Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
تفسير سورة التوبة : ٤٧
وأما قوله: ((وفيكم سَمَّاعون لهم)) ، فإن أهل التأويل اختلفوا فى تأويله .
فقال بعضهم : معنى ذلك : وفيكم سماعون لحديثكم لهم ، يؤدُّونه إليهم ،
عمون لهم عليكم.
ذكر من قال ذلك :
#
١٦٧٧٧ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وفيكم سماعون لهم))، يحدّثُون أحاديثكم،
عيونٌ غير منافقين .
١٦٧٧٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: (( وفيكم سماعون لهم ))، قال: محد ◌ّثون ، عیون، غير
المنافقين .(١)
١٦٧٧٩ - حدثى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( وفيكم سماعون لهم )) ، يسمعون ما يؤدّونه لعدوٍّ كم .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وفيكم من يسمع كلامهم ويُطيع لهم .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٧٨٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة:
((وفيكم سماعون لهم))، وفيكم من يسمع كلامهم .
١٦٧٨١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال :
كان الذين استأذنوا ، فيما بلغنى ، من ذوى الشرف ، منهم عبد الله بن أبى ابن
سلول، والجدُّ بن قيس، وكانوا أشرافاً فى قومهم، فتبطهم اللّه ، لعلمه بهم : أن
يخرجوا معهم، فيفسدوا عليه جُنده. وكان فى جنده قوم أهلُ محبةٍ لهم وطاعةٍ فيما
يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم، فقال: ((وفيكم سمَّاعون لهم)).(٢)
(١) فى المطبوعة: ((غير منافقين))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) الأثر: ١٦٧٨١ - صدر هذا الخبر مضى برقم: ١٦٧٧٠، وساقه هذا فيما بعد، وهو
فى سيرة ابن هشام ٤: ١٩٤، وهو تابع الأثر السالف رقم : ١٦٧٦٢.

٢٨٢
تفسير سورة التوبة : ٤٧
قال أبو جعفر : فعلى هذا التأويل : وفيكم أهلُ سمع وطاعة منكم ، لو
صحبوكم أفسدوهم عليكم ، بتثبيطهم إياهم عن السير معكم .
وأما على التأويل الأول ، فإن معناه: وفيكم منهم سمَّاعون يسمعون حديثكم
لهم ، فيبلغونهم ويؤدونه إليهم ، عيون لهم عليكم .
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين عندى فى ذلك بالصواب ، تأويلُ من قال :
معناه: (( وفيكم سماعون لحديثكم لهم، يبلغونه عنكم، عيون لهم))، لأن الأغلب
من كلام العرب فى قولهم: ((سمَّاع))، وصف من وصف به أنه سماع الكلام ، كما
قال الله جل ثناؤه فى غير موضع من كتابه: (سَمَّاعُونَ لِكَذِبِ﴾ [ سورة المائدة
٤١]، واصفاً بذلك قوماً بسماع الكذب من الحديث . وأما إذا وصفوا الرجل
بسماع كلام الرجل وأمره ونهيه وقبوله منه وانتهائه إليه، فإنما تصفه بأنه: (( له سامع
مطيع))، ولا تكاد تقول : = ((هو سماع مطيع)).(١)
وأما قوله: ((والله عليم بالظالمين))، فإن معناه: والله ذو علم بمن يوجّه أفعاله
إلى غير وجوهها ، ويضعها فى غير مواضعها ، ومن يستأذن رسول اللّه صلى اللّه
١٠٣/١٠ عليه وسلم لعذر، ومن يستأذنه شكًّا فى الإسلام ونفاقاً، ومن يسمع حديث
المؤمنين ليخبر به المنافقين ، ومن يسمعه ليسرَّ بما سُرَّ به المؤمنون، (٢) ويساء
بما ساءهم، لا يخفى عليه شيء من سرائر خلقه وعلانيتهم. (٣)
وقد بينا معنى ((الظلم) فى غير موضع من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (٤)
#
(١) انظر تفسير ((سماع)) فيما سلف ١٠ : ٣٠٩.
(٢) فى المطبوعة: ((بما سر المؤمنين))، وفى المخطوطة: ((بما سر المؤمنون))، وصوابها ما أثبت.
(٣) انظر تفسير ((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (على).
(٤) انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم) .

