Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
تفسير سورة التوبة : ٣٦
سَبْعَ لَيَالِ غَيْرَ مَعْلُوْفَاتِهَا (١)
أُمْبَحْنَ فِى قُرْحٍ وَفِى دَارَاتِها
ولم يقل: ((معلوفاتهن))، وذلك كناية عن ((السبع))؟
قيل : إن ذلك وإن كان جائزًا ، فليس الأفصحَ الأعرفَ فى كلامها .
وتوجيهُ كلام اللّه إلى الأفصح الأعرف ، أولى من توجيهه إلى الأنكر.
...
فإن قال قائل : فإن كان الأمر على ما وصفت ، فقد يجب أن يكون مباحاً
لنا ظُلْ أنفسنا فى غيرهن من سائر شهور السنة ؟
قيل : ليس ذلك كذلك ، بل ذلك حرام علينا فى كل وقت وزمانٍ ، ولكن
الله عظّم حرمة هؤلاء الأشهر وشرّفهن على سائر شهور السنة ، فخصّ الذنبّ فيهن
بالتعظيم ، كما خصَّهن بالتشريف، وذلك نظير قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾، [سورة البقرة: ٢٣٨]. ولا شك أن الله قد أمرنا بالمحافظة
على الصلوات المفروضات كلها بقوله: ((حافظوا على الصلوات))، ولم يبح ترك
المحافظة عليهن ، بأمره بالمحافظة على الصلاة الوسطى ، ولكنه تعالى ذكره زادَ ها
تعظيماً ، وعلى المحافظة عليها توكيداً ، وفى تضييعها تشديداً . فكذلك ذلك فى
قوله: ((منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)).
...
وأما قوله: ((وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة )) ، فإنه يقول جل
ثناؤه : وقاتلوا المشركين باللّه، أيها المؤمنون ، جميعاً غير مختلفين ، مؤتلفين غير
مفترقين ، كما يقاتلكم المشركون جميعاً، مجتمعين غير متفرقين ، كما :-
١٦٧٠٣ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
(١) حماسة أبى تمام ٤: ١٥٧، ومعانى القرآن للفراء ١: ٤٣٥، واللسان ( قرح) ،
غير منسوبة ودل على أنها لعمر بن لجأ ، أبيات رواها الأصمعى فى الأصمعيات ص : ٢٥، ٢٦.
و ((فرح)) (بضم القاف وسكون الراء)، هو سوق وادى القرى، صلى به رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وبنى به مسجد، ورواية الحماسة واللسان: ((حبس فى قرح)).
ج ١٤ (١٦)

٢٤٢٠
تفسير سورة التوبة : ٣٦
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة))، أما
((كافة))، فجميع ، وأمركم مجتمع .
١٦٧٠٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((وقاتلوا المشركين كافة))، يقول : جميعاً .
١٦٧٠٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((وقاتلوا المشركين كافة))، أى: جميعاً.
#
و((الكافة)) فى كل حال على صورة واحدة، لا تذكَّر ولا تجمع ، لأنها وإن
كانت بلفظ ((فاعلة))، فإنها فى معنى المصدر، كـ ((العافية)) و((العاقبة))، ولا تدخل
العربُ فيها ((الألف واللام))، لكونها آخر الكلام ، مع الذى فيها من معنى
٩١/١٠ المصدر، كما لم يدخلوها إذا قاتلوا: ((قاموا معاً))، و((قاموا جميعاً)).(١)
وأما قوله: ((واعلموا أن الله مع المتقين))، فإن معناه: واعلموا، أيها المؤمنون
باللّه ، أنكم إن قاتلتم المشركين كافة ، واتقيم اللّه فأطعتموه فيما أمركم ونهاكم ،
ولم تخالفوا أمره فتعصوه ، كان الله معكم على عدوكم وعدوه من المشركين ، ومن
كان الله معه لم يغلبه شىء، (٢) لأن الله مع من اتقاه فخافه وأطاعه فيما كلفه من
أمره ونهيه .
(١) انظر تفسير ((كافة)) فيما سلف ٤: ٢٥٧، ٢٥٨، وانظر معانى القرآن للفراء
١ : ٤٣٦ .
