Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ تفسير سورة التوبة : ٦٠ مندل ، عن ليث، عن مجاهد: ((وابن السبيل))، قال : لابن السبيل حق من الزكاة وإن كان غنيًّا، إذا كان مُنْقَطَعَاً به. ١٦٨٨١ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا معقل بن عبيد اللّه قال: سألت الزهرى عن ((ابن السبيل))، قال: يأتى علىَّ ابن السبيل وهو محتاج. قلت : فإن كان غنيًا ؟ قال : وإن كان غنياً . ١٦٨٨٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ((وابن السبيل))، الضيف ، جعل له فيها حق . ١٦٨٨٣ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال [ابن زید]: (( ابن السبيل))، المسافر من كان ، غنيًّا أو فقيرًا، إذا أصيبت نفقته أو فقدت ، أو أصابها شىء، أو لم يكن معه شىء ، فحقه واجب . (١) ١٦٨٨٤ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، أنه قال : فى الغنى إذا سافر فاحتاج فى سفره ، قال : يأخذ من الزكاة . ١٦٨٨٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن جابر ، عن أبى جعفر قال: ((ابن السبيل))، المجتاز من الأرض إلى الأرض. * * وقوله: ((فريضة من اللّه))، يقول جل ثناؤه: قَسْمٌ قسمه اللّه لهم، فأوجبه فى أموال أهل الأموال لهم (٢) = ((والله عليم))، بمصالح خلقه فيما فرض لهم ، وفى غير ذلك ، لا يخفى عليه شيء . فعلى علم منه فرض ما فرض من الصدقة ، وبما فيها من المصلحة = ((حكيم))، فى تدبيره خلقه، لا يدخل فى تدبيره خلل. (٣) (١) الأثر: ١٦٨٨٣ - فى المطبوعة والمخطوطة: ((قال قال ابن السبيل ... ))، والزيادة بين القوسين من إسناده قبل، وهو إسناد دائر فى التفسير ، أقربه رقم : ١٦٨٧٦ . (٢) انظر تفسير ((الفريضة)) فيما سلف ٩: ٢١٢، تعليق: ١، والمرجع هناك. (٣) انظر تفسير ((عليم)) و((حكيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (علم)، (حكم) . ج ١٤ (٢١) ٣٢٢ تفسير سورة التوبة : ٩٠ واختلف أهل العلم فى كيفية قسم الصدقات التى ذكرها الله فى هذه الآية ، وهل يجب لكل صنف من الأصناف الثمانية فيها حق ، أو ذلك إلى رب المال ؟ ومن يتولى قسمها ، فى أن له أن يعطى جميعَ ذلك من شاء من الأصناف الثمانية . فقال عامة أهل العلم: للمتولى قسمُها ووضعُها فى أىِّ الأصناف الثمانية شاء . وإنما سمَّى اللّه الأصناف الثمانية فى الآية، إعلاماً منه خلقه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف الثمانية إلى غيرها ، لا إيجاباً لقسمها بين الأصناف الثمانية الذين ذكرهم . ذكر من قال ذلك : # ١٦٨٨٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هرون، عن الحجاج بن أرطاة، عن المنهال بن عمرو، عن زرّ بن حبيش، عن حذيفة فى قوله: ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها))، قال: إن شئت جعلته فى صنف واحد ، أو صنفين ، أو لثلاثة . ١٦٨٨٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن الحجاج ، عن المنهال ، عن زر ، عن حذيفة قال : إذا وضعتها فى صنف واحد أجزأ عنك . ١٦٨٨٨ -.... قال، حدثنا جرير، عن ليث ، عن عطاء ، عن عمر : ((إنما الصدقات للفقراء))، قال: أيُّما صنف أعطيته من هذا أجزأك . ١٦٨٨٩ -.... قال حدثنا ابن نمير، عن عبد المطلب، عن عطاء : ((إنما الصدقات للفقراء))، الآية ، قال: لو وضعتها فى صنف واحد من هذه الأصناف أجزأك . ولو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعفّفين فجبرتهم بها ، كان أحبَّ إلىّ. ١٦٨٩٠ -.... قال أخبرنا جرير ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير : ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين وابن السبيل))، فأىَّ صنف أعطيته من هذه ١٠١٦/١٠ الأصناف أجزأك. ٣٢٣ تفسير سورة التوبة : ٦٠ ١٦٨٩١ -.... قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء ، عن سعيد ابن جبير ، عن ابن عباس، مثله . ١٦٨٩٢ -.... قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهم: ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها))، قال: إنما هذا شىء أعلمَهُ، فأىّ صنف من هذه الأصناف أعطيته أجزأ عنك . .. قال ، حدثنا أبى ، عن شعبة ، عن الحكم، عن إبراهيم : ((إنما الصدقات للفقراء))، قال: فى أىّ هذه الأصناف وضعتها أجزاك. ١٦٨٩٤ -.... قال ، حدثنا أبى ، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: إذا وضعتها فى