Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
تفسير سورة التوبة : ٤٠٠
القول فى تأويل قوله ﴿ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ, عَلَيْهِ
وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَِّنَ كَفَرُواْ السُّغْلَى
وَكَلِمَةُ اللهِ مِيَ آلْعَلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فأنزل الله طمأنينته وسكونه على رسوله(١)
= وقد قيل: على أبى بكر = ((وأيده بجنود لم تروها))، يقول: وقوَّاه بجنودٍ من عنده
من الملائكة، لم تروها أنتم (٢) = ((وجعل كلمة الذين كفروا))، وهى كلمة
الشرك = ((السُّفْلى))، لأنها قُهِرَت وأذِلَّت، وأبطلها اللّه تعالى، ومحق أهلها، وكل
مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب، والغالب هو الأعلى = (( وكلمة اللّه هى
العليا))، يقول: ودين الله وتوحيده وقولُ لا إله إلا الله، وهى كلمتُه = ((العليا))،
على الشرك وأهله، الغالبةُ، (٣) كما :-
١٦٧٣٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى معاوية
عن على، عن ابن عباس قوله: ((وجعل كلمة الذين كفروا السفلى))، وهى الشرك
بالله = ((وكلمة الله هى العليا))، وهى: لا إله إلا الله.
٠ ٠
٠
٠
وقوله: ((وكلمة الله هى العليا))، خبر مبتدأ، غيرُ مردود على قوله: ((وجعل
كلمة الذين كفروا السفلى))، لأن ذلك لو كان معطوفاً على ((الكلمة)) الأولى،
لكان نصباً . (٤)
(١) انظر تفسير ((السكينة)) فيما سلف ص: ١٨٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((التأييد)) فيما سلف ص: ٤٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الأعلى)) فيما ملف ٧ : ٢٣٤.
(٤) انظر تفصيل ذلك فى معانى القرآن الفراء ١: ٤٣٨، وهو فصل جيد واضح.

٢٦٢
تفسير سورة التوبة : ٤٠، ٤١
وأما قوله: ((والله عزيز حكيم))، فإنه يعنى: ((والله عزيز))، فى انتقامه
٩٧/١٠ من أهل الكفر به ، لا يقهره قاهر ، ولا يغلبه غالب ، ولا ينصر من عاقبه
ناصر = ((حكيم))، فى تدبيره خلقه، وتصريفه إياهم فى مشيئته.(١)
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ أَنِفِرُواْ خِفَفَاَ وَثِقَلًا ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى معنى ((الخفة)) و((الثقل))، اللذين
أمر الله من كان به أحدهما بالنفر معه .
فقال بعضهم: معنى ((الخفة))، التى عناها اللّه فى هذا الموضع ، الشباب
= ومعنى ((الثقل))، الشيخوخة.
ذكر من قال ذلك :
٠
١٦٧٣٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن رجل ،
عن الحسن فى قوله: ((انفروا خفافاً وثقالا))، قال : شيباً وشبّاناً.
١٦٧٣٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص، عن عمرو ، عن الحسن
قال : شيوخاً وشباناً .
١٦٧٣٦ -.... قال ، حدثنا ابن عيينة، عن على بن زيد، عن أنس ،
عن أبى طلحة: ((انفروا خفافاً وثقالاً))، قال: كهولاً وشباناً، ما أسمع الله
عَذَرَ واحداً !! (٢) فخرج إلى الشأم، فجاهد حتى مات.(٣)
(١) انظر تفسير ((عزيز)) و((حكيم))، فيما سلف من فهارس اللغة (عزز)، (حكم).
(٢) فى المطبوعة: ((عذر أحداً))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) الأثر: ١٦٧٣٦ - ((على بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة))، مضى مراراً، وثقة
أخى السيد أحمد فيما سلف رقم: ٤٨٩٧، وقد تكلم فيه أحمد وغيره قال: ((ضعيف الحديث)).
و((أنس)) هو ((أنس بن مالك)) خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

٢٦٣
تفسير سورة التوبة : ٤١
١٦٧٣٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن المغيرة
ابن النعمان قال : كان رجل من النَّخع، وكان شيخاً بادناً، فأراد الغزوّ، فمنعه
سعد بن أبى وقاص فقال: إن الله يقول: ((انفروا خفافاً وثقالاً))! فأذن له سعد.
فقتل الشيخ، فسأل عنه بعدُ عُمَرُ، فقال: ما فعل الشيخ الذى كأنَّه من بنى هاشم؟(١)
فقالوا : قتل يا أمير المؤمنين!(٢)
١٦٧٣٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هرون ، عن إسماعيل ،
عن أبى صالح قال : الشابُ والشيخ .
١٦٧٣٩ -.... قال، حدثنا أبو أسامة، عن مالك بن مغول ، عن
إسمعيل ، عن عكرمة قال : الشاب والشيخ .
١٦٧٤٠ -.... قال ، حدثنا المحاربى، عن جويبر ، عن الضحاك :
كهولاً وشبَّاناً.
١٦٧٤١ -.... قال ، حدثنا حبويه، أبو يزيد ، عن يعقوب القمى ،
عن جعفر بن حميد ، عن بشر بن عطية: كهولاً وشباناً (٣).
و((أبو طلحة))، هو ((زيد بن سهل الأنصارى))، صاحب رسول اللّه، شهد العقبة،
وبدراً ، المشاهد كلها .
وهذا الخبر، رواه ابن سعد فى الطبقات ٦٦/٢/٣ من طريق عفان بن مسلم ، عن حماد
ابن سلمة ، عن ثابت ، وعلى بن زيد، عن أنس، مطولا ، بغير هذا اللفظ . ورواه الحاكم فى
المستدرك ٣: ٣٥٣، من هذه الطريق نفها وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم
يخرجاه)».
وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ٢٤٦، وزاد نسبته إلى ابن أبى عمر العدنى فى مسنده،
وعبد الله بن أحمد بن حنبل فى زوائد الزهد، وأبى يعلى، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، وابن حبان،
وابن أبى حاتم ، وأبى الشيخ ، وابن مردويه .
وخرجه الهيشى فى مجمع الزوائد ٩ : ٣١٢، بغير هذا اللفظ، وقال: ((رواه أبو يعلى،
ورجاله رجال الصحيح)).
(١) فى المطبوعة: ((كان من بنى هاشم))، وهو خطأ لاشك فيه، فإن الرجل ((من النخع))،
كما ذكر قبل ، والصواب ما فى المخطوطة .
(٢) الأثر: ١٦٧٣٧ - ((المغيرة بن النعمان النخعى))، ثقة، مضى برقم : ١٣٦٢٢.
(٣) الأثر: ١٦٧٤١ - ((حبويه، أبو زيد))، هو ((إسحق بن إسماعيل الرازى))،

