نحو القبلة. ألا ترى أنه يقول: ﴿فِى بُوتٍ
أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ﴾ [ سورة النور: ٣٦].
١٧٨١٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن
أبى يحيى، عن مجاهد: ((واجعلوا بيوتكم قبلة))، قال: قبل القبلة.
١٧٨١١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد: (( بيوتكم قبلة ))، قال : نحو الكعبة ، حين خاف
موسى ومن معه من فرعون أن يصدُّوا فى الكنائس الجامعة، فأمروا أن يجعلوا فى
بيوتهم مساجد مستقبلةً الكعبة يصلون فيها سرًّاً .
١٧٨١٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((واجعلوا بيوتكم قبلة ))، ثم ذكر مثله ، سواء .
١٧٨١٣ -.... قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد :

١٧٥
تفسير سورة يونس : ٨٧
((وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآً لقومكما بمصر بيوتاً)) ، مساجد.
١٧٨١٤ -.... قال حدثنا إسحق قال، حدثنا عبدالله، عن ورقاء ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً))،
قال: ((مصر))، الإسكندرية
١٧٨١٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: (( وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا
بيوتكم قبلة))، قال : وذلك حين منعهم فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم
فى بيوتهم ، وأن يوجهوا نحو القبلة .
١٧٨١٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور،
عن معمر، عن قتادة: (( بيوتكم قبلة))، قال ، نحو القبلة .
١٧٨١٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحق، عن أبى سنان، عن
الضحاك: ((وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً))، قال: مساجد
= ((واجعلوا بيوتكم قبلة))، قال : قبل القبلة .
#
٠
*
وقال آخرون : معنى ذلك : واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً .
ذكر من قال ذلك :
#
١٧٨١٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة ، عن عطاء ،
عن سعيد بن جبير: (( واجعلوا بيوتكم قبلة))، قال : يقابل بعضها بعضاً.
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب ، القول الذى قدمنا بيانه
وذلك أن الأغلب من معانى ((البيوت)=وإن كانت المساجد بيوتاً =البيوت المسكونة،
إذا ذكرت باسمها المطلق، دون المساجد. لأن ((المساجد)) لها اسم هى به
معروفة، خاصٌّ لها، وذلك ((المساجد)). فأمّا ((البيوت)) المطلقة بغير وصلها
بشىء، ولا إضافتها إلى شىء ، فالبيوت المسكونة .

١٧٦
:
تفسير سورة يونس : ٨٧
وكذلك ((القبلة))، الأغلب من استعمال الناس إيّاها فى قبل المساجد
وللصلوات .
فإذا كان ذلك كذلك ، وكان غير جائز توجيه معانى كلام اللّه إلاّ إلى
الأغلب من وجوهها، المستعمل بين أهل اللسان الذى نزل به، دون الخفىّ المجهول،
ما لم تأت دلالة تدل على غير ذلك = ولم يكن على قوله: (( واجعلوا بيوتكم قبلة ))،
دلالةٌ تقطع العذرَ بأن معناه غير الظاهر المستعمل فى كلام العرب = لم يجز لنا
١٠٨/١١
توجيهه إلى غير الظاهر الذى وصفنا .
وكذلك القول فى قوله ((قبلة)).
٠ ٠ ٠
= ((وأقيموا الصلاة))، يقول تعالى ذكره: وأُدُّوا الصلاة المفروضة بحدودها
فى أوقاتها . (١)
وقوله: ((وبشر اللّه المؤمنين))، يقولُ جل ثناؤه لنبيه عليه السلام: وبشر
مقسمى الصلاة، المطيعى اللّه، يا محمد، المؤمنين، بالثواب الجزيل منه. (٢)
1
(١) انظر تفسير ((إقامة الصلاة)) فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) .
(٢) انظر تفسير ((التبشير)) فيما سلف ص: ١٢٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

١٧٧
تفسير سورة يونس : ٨٨
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ
ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَّهُ زِينَةً وَأَمْوَلًا فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا
لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَىّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى
قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وقال موسى : يا رَّبنا، إنك أعطيت
فرعون وكبراء قومه وأشرافهم (١) = وهم (الملأ)) = ((زينة))، من متاع الدنيا وأثاثها (٢) =
((وأموالاً ))من أعيان الذهب والفضة = (( فى الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك))،
يقول موسى لربه : ربنا ، أعطيتهم ما أعطيتهم من ذلك ، ليضلُّوا عن سبيلك .
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأه بعضهم: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)، بمعنى: ليضلوا الناسَ عن سبيلك،
ويصدّوهم عن دينك .
#
وقرأ ذلك آخرون: ﴿لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)، بمعنى: ليضلوا هم عن سبيلك،
فيجورُوا عن طريق الهدى . (٣)
فإن قال قائل : أفكان الله جل ثناؤه ، أعطَى فرعون وقومه ما أعطاهم من
زينة الدنيا وأموالها ، ليضلوا الناس عن دينه = أو: ليضلُّوا هم عنه =؟ فإن كان لذلك
أعطاهم ذلك ، فقد كان منهم ما أعطاهم لذلك ، (٤) فلا عتب عليهم فى ذلك ؟
(١) انظر تفسير ((الملأ)) فيما سلف ص: ١٦٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الزينة)) فيما سلف ١٢ : ٣٨٩.
(٣) انظر هاتين القراءتين فى معانى القرآن الفراء ١ : ٤٧٧ .
(٤) فى المطبوعة: ((ما أعطاهم لأجله))، وأثبت ما فى المخطوطة.
ج ١٥ (١٢)

١٧٨
70
تفسير سورة يونس : ٨٨
:
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت . (١) وقد اختلف أهل العلم بالعربية
فى معنى هذه ((اللام)) التى فى قوله: ((ليضلوا)).
فقال بعض نحوبى البصرة : معنى ذلك: ربنا فَضَلُوا عن سبيلك ، كما قال :
﴿فَالْتَقَطَّهُ آلُ فِرْ عَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَا﴾، [سورة القصص: ٨]، أى:
فكان لهم = وهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدواً وحزناً ، وإنما التقطوه فكان لهم . قال :
فهذه ((اللام)) تجىء فى هذا المعنى. (٢)
*
*
وقال بعض نحوبى الكوفة: هذه ((اللام))، (( لام كى))(٣) = ومعنى الكلام:
ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم، كى يضلوا = ثم دعا عليهم.
#
وقال آخر: هذه اللامات فى قوله: ((ليضلوا))، و((ليكون لهم عدواً))، وما أشبهها
بتأويل الخفض: آتيتهم ما آتيتهم لضلالهم = والتقطوه لكونه = لأنه قد آلت
الحالة إلى ذلك. والعرب تجعل ((لام كى))، فى معنى ((لام الخفض) و((لام الخفض))
فى معنى ((لام كى))، لتقارب المعنى، قال الله تعالى: ﴿سَيَخْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ
إِذَا أَنْقَلَبْتُ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِ ضُوا عَنْهُمْ﴾ (٤)، [ سورة التوبة: ٩٥]: أى: الإعراضكم، ولم
يحلفوا لإعراضهم ، وقال الشاعر : (٥)
تَوْتَ وَلَّ تَكُنْ أَهْلاً لِتَسْمُو وَلْكِنَّ الْمُضَّعَ قَدْ يُصَابُ
قال: وإنما يقال: ((وماكنت أهلا للفعل))، ولا يقال: ((لتفعل))، إلا
قليلاً . قال : وهذا منه .
٠
(١) فى المخطوطة، أسقط الناسخ فكتب: ((فلا عتب عليهم فى ذلك بخلاف ما توهمت))، وقد
أصاب ذاشر المطبوعة فيما استظهره من السياق .
(٢) أى معنى العاقبة والمآل.
(٣) هو الفراء فى معانى القرآن ١: ٤٧٧.
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يحلفون بالله)) بغير السين، وهذا حق التلاوة.
(٥) لم أعرف قائله .

١٧٩
تفسير سورة يونس : ٨٨
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندى أنها ((لام كى)) = ومعنى
الكلام : ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتهم فيه ،
ويضلوا عن سبيلك عبادَك، عقوبة منك. وهذا كما قال جل ثناؤه: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ
مَاءٍ غَدَقَاء لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾، [ سورة الجن: ١٦، ١٧].
وقوله: ((ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم )) ، هذا دعاء من موسى ،
دعا الله على فرعون وملأه أن يغيِّر أموالهم عن هيئتها ، ويبدلها إلى غير الحال
التى هى بها، وذلك نحو قوله: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهَا فَرُدَّهَا عَلَى
أُذْبَارِهَا﴾، [سورة النساء: ٤٧]، يعنى به: من قبل أن نغيرها عن هيئتها التى هى بها.
٠
=يقال منه: ((طَمَسْت عينَه أَطْمِسْها وأطمُسُها طَمْساً وطُمُوْساً)).
وقد تستعمل العرب ((الطمس)) فى العفوّ والدثور، وفى الاندقاق والدروس، (١)
كما قال كعب بن زهير :
مِنْ كُلِّ نَصَاحَةِ الذَّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَا طَامِسُ اْأَعْلاَمِ تَجْهُوُلُ(٢)
٠
وقد اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك فى هذا الموضع .
فقال جماعة منهم فيه مثل قولنا .
* ذكر من قال ذلك :
١٠٩/١١
١٧٨٢٠ - حدثنى زكريا بن يحيى بن زائدة قال ، حدثنا حجاج قال ،
حدثنى ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير قال : بلغنا عن القرظى فى قوله :
((ربنا اطمس على أموالهم))، قال: اجعل سُكّرهم حجارة. (٣)
١٧٨٢١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
(١) انظر تفسير ((الطمس)) فيما سلف ٨: ٤٤٤، ٤٤٥.
(٢) سلف البيت وتجريحه وشرحه ٤: ٤٢٤ /٨: ٤٤٤.
(٣) سقط من الترقيم سهواً، رقم : ١٧٨١٩.

١٨٠
تفسير سورة يونس : ٨٨
ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير، عن محمد بن كعب القرظى قال : اجعل
سكرهم حجارة .
١٧٨٢٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن أبى جعفر ،
عن الربيع، عن أبى العالية: ((اطمس على أموالهم))، قال : اجعلها حجارة .
١٧٨٢٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا إسحق
قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس
فى قوله: ((اطمس على أموالهم))، قال: صارت حجارة .
١٧٨٢٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((ربنا اطمس على أموالهم))، قال: بلغنا أن زروعهم تحوّلت حجارة.
١٧٨٢٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن قتادة: ((ربنا اطمس على أموالهم))، قال: بلغنا أن حَرْئاً لهم صارت
حجارة . (١)
١٧٨٢٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان :
((ربنا اطمس على أموالهم )) ، قال: يقولون: صارت حجارة
١٧٨٢٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا يحيى الحمانى
قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن إسمعيل، عن أبى صالح فى قوله: (( ربنا اطمس
على أموالهم )) ، قال : صارت حجارة .
١٧٨٢٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة فى قوله: ((ربنا اطمس على أموالهم))، قال: بلغنا أن حروثاً
لهم صارت حجارة .
١٧٨٢٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال،
حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((ربنا اطمس على
(١) فى المطبوعة: ((حروثاً))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب أيضاً.