٢٨٣
تفسير سورة التوبة : ٤٨
القول فى تأويل قوله ﴿لَقَدٍ أَبْتَغَوُاْ اُلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ
وَقَلَبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ أَكْقُ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَرِهُونَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة لأصحابك،
يا محمد ، التمسوا صدَّهم عن دينهم(١)، وحرصوا على ردّهم إلى الكفرِ بالتخذيل
عنه، (٢) كفعل عبد اللّه بن أبىّ بك وبأصحابك يوم أحدٍ ، حين انصرف عنك
بمن تبعه من قومه . وذلك كان ابتغاءهم ما كانوا ابتغوا لأصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم من الفتنة من قبل. ويعنى بقوله: ((من قبل))، من قبل هذا = (( وقلبوا
لك الأمور))، يقول: وأجالوا فيك وفى إبطال الدين الذى بعثك به اللّه الرأىّ
بالتخذيل عنك ، (٣) وإنكار ما تأتيهم به، وردّه عليك = ((حتى جاء الحق))،
يقول: حتى جاء نصر الله = ((وظهر أمر الله))، يقول: وظهر دين اللّه الذى
أمر به وافترضه على خلقه، وهو الإسلام(٤) =((وهم كارهون))، يقول: والمنافقون
بظهور أمر الله ونصره إياك كارهون. (٥) وكذلك الآن ، يظهرك اللّه ويظهر دينه
على الذين كفروا من الروم وغيرهم من أهل الكفر به ، وهم كارهون .
#
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك.
١٦٧٨٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((وقلبوا
(١) انظر تفسير ((ابتغى)) فيما سلف قريبا ص: ٢٧٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف ص: ، ٢٧٩ تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((التقليب)) فيما سلف ١٢ : ٤٤، ٤٥، ومادة (قلب) فى فهارس اللغة.
(٤) انظر تفسير ((الظهور)) فيما سلف ص: ٢١٥،٢١٤.
(٥) انظر تفسير ((الكره)) فيما سلف ص: ٢٧٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

٢٨٤
تفسير سورة التوبة : ٤٨
لك الأمور))، أى: ليخذَّ لوا عنك أصحابك، ويردُّوا عليك أمرك = (( حتى جاء
الحق وظهر أمر الله)).(١)
#
وذكر أن هذه الآية نزلت فى نفرٍ مسمّين بأعيانهم .
١٦٧٨٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن
عمرو، عن الحسن قوله: ((وقلبوا لك الأمور))، قال: منهم عبد الله بن أبىّ
ابن سلول ، وعبد الله بن نبتل أخو بنى عمرو بن عوف ، ورفاعة بن رافع ، وزيد
ابن التابوت القينقاعى . (٢)
وكان تخذيل عبد الله بن أبىُّ أصحابَه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى
هذه الغزاة ، كالذى : -
١٦٧٨٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن
الزهرى ، ويزيد بن رومان ، وعبد الله بن أبى بكر ، وعاصم بن عمر بن قتادة ،
وغيرهم، كلٌّ قد حدَّث فى غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدّث ما لم
يحدّث بعضٌ، وكلُّ قد اجتمع حديثه فى هذا الحديث: أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم ، وذلك فى زمان عُسْرةٍ من الناس، (٣)
وشدة من الحرّ ، وجَدْبٍ من البلاد، وحين طاب الثمار، وأحِبَّتِ الظلال، (٤)
فالناس يحبون المقام فى ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص عنها ، على الحال من
الزمان الذى هم عليه . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قلَّما يخرج فى غزوةٍ
(١) الأثر: ١٦٧٨٢ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٤، وهو تابع الأثر السالف رقم : ١٦٧٨١.
(٢) الأثر: ١٦٧٨٢ - لم أجده فى سيرة ابن هشام. ولكنه فى تاريخ الطبرى ٣ : ١٤٣،
بمثله .
(٣) فى السيرة: ((فى زمان من عسرة الناس)).
(٤) ((وأحبت الظلال)) ليس فى سيرة ابن هشام، وهو ثابت فى رواية أبى جعفر فى التاريخ
٣: ١٤٢. وكذلك فى المطبوعة: ((والناس يحبون)) وأثبت ما فى المخطوطة، فهو مطلب السياق.

٢٨٥
تفسير سورة التوبة : ٤٨
إلا كَنّى عنها، وأخبر أنه يريد غير الذى يَصْمِدُ له، (١) إلا ما كان من غزوة
تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشُّقَّة، وشدة الزمان، وكثرة العدوّ الذى صَمَد
له، ليتأهَّب الناس لذلك أُهْبَتَه. فأمر الناس بالجهاد، وأخبرهم أنه يريد الروم.
فتجهز الناسُ على ما فى أنفسهم من الكره لذلك الوجه ، لما فيه ، مع ما عظَّموا
من ذكر الروم وغزوهم . (٢)
= ثم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جَدَّ فى سفره، فأمر الناس بالجهاز
والانكماش، (٣) وحضَّ أهل الغنى على النفقة والحُمْلان فى سبيل الله. (٤)
= فلما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ضرب عسكره على ثنية الوداع ، (٥)
وضرب عبد الله بن أبى ابن سلول عسكره على حِدَةٍ أسفلَ منه بحذاء ((ذُبَاب))(٦)
= جبل بالجبانة أسفل من ثنية الوداع = وكان فيما يزعمون، ليس بأقل العسكرين .
١٠٤/١٠
فلما ساررسول الله صلى اللّه عليه وسلم، تخلف عنه عبد الله بن أبى فيمن تخلَّف
(١) ((صمد للأمر يصمد))، قصده قصداً.
(٢) هذه الجملة الأخيرة من أول قوله: ((فتجهز الناس))، لم أجدها فى هذا الموضع من سيرة
ابن هشام ٤: ١٥٩، وسأذكر موضع ما يليه فى التخريج ، فإنه قد أسقط ما بعد ذلك ، حتى بلغ
ما بعده .
(٣) ((الانكماش)) الإسراع والجد فى العمل والطلب.
(٤) ((الحملان)) (بضم فسكون) مصدر مثل ((الحمل))، يريد: حمل من لا دابة له على
دابة يركبها فى وجهه هذا .
وهذه الجملة من أول قوله: ((ثم إن رسول اللّه))، إلى هذا الموضع، فى سيرة ابن هشام ٤ : ١٦١،
والذى يليه من موضع آخر سأبينه.
(٥) وهذه الجملة مفردة فى سيرة ابن هشام ٤: ١٦٢، بعدها كلام حذفه أبو جعفر،
ووصله بما بعده .
(٦) فى المطبوعة والمخطوطة: ((على ذى حدة))، وكان فى المخطوطه كتب قبل ((ذى)) ((دين))
ثم ضرب عليها. ولم أجدهم قالوا: ((على ذى حدة))، يؤيد صواب ذلك أن ابن هشام قال: ((على
حدة))، وذكر أبو جعفر هذا الخبر فى تاريخه ٣: ١٤٣، فيه أيضاً ((على حدة))، فمن أجل ذلك
أغفلت ما كان فى المطبوعة والمخطوطة = وكان فى المطبوعة، وفى سيرة ابن هشام ((نحو ذباب))، وفى
المخطوطة: ((بحوا))، والألف مطموسة قصيرة، والذى فى التاريخ ما أثبته ((بحذاء))، وهو الصواب
الذى لا شك فيه . وبيان موضع الجبل ، ليس مذكوراً فى السيرة ، وهو مذكور فى التاريخ .