٢٦٤
٠
تفسير سورة التوبة : ٤١
١٦٧٤٢ - حدثنا الوليد قال، حدثنا على بن سهل قال ، حدثنا الوليد بن
مسلم، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، فى قوله: ((انفروا خفافاً
صـ
وثقالاً )) ، قال : شباناً و کهولاً" .
١٦٧٤٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((انفروا خفافاً وثقالاً))، قال : شباباً
وشيوخاً ، وأغنياء ومساكين .
١٦٧٤٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال، قال الحسن : شيوخاً وشبّاناً .
١٦٧٤٥ - حدثنى سعيد بن عمرو قال، حدثنا بقية قال ، حدثنا حَرِيز
قال ، حدثنى حبان بن زيد الشرعيّ قال : نفرنا مع صَفْوان بن عمرو ، وكان
والياً على حمص قِبَلَ الأفْسوس، إلى الجَرَّاجمة، (١) فلقيت شيخاً كبيراً همًّا، (٢)
قد سقط حاجباه على عينيه ، من أهل دمشق ، على راحلته ، فيمن أغار. (٣)
فأقبلت عليه فقلت : يا عمّ ، لقد أعذر الله إليك! فرفع حاجبيه ، فقال: يا ابن
مضى مراراً، منها رقم: ١٥٩٩٣، وكتب فى المطبوعة: ((حيوة))، وغير ما فى المخطوطة ، وهو
خطأ محمض .
وأما (( جعفر بن حميد))، فلم أجد له ذكراً فى شىء من مراجعى، والذى يروى عنه يعقوب
ابن عبد الله القمى، هو: ((جعفر بن أبى المغيرة الخزاعى القمى))، والذى نقله ابن حجر فى
التهذيب فى ترجمته عن أبى نعيم أن اسم ((أبى المغيرة)) هو: ((دينار)) لا ((حميد)).
وأما ((بشر بن عطية))، فلم أجد من يسمى بهذا إلا ((بشر بن عطية))، رجل روى عنه مكحول ،
يقال هو صحابى، ويقال هو: ((بشر بن عصمة المزنى))، انظر لسان الميزان ٢: ٢٦، ٢٧،
فى الترجمتين، والإصابة فى ترجمة الاسمين . وهذا كله مضطرب .
(١) ((الأفسوس))، بلد بثغور طرسوس، و((طرسوس)) مدينة بثغور الشأم بين أنطاكية
وحلب وبلاد الروم .
۔
و((الجراجية))، نبط الشام، ويقال: هم قوم من العجم بالجزيرة.
وكان فى المخطوطة: ((قبل الأمسون إلى الحراصه)»، والصواب ما فى المطبوعة وهو مطابق لما فى
تفسير ابن كثير ٤ : ١٧٦، نقلا عن هذا الموضع من الطبرى .
(٢) ((الهم)» (بكسر الهاء): الشيخ الكبير الفافى البالى .
(٣) فى المخطوطة: ((أعات))، والصواب ما فى المطبوعة، وهو موافق لما فى ابن كثير.

٢٦٥
تفسير سورة التوبة : ٤١
أخى، استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، من يحبَّه اللّه يبتّله، ثم يعيده فيبْتليه، (١) إنما
يبتلى الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا اللّه. (٢)
١٦٧٤٦ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
إسماعيل، عن أبى صالح: ((انفروا خفافاً وثقالاً))، قال: كل شيخ وشابٌ.
وقال آخرون: معنى ذلك: مشاغيل وغير مشاغيل .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٧٤٧ - حدثنا ابن بشار وابن وكيع قالا، حدثنا عبد الرحمن قال ،
حدثنا سفيان، عن منصور، عن الحكم فى قوله: ((انفروا خفافاً وثقالاً))، قال:
مشاغيل وغير مشاغيل .
...
وقال آخرون : معناه : انفروا أغنياء وفقراء .
• ذكر من قال ذلك :
(١) فى المطبوعة: ((من يحبه الله يبتليه، ثم يعيده فيبقيه))، وأثبت ما فى المخطوطة،
فهو الصواب وحده .
(٢) الأثر: ١٦٧٤٥ - ((بقية)) هو ((بقية بن الوليد))، سلف مراراً كثيرة.
و ((حريز)» هو ((حريز بن عثمان بن جبر الرحبى))، ثقة مأمون، ثبت فى الحديث، وإنما وضع
منه من وضع، لأنه كان ينال من على رضى الله عنه، ثم ترك ذلك. و((حريز)) ( بفتح الحاء ،
وكسر الراء). وقال أبو داود: ((شيوخ حريز، كلهم ثقات)). مترجم فى التهذيب، والكبير
٩٦/١/٢، وابن أبى حاتم ٢٨٩/٢/١.
وكان فى المطبوعة: ((جرير))، وهو فى المخطوطة غير منقوط .
و((حبان بن زيد الشرعى)) (بكسر الحاء من: حبان)، أبو غداش الحمصى، ذكره
ابن حبان فى الثقات، وسلف قبل أن أبا داود ، وثق جميع شيوخ حريز بن عثمان. مترجم فى التهذيب ،
والكبير ٧٨/١/٢، وابن أبى حاتم ٢٦٩/٢/١.
و ((صفوان بن عمرو))، كأنه هو («صفوان بن عمرو بن هرم السكسكى))، ثقة. والذى
حبلنى على هذا الظن، إنى رأيت فى ترجمته فى التهذيب عن أبى اليمان، عن صفوان: ((أدركت
من خلافة عبد الملك، وخرجنا فى بعث سنة ٩٤))، ولكنى لم أجد ذكراً اولايته على حمص.
وقد سلف «صفوان بن عمرو السكسكى)» مراراً، منها رقم: ٧٠٠٩، ١٢٨٠٧، ١٣١٠٨.