(٢) انظر تفسير ((مع)) فيما سلف ١٣: ٥٧٦ تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٢٤٣
تفسير سورة التوبة : ٣٧
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّا النَّسِّهِ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلُّ
بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُونَهُ عَامًا وَيُحُرِّمُونَهُ, عَمَا لِيُوَاُِواْ عِدَّةَ
مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُواْ مَا حَرِّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوَّهِ أَنْمُلِهِمْ وَاللهُ
لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما النّسىء إلاّ زيادة فى الكفر.
٠٠ ٠
و((النسبىء)) مص من قول القائل: ((نسأت فى أيامك، ونسأ الله فى أجلك))،
أى: زاد الله فى أيام عمرك ومدة حياتك، حتى تبقى فيها حيًّاً. وكل زيادة حدثت
فى شىء، فالشىء الحادث فيه تلك الزيادة بسبب ما حدث فيه: ((نسىء)).
ولذلك قيل لابن إذا كُثِّر بالماء: ((نسى))، وقيل للمرأة الحبلى: ((نَسُوءٍ)) و((نُسِئت
المرأة))، لزيادة الولد فيها، وقيل: ((نسأتُ الناقة وأنسأتها))، إذا زجرتها ليزداد سيرها .
وقد يحتمل أن: ((النسىء))، ((فعيل))، صرف إليه من ((مفعول))، كما
قيل: ((لعينٌ)) و((قتيل))، بمعنى: ملعون ومقتول . ويكون معناه: إنما الشهر
المؤخَّر زيادة فى الكفر .
وكأنّ القول الأوّل أشبه بمعنى الكلام، وهو أن يكون معناه : إنما التأخير
الذى يؤخِّره أهل الشرك بالله من شهور الحرم الأربعة ، وتصييرهم الحرام منهن
حلالاً، والحلال منهن حراماً ، زيادة فى كفرهم وجحودهم أحكامَ اللّه وآياته .
#
#
#
وقد كان بعض القرأة يقرأ ذلك: ﴿إََّا الَّسْىُ) بترك الهمز، وترك مدّه =
((يضل به الذين كفروا)).
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
#

٢٤٤
تفسير سورة التوبة : ٣٧
فقرأته عامة الكوفيين: ﴿ يَضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمعنى: يضل الله بالنسىء
الذی ابتدعوه وأحدثوه ، الذين كفروا .
٠ ٠
وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿يُضِلُّ بِهِ أُلْذِينَ كَفَرُوا﴾
بمعنى : يزول عن محجة اللّه التى جعلها لعباده طريقاً يسلكونه إلى مرضاته ، الذين
كفروا .
وقد حكى عن الحسن البصرى: ﴿ يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمعنى: يُضِلُّ
بالنسىء الذى سنه الذين كفروا ، الناسَ .
#
#
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أن يقال: هما قراءتان مشهورتان،
قد قرأت بكل واحدة القرأة أهلُ العلم بالقرآن والمعرفة به ، وهما متقاربتا المعنى .
لأن من أضله اللّه فهو ((ضالّ))، ومن ضَلَّ فبإضلال اللّه إياه وخذلانه له
ضلّ . فبأيتهما قرأ القارئ، فهو للصواب فى ذلك مصيبٌ .
٠
وأما الصواب من القراءة فى ((النسىء))، فالهمزة، وقراءته على تقدير ((فعيل))
لأنها القراءة المستفيضة فى قرأة الأمصار التى لا يجوز خلافها فيما أجمعت عليه .
٠٠
٠
وأما قوله: ((يحلونه عاماً))، فإن معناه: يُحلُّ الذين كفروا النسىء = و((الهاء))
فى قوله: ((يحلونه))، عائدةٌ عليه .
ومعنى الكلام : يحلُّون الذى أخَّروا تحريمه من الأشهر الأربعة الحرم، عاماً =
((ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله))، يقول: ليوافقوا بتحليلهم ما حلَّلوا من
الشهور، وتحريمهم ما حرموا منها ، عدّة ما حرّم الله (١) = ((فيحلوا ما حرَّم اللّه
زُيِّن لهم سوء أعمالهم))، يقول: حُسُّن لهم وحُبُّب إليهم سيّ أعمالهم وقبيحها ،
(١) انظر تفسير (عدة)) فيما سلف ٣: ١٤/٤٥٩: ٢٣٤.