٢٨٦
تفسير سورة التوبة : ٤٨ ، ٤٩
من المنافقين وأهل الريب. وكان عبد الله بن أبى، أخا بى عوف بن الخزرج ،
وعبد الله بن نبتل ، أخا بنى عمرو بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت،(١)
أخا بنى قينقاع ، وكانوا من عظماء المنافقين ، وكانوا ممن يكيد للإسلام وأهله .
= قال : وفيهم، فيما حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن محمد بن
إسحق ، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصرى، أنزل الله: ((لقد ابتغوا
الفتنة من قبل )) ، الآية . (٢)
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِى وَلَا
تَفْتِنِّىَ أَا فِ الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ) (١)
قال أبو جعفر : وذكر أن هذه الآية نزلت فى الجدّ بن قيس .
*
ويعنى جل ثناؤه بقوله: ((ومنهم))، ومن المنافقين = ((من يقول ائذن لى))،
أقم فلا أشخَصُ معك = ((ولا تفتنى))، يقول: ولا تبتلنى برؤية نساء بنى الأصفر
وبناتِهم ، فإنّى بالنساء مغرمٌ، فأخرج وآثَمُ بذلك.(٣).
وبذلك من التأويل تظاهرت الأخبار عن أهل التأويل .
* ذكر الرواية بذلك عمن قاله :
١٦٧٨٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
(١) فى المطبوعة: ((رفاعة بن يزيد))، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة، والتاريخ
(٢) الأثر: ١٦٧٨٤ - هذا خبر مفرق، ذكرت مواضعه فيما سلف ، وهو فى سيرة ابن هشام
٤ : ١٥٩ / ثم ٤: ١٦١/ ثم ٤ ١٦١ / ثم ٤ ١٦٢، وهو بتمامه فى تاريخ الطبرى ٣: ١٤٢،
١٤٣. والجزء الأخير من هذا الخبر، مضى برقم ١٦٨٧٣
(٣) انظر تفسير ((الفتنة)) (فيما سلف ص ٢٨٣، تعليق ٢، والمراجع هناك

٢٨٧
تفسير سورة التوبة : ٤٩
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((ائذن لى ولا تفتنى))،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغزُوا تبوك، تغنموا بنات الأصفر ونساء
الروم! فقال الجدّ : ائذن لنا ، ولا تفتنًا بالنساء.
١٦٧٨٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغزوا تغنّموا
بنات الأصفر = يعنى نساء الروم ، ثم ذكر مثله .
١٦٧٨٧ -.... قال، حدثنى حجاج، عن ابن جريج قال ، قال ابن
عباس قوله: ((ائذن لى ولا تفتنى))، قال: هو الجدّ بن قيس ، قال: قد علمت
الأنصار أنى إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن ، ولكن أعينك بمالى .
١٦٧٨٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق ،
عن الزهرى، ويزيد بن رومان ، وعبد الله بن أبى بكر ، وعاصم بن عمر بن قتادة
وغيرهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو فى جهازه، للجد
ابن قيس أخى بنى سلمة : هل لك يا جدُّ العامَ فى جلاد بنى الأصفر؟ فقال :
يا رسول اللّه، أوْ تأذن لى ولا تفتنى، فوالله لقد عرف قومى ما رجل أشدّ عُجْباً
بالنساء منِّى، وإنى أخشى إن رأيت نساءَ بنى الأصفر أن لا أصبر عنهن ! فأعرض
عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك! ففى الجدّ بن قيس نزلت
هذه الآية: ((ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى)) الآية ، أى: إن كان إنما
يخشى الفتنة من نساء بنى الأصفر وليس ذلك به ، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه
عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والرغبة بنفسه عن نفسه، أعظم.(١).
١٦٧٨٩ - حدثنى يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
(١) الأثر: ١٦٧٨٨ - سيرة ابن هشام ٤: ١٥٩، ١٦٠، وهو تابع صدر الأثر السالف
رقم: ١٦٧٨٤، بعد قوله هناك: ((وأخبرهم أنه يريد الروم))، وبين الذى رواه أبو جعفر، وما فى
السيرة خلاف يسير فى ختام الخبر .