٢٦٦
تفسير سورة التوبة : ٤١
١٦٧٤٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عمن ذكره ،
عن أبى صالح: ((انفروا خفافاً، وثقالاً))، قال: أغنياء وفقراء .
٠٠٠
وقال آخرون : معناه : نشاطاً وغير نشاط .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٧٤٩ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى
٩٨/١٠ قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((انفروا خفافاً وثقالاً))،
يقول : انفروا نشاطاً وغير نشاط .
١٦٧٥٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر عن قتادة: (( خفافاً وثقالاً))، قال : نشاطاً وغير نشاط .
وقال آخرون : معناه : ركباناً ومشاةٌ .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٧٥١ - حدثنا على بن سهل قال، حدثنا الوليد قال ، قال أبو عمرو :
إذا كان النَّفْر إلى دروب الشأم، نفر الناس إليها ((خفافاً)، ركباناً. وإذا كان النَّفْر
إلى هذه السواحل، نفروا إليها (خفافاً وثقالاً))، رتباناً ومشاة.
٠٠٠
وقال آخرون : معنى ذلك : ذا ضَيْعة وغير ذى ضَيْعة .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٧٥٢ -حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((انفروا خفافاً وثقالاً))، قال: " الثقيل)»، الذى له الضيعة ، فهو ثقيل
يكره أن يُضيع ضَيْعته ويخرج = و((الخفيف)) الذى لا ضيعة له، فقال اللّه:
(((انفروا خفافاً وثقالاً)).
١٦٧٥٣ - حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر ، عن أبيه قال :

٢٦٧
تغير سورة التوبة : ٤١
زعم حضرمىّ أنه ذُكر له أن ناساً كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلاً أو كبيراً
فيقول: إن أجتنبْه إباءً، فإنى آثم!(١) فأنزل الله: ((انفروا خفافاً وثقالاً)).
١٦٧٥٤ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا
أيوب، عن محمد قال: شهد أيوب مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدرًا، ثم لم
يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا وهو فى أخرى ، (٢) إلا عاماً واحداً . وكان أيوب
يقول: ((انفروا خفافاً وثقالاً))، فلا أجدنى إلاّ خفيفاً أو ثقيلاً". (٣)
١٦٧٥٥ - حدثنا على بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال ، حدثنا
حَرِيز بن عثمان ، عن راشد بن سعد ، عمن رأى المقداد بن الأسود فارسَ رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم على تابوتٍ من توابيت الصَّارفة بحمص، وقد فَضَل عنه
من عِظَمِه، فقلت له: لقد أعذر الله إليك! فقال: أبتْ علينا ((سورة البعوث))، (٤)
((انفروا خفافاً وثقالاً)).(٥)
(١) فى المطبوعة مكان: ((إن أحتنبه إباء، فإنى آثم)) ما نصه: ((فيقول: إنى أحسبه
قال: أنا لا آثم))، وهو مضطرب جداً، وفى تفسير ابن كثير ٤ : ١٧٤، ١٧٥،
اختصر الكلام وكتب: ((فيقول: إنى لا آثم))، وفى الدر المنثور ٣: ٢٤٦، مثله مختصراً.
وأما المخطوطة فكان رسمها هكذا: ((فيقول: إن أحسبه أباً قال آثم))، فآثرت قراءتها كما أثبتها،
ومعناه: إن أجتنب النفر إباء للغزو، فإنى آثم ، ولكن على أو كبرى عذر يدفع عنى إثم التخلف .
هذا ما رجحته ، والله أعلم .
(٢) فى المطبوعة: ((إلا وهو فى أخرى))، وفى المخطوطة: ((فى آخرين))، وحذف هذه العبارة
ابن كثير فى تفسيره، والسيوطى فى الدر المنثور. وهى صحيحة المعنى، رواها ابن سعد ((فى أخرى))
كما فى المطبوعة: ورواها الحاكم: ((إلا هو فيها)).
(٣) الأثر: ١٦٧٥٤ - رواه ابن سعد فى الطبقات ٤٩/٢/٣ من طريق إسماعيل
ابن إبراهيم الأسدى، وهو ((ابن علية))، مطولا مفصلا .
ورواه الحاكم فى المستدرك ٣ : ٤٥٨، من هذه الطريق نفسها ، مطولا .
(٤) هكذا جاءهنا فى المخطوطة: ((البعوث))، وأنا فى شك منه شديد، لأنى لم أجد من
سمى ((سورة التوبة))، ((سورة البعوث)، بل أجمعوا على تسميتها ((سورة البحوث))، كما سأفسره
بعد ص: ٢٦٨، تعليق: ٢. ثم انظر آخر التعليق على الخبر رقم : ١٦٧٥٦.
(٥) الأثر: ١٦٧٥٥. ((حريز بن عثمان بن جبر الرحبى))، مضى آنفاً برقم ١٦٧٤٥.
وكان فى المطبوعة: ((جرير))، وهو خطأ، وفى المخطوطة غير منقوط.
و ((راشد بن سعد المقرائى الحبرانى الحمصى))، ثقة، لا بأس به إذا لم يحدث عنه متر وك،