صنف واحد مما سمَّى اللّه أجزأك . ١٦٨٩٥ -.... قال، حدثنا أبى ، عن أبى جعفر الرازى ، عن الربيع ابن أنس ، عن أبى العالية قال : إذا وضعتها فى صنف واحد مما سمَّى اللّه أجزأك . ١٦٨٩٦ -.... قال، حدثنا خالد بن حيان أبو يزيد، عن جعفر بن يرقان، عن ميمون بن مهران: ((إنما الصدقات للفقراء))، قال: إذا جعلتها فى صنف واحد من هؤلاء أجزأ عنك . (١) .. قال، حدثنا محمد بن بشر ، عن مسعود ، عن عطاء ، ١٦٨٩٧ - . عن سعيد بن جبير: ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين))))، الآية، قال : أعلمَ أهلَها مَنْ هُمْ. ١٦٨٩٨ -.... قال، حدثنا حفص، عن ليث، عن عطاء ، عن عمر : أنه كان يأخذ الفرْض فى الصدقة ، ويجعلها فى صنف واحد . ٠ ٠ ٠ وكان بعض المتأخرين يقول: إذا تولى رب المال قَسْمها ، كان عليه وضعها فى ستة أصناف، وذلك أن المؤلفة قلوبهم عنده قد ذهبوا ، وأنّ سهم العاملين (١) الأثر: ١٦٨٩٦ - ((خالد بن حيان الرق))، أبو يزيد الكندى الخراز، ثقة، متكلم فيه ، مترجم فى التهذيب، والكبير ١٣٣/١/٢، وابن أبى حاتم ٣٢٦/٢/١. ٣٢٤ تفسير سورة التوبة : ٦٠ ، ٦١ يبطل بقسمه إياها . ويزعم أنه لا يجزيه أن يعطى من كل صنف أقل من ثلاثة أنفس . وكان يقول : إن تولى قَسْمها الإمامُ، كان عليه أن يقسمها على سبعة أصناف ، لا يجزى عنده غير ذلك . ... القول فى تأويل قوله ﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىِّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِيْنَ وَرَحْمَةٌ لِلِّينَ ءامَنُواْ مِنَكُمْ﴾ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن هؤلاء المنافقين جماعة يؤذون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويعيبونه (١) = ((ويقولون هو أذن))، سامعةٌ، يسمع من كل أحدٍ ما يقول ، فيقبله ويصدِّقه . وهو من قولهم: ((رجل أذنة))، مثل ((فعلة))، (٢) إذا كان يسرع الاستماع والقبول، كما يقال: ((هويَقّن، ويَقِن)) إذا كان ذا يقين بكل ما حُدّث. وأصله من ((أذن له بأذَن))، إذا استمع له. ومنه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أذنَ اللّه لشىء كأذنه لنبىّ يتغنى بالقرآن))، (٣) ومنه قول عدى بن زيد : (١) انظر تفسير ((الأذى)) فيما سلف ٨: ٨٤ - ٨٦، وص: ٨٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك . (٢) هكذا جاء فى المطبوعة والمخطوطة: ((رجل أذنة مثل فعلة))، وهذا شىء لم أعرف ضبطه، ولم أجد له ما يؤيده فى مراجع اللغة، والذى فيها أنه يقال: ((رجل أذن)) (بضم فسكون) و ((أذن)) (بضمتين)، ولا أدرى أهذه على وزن ((فعلة)) (بضم ففتح): ((همزة)» و«لمزة»، أم على نحو وزن غيره . وأنا فى ارتياب شديد من صواب ما ذكره هنا، وأخشى أن يكون سقط من الناسخ شىء ، أو أن يكون حرف الكلام . (٣) هذا الحديث، استدل به بغير إسناد، وهو حديث صحيح، رواه مسلم فى صحيحه (٦: ٧٨، ٧٩) من حديث أبى هريرة. ٣٢٥ تفسير سورة التوبة : ٦١ أَيُّهَا القَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ إِنَّ عَمِّى فِى سَمَاعٍ وَأَذَنْ(١) وذكر أن هذه الآية نزلت فى نبتل بن الحارث. (٢) ١٦٨٩٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال ، ذكر اللّه غشَّهم (٣) = يعنى: المنافقين = وأذاهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: ((ومنهم الذين يؤذون النبيّ ويقولون هو أذن))، الآية. وكان الذى يقول تلك المقالة، فيما بلغنى ، نبتل بن الحارث ، أخو بنى عمرو بن عوف ، وفيه نزلت هذه الآية، وذلك أنه قال: ((إنما محمد أذُنٌ! من حدثه شيئاً صدقه!))، يقول الله: (((قل أذن خير لكم)) ، أى: يسمع الخير ويصدّق به . (٤) ٥ واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((قل أذن خير لكم)). فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾، بإضافة ((الأذن)) إلى ((الخير))، يعنى : قل لهم، يا محمد: هو أذن خير، لا أذن شرٌّ . وذكر عن الحسن البصرى أنه قرأ ذلك: ﴿ُقُلْ أُذُنُ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، بتنوين ((أذن))، ويصير ((خير)) خبراً له ، بمعنى : قل: من يسمع منكم ، أيها المنافقون ، ما تقولون ويصدقكم ، إن كان محمد كما وصفتموه ، من أنكم إذا أتيتموه ، فأنكرّم ما ذكر له عنكم من أذا كم إياه وعيبكم له ، سمع منكم وصدقكم = خيرٌ (١) أمالى الشريف المرتضى ١: ٣٣، واللسان (أذن) و (ددن)، و((الدد)) (بفتح الدال) و((الددن))، اللهو. و((السماع))، الغناء، والمغنية يقال لها ((المسمعة)). (٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فى ربيع بن الحارث))، وهو خطأ محض، لاشك فيه. (٣) فى المطبوعة: ((ذكر اللّه عيبهم))، أخطأ، والصواب ما فى المخطوطة، وسيرة ابن هشام. (٤) الأثر : ١٦٨٩٩ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٥، وهو تابع الأثر السالف رقم : ١٦٧٨٢، وانظر خبر نبتل بن الحارث أيضاً فى سيرة ابن هشام ٢ : ١٦٨. (٥) فى المطبوعة: ((إذا آذيتموه فأنكرتم))، وهو كلام لا معنى له، لم يحسن قراءة المخطوطة، والصواب ما أثبت . تفسير سورة التوبة : ٦١ ٣٢٦ لكم من أن يكذبكم ولا يقبل منكم ما تقولون . ثم كذبهم فقال : بل لا يقبل إلا من المؤمنين = (( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين)). ٠ ٠ ٠ قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندى فى ذلك، قراءةُ من قرأ : ١١٧/١٠ ﴿ُقُلْ أُذُنُ خَيْرِ لَكُمْ﴾، بإضافة ((الأذن)) إلى ((الخير))، وخفض ((الخير))، يعنى: قل هو أذن خير لكم، لا أذن شرٍ . (١) ** وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : ۵ ١٦٩٠٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنى عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية ، عن على ، عن ابن عباس قوله: ((ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن )) ، يسمع من كل أحد . ١٦٩٠١ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((ومنهم الذين يؤذون النبى ويقولون هو أذن))، قال : كانوا يقولون: ((إنما محمد أذن، لا يحدّث عنا شيئاً، إلا هو أذن يسمع ما يقال له)). ١٦٩٠٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ويقولون هو أذن))، نقول ما شئنا ونحلف، فيصدقنا. ١٦٩٠٣ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((هو أذن))، قال : يقولون: ((نقول ما شئنا، ثم نحلف له فيصدقنا)). ١٦٩٠٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه . (١) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٤٤. ٠ ٣٢٧ تفسير سورة التوبة : ٦١ وأما قوله: ((يؤمن بالله))، فإنه يقول : يصدِّق بالله وحده لا شريك له . وقوله: ((ويؤمن للمؤمنين))، يقول : ويصدق المؤمنين ، لا الكافرين ولا المنافقين . وهذا تكذيبٌ من الله للمنافقين الذين قالوا: ((محمد أذن!))، يقول جل ثناؤه: إنما محمد صلى الله عليه وسلم مستمعُ خيرٍ ، يصدِّق باللّه وبما جاء من عنده ، ويصدق المؤمنين ، لا أهل النفاق والكفر بالله . وقيل: ((ويؤمن للمؤمنين))، معناه: ويؤمن المؤمنين، لأن العرب تقول فيما ذكر لنا عنها: ((آمنتُ له، وآمنتُه))، بمعنى: صدّقته، كما قيل : ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ﴾، [سورة النمل: ٧٢]، ومعناه: ردفكم - وكما قال: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [ سورة الأعراف: ١٥٤]، ومعناه: للذين هم ربّهم يرهبون. (١) وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : # ١٦٩٠٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنى عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن على، عن ابن عباس: ((يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين))، يعنى: يؤمن بالله، ويصدق المؤمنين . ٠ ٠ ٠ وأما قوله: ((ورحمة للذين آمنوا منكم))، فإن القرأة اختلفت فى قراءته: فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ﴿وَرَْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا}، بمعنى: قل هو (١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٤٤٤. ٣٢٨ تفسير سورة التوبة : ٦١ أذن خير لكم، وهو رحمة للذين آمنوا منكم = فرفع ((الرحمة))، عطفاً بها على (( الأذن )). # وقرأه بعض الكوفيين: ﴿وَرَحْمَةٍ﴾، عطفاً بها على ((الخير))، بتأويل: قل أذن خير لكم ، وأذن رحمة . (١) * قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب فى ذلك عندى ، قراءةُ من قرأه: ﴿وَرَْحَةٌ﴾، بالرفع، عطفاً بها على ((الأذن))، بمعنى: وهو رحمة للذين آمنوا منكم . وجعله الله رحمة لمن اتبعه واهتدى بهداه ، وصدَّق بما جاء به من عند ربه ، لأن اللّه استنقذهم به من الضلالة ، وأورثهم باتباعه جنّاته . القول فى تأويل قوله ﴿ وَأَلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : لهؤلاء المنافقين الذين يعيبون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ويقولون: ((هو أذن))، وأمثالِهم من مكذّبيه، والقائلين فيه الهُجْرَ والباطل، (٢) عذابٌ من اللّه موجع لهم فى نار جهنم. (٣) (١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٤٤٤. (٢) انظر تفسير ((الأذى)) فيما سلف ص: ٣٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((أليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ألم). ٣٢٩ تفسير سورة التوبة : ٦٢ القول فى تأويل قوله ﴿ يَحْلِفُونَ بِللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ وَ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ))) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله صلى الله عليه وسلم: يحلف لكم ، أيها المؤمنون ، هؤلاء المنافقون باللّه، ليرضوكم فيما بلغكم عنهم من أذاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرهم إياه بالطعن عليه والعيب له ، ومطابقتهم سرًّا أهلَ الكفر عليكم = باللّه والأيمان الفاجرة: أنهم ما فعلوا ذلك ، وإنهم لعلى دينكم ، ومعكم على من خالفكم ، يبتغون بذلك رضاكم . يقول الله جل ثناؤه: ((والله ورسوله أحق أن يرضوه))، بالتوبة والإنابة مما قالوا ونطقوا = ((إن كانوا مؤمنين))، يقول: إن كانوا مصدّقين بتوحيد اللّه، مقرِّين بوعده ووعيده . وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : ١٦٩٠٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ١١٨/١٠ قوله: ((يحلفون باللّه لكم ليرضوكم))، الآية، ذكر لنا أن رجلاً من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقّاً، لهم شَرٌّ من الحمير! قال: فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد حق ، ولأنت شر من الحمار ! فسعى بها الرجل إلى فى اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال له : ما حملك على الذى قلت ؟ فجعل يلتَّعنُ، ويحلف بالله ما قال ذلك . (١) قال: وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدِّق الصادق ، وكذِّب (١) ((التعن الرجل))، إذا أنصف فى الدعاء على نفسه، أو لعن نفسه. ٣٣٠ تفسير سورة التوبة : ٦٣ الكاذب ! فأنزل اللّه فى ذلك: ((يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين)). القول فى تأويل قوله ﴿ أَلَمْ يَعْلُوّاْ أَنَّهُ: مَن يُحَدِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَأَنَّ لهُ نَارَ جَهََّ خَالِدًا فِيهَاَ ذَلِكَ أْخِزْىُ الْعَظِيمُ)) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يحلفون بالله كذباً للمؤمنين ليرضوهم ، وهم مقيمون على النفاق ، أنه من يحارب الله ورسوله، ويخالفهما فيناوهما بالخلاف عليهما = ((فأن له نار جهنم))، فى الآخرة = (( خالداً فيها))، يقول: لابثاً فيها مقيماً إلى غير نهاية؟ (١) = ((ذلك الخزى العظيم))، يقول: فلُبْتُه فى نار جهنم وخلوده فيها ، هو الهوان والذلُّ العظيم . (٢) وقرأت القرأة: ﴿ فَأَنَّ﴾، بفتح الألف من ((أن))، بمعنى: ألم يعلموا أنّ لمن حادًّ اللّه ورسوله نار جهنم = وإعمال ((يعلموا)) فيها، كأنهم جعلوا ((أن)) الثانية مكررة على الأولى ، واعتمدوا عليها ، إذ كان الخبر معها دون الأولى . : # وقد كان بعض نحوى البصرة يختار الكسر فى ذلك ، على الابتداء ، بسبب دخول ((الفاء)) فيها، وأن دخولها فيها عنده دليلٌ على أنها جواب الجزاء، وأنها إذا كانت للجزاء جواباً ، (٣) كان الاختيار فيها الابتداء . # # # (١) انظر تفسير ((الخلود)) فيما سلف من فهارس اللغة (خلد). (٢) انظر تفسير ((الخزى)) فيما سلف ص: ١٦٠، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٣) فى المطبوعة: ((إذا كانت جواب الجزاء))، وفى المخطوطة: ((إذا كانت الجواب جزاء))، والصواب ما أثبت ، إنما أخطأ الناسخ . ٣٣١ تفسير سورة التوبة ٦٤،٦٣ قال أبو جعفر: والقراءة التى لا أستجيز غيرها، فتح الألف فى كلا الحرفين أعنى ((أنّ)) الأولى والثانية، لأن ذلك قراءة الأمصار، وللعلة التى ذكرت من جهة العربية . القول فى تأويل قوله ﴿ يَحْذَرُ الْمُشْفِقُونَ أن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِثْهُ بِمَ فِى ◌ُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءِوَاْ إِنَّ اللهَ خْرِجُ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ ﴾) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يخشى المنافقون أن تنزل فيهم (١) = (سورة تنبئهم بما فى قلوبهم))، يقول: تظهر المؤمنين على ما فى قلوبهم. (٢) # وقيل: إن الله أنزل هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المنافقين كانوا إذا عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكروا شيئاً من أمره وأمر المسلمين، قالوا: ((لعل الله لا يفشى سرَّنًا!))