٢٨٨
تفسير سورة التوبة : ٤٩
قوله: (( ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى)) ، قال : هو رجل من المنافقين يقال
له جّدُّ بن قيس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: العام نغزو بنى الأصفر
ونتَّخذ منهم سرارىّ وُوُصَفاءَ (١) - فقال: أى رسول الله، ائذن لى ولا تفتنى، إن
لم تأذن لى افتتنت وقعدت!(٢) وغضب [رسول الله صلى الله عليه وسلم]، (٣) فقال
الله: ((ألا فى الفتنة سقطوا وإن جهنم المحيطة بالكافرين)). وكان من بنى سلمة ،
فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم: من سيدكم يا بنى سَلِمة ؟ فقالوا : جدُّ بن
قيس، غير أنه بخيلٌ جبان! فقال النبى صلى اللّه عليه وسلم: وأىُّ داءٍ أُدْوَى من
البخل ، ولكن سيِّدكم الفتى الأبيض ، الجعدُ: بشر بن البراء بن مَعْرُور. (٤)
١٦٧٩٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية
عن على، عن ابن عباس قوله: ((ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى)) ، يقول:
ائذن لى ولا تحرجنى = ((ألا فى الفتنة سقطوا))، يعنى: فى الحرج سقطوا .
١٦٧٩١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(( ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى))، ولا تؤثمنى ، ألا فى الإثم سقطوا.
#
#
#
(١) فى المطبوعة: ((سرارى ووصفاناً))، والصواب من المخطوطة. و((الوصفاء)) جمع
((وصيف))، والأنثى ((وصيفة))، وجمعها ((وصائف))، وهو الخادم الغلام الشاب، ومثله الخادمة.
(٢) فى المطبوعة: ((ووقعت))، مكان ((وقعدت))، وأثبت ما فى المخطوطة، وأراد القعود عن
الخروج إلى الغزوة خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(٣) فى المطبوعة: ((فغضب))، وفى المخطوطة: ((وغضب))، وظاهر أنه سقط من الخبر
ما أثبته بين القوسين .
(٤) فى المطبوعة: ((الجعد الشعر البراء بن معرور))، غير ما كان فى المخطوطة، وهو الصواب
المحض، فإن الخبر هو خبر ((بشر بن البراء بن معرور)) فى تسويده على بنى سلمة. وأما أبوه ((البراء
بن معرور))، فهو من أول من بايع بيعة العقبة الأولى، وأول من استقبل القبلة ، وأول من أوصى بثلث
ماله، وهو أحد النقباء، ومات قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل مقدم رسول الله المدينة
بشهر ، ولما دفنوه ، وجهوا قبره إلى القبلة .
ويقال: ((رجل جعد))، يراد به أنه مدمج الخلق، معصوب الجوارح ، شديد الأسر ، غير
مسترخ ولا مضطرب ، وهو من حلية الكريم . ويراد به أيضاً : جعودة الشعر، وهو مدح العرب ، لأن
سبوطة الشعر إنما هى فى الروم وفى الفرس . وإنما أراد فى الخبر المعنى الأول.

٢٨٩
تفسير سورة التوبة : ٤٩، ٥٠
وقوله: ((وإن جهنم المحيطة بالكافرين))، يقول: وإن النار لمطيفة بمن كفر ١٠٥/١٠
باللّه وجحد آياته وكذَّب رسله ، محدقة بهم ، جامعة لهم جميعاً يوم القيامة . (١)
يقول: فكفى للجدّ بن قيس وأشكاله من المنافقين بِصِليُها خزياً.
#
القول فى تأويل قوله ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن
تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآَ أَمْرَنَ مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَوْا وَّهُمْ
فَرِحُونَ ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد ،
إن يصبك سرورٌ بفتح الله عليك أرض الروم فى غَزاتك هذه ، (٢) يسؤ الجدّ
ابن قيس ونظراءه وأشياعهم من المنافقين، وإن تصبك مصيبة بفلول جيشك فيها، (٣)
يقول الجد ونظراؤه: ((قد أخذنا أمرنا من قبل))، أى: قد أخذنا حذرنا بتخلّفنا عن
محمد، وترك أتباعه إلى عدوّه = ((من قبل))، يقول: من قبل أن تصيبه هذه
المصيبة = ((ويتولوا وهم فرحون))، يقول : ويرتدُّوا عن محمد وهم فرحون بما أصاب
محمداً وأصحابه من المصيبة، (٤) بفلول أصحابه وانهزامهم عنه، (٣) وقتل من قُتِل منهم.
*
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
(١) انظر تفسير ((الإحاطة)) فيما سلف ١٣: ٥٨١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الإصابة)) فيما سلف: ١٣: ٤٧٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير ((الحسنة)) فيما سلف من فهارس اللغة (حسن).
(٣) الفلول))، مصدر ((فل))، لازماً، بمعنى: انهزم. وقد مر آنفاً فى كلام الطبرى أيضاً،
ولم أجد له ذكراً فى كتب اللغة. انظر ما سلف ٧ : ٣١٣، تعليق: ٣، وما قلته فى تصحيح ذلك
استظهاراً من قولهم: ((من فل ذل))، أى : من انهزم وفر عن عدوه ، ذل .
(٤) انظر تفسير ((التولى)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
ج ١٤ (١٩)