٢٦٨
تفسير سورة التوبة : ٤١
١٦٧٥٦ - حدثنا سعيد بن عمرو السكونى قال، حدثنا بقية بن الوليد قال :
حدثنا حريز قال ، حدثنى عبد الرحمن بن ميسرة قال ، حدثنى أبو راشد الحبرانى
قال: وافيت المقداد بن الأسود فارسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً على
تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، قد فَضَل عنها من عِظَمه، (١) يريد الغزو،
فقلت له: لقد أعذر اللّه إليك! فقال، أبَتْ علينا ((سورة البُحُوث)): (٢)
((انفروا خفافاً وثقالاً)).(٣)
وشيوخ ((حريز بن عثمان)) ثقات جميعاً، كما أسلفت فى رقم: ١٦٧٤٥، و((حريز)) ثقة فى نفسه .
وهذا الخبر سيأتى بعد هذا ، ليس فيه مجهول .
(١) فى المطبوعة: ((فضل عنه))، وأثبت ما فى المخطوطة، لأنه صواب محض، فالتابوت،
يذكر ، وقد يؤنث .
(٢) فى المطبوعة: ((البعوث))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الموافق لرواية هذا الأثر فى
المراجع التى سأذكرها. و ((البحوث)): منهم من يقولها بضم الباء، جمع ((بحث))، سميت بذلك
لأنها بحثت عن المنافقين وأسرارهم ، أى : استثارتها وفتشت عنها .
وقد قال ابن الأثير إنه رأى فى ((الفائق)) الزمخشرى ((البحوث)) بفتح الباء ، ومطبوعة الفائق،
لا ضبط فيها. ثم قال ابن الأثير: ((فإن صحت ، فهى فعول ، من أبنية المبالغة ، ويقع على الذكر
والأنثى، كامرأة صبور، ويكون من باب إضافة الموصوف إلى الصفة)). أما الزمخشرى فقال :
((سورة البحوث : هى سورة التوبة، لما فيها من البحث عن المنافقين وكشف أسرارهم، وتسمى
المهمثرة)).
وهذا كله يؤيد ما ذهبت إليه فى ص ،٢٦٧ ، التعليق رقم : ٤.
(٣) الأثر: ١٦٧٥٦ - انظر التعليق على الأثر السالف رقم : ١٦٧٥٥.
((سعيد بن عمرو السكونى))، شيخ الطبرى، ثقة، مضى برقم : ٥٥٦٣ ، ٦٥٢١،
وغيرهما .
و ((بقية بن الوليد))، مضى توثيقه، ومن تكلم فيه قريباً رقم : ١٦٧٤٥ .
و((حريز)) هو ((حريز بن عثمان))، سلف فى الأثر السالف، ومراجعه هناك، وكان فى
المطبوعة هنا ((جرير)) أيضاً، والمخطوطة غير منقوطة .
و ((عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمى))، أبو سلمة الحمصى، ثقة، لأن أبا داود قال:
((شيوخ حريز كلهم ثقات)). مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢٨٥/٢/٢.
و((أبو راشد الحبرانى الحميرى الحمصى))، تابعى ثقة. لم يرو عنه غير ((حريز)). مترجم فى
التهذيب، والكنى البخارى : ٣٠.
وهذا الخبر رواه ابن سعد فى الطبقات ١١٥/١/٣، من طريق يزيد بن هارون ، عن

٢٦٩
تفسير سورة التوبة : ٤١
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك عندنا بالصواب أن يقال : إن الله
تعالى ذكره أمر المؤمنين بالنّفر الجهاد أعدائه فى سبيله ، خفافاً وثقالاً . وقد يدخل
فى ((الخفاف)) كل من كان سهلاً عليه النفر لقوة بدنه على ذلك، وصحة جسمه
وشبابه، ومن كان ذا يُسْرِ بمالٍ وفراغ من الاشتغال، (١) وقادراً على الظهر والركاب .
ويدخل فى ((الثقال))، كل من كان بخلاف ذلك ، من ضعيف الجسم وعليله
وسقيمه ، ومن مُعْسِرٍ من المال ، ومشتغل بضيعة ومعاش، ومن كان لا ظهرَ له
ولا ركاب ، والشيخ ذو السُّن والعِيَال.
فإذ كان قد يدخل فى ((الخفاف)) و ((الثقال)) من وصفنا من أهل الصفات
التى ذكرنا ، ولم يكن الله جل ثناؤه خصَّ من ذلك صنفاً دون صنف فى الكتاب،
ولا على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا نَصَب على خصوصه دليلاً، وجب
أن يقال : إن الله جل ثناؤه أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد فى سبيله
خفافاً وثقالاً مع رسوله صلى الله عليه وسلم"، على كل حال من أحوال الخفّة
والثقل .
*
١٦٧٥٧ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
إسرائيل ، عن سعيد بن مسروق ، عن مسلم بن صبيح قال : أول ما نزل من
((براءة)): ((انفروا خفافاً وثقالاً)).
حريز بن عثمان (وفى الطبقات : جرير، وهو خطأ كما بينت) .
ورواه الحاكم فى المستدرك من طريق: بقية بن الوليد ، عن حريز بن عثمان (وفيه : جرير ،
وهو خطأ) .
وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد ٧: ٣٠، وقال: ((رواه الطبرانى، وفيه بقية بن الوليد،
وفيه ضعف، وقد وثق. وبقية رجاله ثقات)).
قلت: قد تبين من التخريج أنه رواه عن ((حريز))، ((يزيد بن هارون))، وهو ثقة روى له
الجماعة ، كما سلف مراراً .
هذا، وقد جاء فى مجمع الزوائد ((سورة البعوث))، وانظر ما كتبته آنفاً فى ص: ٢٦٧، تعليق: ٤،
و ص : ٢٦٨، تعليق : ٠٢
(١) فى المطبوعة: ((ذا تيسر))، والذى فى المخطوطة محض الصواب.