، فقال الله لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: قل لهم: ((استهزؤوا))، متهدداً لهم متوعداً: ((إن الله مخرج ما تحذرون)). * * وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : * ١٦٩٠٧ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة )) ، قال : يقولون القول بينهم، ثم يقولون: ((عسى الله أن لا يفشى سرنا علينا!)). ١٦٩٠٨ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، (١) انظر تفسير ((الحذر)) فيما سلف ١٠ : ٥٧٥ . (٢) انظر تفسير ((النبأ)) فيما سلف ٢٥٢:١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك. ٣٣٢ تفسير سورة التوبة : ٦٥،٦٤ عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله = إلا أنه قال : سِرَّنا هذا . # # وأما قوله: ((إن اللّه مخرجٌ ما تحذرون))، فإنه يعنى به: إن الله مظهر عليكم ، أيها المنافقون ، ما كنتم تحذرون أن تظهروه، فأظهر اللّه ذلك عليهم وفضحهم، (١) فكانت هذه السورة تدعَى: ﴿الفَاضِحَةَ﴾. ١٦٩٠٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كانت تسمّى هذه السورة: ﴿الفَاضِحَةَ﴾، فاضحة المنافقين. القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا ◌َخُوضُ وَتَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَايَتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾) قال أبو جعفر : يقول تعالى جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت ، يا محمد ، هؤلاء المنافقين عما قالوا من الباطل والكذب ، ليقولن لك : إنما قلنا ذلك لعباً، وكنا نخوض فى حديثٍ لعباً وهزؤاً! (٢) يقول الله لمحمد صلى الله ١١٩/١٠ عليه وسلم: قل، يا محمد، أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزئون؟ وكان ابن اسحق يقول : الذى قال هذه المقالة : كما :- ١٦٩١٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال : كان الذى قال هذه المقالة فيما بلغنى ، وديعة بن ثابت ، أخو بنى أمية بن زيد ، من بنى عمرو بن عوف. (٣) (١) انظر تفسير ((الإخراج)) فيما سلف ٢: ١٢/٢٢٨: ٢١١. (٢) انظر تفسير ((الخوض)) فيما سلف ١١: ٥٢٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك. = وتفسير ((اللعب)) فيما سلف ١١ : ٥٢٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك. = وتفسير ((الاستهزاء)) فيما سلف ١١: ٢٦٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك. (٣) الأثر: ١٦٩١٠ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٥، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٨٩٩ ٠ ٣٣٣ تفسير سورة التوبة : ٦٥ ١٦٩١١ - حدثنا على بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا الليث قال ، حدثنى هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم : أن رجلاً من المنافقين قال لعوف بن مالك فى غزوة تبوك: ما لقُرَّائنا هؤلاء، أرغبُنا بطوفاً وأكذبُنا ألسنةٌ، وأجبنُنا عند اللقاء! فقال له عوف : كذبت، ولكنك منافق! لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم! فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه = قال زيد (١): قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه متعلقاً بحَقَب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكُبُهُ الحجارة، (٢) يقول: ((إنما كنا نخوض ونلعب))! فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون))؟ ما يزيده . (٣) ١٦٩١٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنى هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل فى غزوة تبوك فى مجلس : ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ، أرغبَ بطوناً ، ولا أكذبَ ألسناً ، ولا أجبن عند اللقاء ! فقال رجل فى المجلس : كذبتَ ، ولكنك منافق ! لأخيرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقاً بحقّب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فقال زيد))، بالفاء، والسياق يقتضى إسقاطها. (٢) ((الحقب)) (بفتحتين): حبل يشد به الرحل فى بطن البعير مما يلى ثيله، لئلا يؤذيه التصدير، أو يجتذبه التصدير فيقدمه. و((نكبته الحجارة))، ثمت الحجارة رجله وظفره، أى نالته وآذته وأصابته . (٣) الأثر: ١٦٩١١ - ((هشام بن سعد المدنى))، ثقة، متكلم فيه ، مضى برقم : ٥٤٩٠، ١١٧٠٤، ١٢٨٢١ . ((زيد بن أسلم العدوى)) الفقيه، روى عن عبد الله بن عمر، روى له الجماعة. مضى مراراً كثيرة . وسيأتى الخبر الذى يليه ، من طريق ابن وهب ، عنه . وهذا إسناد صحيح . ٣٣٤ تفسير سورة التوبة : ٦٥ تَنْكُبُه الحجارة، وهو يقول: (( يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب! ))، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد قد كفرتم بعد إيمانكم)).(١). ١٦٩١٣ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا أيوب، عن عكرمة فى قوله: ((ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب)) إلى قوله: ((بأنهم كانوا مجرمين))، قال : فكان رجل ممن إن شاء اللّه عفا عنه يقول: ((اللهم إنى أسمع آية أنا أعْنَى بها، تقشعرُّ منها الجلود، وتَجِبُ منها القلوب، (٢) اللهم فاجعل وفاتى قتلاً فى سبيلك، لا يقول أحدٌ: أنا غسَّلَت، أنا كفَّنَت ، أنا دفنت))، قال: فأصيب يوم اليمامة ، فما أحدٌ من المسلمين إلا وُجد غيره . ١٦٩١٤ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ((ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب))، الآية، قال: بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسير فى غزوته إلى تبوك ، وبين يديه ناس من المنافقين ، فقالوا: ((يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشأم وحصونها !هيهات هيهات))! فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: احبسوا علىَّ الرَّكْب! (٣) فأتاهم فقال: قلتم كذا، قلتم كذا. قالوا: ((يا نبي الله: إنما كنا نخوض ونلعب))، فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم ما تسمعون . ١٦٩١٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة: ((ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب )) ، قال: بينما النبى صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك، ورَكْب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا : يظن هذا أن يفتح قصورَ الروم وحصونها! فأطلع الله نبيه صلى الله عليه (١) الأثر: ١٦٩١٢ - مكرر الأثر السالف، وهو صحيح الإسناد . (٢) ((وجب قلبه يجب وجيباً))، خفق واضطرب. وكان فى المطبوعة: ((وتجل)) باللام، كأنه يعنى من ((الوجل))، ولكنه لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة . (٣) فى المطبوعة: ((على هؤلاء الركب))، زاد ((هؤلاء)) لغير طائل ٣٣٥ تفسير سورة التوبة : ٦٥ وسلم على ما قالوا ، فقال: علىّ بهؤلاء النفر ! فدعاهم فقال : قلتم كذا وكذا ! فحلفوا : ما كنا إلا نخوض ونلعب ! ١٦٩١٦ - حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب وغيره قالوا : قال رجل من المنافقين: ما أرى قُرَّاءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء! فرُفع ذلك إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب! فقال: ((أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون))، إلى قوله: ((مجرمين))، وإن رجليه لتنسفان الحجارة، (١) وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متعلق بنِسْعَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٢) ١٢٠/١٠ ١٦٩١٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((إنما كنا نخوض ونلعب))، قال : قال رجل من المنافقين: (( يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادى كذا وكذا ، فى يوم كذا وكذا! وما يدريه ما الغيب ؟)). ١٦٩١٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه . # (١) فى المطبوعة: ((ليسفعان بالحجارة))، غير ما كان فى المخطوطة مسيئاً فى فعله، والصواب ما فى المخطوطة. ((نسفت الناقة الحجارة والتراب فى عدوها تنسفه نسفاً))، إذا أطارته، وكذلك يقال فى الإنسان إذا اشتد عدوه . (٢) ((النسعة)) (بكسر فسكون): سير مضفور يجعل زماماً البعير، وقد تنسج