٢٩٠
تفسير سورة التوبة : ٥٠ ، ٥١
* ذكر من قال ذلك :
١٦٧٩٢ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال ابن عباس: ((إن تصبك حسنة تسؤهم))، يقول : إن
تصبك فى سفرك هذه الغزوة تبوك = ((حسنة تسؤهم))، قال : الجدُّ وأصحابه .
١٦٧٩٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((قد أخذنا أمرنا من قبل)) ، حِذْرنا .
١٦٧٩٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن
أبى نجيح، عن مجاهد: ((قد أخذنا أمرنا من قبل ))، قال : حِذْرنا .
١٦٧٩٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((إن تصبك حسنة تسؤهم))، إن كان فتح للمسلمين ، كبر
ذلك عليهم وساءَ هم.
#
القول فى تأويل قوله ﴿ قُل لَّنْ يُصِيَنَآ إِلَّ مَا كَتَبَ اللهُ
لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره، مؤدّباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم :
((قل))، يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عنك، لن يصيبنا، أيها المرتابون فى
دينهم = ((إلا ما كتب الله لنا))، فى اللوح المحفوظ، وقضاه علينا (١) = ((هو
"L
مولانا))، يقول: هو ناصرنا على أعدائه(٢) = ((وعلى الله فليتوكل المؤمنون))،
(١) انظر تفسير ((كتب)) فيما سلف من فهارس اللغة (كتب).
(٢) انظر تفسير ((المولى")) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).

٢٩١
تفسير سورة التوبة : ٥١، ٥٢
يقول: وعلى الله فليتوكل المؤمنون، فإنهم إن يتوكلوا عليه، ولم يرجُوا النصر من
عند غيره ، ولم يخافوا شيئاً غيره ، يكفيهم أمورهم ، وينصرهم على من بغاهم
وكادهم .(١).
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلَّ إِحْدَى
اٌلْْفَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّعُ بِكُمْ أَن يُصِيَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ
عِنْدِهِ، أَوْ بِأَيْدِينَ فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾ (٥)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل))،
يا محمد ، لهؤلاء المنافقين الذين وصفتُ لك صفتهم وبينت لك أمرهم: هل تنتظرون
بنا إلاّ إحدى الخَلَّتين اللتين هما أحسن من غيرهما، (٢): إما ظفراً بالعدوّ وفتحاً
لنا بِغَلَبَتِناهم، ففيها الأجر والغنيمة والسلامة = وإما قتلاً من عدوّنًا لنا، ففيه
الشهادة ، والفوز بالجنة، والنجاة من النار. وكلتاهما مما نُحبُّ ولا نكره= « ونحن
تتربص بكم أن يصيبكم اللّه بعذاب من عنده))، يقول : ونحن ننتظر بكم أن
يصيبكم الله بعقوبة من عنده عاجلة، تهلككم = ((أو بأيدينا))، فنقتلكم =
((فتربصوا إنا معكم متر بصون))، يقول: فانتظروا إنا معكم منتظرون ما الله فاعل
بنا، وما إليه صائرٌ أمر كلّ فريقٍ منّا ومنكم
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
#
٥
(١) انظر تفسير ((التوكل)" فيما سلف ص: ٤٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((التربص)) فيما سلف ص ١٧٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك
= وتفسير ((الحسنى)) فيما سلف ٩ : ٩٦، ٩٧ .

٢٩٢
تفسير سورة التوبة : ٥٢
ذكر من قال ذلك :
١٦٧٩٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين))، يقول :
فتح أو شهادة = وقال مرة أخرى : يقول : القتل ، فهى الشهادة والحياة والرزق .
وإمّا يخزيكم بأيدينا .
١٦٧٩٧ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((هل تربصون بنا إلاّ إحدى
١٠٦/١٠ الحسنيين))، يقول: قتل فيه الحياة والرزق، وإما أن يغلب فيؤتيه الله أجراً عظيماً،
وهو مثل قوله: ﴿وَمَنْ يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾، إلى ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ
نُوتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [ سورة المائدة: ٧٤ ].
١٦٧٩٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن
أبى نجيح، عن مجاهد قوله: ((إلا إحدى الحسنيين))، قال : القتل فى سبيل
اللّه ، والظهور على أعدائه .
١٦٧٩٩ -.... قال ، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال :
بلغنى عن مجاهد قال : القتل فى سبيل الله ، والظهور .
١٦٨٠٠ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((إحدى الحسنيين))، القتل فى
سبيل الله، والظهور على أعداء الله .
١٦٨٠١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن
ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه = قال ابن جريج ، قال ابن عباس: (( بعذاب
من عنده))، بالموت = ((أو بأيدينا))، قال: القتل.
١٦٨٠٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((هل تربصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين))، إلا فتحاً ، أو قتلاً فى سبيل