٢٧٠
تفسير سورة التوبة : ٤١
١٦٧٥٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن أبيه ،
عن أبى الضحى ، مثله .
١٦٧٥٩ - حدثنا الحارث قال، حدثنا القاسم قال ، حدثنا حجاج ، عن
٩٩/١٠ ابن جريج، عن مجاهد قال: إن أول ما نزل من ((براءة)): ((لقد نصركم الله فى
مواطن كثيرة))، قال: يعرِّفهم نصره، ويوطِّهم لغزوة تَبُوك .
القول فى تأويل قوله ﴿وَجْهِدُواْ بِأَمْوْلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ
فِى سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُثُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالی ذ کره للمؤمنين به و برسوله من أصحاب رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم: ((جاهدوا))، أيها المؤمنون، الكفارَ = ((بأموالكم))، فأنفقوها فى مجاهدتهم
على دين الله الذى شرعه لكم ، حتى ينقادوا لكم ، فيدخلوا فيه طوعاً أو كرهاً ،
أو يعطوكم الجزية عن يدٍ صَغّاراً، إن كانوا أهل كتابٍ، أو تقتلوهم (١) -(وأنفسكم))،
يقول: وبأنفسكم، فقاتلوهم بأيديكم، يخزهم الله وينصركم عليهم = ((ذلكم
خير لكم))، يقول: هذا الذى آمركم به من النفر فى سبيل الله تعالى خفافاً وثقالاً ،
وجهادٍ أعدائه بأموالكم وأنفسكم، خيرٌ لكم من التثاقل إلى الأرض إذا استنفرتم ،
والخلود إليها ، والرضى بالقليل من متاع الحياة الدنيا عوضاً من الآخرة = إن كنتم
من أهل العلم بحقيقة ما بُيّن لكم من فضل الجهاد فى سبيل الله على القعود عنه .
(١) انظر تفسير ((الجهاد)) فيما سلف ص: ١٧٣، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
= وتفسير ((سبيل اللّه)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
٠

٢٧١
تفسير سورة التوبة : ٤٢
القول فى تأويل قوله ﴿لَوْ كَانَ عَرَضَا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَصِدًا
لَّمُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ أَسْتَطْنَاً
لَخَرَجْنَ مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَّذِبُونَ ) )
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه للنبى صلى اللّه عليه وسلم ، وكانت جماعة
من أصحابه قد استأذنوه فى التخلُّف عنه حين خرج إلى تبوك ، فأذن لهم : لو كان
ما تدعو إليه المتخلفين عنك ، والمستأذنيك فى ترك الخروج معك إلى مغزاك الذى
استنفرّهم إليه = ((عرضاً قريباً))، يقول: غنيمة حاضرة(١) = ((وسفراً قاصداً))،
يقول: وموضعاً قريباً سهلاً = ((لاتبعوك))، ونفروا معك إليهما، ولكنك استنفرتهم
إلى موضع بعيد، وكلفتهم سفراً شاقًّا عليهم ، لأنك استنهضتهم فى وقت الحرّ ،
وزمان القَيْظ، وحين الحاجة إلى الكِنِّ = ((وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا
معكم))، يقول تعالى ذكره: وسيحلف لك، يا محمد ، هؤلاء المستأذنوك فى ترك
الخروج معك، اعتذاراً منهم إليك بالباطل ، لتقبل منهم عذرهم ، وتأذن لهم فى
التخلُّف عنك، باللّه كاذبين= ((لو استطعنا لخرجنا معكم))، يقول : لو أطقنا
الخروجَ معكم، بوجود السَّعة والمراكب والظهور وما لا بُدَّ للمسافر والغازى منه،
وصحة البدن والقوى ، لخرجنا معكم إلى عدوّكم = (( يهلكون أنفسهم))، يقول: يوجبون
لأنفسهم، بحلفهم باللّه كاذبين، الهلاك والعطب، (٢) لأنهم يورثونها سَخَط اللّه،
ويكسبونها أليم عقابه = ((والله يعلم إنهم لكاذبون))، فى حلفهم بالله: ((لو استطعنا
لخرجنا معكم))، لأنهم كانوا للخروج مطيقين، بوجود السبيل إلى ذلك بالذى
كان عندهم من الأموال، مما يحتاج إليه الغازى فى غزوه ، والمسافر فى سفره ،
(١) انظر تفسير ((العرض)) فيما سلف ص: ٥٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الهلاك)) فيما سلف ١٣: ١٥٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

,٢٧٢
تفسير سورة التوبة : ٤٢، ٤٣
وصحة الأبدان وقوى الأجسام .
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
١٦٧٦٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((لو كان عرضاً قريباً))، إلى قوله: ((لكاذبون))، إنهم يستطيعون
الخروج، ولكن كان تَبْطِئَةً من عند أنفسهم والشيطان ، وزَهَادة فى الخير.
١٦٧٦١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن قتادة: ((لو كان عرضاً قريباً))، قال: هى غزوة تبوك.
١٦٧٦٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((والله
يعلم إنهم لكاذبون))، أى: إنهم يستطيعون.(١)
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿ عَفَاَ اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ
حَتَّى يَتَبَيِّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَذِينَ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر: وهذا عتابٌ من الله تعالى ذكره ، عاتبٌ به نبيّه صلى اللّه
عليه وسلم فى إذنه لمن أذن له فى التخلف عنه، حين شخص إلى تبوك لغزو الروم،
من المنافقين .
يقول جل ثناؤه: ((عفا الله عنك))، يا محمد، ما كان منك فى إذنك
لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك فى ترك الخروج معك ، وفى التخلف عنك ، من
١٠٠/١٠ قبل أن تعلم صدقه من كذبه(٢) = ((لم أذنت لهم))، لأى شىء أذنت لهم؟ =
(١) الأثر: ١٦٧٦٢ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٤١، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٦٩٩.
(٢) انظر تفسير ((العفو)) فيما سلف من فهارس اللغة (عنا).