عريضة تجعل على صدر البعير. ويقال للبطان والحقب: ((النعان)). ٠ ٣٣٦ تفسير سورة التوبة : ٦٦ القول فى تأويل قوله ﴿لَا تَعَْذِرُواْ قَدْ كَغَرْتُمْ بَعْدَ إِيَمْنِكُمْ إن ◌َّْتُ عَنْ طَآئِفَةٍ مِّنَكُمْ لُمِذِّبْ طَآئِفَةَ؛ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ)(١) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الذين وصفت لك صفتهم: ((لا تعتذروا))، بالباطل فتقولوا: ((كنا نخوض ونلعب = ((قد كفرتم))، يقول: قد جحدتم الحق بقولكم ما قلتم فى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به (١) = ((بعد أيمانكم))، يقول: بعد تصديقكم به وإقراركم به =((إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة)). (٢). * وذكر أنه عُنِى: بـ ((الطائفة))، فى هذا الموضع، رجلٌ واحد. (٣) وكان ابن إسحق يقول فيها : - ١٦٩١٩ - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال : كان الذى ◌ُفِى عنه، فيما بلغنى مَخْشِىّ بن حُمَيِّر الأشجعى، (٤) حليف بنى سلمة ، وذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع . (٥) ١٦٩٢٠ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا زید بن حبان ، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب: (( إن نعف عن طائفة منكم))، قال: ((طائفة))، رجل . (١) فى المخطوطة: ((يقول: لحم الحق))، وهى لا تقرأ، والذى فى المطبوعة مقارب للصواب، فتركته على حاله . (٢) انظر تفسير ((العنفو)) فيما سلف من فهارس اللغة (عفا). (٣) انظر تفسير ((الطائفة)) فيما سلف ١٣: ٣٩٨، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٤) فى سيرة ابن هشام فى هذا الموضع ((مخشن بن حمير))، وقد أشار ابن هشام إلى هذا الاختلاف فيما سلف من سيرته، ابن هشام ٤ : ١٦٨ . ولكنى أثبت ما فى المخطوطة. (٥) الأثر: ١٦٩١٩ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٥، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٩١٠ ٠ ٣٣٧ تفسير سورة التوبة : ٦٦ ،٦٧ واختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم: معناه: ((إن نعف عن طائفة منكم))، بإنكار ما أنكر عليكم من قبل الكفر = ((نعذب طائفة))، بكفره واستهزائه بآيات الله ورسوله . ذكر من قال ذلك : ١٦٩٢٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر قال ، قال بعضهم : كان رجل منهم لم يمالهم فى الحديث ، يسير مجانباً لهم، (١) فنزلت: ((إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة))، فسُمَّى ((طائفةٌ)) وهو واحدٌ . * * وقال آخرون : بل معنى ذلك. إن تتب طائفة منكم فيعفو اللّه عنه ، يعذب اللّه طائفة منكم بترك التوبة . وأما قوله: ((إنهم كانوا مجرمين، (( فإن معناه : نعذب طائفة منهم باكتسابهم الجرم ، وهو الكفر بالله، وطعنهم فى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. (٢) القول فى تأويل قوله ﴿الْمُنَّفِقُونَ وَالْمُشَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّن؟ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُشْفِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((المنافقون والمنافقات))، وهم الذين يظهرون للمؤمنين الإيمانَ بألسنتهم ، ويُسِرُّون الكفرَ بالله ورسوله (٣) = بعضهم (١) فى المطبوعة: ((فيسير))، بالفاء، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) انظر تفسير ((الإجرام)) فيما سلف ١٣: ٤٠٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((النفاق)) فيما سلف ١: ٢٣٤، ٢٧٠، ٢٧٣، ٣٢٤ - ٣٢٧) ٣٤٦ - ٣٦٣، ٤٠٨، ٤٠٩، ٤/٤١٤: ٢٣٢، ٨/٢٣٣: ٩/٥١٣: ٠٧ ج ١٤ (٢٢) ٣٣٨ تفسير سورة التوبة : ٦٧ من بعض))، يقول: هم صنف واحد، وأمرهم واحد ، فى إعلانهم الإيمان ، واستبطائهم الكفر = ((يأمرون)) مَنْ قبل منهم = ((بالمنكر))، وهو الكفر بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به وتكذيبه(١) = ((وينهون عن المعروف))، يقول: وينهونهم عن الإيمان بالله ورسوله، وبما جاءهم به من عند الله(٢). ٠ ٠ وقوله: ((ويقبضون أيديهم)) ، يقول: ويمسكون أيديهم عن النفقة فى سبيل اللّه، ويكفُّونها عن الصدقة، فيمنعون الذين فرضَ الله لهم فى أموالهم ما فرض من الزكاة حقوقتهم ، كما :- ١٦٩٢٣ - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((ويقبضون أيديهم)) ، قال : لا يبسطونها