٢٩٣
تفسير سورة التوبة : ٥٢، ٥٣
الله = ((ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا))، أى :
قتل .
*
٥
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعَا أَوْ كَرْهَا لَّنْ
يَُقَبِّلَ مِنَكُمْ إِنََّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾ (٣)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل))،
يا محمد ، لهؤلاء المنافقين: أنفقوا كيف شئتم أموالكم فى سفركم هذا وغيره ،
وعلى أى حال شئتم، من حال الطوع والكره ، (١) فإنكم إن تنفقوها لن يتقبَّل الله
منكم نفقاتكم، وأنتم فى شك من دينكم ، وجهلٍ منكم بنبوة نبيكم ، وسوء معرفة
منكم بثواب الله وعقابه = ((إنكم كنتم قوماً فاسقين))، يقول : خارجين عن
الإيمان بربكم . (٢)
وخرج قوله: ((أنفقوا طوعا أو كرهاً))، مخرج الأمر، ومعناه الجزاء، (٣)
والعرب تفعل ذلك فى الأماكن التى يحسن فيها ((إن))، التى تأتى بمعنى الجزاء ، كما
قال جل ثناؤه: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [ سورة التوبة: ٨٠]، فهو
فى لفظ الأمر، ومعناه الجزاء ، (٣) ومنه قول الشاعر: (٤)
أَسِبِ بِنَا أَوْ أَحْسِ، لاَ مَلُومَةً لَدَيْنَاَ، وَلاَ مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ (٥)
(١) انظر تفسير ((الطوع)) فيما سلف ٦ : ٥٦٤، ٥٦٥.
= وتفسير ((الكره)) فيما سلف ص: ٢٨٣، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف ١٣: ١١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) فى المطبوعة فى الموضعين: ((ومعناه الخبر))، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة، وانظر
معانى القرآن للفراء ١ : ٤٤١ .
(٤) هو كثير عزة .
(٥) ملف تخريجه وبيانه فى التفسير ٢: ٢٩٤، ولم أشر هناك إلى هذا الموضع، ومعانى
القرآن للفراء ١ : ٤٤١ .

٢٩٤
تفسير سورة التوبة : ٫٥٣، ٥٤
فكذلك قوله : (( أنفقوا طوعاً أو كرهاً، إنما معناه : إن تنفقوا طوعاً أو كرهاً
لن يُتَقَبَّل منكم .
٠ ٠
وقيل : إن هذه الآية نزلت فى الجدّ بن قيس، حين قال للنبي صلى الله عليه
وسلم، لما عرض عليه النبى صلى الله عليه وسلم الخروج معه لغزو الروم: ((هذا
ما لى أعينك به )).
١٦٨٠٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس : قال ، الجدّ بن قيس: إنى إذا رأيت
النساء لم أصبر حتى أفتن، ولكن أعينك بمالى! قال: ففيه نزلت: ((أنفقوا
طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم))، قال: لقوله ((أعينك بمالى)).
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَا مَتَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ
تَقَاتُهُمْ إِلََّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَ سُولِهِ مِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوةَ
إِلَّ وَهُمْ كَُلَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّ وَهُمْ كَرِهُونَ) (٦)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وما منع هؤلاء المنافقين ، يا محمد ، أن
تقبل منهم نفقاتهم التى ينفقونها فى سفرهم معك ، وفى غير ذلك من السبل ، إلا
أنهم كفروا بالله وبرسوله .
= ف (( أن)) الأولى فى موضع نصب، والثانية فى موضع رفع، (١) لأن معنى
الكلام: ما منع قبول نفقاتهم إلا كفرهم بالله = ((ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى))،
(١) يعنى بالثانية ((أن)) المشددة فى ((أنهم))، وأما الأولى فهى ((أن)) الخفيفة

٢٩٥
تفسير سورة التوبة : ٥٤ ، ٥٥
يقول : لا يأتونها إلا متثاقلين بها. (١) إلا أنهم لا يرجون بأدائها ثواباً ، ولا يخافون
بتركها عقاباً ، وإنما يقيمونها مخافةً على أنفسهم بتركها من المؤمنين، فإذا أمنوهم
لم يقيموها = ((ولا ينفقون))، يقول: ولا ينفقون من أموالهم شيئاً = ((إلا وهم كارهون))،
أن ينفقوه فى الوجه الذى ينفقونه فيه، مما فيه تقوية للإسلام وأهله. (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿فَلاَ تُمْحِيْكَ أَمْوَلُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمْ
إِنَّا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهاَ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ
وَهُمْ گَفِرُونَ ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
١٠٧/١٠
فقال بعضهم : معناه : فلا تعجبك ، يا محمد ، أموال هؤلاء المنافقين ولا
أولادهم فى الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الآخرة . وقال: معنى ذلك
التقديمُ ، وهو مؤخر .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٨٠٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم))، قال: هذه من تقاديم الكلام، (٣)
(١) انظر تفسير ((كسالى)) فيما سلف ٩: ٣٣٠، ٣٣١.
(٢) انظر تفسير ((الكره)) فيما سلف ص: ٢٩٣، تعليق: ١ والمراجع هناك.
(٣) هذه أول مرة أجد استعمال ((تقاديم)) جمعاً فى هذا التفسير. وهى جمع ((تقديم)) كأمثاله
من قولهم ((التكاذيب))، ((والتكاليف))، و((التحاسين))، و((التقاصيب))، وما أشبهها.
وكان فى المخطوطة: ((هذه من تقاديم اللّه، ليعذبهم بها فى الآخرة))، ولكن ناشر المطبوعة نقل
هذا النص الثابت فى المطبوعة، من الدر المنثور ٣: ٢٤٩، وكأنه الصواب، إن شاء الله، ولذلك
تركته على حاله .
وانظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٤٢.