٥ ٢٤
تفسير سورة التوبة : ٣٧
وما خولف به أمرُ الله وطاعته(١) = ((واللّه لا يهدى القوم الكافرين))، يقول:
والله لا يوفق لمحاسن الأفعال وجميلها، (٢) وما لله فيه رضّى، القومَ الجاحدين توحيده،
والمنكرين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه يخذّلهم عن الهُدى، كما خذَّل
هؤلاء الناس عن الأشهر الحرم . (٣)
. ..
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٦٧٠٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثى
معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((إنما النسىء زيادة فى الكفر))، قال:
((النسىء))، هو أن ((جُنّادة بن عوف بن أمية الكنانى))، كان يوافى الموسم كلَّ
عام، وكان يُكنى ((أبا ثُمَامة))، (٤) فينادى: ((ألا إنّ أبا ثمامة لا يُحَابُ ولا
يُعَاب، (٥) ألا وإن صَفرَ العامِ الأوَّلِ العامَ حلالٌ))، (٦) فيحله الناس، فيحرم
صَفّر عاماً، ويحرَّم المحرم عاماً، فذلك قوله تعالى: ((إنما النسىء زيادة فى
الكفر)) إلى قوله: ((الكافرين)). وقوله: ((إنما النسىء زيادة فى الكفر))،
يقول : يتركون المحرم عاماً ، وعاماً يحرِّمونه .
٩٢/١٠
(١) انظر تفسير ((زين)) فيما سلف ص: ٧ تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((لمحاسن الأفعال وحلها))، لم يحسن قراءة المخطوطة، وصوابه ما أثبت.
(٣) انظر تفسير ((هدى)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).
(٤) انظر أخبار ((النسأة))، وخبر ((جنادة بن عوف بن أمية)) فى سيرة ابن هشام
١: ٤٤ - ٤٧، والمخبر: ١٥٦، ١٥٧، وغيرهما. و((جنادة بن عوف))، هو الذى قام
عليه الإسلام من النسأة .
(٥) كان فى المطبوعة: ((لا يجاب)) بالجيم، ووردت بالجيم فى كثير من الكتب، منها
لسان العرب ( نسأ)، ولكنه ورد فى المخبر: ١٥٧، بالحاء المهملة، وهو من ((الحوب))، أى:
الإثم ، أى: لا ينسب إلى الإثم . وانظر الخبر التالى رقم : ١٦٧١٠.
(٦) فى المطبوعة: ((صفر العام الأول حلال))، حذف ((العام)) الثانية، وهى ثابتة
فى المخطوطة .

٢٤٦
تفسير سورة التوبة : ٣٧
قال أبو جعفر : وهذا التأويلُ من تأويل ابن عباس ، يدل على صحة قراءة
من قرأ ﴿النَّسْىُ)، بترك الهمز وترك المدّ، وتوجيهه معنى الكلام إلى أنه ((فَعْلٌ))،
من قول القائل: ((نسيت الشىء أنساه))، ومن قول الله، ﴿فَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾،
[ سورة التوبة: ٦٧]، بمعنى: تركوا اللّه فتركهم.
١٦٧٠٧ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((إنما النسىء زيادة فى الكفر))،
قال: فهو المحرَّم، كان يحرَّم عاماً، وصفرُ عاماً ، وزِيد صفرٌ آخر فى الأشهر
الحُرُم . وكانوا يحرمون صفراً مرة ، ويحلّونه مرة ، فعاب اللّه ذلك. وكانت هوازن
وغطفان وبنو سُلَيْم تفعله .
١٦٧٠٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن أبى
وائل: ((إنما النسىء زيادة فى الكفر))، قال: كان ((النسىء))، رجلاً من
بنى كنانة ، (١) وكان ذا رأى فيهم، وكان يجعل سنةً المحرم صفراً، فيغزون فيه ،
فيغنمون فيه ، ويصيبون ، ويحرِّمه سنة .
١٦٧٠٩ -.... قال حدثنا أبى ، عن سفيان، عن منصور، عن أبى
وائل: ((إنما النسىء زيادة فى الكفر))، الآية، وكان رجل من بني كنانة يُسَمَى
((النسىء))، فكان يجعل المحرَّم صفراً، ويستحل فيه الغنائم ، فنزلت هذه الآية.