بنفقة فى حق . ١٦٩٢٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله . ١٦٩٢٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله . ١٦٩٢٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه . ١٦٩٢٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ١٢١/١٠ قوله: ((ويقبضون أيديهم))، لا يبسطونها بخير. ١٦٩٢٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة: ((ويقبضون أيديهم))، قال: يقبضون أيديهم عن كل خير. (١) انظر تفسير ((المنكر)) فيما صلف ١٣: ١٦٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((المعروف)) فيما سلف ١٦٥:١٣، تعليق: ١، والمراجع هناك. ٣٣٩ تفسير سورة التوبة : ٦٧، ٦٨ وأما قوله: ((نسوا الله فنسهم))، فإن معناه: تركوا الله أن يطيعوه ويتبعوا أمره، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته . # وقد دللنا فيما مضى على أن معنى ((النسيان))، الترك، بشواهده ، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا . (١) ٠ ٠ وكان قتادة يقول فى ذلك ما : - ١٦٩٢٩ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، قتادة قوله: (( نسوا الله فنسيهم))، نُسُوا من الخير، ولم ينسوا من الشرّ. قوله: ((إن المنافقين هم الفاسقون))، يقول: إن الذين يخادعون المؤمنين بإظهارهم لهم بألسنتهم الإيمان بالله، وهم الكفر مستبطنون، (٢) هم المفارقون طاعة" اللّه، الخارجون عن الإيمان به وبرسوله. (٣) القول فى تأويل قوله ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَّفِقَتِ وَأَلْكُفَّارَ نَرَ جَّمَ خْلِدِينَ فِيهَاَ هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَمَنْهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمْ)(٥) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وعد اللّه المنافقين والمنافقات والكفار)) بالله = ((نار جهنم))، أن يصليهموها جميعاً = ((خالدين فيها))، يقول : ما كثين فيها أبداً، لا يحيون فيها ولا يموتون (٤) = ((هى حسبهم))، يقول: هى (١) انظر تفسير ((النسيان)) فيما سلف ١٢: ٤٧٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((النفاق)) فيما سلف قريباً ص: ٣٣٧،، تعليق: ٣، والمراجع هناك (٣) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف ص: ٢٩٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٤) انظر تفسير ((الخلود)) فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) . ٣٤٠ تفسير سورة التوبة : ٦٩ كافيتهم عقاباً وثواباً على كفرهم باللّه (١) = ((ولعنهم الله))، يقول: وأبعدهم اللّه وأسحقهم من رحمته = (( ولهم عذاب مقيم))، يقول : وللفريقين جميعاً: يعنى من أهل النفاق والكفر، عند اللّه = ((عذابٌ مقيم))، دائم لا يزول ولا يبيد. (٢) القول فى تأويل قوله ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوَاْ أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَ كْثَرَ أَمْوَلاَ وَأَوْلَادًا فَاسْتَنْتَعُواْ بِخَلَتُهِمْ فَأَسْتَنَعُمْ بِخَلَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَقِمْ وَخُضْهُمْ كَالَّذِى خَاضُواْ أُوَلَكَ حَبِطَتْ أَعْمُلُهُمْ فِىِ الدُّنْياَ وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَكَ مُمُ الْخَسِرُونَ﴾ (١) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين قالوا: ((إنما كنا نخوض ونلعب)): أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزئون؟ = ((كالذين من قبلكم))، من الأمم الذين فعلوا فعلكم ، فأهلكهم اللّه، وعجل لهم فى الدنيا الخزى، مع ما أعدَّ لهم من العقوبة والنكال فى الاخرة . يقول لهم جل ثناؤه: واحذروا أن يحل بكم من عقوبة اللّه مثل الذى حلّ بهم، فإنهم كانوا أشد منكم قوةً وبطشاً ، وأكثر منكم أموالاً وأولاداً = (( فاستمتعوا بخلاقهم))، يقول : فتمتعوا بنصيبهم وحظهم من دنياهم ودينهم ، (٣) ورضوا بذلك من نصيبهم فى الدنيا عوضاً من نصيبهم فى الآخرة، (٤) (١) انظر تفسير ((حسب)) فيما سلف ص: ٣٠٤، تعليق ١، والمراجع هناك. ٢٩٣، ١٤/٢٩٤ : ١٧٢ ٠ (٢) انظر تفسير ((مقيم)) فيما سلف ١٠ (٣) انظر تفسير ((الاستمتاع)) فيما سلف ١١٦:١٢، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٤) انظر تفسير ((الخلاق)) فيما سلف ٢ : ٤٥٢ - ٤/٤٥٤: ٢٠١ - ٦/٢٠٣: ٥٢٧، ٥٢٨ ٠