٢٧٣
تفسير سورة التوبة : ٤٣
(( حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين)»، يقول : ما كان ينبغى لك أن
تأذن لهم فى التخلف عنك إذا قالوا لك: ((لو استطعنا لخرحنا معك))، حتى تعرف
مَن له العذر منهم فى تخلفه، ومن لا عذر له منهم ، فيكون إذنك لمن أذنتَ له
منهم على علم منك بعذره ، وتعلمَ مَنِ الكاذبُ منهم المتخلفُ نفاقاً وشكًّا فى
دين الله .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
١٦٧٦٣ - حاثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نحيح، عن مجاهد: (( عفا الله عنك لم أذنت لهم))، قال :
ناسٌ قالوا: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن أذن لكم فاقعدوا،
وإن لم يأذن لكم فاقعدوا .
١٦٧٦٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا)) الآية، عاتبه كما
تسمعون، ثم أنزل اللّه التى فى ((سورة النور))، فرخص له فى أن يأذن لهم إن شاء، فقال:
﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأَذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾، [ سورة النور: )
فجعله الله رخصةً فى ذلك من ذلك.
١٦٧٦٥ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان
أبن عيينة ، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن ميمون الأودى قال : اثنتان فعلهما
رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يؤمر فيهما بشىء: إذنه للمنافقين، وأخذه من
الأسارى، فأنزل الله: ((عفا الله عنك لم أذنت لهم))، الآية .
١٦٧٦٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، قرأت على
سعيد بن أبى عروبة ، قال: هكذا سمعته من قتادة، قوله: (( عفا اللّه عنك لم
ج ١٤ (١٨)

٢٧٤
تفسير سورة التوبة : ٤٣ ، ٤٤
أذنت لهم)) الآية، ثم أنزل اللّه بعد ذلك فى ((سورة النور)): ﴿فَإِذَا أُسْتَأْذَ نُوكَ
◌ِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) الآية .
١٦٧٦٧ - حدثنا صالح بن مسمار قال، حدثنا النضر بن شميل قال ،
أخبرنا موسى بن سَرْوان، قال: سألت مورَّقاً عن قوله: ((عفا اللّه عنك))،
قال : عاتبه ربه . (١)
*
القول فى تأويل قوله ﴿لَا يَسْتَثْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلهِ
وَأَلْيَوْمِ الْأَخِرِ أَنْ يُجْهِدُواْ بِأَمْوْلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمَتَّقِينَ﴾ (١)
قال أبو جعفر: وهذا إعلامٌ من الله نبيّه صلى اللّه عليه وسلم سِيمًا المنافقين:
أن من علاماتهم التى يُعرفون بها، تخلُّفهم عن الجهاد فى سبيل الله، باستئذانهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تركهم الخروجَ معه إذا استنفروا بالمعاذير الكاذبة .
يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا تأذننَّ فى التخلُّف
عنك إذا خرجت لغزو عدوّك ، لمن استأذنك فى التخلف من غير عذر ، فإنه
لا يستأذنك فى ذلك إلا منافق لا يؤمن بالله واليوم الآخر. فأمَّا الذى يصدّق بالله،
ويقرُّ بوحدانيته وبالبعث والدار الآخرة والثواب والعقاب ، فإنه لا يستأذنك فى
(١) الأثر. ١٦٧٦٧ - ((صالح بن مسمار المروزى السلمى))، شيخ الطبرى، مضى برقم:
٢٢٤.
و ((النضر بن شميل المازنى)) الإمام النحوى، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم : ١١٥١٢
و ((موسى بن سروان العجلى))، ويقال: ((ثروان)) و((فروان)) مضى برقم: ١١٤١١،
وكان فى المطبوعة هنا ((موسى بن مروان))، وهو خطأ، وأثبت ما فى المخطوطة
و ((مورق))، هو ((مورق بن مشمرج العجلى))، ثقة عابد من العباد الخشن مترجم فى التهذيب،
والكبير ٥١/٢/٤، وابن أبى حاتم ٤ /٤٠٣/١

٢٧٥
تفسير سورة التوبة : ٤٤ ، ٤٥
ترك الغزو وجهاد أعداء اللّه بماله ونفسه (١)= ((والله عليم بالمتقين))، يقول: والله
ذو علم بمن خافه ، فاتقاه بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه، والمسارعة إلى طاعته
فى غزو عدوّه وجهادهم بماله ونفسه، وغير ذلك من أمره ونهيه. (٢)
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
*
١٦٧٦٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: (( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله))، فهذا تعبيرٌ
للمنافقين حين استأذنوا فى القُعود عن الجهاد من غير ◌ُعُذْر، وعَذَر اللّه المؤمنين
فقال: ﴿لَمَّ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِ نُوهُ﴾، [سورة النور: ٦٢].
#
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّا يَسْتَثْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ وَأَرْ تَبَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدُّدُونَ) (١٠)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنما يستأذنك،
يا محمد، فى التخلف خلافكَ وترك الجهاد معك، من غير عذر بيَّنٍ ، الذين
لا يصدّقون باللّه ولا يقرّون بتوحيده = (( وارتابت قلوبهم))، يقول: وشكت قلوبهم
فى حقيقة وحدانية الله، وفى ثواب أهل طاعته، وعقابه أهل معاصيه(٣) = ((فهم ١٠١/١٠
فى ريبهم يترددون))، يقول: فى شكهم متحيِّرُّون، وفى ظلمة الحيرة متردّدون،
لا يعرفون حقًّاً من باطل، فيعملون على بصيرة . وهذه صفة المنافقين .
٠
#
(١) انظر تفسير ((جاهد)) فيما سلف ص : ٢٧٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((التقوى)) فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).
(٣) انظر تفسير ((الارتياب)) و((الريب)) فيما سلف ١١. ١٧٢، تعليق: ٣، والمراجع
هناك = ثم ١١ : ٢٨٠، تعليق: ١، والمراجع هناك .