١٦٧١٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال ، سمعت ليثاً ،
عن مجاهد قال ، كان رجل من بني كنانة يأتى كلَّ عام فى الموسم على حمارٍ له ،
فيقول: ((أيها الناس، إنى لا أعاب ولا أحدَابُ، (٢) ولا مَرَدَّ لما أقول، إنَّا قد
.
(١) قوله: ((كان النسىء رجلا))، دال على صواب قوله هناك ص: ٢٣٧، تعليق ١:،
على أن ((النسىء)) فى ذلك الموضع صواب أيضاً، وانظر الأثر التالى، قوله: ((وكان رجل من بنى
"كنانة يسمى النسىء))، وهذا كله لم تذكره كتب اللغة التى بين يدى.
(٢) ((أحاب)) مضى تفسيرها ص: ٢٤٥، تعليق: ٥، وكانت هنا فى المطبوعة أيضاً
((أجاب)) بالجيم.

٢٤٧
تفسير سورة التوبة : ٣٧
حر منا المحرَّم وأخَّرنا صفر)). ثم يجىء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول:
(( إنا قد حرَّمنا صفر وأخَّرنا المحرَّم))، فهو قوله: ((ليواطئوا عدة ما حرم الله))،
قال: يعنى الأربعة = ((فيحلوا ما حرم الله))، لتأخير هذا الشهر الحرام.
١٦٧١١ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال،
أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((إنما النسىء زيادة
فى الكفر))، ((النسىء))، المحرّم، وكان يحرم المحرَّم عاماً ويحرِّم صفر عاماً،
فالزيادة ((صفر))، وكانوا يؤخرون الشهور حتى يجعلون صفر المحرم ، فيحلوا
ما حرم الله . وكانت هوازن وغطفان وبنو سليم يعظمونه ، وهم الذين كانوا يفعلون
ذلك فى الجاهلية .
١٦٧١٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة :
((إنما النسىء زيادة فى الكفر)) إلى قوله: ((الكافرين))، عمد أناسٌ من أهل
الضلالة فزادوا صفرًا فى الأشهر الحرم ، فكان يقوم قائمهم فى الموسم فيقول :
((ألا إن آلهتكم قد حرمت العام المحرَّم))، فيحرمونه ذلك العام. ثم يقوم فى
العام المقبل فيقول: ((ألا إن آلهتكم قد حرمت صفر)) ، فيحرمونه ذلك العام .
وكان يقال لهما ((الصفرائ)). قال: فكان أول من نَسَأ النسىء : بنو مالك بن
كنانة، وكانوا ثلاثة: أبو ثمامة صفوان بن أمية أحد بنى فقيم بن الحارث ، ثم أحد
بني كنانة .(١)
(١) هكذا جاء فى المخطوطة: ((وكانوا ثلاثة))، ثم لم يذكر غير واحد. وقوله: ((أبو ثمامة،
صفوان بن أمية))، مضى قبل فى الأثر رقم: ١٦٧٠٦ أف (( أيا ثمامة)» هو ((جنادة بن عوف
بن أمية»، أما ((صفوان)) هذا فقد ذكره أبو عبيد البكرى فى شرح الأيالو: ١٠؛ وقال :
قال الليثى: كان الذى انترى النئء، القلمس، وهو: صفوان بن محرث، أحد بنى مالك بن
كنانة، وكان له بذلك ملكة وأكل، وتوارثه بنوه إلى الإسلام». ولكن الذى ذكره ابن حبيب
فى المحبر، وابن هشام فى سيرته ١: ٤٤. قال ابن إسحاق: ((وكان أول من نسأ الشهور
على العرب ، فأحلت ما أحل ، وحرمت منها ما حرم : القلمس ، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم
ابن عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة . ثم قام بعده على ذلك ، ابنه :

٢٤٨
تفسير سورة التوبة : ٣٧
١٦٧١٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: (( إنما النسى ء زيادة فى الكفر))،
قال : فرض الله الحج فى ذى الحجة . قال: وكان المشركون يسمون الأشهر:
ذو الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وربيع ، وربيع ، وجمادى ، وجمادى ، ورجب،
وشعبان ، ورمضان ، وشوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة يحجون فيه مرة ، ثم يسكتون
عن المحرم فلا يذكرونه ، ثم يعودون فيسمُون صفر صفر. ثم يسمون رجب جمادى
الآخرة ، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون رمضانَ شوالاً ، ثم يسمُّون ذا القعدة
شوالاً ، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة ، ثم يسمون المحرم ذا الحجة ، فيحجون
٩٣/١٠ فيه، واسمه عندهم ذو الحجة. ثم عادوا بمثل هذه القصة، فكانوا يحجون فى
فى كل شهر عامين، حتى وافق حجةُ أبى بكر رحمة اللّه عليه الآخر من العامين
فى ذى القعدة. ثم حج النبى صلى الله عليه وسلم حجَّته التى حجَّ ، فوافق ذا الحجة
فذلك حين يقول النبى صلى الله عليه وسلم فى خطبته: ((إن الزمان قد استدار
كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)).