٢٩٦
تفسير سورة التوبة : ٥٥
يقول : لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم فى الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم
بها فى الآخرة .
١٦٨٠٥ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على ، عن ابن عباس قوله : إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الآخرة .
#
٠ ٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا ،
بما ألزمهم فيها من فرائضه .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٨٠٦ - حدثت عن المسيّب بن شريك، عن سلمان الأنصرى ، عن
الحسن: ((إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا))، قال: بأخذ الزكاة،
والنفقة فى سبيل الله .(١)
١٦٨٠٧ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا))، بالمصائب فيها ، هى لهم
عذابٌ ، وهى للمؤمنين أجرٌ .
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالصواب فى ذلك عندنا ، التأويلُ الذى
ذكرنا عن الحسن . لأن ذلك هو الظاهر من التنزيل، فصرْفُ تأويله إلى ما دلّ
عليه ظاهره، أولى من صرفه إلى باطنٍ لا دلالةَ على صحته .
وإنما وجَّه من وجَّه ذلك إلى التقديم وهو مؤخر ، لأنه لم يعرف لتعذيب اللّه
المنافقين بأموالهم وأولادهم فى الحياة الدنيا، وجيهاً يوجِّهه إليه، وقال: كيف يعذّبهم
(١) الأثر: ١٦٨٠٦ - ((المسيب بن شريك التميمى، أبو سعيد))، ترك الناس حديثه،
وقال البخارى: ((سكتوا عنه)). مترجم فى الكبير ٤ /١/ ٤٠٨، وابن أبى حاتم ٤ / ١/ ٢٩٤، وميزان
الاعتدال ٣ : ١٧١، ولسان الميزان ٦ : ٣٨ .
و((سلمان الأبصرى))، هكذا فى المخطوطة، وهو فى المطبوعة ((الأقصرى))، ولم أستطع أن أعرف
شيئاً عن هذا الاسم

٢٩٧
تفسير سورة التوبة : ٥٥ ، ٥٦
بذلك فى الدنيا وهى لهم فيها سرور ؟ وذهبَ عنه توجيهه إلى أنه من عظيم العذاب
عليه، إلزامُه ما أوجب اللّه عليه فيها من حقوقه وفرائضه، إذ كان يلزمه ويؤخذ منه
وهو غير طيِّب النفس، ولا راجٍ من الله جزاءً، ولا من الأخذ منه حمداً ولا شكراً،
على ضجرٍ منه وگرْهٍ .
وأما قوله: (( وتزهق أنفسهم وهم كافرون))، فإنه يعنى ونخرج أنفسهم ،
فيموتوا على كفرهم باللّه، وجحودهم نبوّةَ نبيّ اللّه محمد صلى الله عليه وسلم.
يقال منه: ((زَهَقَت نفس فلان، وزَهِقَت))، فمن قال: ((زَهَقَت)) قال:
((تَزْهَق))، ومن قال: ((زَهِقت))، قال: ((تزهق))، (( زهوقًا))، ومنه قيل :
((زَهَق فلان بين أيدى القوم يَزْهَق زُهُوقاً)) إذا سبقهم فتقدمهم. ويقال :
((زهق الباطل))، إذا ذهب ودرس .
#
القول فى تأويل قوله ﴿ وَيَخْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِكُمْ وَمَاهُمْ
مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفَرَّقُونَ ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ويحلف بالله لكم، أيها المؤمنون ، هؤلاء
المنافقون، كذباً وباطلاً، خوفاً منكم:((إنهم لمنكم)) فى الدين والملة. يقول الله تعالى،
مكذّباً لهم: ((وما هم منكم)) ، أى: ليسوا من أهل دينكم وملتكم ، بل هم أهل
(١) لا أدرى ما هذا، فإن أصحاب اللغة لم يذكروا فى مضارع اللغتين إلا ((تزهق)) بفتح الهاء ،
أما الأخرى فلا أدرى ما تكون ، ولا أجد لها عندى وجهاً، فتركتها على حالها لم أضبطها .