٢٧٦
تفسير سورة التوبة : ٤٥ ، ٤٦
وكان جماعة من أهل العلم يرون أن هاتين الآيتين منسوختان بالآية التى
ذكرت فى (( سورة النور)).
ذكر من قال ذلك :
#
١٦٧٦٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين ،
عن يزيد ، عن عكرمة والحسن البصرى قالا: قوله: (( لا يستأذنك الذين يؤمنون
بالله)) إلى قوله: ((فهم فى ريبهم يترددون))، نسختهما الآية التى فى (( النور)):
﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. [سورة النور: ٦٢].
#
وقد بيَّنًّا ((الناسخ والمنسوخ))، بما أغنى عن إعادته ههنا.(١)
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْمُرُوِجَ لَأَعَدُّواْ لَهُهُ
عُدَّةً وَلَكِن كَرَةَ اللهُ أَنِعَتَهُمْ فَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَفْعُدُواْ مَعَ
الْقُعِدِينَ) ))
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولو أراد هؤلاء المستأذنوك ، يا محمد ،
فى ترك الخروج معك الجهاد عدوّك، الخروجَ معك = ((لأعدُّوا له عدّة))، يقول:
لأعدوا للخروج عدة ، ولتأهّبوا للسفر والعدوِّ أهْبتهما (٢) = ((ولكن كره الله
انبعاثهم))، يعنى خروجهم لذلك(٣) = ((فتبطهم))، يقول: فثقَّل عليهم الخروجّ
حتى استخفُّوا القعودَ فى منازلهم خلافك، واستثقلوا السفر والخروج معك، فتركوا
(١) انظر مقالته فى ((الناسخ والمنسوخ)) فيما سلف ص٤٢،، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
وانظر الفهارس العامة ، وفهارس النحو والعربية وغيرهما .
(٢) انظر تفسير ((أعد))، فيما سلف ص: ٣١.
(٣) انظر تفسير ((الكره)) فيما سلف ٨: ١٠٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
- وتفسير ((البعث)) فيما سلف ١١: ٤٠٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٢٧٧
تفسير سورة التوبة : ٤٦
لذلك الخروج = ((وقيل اقعدوا مع القاعدين)) ، يعنى : اقعدوا مع المرضى
والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون ، ومع النساء والصبيان، واتركوا الخروج مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجاهدين فى سبيل الله.(١)
#
وكان تثبيط اللّه إياهم عن الخروج مع رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به ،
لعلمه بنفاقهم وغشهم للإسلام وأهله ، وأنهم لو خرجوا معهم ضرُّوهم ولم ينفعوا .
وذكر أن الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى القعود كانوا: ((عبد الله
ابن أبىّ ابن سلول))، و((الجدّ بن قيس))، ومن كان على مثل الذى كانا عليه. كذلك :-
١٦٧٧٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال :
كان الذين استأذنوه فيما بلغنى ، من ذوى الشرف ، منهم : عبد اللّه بن أبىّ
ابن سلول ، والجدّ بن قيس، وكانوا أشرافاً فى قومهم، فتبطهم الله، لعلمه بهم،
أن يخرجوا معهم ، (٢) فيفسدوا عليه جنده. (٣)
(١) انظر تفسير ((القعود)) فيما سلف ٩ : ٨٥.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يخرجوا معهم)" وفى سيرة ابن هشام: ((معه)).
(٣) الأثر: ١٦٧٧٠ - سيرة ابن هشام٤: ١٩٤، وهو تابع الأثر السالف رقم : ١٦٧٦٢.
وكان فى المخطوطة: ((فيفسدوا عليه حسه)) غير منقوطة، فاسدة الكتابة. والذى فى المطبوعة مطابق
لما فى سيرة ابن هشام ، وهو الصواب .

٢٧٨
تفسير سورة التوبة : ٤٧
القول فى تأويل قوله ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوَكُمُ إِلا
خَالًا وَلَأَوْضَعُواْ خِلَكُمْ يَبْنُوَنَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمْعُونَ لَهُمْ
وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْظَلِمِنَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لو خرج، أيها المؤمنون، فيكم هؤلاء
المنافقون = (( ما زادوكم إلا خبالاً))، يقول: لم يزيدوكم بخروجهم فيكم إلا فساداً
وضرًّا، ولذلك ثبَّطَتُهم عن الخروج معكم .
وقد بينا معنى ((الخبال))، بشواهده فيما مضى قبل. (١)
*
= ((ولا وضعوا خلالكم))، يقول: ولأسرعوا بركائبهم السَّير بينكم.
*
وأصله من ((إيضاع الخيل والركاب))، وهو الإسراع بها فى السير . يقال
الناقة إذا أسرعت السير: ((وضعت الناقة تَضَع وَضعاً ومَوْضوعاً))، و((أوضعها
صاحبها))، إذا جدّ بها وأسرع، ((يوضعها إيضاعاً))، ومنه قول الراجز: (٢)
يَا لَيَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ(٣)
(١) انظر تفسير ((الخبال)) فما سلف ٧ : ١٣٩، ١٤٠.
(٢) هو دريد بن الصمة.
(٣) سيرة ابن هشام ٤: ٨٢، واللسان (وضع)، وغيرهما، وهذا رجز قاله دريد فى يوم
غزوة حنين ، وكان خرج مع هوازن، عليهم مالك بن عوف النصرى ، ودريد بن الصمة يومئذ شيخ كبير ،
ليس فيه شىء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب ، وكان شيخاً مجرباً . وكان مالك بن عوف كره أن يكون
لدريد بن الصمة رأى فى حربهم هذه أو ذكر، فقال دريد: ((هذا يوم لم أشهده ولم يفتنى)) .
أَخُبُّ فيها وأَضَعْ
يَا لَيْتِ فِيها جَذَعْ
كَأَنَّهَاَ شَاةٌ صَدَعْ
أُقُودُ وَطْفَءَ الزَّمَعْ
و((الجذع))، الصغير الشاب. و((الخبب))، ضرب من السير كالوضع. ثم وصف فرسه

٢٧٩
تفسير سورة التوبة : ٤٧
وأما أصل ((الخلال))، فهو من ((الخَلَل))، وهى الفُرَج تكون بين القوم،
فى الصفوف وغيرها. ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((تَرَامُوا فِىِ الصُّغُوفِ
لاَ يَخَلَّكُمْ [الشَّيَاطِين، كأنها] أَوْلاَدُ اَ لَخَذَفٍ)).(١)
٠
#
وأما قوله: ((يبغونكم الفتنة))، فإن معنى: ((يبغونكم الفتنة))، يطلبون لكم
ما تفتنون به ، عن مخرجكم فى مغزاكم، بتثبيطهم إياكم عنه. (٢)
#
يقال منه: ((بغيتُه الشر))، ((وبغيتُه الخير)) ((أبغيه بُغاء))، إذا التمسته له،
بمعنى: ((بغيت له)). وكذلك ((عكمتك))، و((حلبتك))، بمعنى: ((حلبت لك))،
و((عكمت لك))، (٣) وإذا أرادوا: أعنتك على التماسه وطلبه، قالوا: ((أبْغَيتُك
كذا))، و((أحلبتك))، و((أعكمتك))، أى: أعنتك عليه.(٤)
#
#
*
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
١٠٢/١٠
ذكر من قال ذلك :
١٦٧٧١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن
فيما تمنى. ((وطفاء))، طويلة الشعر، و((الزمعة)) الهنة الزائدة الناتئة فوق ظلف الشاة. و((الشاة)) هنا:
الوعل وهو شاة الجبل. و((صدع)) الفتى القوى من الأوعال.
(١) لم يذكر إسناده، وهو حديث مشهور، رواه أبو داود فى سننه ١: ٢٥٢، رقم :
٦٦٧، بغير هذا اللفظ، والنسائى فى السنن ٢: ٩٢ . والذى وضعته بين القوسين من الحديث فيما رواه
صاحب اللسان، لأنه فى السنن: ((كأنها الحذف))، وفى اللسان أيضاً ((كأنها بنات حذف)).
أما المطبوعة فقد ضم الكلام بعضه إلى بعض، مع أنه كان فى المخطوطة، بياض بين ((لا يتخللكم))،
وبين ((أولاد الحذف))، وفى الهامش حرف (ط) دلالة على الخطأ.
و ((الحذف)) ضأن سود جرد صغار، ليس لها آذان ولا أذناب، يجاء بها إلى الحجاز من جرش
اليمن، واحدتها ((حذفة)) ( بفتحتين) ، شبه الشياطين بها .
(٢) انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف ص: ٨٦؛ تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) ((عكمه)) و((عكم له))، هو أن يسوى له الأعدال على الدابة ويشدها.
(٤) انظر تفسير ((بغى)) فيما سلف ١٣: ٨٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
ثم انظر مثل هذا التفصيل فيما سلف ٧ : ٥٣.

٢٨٠
تفسير سورة التوبة : ٤٧
معمر، عن قتادة: ((ولأوضعوا خلالكم))، بينكم = ((يبغونكم الفتنة)) ، بذلك.
١٦٧٧٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((ولا وضعوا خلالكم))، يقول: [ولا وضعوا بينكما، خلالكم، بالفتنة.(١)
١٦٧٧٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة))،
يبطئونكم قال : رفاعة بن التابوت ، وعبد الله بن أبىّ ابن سلول ، وأوس بن قيظىّ .
١٦٧٧٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((ولأ وضعوا خلالكم))، قال: لأسرعوا الأزقة (٢)
= ((خلالكم يبغونكم الفتنة))، يبطِئُونكم = عبد الله بن نبتل، ورفاعة بن تابوت،
وعبد الله بن أبى ابن سلول .
١٦٧٧٥ -. . .. قال حدثنا الحسين قال، حدثنى أبو سفيان ، عن
معمر، عن قتادة: (( ولأوضعوا خلالكم))، قال: لأسرعوا خلالكم يبغونكم
الفتنة بذلك .
١٦٧٧٦ - حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً))، قال: هؤلاء المنافقون فى غزوة تبوك .
يسلّى اللّه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فقال: وما يُحزنكم؟ لو خرجوا فيكم
ما زادوكم إلا خبالاً! يقولون: ((قد جُمع لكم، وفُعِل وفُعِل، يخذّ لونكم)) = ((ولاً وضعوا
خلالكم يبغونكم الفتنة )) ، الكفر .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((((ولأضعوا أسلحتهم خلالكم بالفتنة))، وهو لا يفيد معنى،
وظنى أن ((أسلحتهم)» هى ((بينكم))، وهو تفسير ((خلالكم)) كما مر فى أثر قتادة السالف، ولكنه
أخر اللفظ الذى فسره وهو (( خلالكم)).
(٢) هكذا فى المطبوعة والمخطوطة: ((الأزقة))، وهو جمع ((زقاق)) ((بضم الزاى))، وهو الطريق
الضيق، دون السكة، وجعل ((الأزقة)) مفعولا لقوله: ((أسرعوا))، غريب، وأخشى أن يكون فى
الكلام خلل أو تصحيف .