١٦٧١٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
عباد بن حذيفة . ثم قام بعد عباد: قلع بن عباد. ثم قام بعد قلح: أمية بن قلع . ثم قام بعد
أمية : عوف بن أمية . ثم قام بعد عوف: أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم ، وعليه قام
الإسلام . . وذلك ما قاله ابن حبيب، وما قاله ابن حزم فى الجمهرة : ١٧٨، والمصعب الزبيرى
فى نسب قريش : ١٢ .
ولم أجد هذا الخبر فى مكان آخر ، فأعرف مقالة قتادة فى أمر النسىء والنسأة .
و ((صفوان بن محرث)) الذى ذكره البكرى، هو ((صفوان بن أمية)) المذكور فى هذا الخبر،
وهو: ((صفوان بن أمية بن محرث بن بن خمل بن شق بن رقبة بن مخلج بن عامر بن ثعلبة بن الحارث
بن مالك بن كنانة))، وكان أحد حكام العرب فى الجاهلية، وأحد من حرم الخمر على نفسه فى الجاهلية
( أنظر المحبر: ١٣٣، ٢٣٧/ أمالى القالى ١: ٢٤٠ وذكر شعره فى تحريم الخمر). وبين
من هذا كله أن ((صفوان بن أمية))، ليس من ((بنى فقيم بن الحارث بن مالك .. بل من بنى ((مخلج
ابن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك)).
ثم انظر ص: ٢٥٠، تعليق: ١، وذكر ((القلمس)) الناسىء فى شعر عبد الرحمن بن الحكم،
وأمه هى: ((آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية بن محرث)).

٢٤٩
تفسير سورة التوبة : ٣٧
معمر، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((إنما النسىء زيادة فى الكفر))،
قال : حجوا فى ذى الحجة عامين ، ثم حجوا فى المحرم عامين ، ثم حجُوا فى
صفر عامين . فكانوا يحجون فى كل سنة فى كل شهر عامين ، حتى وافقت
حجة أبى بكر الآخرَ من العامين فى ذى القعدة، قبل حجة النبي صلى اللّه عليه
وسلم بسنة . ثم حج النبى صلى الله عليه وسلم من قابلٍ فى ذى الحجة ، فذلك حين
يقول النبي صلى الله عليه وسلم فى خطبته: (( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق
الله السموات والأرض)).
١٦٧١٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة ، عن حصين ،
عن أبى مالك: ((إذا النسىء زيادة فى الكفر))، قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة"
بشر شهرًا، فيجعلون المحرَّم صفرًا، فيستحدُّون فيه الحرمات، فأنزل الله: ((إنما
النسىء زيادة فى الكفر )).
١٦٧١٦ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((إنما النسىء زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا)) الآية، قال : هذا
رجل من بنى كنانة يقال له: ((القَلَمَّس))، كان فى الجاهلية . وكانوا فى الجاهلية
لا يغير بعضهم على بعض فى الشهر الحرام ، يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يُمُدّ إليه يده .