٢٩٨
تفسير سورة التوبة : ٥٦ ، ٥٧
٥
شكّ ونفاقٍ = (( ولكنهم قوم يفرقون)) ، يقول : ولكنهم قوم يخافونكم ، فهم
خوفاً منكم يقولون بألسنتهم: ((إنا منكم))، ليأمنوا فيكم فلا يُقْتَلوا.
٥
القول فى تأويل قوله ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجًّا أَوْ مَقْرَاتٍ أَوْ
مُدَخَلَا لَّوَّلَوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَعُونَ ﴾ (٢)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لو" يجد هؤلاء المنافقون ((ملجأ))، يقول:
عَصَراً يعتصرون به من حِصْن، ومَعْقِلاً يعتقلون فيه منكم = ((أو مغارات))،
= وهى الغيران فى الجبال، واحدتها:" ((مَغَارة))، وهى ((مفعلة))، من:
((غار الرجل فى الشىء، يغور فيه))، إذا دخل، ومنه قيل، ((غارت العين))،
إذا دخلت فى الحدقة .
#
#
= ((أو مدَّ خلاً)) يقول: سَرَباً فى الأرض يدخلون فيه .
...
وقال، ((أو مدّخلاً))، لأنه من ((ادَّخَل يَدَّ خيل)).(١).
٠ ٠ ٠
وقوله: ((لولّوا إليه)) يقول: لأدبروا إليه، هربًا منكم (٢) = ((وهم يجمحون)).
يقول : وهم يسرعون فى مَشْيِهم .
٠ ٠٠
وقيل: إن ((الجماح)) مشىٌ بين المشيين، (٣) ومنه قول مهلهل:
(١) فى المطبوعة: ((أو مدخلا الآيه، لأنه))، وهو خطأ فى الطباعة فيما أرجح، زاد ((الآية)) لشبهه
بقوله: ((لأنه)) بعده، وخالف الطابع المصحح ، فأثبت له ما صححه !!
(٢) انظر تفسير (التولى)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(٣) هذا نص نادر لا تجده فى كتب اللغة، فليقيد فيها هو وشاهده .

٢٩٩
تفسير سورة التوبة : ٥٧
لَقَدْ جَمَحْتُ ◌َِحاً فِى دِمَائِهِمُ حَتَّى رَأَيْتُ ذَوِى أَحْسَابِهِمْ خَدُوا(١)
#
#
١٠٨/١٠
وإنما وصفهم الله بما وصفهم به من هذه الصفة، لأنهم إنما قاموا بين أَظْهُرِ
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفرهم ونفاقهم وعداوتهم لهم ولما هم عليه
من الإيمان بالله وبرسوله ، لأنهم كانوا فى قومهم وعشيرتهم وفى دورهم وأموالهم،
فلم يقدروا على ترك ذلك وفراقه ، فصانعوا القوم بالنفاق ، ودافعوا عن أنفسهم
وأموالهم وأولادهم بالكفر ودعوى الإيمان ، وفى أنفسهم ما فيها من البغض لرسول الله
صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به والعداوة لهم. فقال الله، واصِفتَهم بما فى ضمائرهم:
((أو يجدون ملجأ أو مغاراتٍ))، الآية .
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٨٠٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية
عن على، عن ابن عباس قوله: ((أو يجدون ملجأ))، ((الملجأ))، الحِرْز فى الجبال،
((والمغارات))، الغيران فى الجبال. وقوله: ((أو مدَّخلاً))، و((المدّخل))،
السَّرَب .
١٦٨٠٩ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( لو يجدون ملجأ أو مغارات
أو مدّخلاً لولّوا إليه وهم يجمحون))، ((ملجأ))، يقول: حرزاً = ((أو مغارات))،
يعنى الغيران = ((أو مدخلاً))، يقول : ذهاباً فى الأرض ، وهو النفق فى الأرض،
وهو السَّرَّب .
١٦٨١٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
(١) لم أجد هذا البيت فيما وقفت عليه من شعر مهلهل. وقوله: (خدا))، أى: سكنوا فماتوا،
كما تنطقء الجمرة .

٣٠٠
تفسير سورة التوبة : ٥٧ ، ٥٨
عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((لو يجدون ملجأ أو مغارات أو
مدّخلاً ))، قال : حرزاً لهم يفرُّون إليه منكم .
١٦٨١١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً )) ، قال :
محرزاً لهم، لفرُّوا إليه منكم - وقال ابن عباس: قوله: ((لو يجدون ملجأ))، حرزاً
= ((أو مغارات))، قال: الغيران = ((أو مدّخلاً))، قال: نفقاً فى الأرض.
١٦٨١٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: ((لو
يجدون ملجأ أو مغارات أو مدّخلاً))، يقول: ((لو يجدون ملجأ))، حصوناً
= ((أو مغارات))، غيراناً = ((أو مدخلاً))، أسراباً = ((لولوا إليه وهم يجمحون)).
٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ
فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَاَ رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُمْطَوْاْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) ®)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ومن المنافقين الذين وصفت لك، يا محمد،
صفتهم فى هذه الآيات = ((من يلمزك فى الصدقات))، يقول : يعيبك فى أمرها ،
ويطعُنُ عليك فيها .
يقال منه: ((لمزفلان فلاناً يَدْمِزُه، ويَلْمُزُه)) إذا عابه وقرصه، وكذلك
((همزه))، ومنه قيل: ((فلان هُمَزَّةٌ لُمَزَة))، ومنه قول رؤبة :
قَرَبْتُ بَيْنَ عَنَفِى وَجْزِى فِى ظِلِّ عَصْرَىْ بَاطِ وَلَمْزِى(١)
(١) ديوانه: ٦٤، من رجزه فى أبان بن الوليد البجل، ثم ذكر فيها نفسه، فقال: