Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ تفسير سورة التوبة : ٧٩،٧٨ القول فى تأويل قوله ﴿أَلَمْ يَبْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَجْوَ لُهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ ) (٥) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون باللّه ورسوله سرًّا، ويظهر ون الإيمان بهما لأهل الإيمان بهما جهراً = ((أن الله يعلم سرهم))، الذى يسرُّونه فى أنفسهم ، من الكفر به وبرسوله = ((ونجواهم))، يقول: (( ونجوا هم))، إذا تناجوا بينهم بالطعن فى الإسلام وأهله، وذكر هم بغير ما ينبغى أن يُذكروا به، فيحذروا من الله عقوبته أن يحلّها بهم، وسطوته أن يوقعها بهم ، على كفرهم بالله وبرسوله ، وعيبهم للإسلام وأهله، فينزعوا عن ذلك ويتوبوا منه = ((وأن الله علام الغيوب))، يقول: ألم يعلموا أن اللّه علاَّم ما غاب عن أسماع خلقه وأبصارهم وحواسهم ، مما أكنّته نفوسهم، فلم يظهرْ على جوارحهم الظاهرة، فينهاهم ذلك عن خداع أوليائه بالنفاق والكذب ، ويزجرهم عن إضمار غير ما يبدونه ، وإظهار خلاف ما يعتقدونه ؟(١) * # القول فى تأويل قوله ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّمِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّ جُهْدَهُمْ فَيَمْخَرُونَ ـِنْهُمْ سَخِرَ الهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) )) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : الذين يلمزون المطوّعين فى الصدقة على أهل المسكنة والحاجة بما لم يوجبه الله عليهم فى أموالهم ، ويطعنون فيها عليهم (١) انظر تفسير ((علام الغيوب)) فيما سلف ١١: ٢٣٨، تعليق: ١، والمراجع هناك. ٣٨٢ تفسير سورة التوبة : ٧٩ بقولهم: ((إنما تصدقوا به رياءً وُمْعة، ولم يريدوا وجه اللّه)) (١) = ويلمزون الذين لا يجدون ما يتصدَّقون به إلا جهدهم ، وذلك طاقتهم ، فينتقصونهم ويقولون : ((لقد كان الله عن صدقة هؤلاء غنيًا!))، سخرية منهم بهم = ((فيسخرون منهم سخر الله منهم)). ... وقد بينا صفة (( سخرية اللّه))، بمن يسخر به من خلقه ، فى غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته ههنا . (٢) ٠ ٠ ٠ =(ولهم عذاب أليم))، يقول: ولهم من عند الله يوم القيامة عذابٌ موجع مؤلم. (٣) ٠ ٠ ٠ وذكر أن المعنىّ بقوله: ((المطوعين من المؤمنين))، عبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عدى الأنصارى = وأن المعنىّ بقوله: ((والذين لا يجدون إلا جهدهم))، أبو عقيل الأراشىّ، أخو بنى أنيف . * ذكر من قال ذلك : ١٧٠٠٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: (( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات))، قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبى صلى اللّه عليه وسلم، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام ، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلاّ رياءً! وقالوا : إن كان الله ورسولُهُ لَغْنِيَّيْنِ عن هذا الصاع ! (١) انظر تفسير ((اللمز)» فيما سلف ص: ٣٠٠، ٣٠١. = وانظر تفسير ((التطوع)) فيما سلف ٣: ٢٤٧، ٤٤١، وسيأتى تفسيره بعد قليل ص : ٣٩٣،٣٩٢. (٢) لم يمض تفسير ((سخر))، وإنما عنى أبو جعفر قوله تعالى فى سورة البقرة: (انه يستهزئ بهم)»، انظر ما سلف ١ : ٢٫٠١ - ٣٠٦. (٣) انظر تفسير ((أليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ألم). ٣٨٣ تفسير سورة التوبة : ٧٩ ١٧٠٠٤ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم)) ، وذلك أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى الناس يوماً فنادى فيهم: أن اجمعوا صدقاتكم ! فجمع الناس صدقاتهم. ثم جاء رجل من آخرهم بِمَنُ من تمر، (١) فقال: يا رسول اللّه، هذا صاع من تمرٍ ، بِتُّ ليلى أجرُّ بالجرير الماءَ، (٢) حتى نلت صاعين من تمرٍ، فأمسكت أحدهما، وأتيتك بالآخر. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره فى الصدقات. فسخر منه رجال وقالوا: ((والله إن الله ورسوله لغنيَّان عن هذا! وما يصنعان بصاعك من شىء ))! ثم إن عبد الرحمن بن عوف، رجل من قريش من بنى زهرة ، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل بقى من أحدٍ من أهل هذه الصدقات ؟ فقال: لا ! فقال عبد الرحمن بن عوف : إن عندى مئة أوقية من ذهب فى الصدقات . فقال له عمر بن الخطاب : أمجنون أنت ؟ فقال : ليس بى جنون! فقال: فعلِّمنا ما قلت؟ (٣) قال: نعم! مالى ثمانية آلاف، أما أربعة آلافٍ فأقرضها ربىّ، وأما أربعة آلاف فلى ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت ! وكره المنافقون فقالوا: ((والله ما أعطى عبد الرحمن بن عوف عطيَّته إلاّ رياءَ))! وهم كاذبون، إنما كان به متطوِّعاً، فأنزل الله عذرَه وعذرَ صاحبه المسكين الذى جاء بالصاع من التمر، فقال الله فى كتابه: ((الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين فى الصدقات )) ، الآية . ١٣٥/١٠ (١) فى المطبوعة: ((من أحوجهم بمن من تمر))، غير ما فى المخطوطة بلا طائل، و((المن)) مكيال . (٢) ((الجرير))، الحبل، وأراد أنه أنه كان يستى الماء بالحبل. (٣) فى المطبوعة: ((أتعلم ما قلت))، وفى المخطوطة: ((أفعلمنا ما قلت))، وهذا صواب قراءتها . ٣٨٤ تفسير سورة التوبة : ٧٩ ١٧٠٠٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة ، عن شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين))، قال : جاء عبد الرحمن بن عوف بصدقة ماله أربعة آلاف، فلمزه المنافقون وقالوا : ((راء ى!)) = ((والذين لا يجدون إلا جهدهم))، قال: رجل من الأنصار آجر نفسه بصاع من تمر، لم يكن له غيره ، فجاء به فلمزوه ، وقالوا : كان اللّه غنيًا عن صاع هذا ! ١٧٠٠٦ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، نحوه . ١٧٠٠٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، نحوه . ١٧٠٠٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : قوله: ((الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين))، الآية، قال: أقبل عبد الرحمن ابن عوف بنصف ماله ، فتقرَّب به إلى الله، فلمزه المنافقون فقالوا : ما أعطى ذلك إلا رياء وسمعة! فأقبل رجل من فقراء المسلمين يقال له ((حبحاب، أبوعقيل)) (١) (١) ((حبحاب))، ذكره ابن حجر فى الإصابة فى ((حبحاب))، ثم قال: ((قيل فيه بموحدتين، والأشهر بمثلثتين، وسيأتى)) ولم يذكره فى ((حثحاث)) كما يدل عليه تعقيبه هذا، وإنما ذكره فى ((جثجاث)) بالجيم والثاء المثلثة فيما سلف قبله، وقال هناك: ((قيل: هو اسم أبى عقيل، صاحب الصاع ، ضبطه السهيلى تبعاً لابن عبد البر، وضبطه غير بالحاء المهملة . وقيل فى اسمه غير ذلك. وتأتى ترجمته فى الكنى)). بيد أن الحافظ ابن حجر قال فى فتح البارى ٨: ٢٤٩ : (( وذكر السهيلى أنه رآه بخط بعض الحفاظ مضبوطاً بجيمين)). ولم أجد فى الاستيعاب لابن عبد البر ضبطاً له، وهو مترجم هناك فى ((أبو عقيل صاحب الصاع)) ص : ٦٧٣؛ وهو فى مطبوعة الاستيعاب بالحاء والثاء المثلثة من ضبط مصححه . .وفى السهيلى (الروض الأنف ٢: ٣٣١): ((جثجات))، بالجيم والثاء. وأما صاحب أسد الغابة فيرجم له فى ((أبو عقيل، صاحب الصاع)) (٥: ٢٥٧)، ولم يضبطه، وهو محرف فى المطبوعة. ولكنه أورده فى ((حبحاب)) (بالحاء والباء)، وقال : هو أبو عقيل الأنصارى . أسد الغابة ١ : ٣٦٦ . وترجم له ابن سعد فى الطبقات ٤١/٢/٣ فى ((بنى أنيف بن جشم بن عائذ اللّه، من بلى ، ٣٨٥ تفسير سورة التوبة : ٧٩ فقال : يا نبي الله، بِتُّ أجرُّ الحرير على صاعين من تمر ، أما صاع فأمسكته الأهلى، وأما صاع فها هوذا! فقال المنافقون: ((والله إن اللّه ورسوله لغنيَّان عن هذا!)). فأنزل الله فى ذلك القرآن: ((الذين يلمزون))، الآية. ١٧٠٠٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة: ((الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات))، قال : تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله، وكان ماله ثمانية آلاف دينار، فتصدق بأربعة آلاف دينار ، فقال ناس من المنافقين : إن عبد الرحمن بن عوف لعظيم الرياء! فقال الله: ((الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات)) = وكان لرجل صاعان من تمر ، فجاء بأحدهما ، فقال ناس من المنافقين : إن حلفا بنى جحجبا بن كلفة)) وقال: ((أبو عقيل، واسمه عبد الرحمن الإراشى الأنيفى))، ولم يذكر خبر الصاع . هذا، وقد استوفى الحافظ ابن حجر فى فتح البارى ٨: ٢٤٩، ذكر ((أبى عقيل))، فذكر الاختلاف فى صاحب الصاع ، وهذا ملخصه : الأول: أنه ((الحبحاب، أبو عقيل))، وذكر ما رواه الطبرى هنا وفيما سيأتى، وما رواه غيره. الثانى: أنه ((سهل بن رافع))، وحجته فيه، خبر رواه الطبرانى فى الأوسط من طريق سعيد ابن عثمان البلوى، ((عن جدته بنت عدى أن أمهما عميرة بنت سهل بن رافع صاحب الصاع الذى لمزه المنافقون))، وهكذا قال ابن الكلبى . الثالث: من طريق عكرمة: أنه ((رفاعة بن سهل بن رافع))، وقال: وعند أبى حاتم ((رفاعة ابن سعد))، ويحتمل أن يكون تصحيفاً، ويحتمل أن يكون اسم ((أبى عقيل)) ((سهل))، ولقبه ((حيحاب)) = أو هما اثنان من الصحابة. الرابع: فى الصحابة ((أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة البلوى))، بدرى، لم يسمه موسى ابن عقبة، ولا ابن إسحق، وسماه الواقدى ((عبد الرحمن)). قال: واستشهد باليمامة . قال: وكلام الطبرى يدل على أنه هو صاحب الصاع عنده . وتبعه بعض المتأخرين ، والأول أولى . الخامس: أنه ((عبد الرحمن بن سمحان))؟؟ (هكذا جاء) . السادس: أن صاحب الصاع هو ((أبو خيثمة)): ((عبد الله بن خيثمة، من بنى سالم، من الأنصار))، ودليله ما جاء فى حديث توبة كعب بن مالك، وانظر الأثر رقم : ١٧٠١٦. السابع: عن الواقدى أن صاحب الصاع، هو ((علية بن زيد المحاربى)). وقال الحافظ: ((وهذا يدل على تعدد من جاء بالصاع)). وهذا اختلاف شديد ، يحتاج إلى فضل تحقيق ومراجعة ، قيدته هنا ليكون تذكرة لمن أراد تتبعه وتحقيقه . ح ١٤ (٢٥) ٣٨٦ تفسير سورة التوبة : ٧٩ كان الله عن صاع هذا لغنيًا! فكان المنافقون يطعنون عليهم ويسخرون بهم ، فقال اللّه: (( والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذاب أليم)) . ١٧٠١٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال الأنماطى قال ، حدثنا أبو عوانة، عن [ عمر بن] أبى سلمة ، عن أبيه : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : تصدقوا ، فإنى أريد أن أبعث بعثاً . قال : فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، إن عندى أربعة آلاف ، ألفين أقرضهما اللّه، وألفين لعيالى . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت ! فقال رجل من الأنصار : وإن عندى صاعين من تمرٍ ، صاعاً لربى، وصاعاً لعيالى ! قال: فلمز المنافقون وقالوا : ما أعطى ابن عوف هذا إلاّ رياءً! وقالوا: أو لم يكن اللّه غنيًا عن صاع هذا! فأنزل الله: ((الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين))، إلى آخر الآية . (١) ١٧٠١١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرحمن (١) الأثر: ١٧٠١٠ - ((أبو عوانة))، هو ((الوضاح بن عبد اللّه اليشكرى))، ثقة روى له الجماعة، مضى برقم : ٤٤٩٨، ١٠٣٣٦، ١٠٣٣٧. و ((عمر بن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف))، يضعف ، مضى مراراً ، آخرها رقم : ١٢٧٥٥. وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((أبو عوانة، عن أبى سلمة))، وهو خطأ لا شك فيه، صوابه من إسناده فى تفسير ابن كثير ، ومن مجمع الزوائد . وأبوه ((أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف))، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مراراً ، آخر : ١٢٨٢٢ . خرجه الهيشمى فى مجمع الزوائد ٧ : ٣٢، عن أبى سلمة، وعن أبى هريرة، ثم قال : ((رواه البزار من طريقين: إحداهما متصلة عن أبى هريرة، والأخرى عن أبى سلمة مرسلة. قال: ولم نسمع أحداً أسنده من حديث عمر بن أبى سلمة، إلا طالوت بن عباد . وفيه عمر بن أبى سلمة.، وثقة العجلى، وأبو خيثمة وابن حبان، وضعفه شعبة وغيره. وبقية رجالهما ثقات)). وحديث البزار رواه ابن كثير فى تفسيره ٤: ٢١٢، ٢١٣، وهذا إسناده: ((قال الحافظ أبو بكر البزار ، حدثنا طالوت بن عباد ، حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن أبى سلمة ، عن أبيه ، عن أبى هريرة))، وساق الخبر. ثم قال ابن كثير: ((ثم رواه عن أبى كامل، عن أبى عوانة، عن عمر بن أبى سلمة، عن أبيه مرسلا. قال: ولم يسنده أحد إلا طالوت)). ٣٨٧ تفسير سورة التوبة : ٧٩ ابن سعد قال ، أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس فى قوله: (( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات))، قال: أصاب الناس جَهْدٌ شديد، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدَّقوا ، فجاء عبد الرحمن بأربعمائة أوقية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك له فيما أمسك. فقال المنافقون: ما فعل عبد الرحمن هذا إلاّ رياء وسمعة ! قال : وجاء رجل بصاع من تمر ، فقال: يا رسول الله، آجرت نفسى بصاعين، فانطلقت بصاع منهما إلى أهلى، وجئت بصاع من تمر . فقال المنافقون : إن اللّه غنى عن صاع هذا! فأنزل الله هذه الآية : ((والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم)). (١) ١٣٦/١٠ ١٧٠١٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات))، الآية ، وكان المطوعون من المؤمنين فى الصدقات ، (٢) عبد الرحمن بن عوف ، تصدق بأربعة آلاف دينار ، وعاصم بن عدى أخا بنى العجلان، (٣) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغَّب فى الصدقة، وحضَّ عليها ، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف درهم ، وقام عاصم بن عدى فتصدق بمئة وَسْقٍ من تمر ، فلمزوهما وقالوا : ما هذا إلا رياء ! وكان الذى تصدّق بجهده : أبو عقيل ، أخو بنى أنيف ، الأراشى ، حليف بنى عمرو بن عوف ، (٤) أتى بصاع من تمر فأفرغه فى الصدقة ، فتضاحكوا به وقالوا : إن الله لغنىٌّ عن صاع أبى عقيل !! (٥) (١) الأثر: ١٧٠١١ - ((عبد الرحمن بن سعد))، هو «عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكى الرازى))، مضى برقم : ١٠٦٦٦، ١٠٨٥٥ . (٢) فى المطبوعة: ((من المطوعين))، وكان فى المخطوطة قد كتب ((وكان المطوعين))، ثم عاد بالقلم على الياء فجعلها واواً ، فتصرف الناشر ولم يبال بفعل الناسخ . والذى أثبته مطابق لما فى السيرة. ولذلك غير الناسخ ما بعده فكتب، ((أخو بنى العجلان))، غير ما فى المخطوطة. (٣) فى المطبوعة: ((أخو بنى عجلان))، تصرف تصرفاً معيباً. (٤) قوله: ((الأراشى، حليف بنى عمر بن عوف))، ليس فى المطبوع من سيرة ابن هشام، وانظر التعليق السالف ص : ٣٨٤ ، رقم : ١ (٥) الأثر: ١٧٠١٢ - سيرة ابن هشام ١٩٦:٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٩٩٠. ٣٨٨ تفسير سورة التوبة : ٧٩ ١٧٠١٣ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبوالنعمان الحكم عبدالله قال، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبى وائل، عن أبى مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل (١) = قال أبو النعمان : كنا نعمل = قال : فجاء رجل فتصدق بشىء كثير. قال: وجاء رجل فتصدق بصاع تمر، فقالوا: إن الله لغى" عن صاع هذا! فنزلت: ((الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم)). (٢). ١٧٠١٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيدبن حباب، عن موسى بن عبيدةقال، قال حدثنى خالد بن يسار، عن ابن أبى عقيل ، عن أبيه قال: بتُّ أجرُّ الجرير على ظهرى على صاعين من تمر (٣) ، فانقلبتُ بأحدهما إلى أهلى يتبلَّغون به ، (٤) وجئت بالآخر أتقرّب به ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . (٥) فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: انثره فى الصدقة . فسخر المنافقون منه . وقالوا: (١) قوله ((كنا نحامل))، من ((المحاملة)) وفسره الحافظ ابن حجر فى الفتح فقال: ((أى نحمل على ظهورنا بالأجرة . يقال : حاملت ، بمعنى: حملت، كسافرت . وقال الخطابي : يريد : نتكلف الحمل بالأجرة ، لنكسب ما نتصدق به . ويؤيده فى الرواية الثانية التى بعده - يعنى فى البخارى - حيث قال: انطلق أحدذا إلى السوق فيحامل، أى: يطلب الحمل بالأجرة)). ويبين هذا أيضاً، تفسير أبى النعمان بقوله: ((كنا نعمل))، وهو تفسير فيما أرجح ، لا رواية أخرى فى الخبر . (٢) الأثر: ١٧٠١٣ - ((أبو النعمان))، ((الحكم بن عبد الله الأنصارى))، ثقة، قال البخارى: (( حديثه معروف، كان يحفظ)). وليس له فى صحيح البخارى غير هذا الحديث. مترجم فى التهذيب. و((أبو مسعود))، هو ((أبو مسعود الأنصارى البدرى))، واسمه ((عقبة بن عمرو بن ثعلبة))، صاحب رسول اللّه، شهد العذبة. وكان فى المخطوطة: ((عن ابن مسعود))، وهو خطأ صرف. وهذا الخبر، رواه البخارى فى صحيحه (الفتح ٣: ٢٢٤) من طريق عبيد الله بن سعيد ، عن أبى النعمان الحكم بن عبد الله البصرى، بمثله، وفيه زيادة بعد قوله: ((بشىء كثير))، هى ((فقالوا: مرائى)). ثم رواه البخارى أيضاً فى صحيحه (الفتح ٨ : ٢٤٩) من طريق بشر بن خالد ، عن محمد ابن جعفر ، عن شعبة، عن سليمان ، عن أبى وائل ، عن أبى مسعود ، بغير هذا اللفظ ، وفيه التصريح باسم ((أبى عقيل)) الذى أتى بنصف صاع. ومن هذه الطريق رواه مسلم فى صحيحه ٧ : ١٠٥. ثم انظر: ص : ٣٨٩، تعليق رقم : ٠١ (٣) ((الجرير)): الحبل، وسلف شرحه ص: ٣٨٣، تعليق: ٢. (٤) ((تبلغ ببعض الطعام))، أى: اكتفى به من كثيره، حتى يبلغ ما يشبعه. (٥) قوله: ((إلى رسول الله)، متعلق بقوله: ((جئت))، لا بقوله: ((أتقرب به))، ٣٨٩ تفسير سورة التوبة : ٧٩ لقد كان اللّه غنيًا عن صدقة هذا المسكين! فأنزل الله: (( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات ))، الآيتين . (١) ١٧٠١٥ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا الجريرى ، عن أبى السليل قال: وقف على الحىّ رجل، (٢) فقال: حدثنى أبى أو عمى فقال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: من يتصدق اليوم بصدقة أشهدُ له بها عند الله يوم القيامة؟ قال: وعلىّ عمامة لى. قال: فنزعت لَوْثاً أو لوثين لأتصدق بهما ، (٣) قال: ثم أدركنى ما يدرك ابن آدم، فعصبت بها رأسى. قال: فجاء أى : جئت به إلى رسول الله، أتقرب به إلى الله . (١) الأثر: ١٧٠١٤ - ((موسى بن عبيدة بن نشيط الربذى))، ضعيف بمرة ، لا تحل الرواية عنه، كما قال أحمد. مضى مراراً ، آخرها رقم : ١١٨١١. وأما ((خالد بن يسار))، الذى روى عن ابن أبى عقيل، وروى عنه ((موسى بن عبيدة))، فلم أجد له ترجمة ولا ذكر. وهناك ((خالد بن يسار))، روى عن أبى هريرة، روى عنه شعيب ابن الحبحاب ، ولا أظنه هو هو ، وهذا أيضاً قالوا : هو مجهول . وأما ((ابن أبى عقيل))، فاسمه ((رضى بن أبى عقيل))، مترجم فى الكبير ٣١٣/١/٢، وابن أبى حاتم ٥٢٣/١/٢، قالا: ((روى عن أبيه، وروى عنه محمد بن فضيل))، ولم يذكر فيه جرحاً . و ((أبو عقيل))، مضى ذكره، وهو مترجم فى الكنى البخارى: ٦٢، وابن أبى حاتم ٤ /٤١٦/٢، وقالا : روى عنه ابنه : رضى بن أبى عقيل. وهذا خبر ضعيف الإسناد جداً، لضعف ((موسى بن عبيدة))، وللمجهول الذى فيه ، وهو ((خالد بن يسار)) . بيد أن الهيشى فى مجمع الزوائد ٧ : ٣٢، ٣٣، روى هذا الخبر، بنحو لفظه، ثم قال : ((رواه الطبرانى، ورجاله ثقات، إلا خالد بن يسار، لم أجد من وثقه ولا جرحه)). فلا أدرى أرواه عن ((خالد بن يسار))، أحد غير ((موسى بن عبيدة)) فى إسناد الطبرانى، أم رواه ((موسى ابن عبيدة))، فإن يكن ((موسى)) هو راويه، فقد سلف مراراً أن ضعفه الهيشمى. والظاهر أنه من رواية ((موسى))، لأن رأيت ابن كثير فى تفسيره ٤: ٢١٣، نقل هذا الخبر عن الطبرى ، ثم قال: ((وكذا رواه الطبرانى من حديث زيد بن الحباب، به . وقال: اسم أبى عقيل حباب (حبحاب)، ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة)) (انظر ص: ٣٨٣، تعليق: ٢. فهذا دال على أن فى إسناد الطبرانى (( موسى بن عبيدة))، الضعيف بمرة . (٢) فى المسند: ((وقف علينا رجل فى مجلسنا بالبقيع))، واختلف لفظ الخبر بعد. (٣) ((لاث العمامة على رأسه، يلوثها)) أى: عصبها ولفها وأدارها. و((الوث)): اللفة من لفائف العمامة . ٣٩٠ تفسير سورة التوبة : ٧٩ رجل لا أرى بالبقيع رجلاً أقصرَ قِمَّة، (١) ولا أشدَّ سواداً، ولا أدَمَّ بعينٍ منه، (٢) يقود ناقة لا أرى بالبقيع أحسن منها ولا أجمل منها . قال: أصدقةٌ هى، يا رسول اللّه ؟ قال: نعم! قال: فدُ ونَكها ! (٣) فألقى بخطامها = أو: بزمامها (٤) - قال: فلمزة رجل جالسٌ فقال: والله إنه ليتصدّق بها، ولهى خيرٌ منه! فنظر إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل هو خير منك ومنها! (٥) يقول ذلك ثلاثاً صلى الله عليه وسلم. (٦) ١٧٠١٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى يونس ، عن ابن شهاب قال ، أخبرنى عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك يقول : الذى تصدّق بصاع التمر فلمزه المنافقون: ((أبو خيثمة الأنصارى)). (٧) (١) ((القمة)) بالكسر، شخص الإنسان إذا كان قائماً، وهى ((القامة)). وهذا هو المراد هنا. و ((القمة)) أيضاً، رأس الإنسان، وليس بمراد هنا. (٢) فى المطبوعة: ((ولا أذم لعينى منه))، وهو فاسد، غير ما فى المخطوطة. وهذه الجملة فى مسند أحمد محرفة: ((ولا آدم يعير بناقة))، وفى تفسير ابن كثير نقلا عن المسند: ((ولا أذم ببعير ساقه))، فزاده تحريفاً . والصواب ما فى تفسير الطبرى . ((ولا أدم)) من ((الدمامة))، ((دم الرجل يدم دمامة))، وهو القصر والقبح. وفى حديث ابن عمر: ((لا يزوجن أحدكم ابنته بدميم)). (٣) ((دونكها))، أى : خذها. (٤) فى المخطوطة: ((فألقى الله بخطامها أو بزمامها))، وهو خطأ ظاهر، صوابه ما أثبت. ولكن ناشر المطبوعة حذف فكتب: ((فألقى بخطامها)). (٥) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يقول ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم))، وهو تحريف من الناسخ، وصوابه ما أثبت، وذلك أنه رأى فى النسخة التى نقلنا عنها: ((يقول ذلك بما)) فقرأها ((نبينا))، وصوابه ((ثلثاً))، كما كانو يكتبونها بحذف الألف . واستظهرت ذلك من حديث أحمد فى المسند قال: ((ثلاث مرات). (٦) الأثر: ١٧١٥ - ((أبو السليل))، هو: ((ضريب بن نقير بن سمير القيسى الجريرى))، ثقة. روى عن سعيد الجريرى وغيره. مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٤٣/٢/٢، وابن أبي حاتم ٠٤٧٠/١/٢ وهذا الخبر رواه أحمد فى المسند ٥ : ٣٤، ونقله عنه ابن كثير فى تفسيره ٤ : ٢١١، ٢١٢، بزيادة ، واختلاف فى بعض لفظه ، كما أشرت إليه آنفاً فى التعليقات . (٧) الأثر: ١٧٠١٦ - ((عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارى))، ثقة . مضى برقم: ١٦١٤٧ . وانظر ما سلف ج ١٣ : ٥٦٧ ، تعليق : ١ . ٣٩١ تفسير سورة التوبة : ٧٩ ١٧٠١٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا محمد بن رجاء أبو سهل العبادانى قال ، حدثنا عامر بن يساف اليمامى ، عن يحيى بن أبى كثير اليمامى قال : جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول الله، مالى ثمانية آلاف، جئتك بأربعة آلاف، فأجعلها فى سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله ١٣٧/١٠ فيما أعطيت وفيما أمسكت! وجاء رجل آخر فقال: يا رسول اللّه، بتُّ الليلة أجرُّ الماء على صاعين ، فأما أحدهما فتركت لعيالى وأما الآخر فجئتك به ، أجعله فى سبيل الله، فقال: بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت ! فقال ناس من المنافقين: والله ما أعطى عبد الرحمن إلا رياءً وسمعة، ولقد كان الله ورسوله غنيَّين عن صاع فلان! فأنزل الله: ((الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين فى الصدقات))، يعنى عبد الرحمن بن عوف: (( والذين لا يجدون إلا جهدهم)) ، يعنى صاحب الصاع =((فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم)). (١) ١٧٠١٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال ، قال ابن عباس : أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يجمعوا صدقاتهم، وإذا عبد الرحمن بن عوف قد جاء بأربعة آلاف، فقال: هذا مالى أقرِضُه اللّه، وقد بقى لى مثله . فقال له : بورك لك فيما أعطيت وفيما أمسكت ! فقال المنافقون: ما أعطى إلاّ رياءً، وما أعطى صاحبُ الصّاع إلا رياءً، إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا! وما يصنع اللّه بصاع من شىء ! (١) الأثر: ١٧٠١٧ - ((ومحمد بن رجاء))، ((أبو سهل العبادانى))، لم أجد له ترجمة فيما بين يدى من المراجع . و((عامر بن يساف اليمامى))، وهو ((عامر بن عبد الله بن يساف)) وثقه ابن معين وغيره، وقال ابن عدى: ((منكر الحديث عن الثقات. ومع ضعفه يكتب حديثه)). مترجم فى ابن أبى حاتم ٣٢٩/١/٣، وميزان الاعتدال ٢: ٧، وتعجيل المنفعة: ٢٠٦، ولسان الميزان ٣ : ٢٢٤. و ((يحيى بن أبي كثير اليمامى))، ثقة، روى له الجماعة، مضى مراراً، آخرها رقم : ١٢٧٦٠. ٣٩٢ تفسير سورة التوبة : ٧٩ ١٧٠١٩ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات))، إلى قوله: ((ولهم عذاب أليم)) ، قال : أمر النبى عليه الصلاة والسلام المسلمين أن يتصدّقوا ، فقال عمر بن الخطاب: فألفى ذلك مالى وافرًا، فآخذ نصفه. (١) قال: فجئت أحمل مالاً كثيراً . فقال له رجل من المنافقين: ترائِى يا عمر! فقال: نعم ، أرائى الله ورسوله، (٢) وأما غيرهما فلا! قال: ورجلٌ من الأنصار لم يكن عنده شيء ، فواجَرَ نفسه ليجرّ الجرير على رقبته بصاعين ليلته، (٣) فترك صاعاً لعياله، وجاء بصاع يحمله ، فقال له بعض المنافقين : إن الله ورسوله عن صاعك لغنيًّان! فذلك قول الله تبارك وتعالى: ((الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين فى الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم))، هذا الأنصارى = ((فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم )). وقد بينا معنى ((اللمز)) فى كلام العرب بشواهده وما فيه من اللغة والقراءة فيما مضى. (٤) وأما قوله: ((المطوّعين))، فإن معناه: المتطوعين، أدغمت التاء فى (١) فى المطبوعة: ((فقام عمر بن الخطاب، فألفى مالا وافراً، فأخذ نصفه))، لم يحسن. قراءة ما فى المخطوطة، فحرف وبدل وحذف، وأساء بما فعل غاية الإساءة . وإنما هذا قول عمر ، يقول : فألفى هذا الأمر بالصدقة ، مالى وافراً ، فآخذ نصفه . (٢) فى المطبوعة: ((فقال عمر: أرانى الله ... ، وفى المخطوطة: ((فقال نعم: إن الله ورسوله))، لم يحسن كتابتها، وأثبت الصواب من الدر المنثور ٣ : ٢٦٣. (٣) فى المطبوعة: ((فآجر نفسه))، وهى الصواب المحض، من قولهم: ((أجر المملوك يأجره أجراً، فهو مأجور)) و((آجره إيجاراً، ومؤاجرة)). وأماما أثبته عن المخطوطة، فليس بفصيح، وإنما هو قياس ضعيف على قولهم فى: ((آمرته))، ((وامرته))، وقولهم فى ((آكله))، ((واكله)) على البدل، وذلك كله ليس بفصيح ولا مرضى . وإنما أثبتها لوضوحها فى المخطوطة ، ولأنه من الكلام الذى يقال مثله . (٤) انظر تفسير ((اللمز)) فيما سلف ص: ٣٠٠، ٣٨٢٠٢٣٠١ ٣٩٣ تفسير سورة التوبة : ٧٩ الطاء، فصارت طاء مشددة، كما قيل: ﴿وَمَنْ يَطَوَّعْ خَيْراً﴾ [سورة البقرة: ١٥٨]،(١) يعنى: يتطوَّع. (٢) وأما ((الجهد))، فإن للعرب فيه لغتين. يقال: ((أعطانى من جُهْده))، بضم الجيم، وذلك فيما ذكر، لغة أهل الحجاز = ومن ((جَهْدِه)) بفتح الجيم ، وذلك لغة نجد . (٣) وعلى الضم قراءة الأمصار، وذلك هو الاختيار عندنا، لإجماع الحجة من القرأة عليه. وأما أهل العلم بكلام العرب من رواة الشعر وأهل العربية ، فإنهم يزعمون أنها مفتوحة ومضمومة بمعنى واحد ، وإنما اختلاف ذلك لاختلاف اللغة فيه ، كما اختلفت لغاتهم فى ((الوَجْد))، ((والوُجْد)) بالضم والفتح، من: ((وجدت)). (٣) وروى عن الشعبى فى ذلك ما : - ١٧٠٢٠ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح ، عن عيسى ابن المغيرة، عن الشعبى قال: ((الجَهْدُ))، و((الجُهْد))، الجَهْد فى العمل ، والجُهْد فى القوت . (٤) ١٧٠٢١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص ، عن عيسى بن المغيرة ، عن الشعبى ، مثله . (١) هذه القراءة، ذكرها أبو جعفر فيما سلف ٣ : ٢٤٧، وهى قراءة عامة قرأة الكوفيين. وأما قراءتنا فى مصحفنا اليوم: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾. (٢) انظر تفسير ((التطوع)) فيما سلف ٣: ٢٤٧، ١٤/٤٤١: ٣٨٢، وانظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٤٧ . (٣) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٤٤٧، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٦٤، وما سلف ص : ٣٨٢ (٤) فى المطبوعة، حذف قوله: ((الجهد، والجهد)) وجعل ((فالجهد))، ((الجهد))، وبدأ به الكلام . وأثبت ما فى المخطوطة. ٣٩٤ تفسير سورة التوبة : ٨٠،٧٩ ١٧٠٢٢ -.... قال ، حدثنا ابن إدريس، عن عيسى بن المغيرة، عن الشعبى قال : الجَهْد فى العمل، والجُهد فى القِيتَة. (١) * القول فى تأويل قوله ﴿أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَشْتَغْفِرْ لَهُمْ سَيِْيْنَ مَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ، وَاللهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفُسِقِينَ ﴾ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : ادع الله لهؤلاء المنافقين ، الذين وصفت صفاتهم فى هذه الآيات (٢)، بالمغفرة، أو لا تدع لهم بها . وهذا كلام خرج مخرج الأمر ، وتأويله الخبر ، ومعناه : إن استغفرت لهم ، يا محمد، أو لم تستغفر لهم ، فلن يغفر الله لهم . وقوله: ((إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم))، يقول : إن تسأل لهم أن تُسْتَر عليهم ذنوبهم بالعفو منه لهم عنها ، وترك فضيحتهم بها، فلن يستر الله عليهم ، ولن يعفو لهم عنها ، ولكنه يفضحهم بها على رؤوس الأشهاد يوم القيامة (٣) = ((ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله))، يقول جل ثناؤه: هذا الفعل من الله بهم ، ١٣٨/١٠ وهو ترك عفوه لهم عن ذنوبهم ، من أجل أنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله = ((والله لا يهدى القوم الفاسقين))، يقول: والله لا يوفق للإيمان به وبرسوله، (٤) (١) فى المطبوعة: ((والجهد فى المعيشة))، لم يحسن قراءة المخطوطة، فغيرها. و((القوت)) و ((القيت)) (بكسر القاف) و((القيتة)) (بكسر القاف)، كله واحد ، وهو المسكة من الرزق ، وما يقوم به بدن الإنسان من الطعام . (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وصف صفاتهم))، وما أثبت أبين. (٣) انظر تفسير ((الاستغفار)) و((المغفرة)) فيما سلف من فهارس اللغة (غفر). (٤) انظر تفسير ((الهدى)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى). ٣٩٥ تفسير سورة التوبة : ٨٠ من آثر الكفر به والخروج عن طاعته، على الإيمان به وبرسوله . (١) ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حين نزلت هذه الآية قال : (أزيدن" فى الاستغفار لهم على سبعين مرة)، رجاءً منه أن يغفر الله لهم، فنزلت: ﴿سَوَاءِ عَلَيْهِمْ أَسْتَغَفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَ تَسْتَغَفِرْ لَهُمْ ◌َنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [ سورة المنافقون: ٩ ]. ١٧٠٢٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان ، عن هشام أبن عروة ، عن أبيه : أن عبد الله بن أبى ابن سلول قال لأصحابه : لولا أنكم تُنْفقون على محمد وأصحابه لا نفَضُوا من حوله! وهو القائل: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَمُخْرِ جَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلِّ﴾ [سورة المنافقون: ٨]، فأنزل الله: ((استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فان يغفر الله لهم))، قال النبى صلى الله عليه وسلم: لأزيدنّ على السبعين! فأنزل الله: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. فأبى الله تبارك وتعالى أن يغفر لهم . ١٧٠٢٤ - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن شباك ، عن الشعبى قال : دعا عبد الله بن عبد الله بن أبى ابن سلول النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم إلى جنازة أبيه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أنت ؟ قال : حُباب بن عبد اللّه بن أبىّ . فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: بل أنت عبد الله بن عبد الله بن أبى ابن سلول، إن ((الحُبَاب))هو الشيطان. (٢) ثم قال النبى عليه السلام: إنه قد قيل لى: (( استغفرلهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم))، فأنا أستغفر لهم سبعين وسبعين وسبعين ، وألبسه النبي صلى اللّه عليه وسلم قميصَه وهو عَرِقٌ . (١) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف: ٣٣٩، تعليق: ٢؛ والمراجع هناك. (٢) ((الحباب)) (بضم الحاء)، الحية، قال ابن الأثير: ((ويقع على الحية أيضاً، كما يقال لها شيطان ، فهما مشتركان فيه)» . ٣٩٦ تفسير سورة التوبة : ٨٠ ١٧٠٢٥ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((إن تستغفر لهم سبعين مرة ))، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: سأزيد على سبعين استغفارة! فأنزل الله فى السورة التى يذكر فيها المنافقون: ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللّهَ لَهُمْ﴾، عزماً (١) ١٧٠٢٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله . ١٧٠٢٧ - قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء ، . عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه . ١٧٠٢٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ، نحوه . ١٧٠٢٩ -.... قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن الشعبى قال: لما تَقُل عبد اللّه بن أبىّ، انطلق ابنه إلى النبى صلى اللّه عليه وسلم فقال له: إن أبى قد احْتُضِير، فأحبُّ أن تشهده وتصلىّ عليه! فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ما اسمك ؟ قال : الحُباب بن عبد الله. قال : بل أنت عبد الله بن عبد الله بن أبى، إن ((الحباب)) اسم شيطان . قال : فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو عَرِق، وصلى عليه ، فقيل له: أتصلى عليه وهو منافق؟ فقال: إن اللّه قال: ((إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم))، ولأستغفرن له سبعين وسبعين ! = قال هشيم: وأشكُّ فى الثالثة. ١٧٠٣٠ - حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی أبی قال ، حدثی عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((استغفر لهم أو لا تستغفر لهم)) إلى قوله: ((القوم الفاسقين))، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية: أسمعُ ربّى قد رَخّص لى فيهم، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة، (١) ((عزما))، يعنى توكيداً، وحقاً واجباً. ٣٩٧ تفسير سورة التوبة : ٨٠ ، ٨١ فلعل الله أن يغفر لهم! فقال الله، من شدة غضبه عليهم: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ أَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [سورة المنافقون: ٦]. ١٧٠٣١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ))، فقال نبى الله: قد خيَّنى ربى، فلأزيدنهم على سبعين ! فأنزل الله : ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ ، الآية. ١٧٠٣٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة: لما نزلت: ((إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم))، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لأزيدنّ على سبعين! فقال الله: ﴿سَوَاءٌ عَلْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ . القول فى تأويل قوله ﴿ فَرِحَ الْمُغَفُونَ بِمَتْعَدِهِمْ خِلْفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوَأْ أن يُتُمِدُواْ بِأَمْوَ لِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٣٩/١٠ اللهِ وَقَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِى الْخَرِّ قُلْ نَرُ جَهَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ﴾ (٨) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فرح الذين خلَّفهم اللّه عن الغزو مع رسوله والمؤمنين به وجهاد أعدائه = ((بمقعدهم خلاف رسول الله))، يقول: بجلوسهم فى منازلهم (١) = ((خلاف رسول اللّه))، يقول: على الخلاف ارسول الله فى جلوسه (١) انظر تفسير ((القعود)) فيما سلف ٩: ١٤/٨٥ : ٢٧٧ ٣٩٨ تفسير سورة التوبة : ٨١ ومقعده. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالنَّفْر إلى جهاد أعداء اللّه، فخالفوا أمْرَه وجلسوا فى منازلهم . * * وقوله: ((خلاف))، مصدر من قول القائل: ((خالف فلان فلاناً فهو يخالفه خلافاً))، فلذلك جاء مصدره على تقدير ((فعال))، كما يقال: ((قاتله فهو يقاتله قتالاً))، ولو كان مصدراً من ((خَلَفه)) لكانت القراءة: ((بمقعدهم خَلْفَ رسول الله))، لأن مصدر: ((خلفه))، ((خلفٌ) لا ((خلاف))، ولكنه على ما بينت من أنه مصدر: ((خالف))، فقرئ: ((خلاف رسول اللّه))، وهى القراءة التى عليها قرأة الأمصار ، وهى الصواب عندنا . وقد تأول ذلك بعضهم بمعنى: (( بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم))، (١) واستشهد على ذلك بقول الشاعر : (٢) عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلَافَهُمْ، فَكَأَنَّمَا بَسَطَ الشَّوَاطِبُ بْنَهُنَّ حَصِيرًا(٢) (١) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١ : ٢٦٤. (٢) هو الحارث بن خالد المخزومى . (٣) الأغانى ٣: ٣٣٦ (دار الكتب) ١٥: ١٢٨ (ساسى)، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢٦٤، واللسان (عقب)، (خلف)، من قصيدة روى بعضها أبو الفرج فى أغانيه، يقوله فى عائشة بنت طلحة تعريضاً ، وتصريحاً ببسرة جاريتها ، يقول قبله : فَلَقَد عَهِدتُكَ آهلاً مَعْمورَا يَارَبْعِ بُسْرَةَ إن أضَرَّ بِكَ البِلَى ورواية أبى الفرج ((عقب الرذاذ))، و((الرذاذ)) صغار المطر. وأما ((الربيع))، فهو المطر الذى يكون فى الربيع. قال أبو الفرج الأصبهانى: ((وقوله : عقب الرذاذ، يقول: جاء الرذاذ بعده . ومنه يقال : عقب لفلان غنى بعد فقر = وعقب الرجل أباه : إذا قام بعده مقامه . وعواقب الأمور ، مأخوذة منه، واحدتها عاقبة ... والشواطب: النساء اللواتى يشطبن لحاء السعف ، يعملن منه الحصر . ومنه السيف المشطب، والشطيبة : الشعبة من الشىء . ويقال : بعثنا إلى فلان شطيبة من خيلنا ، أى: قطعة)). قلت: وإنما وصف آثار الغيث فى الديار ، فشبه أرضها بالحصر المنمقة، الطرائق التى تبقى فى الرمل بعد المطر. ٣٩٩ تفسير سورة التوبة : ٨١ وذلك قريبٌ لمعنى ما قلنا ، لأنهم قعدوا بعده على الخلافِ له . وقوله: ((وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل اللّه))، يقول تعالى ذكره: وكره هؤلاء المخلفون أن يغزُوا الكفار بأموالهم وأنفسهم(١) = ((فى سبيل اللّه))، يعنى: فى دين الله الذى شرعه لعباده لينصروه، (٢) وميلاً إلى الدعة والخفض ، وإيثارًا للراحة على التعب والمشقة ، وشحًا بالمال أن ينفقوه فى طاعة الله . * = ((وقالوا لا تنفروا فى الحر))، وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم استنفرهم إلى هذه الغزوة، وهى غزوة تبوك، فى حرّ شديد، (٣) فقال المنافقون بعضهم لبعض: (( لا تنفروا فى الحر))، فقال الله لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: ((قل)) لهم، يا محمد = ((نار جهنم))، التى أعدّها اللّه لمن خالف أمره وعصى رسوله = (( أشد حرًّا))، من هذا الحرّ الذى تتواصون بينكم أن لا تنفروا فيه. يقول: الذى هو أشد حرًّاً، أحرى أن يُحذر ويُتَّقَى، من الذى هو أقلهما أذَّى = ((لو كانوا يفقهون))، يقول: لو كان هؤلاء المنافقون يفقهون عن اللّه وعظه، ويتدبَّرون آى كتابه، (٤) ولكنهم لا يفقهون عن الله، فهم يحذرون من الحرّ أقله مكروهاً وأخفَّه أذَّى ، ويواقعون أشدَّه مكروهاً (٥)، وأعظمه على من يصلاه بلاءً. * وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : (١) انظر تفسير ((الجهاد)) فيما سلف ص: ٣٥٨، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((سبيل الله)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل). (٣) انظر تفسير ((النفر)) فيما ملف ٥٨: ١٤/٥٣٦: ٢٥١، ٢٥٤ (٤) انظر تفسير ((فقه)) فيما سلف ص: ٥١، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٥) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ويوافقون أشده مكروهاً))، وهو خطأ من الناسخ، والصواب ما أثبت . ٤٠٠ تفسير سورة التوبة : ٨١ ١٧٠٣٣ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله)) إلى قوله: ((يفقهون))، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَ الناس أن ينبعثوا معه ، وذلك فى الصيف ، فقال رجال : يا رسول الله ، الحرُّ شديدٌ، ولا نستطيع الخروجَ، فلا تنفر فى الحرّ! فقال الله: ((قل نار جهنم أشد حرًّا لو كانوا يفقهون))، فأمره الله بالخروج. ١٧٠٣٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة فى قوله: ((بمقعدهم خلاف رسول اللّه))، قال: هى غزوة تبوك . (١) ١٧٠٣٥ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظى وغيره قالوا : خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى حرٍّ شديدٍ إلى تبوك، فقال رجل من بنى سَلِمة: لا تنفروا فى الحرّ! فأنزل الله: ((قل نار جهنم))، الآية . ١٧٠٣٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال : [ثم] ذكر قول بعضهم لبعض، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاد ، وأجمع السير إلى تبوك ، على شدّة الحرّ وجدب البلاد . يقول الله جل ثناؤه: ((وقالوا لا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أشد حرًّا)). (٢) (١) فى المطبوعة: ((من غزوة تبوك))، والصواب ما فى المخطوطة. (٢) الأثر: ١٧٠٣٦ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٦، وهو تابع الأثر السالف رقم : ١٧٠١٢ ٠ والزيادة بين القوسين منه .