فلما كان هو، قال: ((اخرجوا بنا))، قالوا له: ((هذا المحرَّم))! فقال: ((ننسئه
العام، هما العام صفران، فإذا كان عام قابلٍ قضينا، فجعلناهما محرَّمَين)). قال :
ففعل ذلك. فلما كان عام قابل قال: ((لا تغزوا فى صفر، حرُّموه مع المحرم ، هما
محرَّمَان، المحرَّم أنسأناه عاماً أوَّلُ ونقضيه. ذلك ((الإنساء))، وقال منافرهم: (١)
(١) فى المطبوعة: ((وقال شاعرهم))، وأثبت ما فى المخطوطة. و((المنافر))، هو المفاخر
فى المنافرة. قال ابن سيده: ((وكأنما جاءت المنافرة، فى أول ما استعملت، أنهم كانوا يسألون
الحاكم: أينا أعز نفرا؟)). و((المنافرة)): هى أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه،
ثم يحكما بينهما رجلا .

٢٥٠
تفسير سورة التوبة : ٣٧
٠
• ومِنَّا مُفْسِى الشُّهُورِ الْقَلَّسُ.(١)
وأنزل اللّه: ((إنما النسىء زيادة فى الكفر))، إلى آخر الآية .
...
وأما قوله: ((زيادة فى الكفر))، فإن معناه زيادة كُفْر بالنسىء، إلى
كفرهم بالله قبلَ ابتداعهم النسىء، (٢) كما : -
١٦٧١٧٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((إنما النسىء زيادة فى الكفر))، يقول : ازدادوا به
كفراً إلى كفرهم .
*
وأما قوله: ((ليواطئوا))، فإنه من قول القائل: ((واطأت فلاناً على كذا
أواطئه مُواطأة))، إذا وافقته عليه ، معيناً له ، غير مخالف عليه .
#
وروى عن ابن عباس فى ذلك ما :-
١٦٧١٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((ليواطئوا عدة ما حرم الله))، يقول: يشبهون.
(١) هكذا جاء فى المخطوطة مضطرب الميزان، وذكره القرطبى فى تفسيره ٨: ١٣٨.
• ومِنَّا نَسِئُ الشَّهْ القَلْسُ» (١)
وهو أيضاً غير مستقيم ، والذى وجدته ، هو ما قاله عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص
اين أمية ، قال :
"َمَانِىِ أَبُو العَصِىِ الأُمِينُ وَهَاشِمٌ وَعُثمانُ، والنَّاسِ الشُّهُورَ القَلَُّ
وأم عبد الرحمن بن الحكم ، ومروان بن الحكم، هى: (( آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية
بن محرث بن خمل بن شق))، و((صفوان)) هذا هو الذى جاء ذكره فى الخبر رقم : ١٦٧١٢،
وأنه كان من ((النسأة))، وكل ناسى كان يقال له: ((القلمس))، فهذا البيت يؤيد ما قاله
قتادة بعض التأييد ، وانظر البيت الذى ذكرته فى نسب قريش للمصعب الزبيرى ص : ٩٨.
(٢) فى المطبوعة: ((وقيل: ابتداعهم النسىء))، غير ما فى المخطوطة، فأفسد الكلام كله .

٢٥١
تفسير سورة التوبة : ٣٧، ٣٨
قال أبو جعفر : وذلك قريب المعنى مما بَيَّنًّا ، وذلك أن ما شابه الشىء ،
فقد وافقه من الوجه الذى شابهه .
وإنما معنى الكلام : أنهم يوافقون بعدة الشهور التى يحرِّمونها ، عدة الأشهر
الأربعة التى حرَّمها اللّه، لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها، وإن قدَّموا وأخَّروا.
فذلك مواطأة عِدّتهم عدَّةَ ما حرّم الله .
#
القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيَُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا
قِيلَ لِكُمُ أَفِرُوا فِى سَبِيلِ اللهِ أَقَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَ ضُِمْ
بِالْيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْأَخِرَةِ فَ مَشْعُ الْحَوَةِ الدُّنْيَاَ فِى الْأَخِرَةِ
إِلا قَلِيلٌ) (٢٨)
قال أبو جعفر : وهذه الآية حثٌّ من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب
رسوله ، على غزو الروم ، وذلك غزوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تبوك.
بقول جل ثناؤه: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله = ((ما لكم))، أىّ شىء
أمرُكم = ((إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله))، يقول: إذا قال لكم رسولُ
الله محمدٌ =: ((انفروا))، أى: اخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم.
وأصل ((النفر))، مفارقة مكان إلى مكان لأمرٍ هاجه على ذلك. ومنه: ((نفوراً
الدابة)). غير أنه يقال: من النفر إلى الغزو: ((نَفَر فلان إلى ثغر كذا ينْفِرِ نَفْراً ٩٤/١٠
ونَفيراً))، وأحسب أن هذا من الفروق التى يفرِّقون بها بين اختلاف المخبر عنه،(١)
(١) يعنى أبو جعفر، أنهم لم يقولوا فى النفر إلى الغزو ((نفوراً)) فى مصدره، وقد أثبتت
كتب اللغة أنه يقال فى مصدره ((نفر إلى الغزو نفوراً)).
٠

٢٥٢
تفسير سورة التوبة : ٣٨
وإن اتفقت معانى الخبر .(١)
فمعنى الكلام : ما لكم أيها المؤمنون، إذا قيل لكم: اخرجُوا غزاة = (( فى سبيل
اللّه))، أى: فى جهاد أعداء اللّه (٢) = ((اثَّا قلتم إلى الأرض))، يقول: تثاقلتم إلى
لزوم أرضكم ومساكنكم والجلوس فيها.
#
#
وقيل: ((اتَّاقلّم)) الإدغام ((الثاء)) فى ((التاء)) فأحدثتْ لها ألف، (٣) ليُتَوَصَّل
إلى الكلام بها، لأن ((التاء)) مدغمة فى (( الثاء)). ولو أسقطت الألف، وابتدئ
بها ، لم تكن إلا متحركة، فأحدثت الألف لتقع الحركة بها ، كما قال جل ثناؤه :
﴿حََّى إِذَا أُدَّارَ كُوا فِيهَا جَمِيعاً﴾، [سورة الأعراف: ٣٨]، وكما قال الشاعر: (٤)
تُولِ الضَّحِيعَ إذَا مَا أُسْنَفَهَاَ خَصِيراً عَذْبَ الَذَاقِ، إِذَا مَا أَنََّبَعَ الْعُبَلْ(٥)
[فهو من ((الثقل))، ومجازه مجاز ((افتعلتم))]، من((التثاقل)).(٦)
*
وقوله: ((أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة))، يقول جل ثناؤه: أرضيتم بحظ
الدنيا والدّعة فيها ، عوضاً من نعيم الآخرة، وما عند الله للمتقين فى جناته = (( فما
(١) انظر ((النفر)) فيما سلف ٨: ٥٣٦، ولم يفسره هناك.
(٢) انظر تفسير ((سبيل الله)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
(٣) فى المطبوعة: ((لأنه أدغم التاء فى الثاء فأحدث لها ألف))، وكان فى المخطوطة:
((لأنه غام))، فلم يحسن قراءتها ، فغير الكلام ، فأثبته على الصواب من المخطوطة . وانظر ما سلف
فى الإدغام ٢ : ٢٢٤ .
(٤) لم أعرف قائله .
(٥) مضى شرحه وتفسيره آنفاً ٢: ٢٢٤، ومعانى القرآن الفراء ١: ٤٣٨.
. (٦) مكان هذه الجملة فى المطبوعة: ((فهو بنى الفعل انتعلم من التثاقل))، وهو كلام غيث
جداً. وفى المخطوطة: ((فهو بين الفعل افعلم من التثاقل))، غير منقوط، وصححت هذه العبارة
اجتهاداً، مؤتنساً بما قاله أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١: ٢٦٠، قال: ((ومجاز : اثاقليم،
مجاز: افتعلتم، من التثاقل، فأدغمت التاء فى الثاء، فثقلت وشددت)) . يعنى أبو عبيدة : أنك
لو بنيت ((افتعل)) من ((الثقل))، كان واجباً إدغام التاء فى الثاء . وانظر أيضاً معانى القرآن للفراء
١ : ٤٣٧، ٤٣٨ .

٢٥٣
تفسير سورة التوبة : ٣٨
متاع الحياة الدنيا فى الآخرة )) ، يقول : فما الذى يستمتع به المتمتعون فى الدنيا من
عيشها ولذَّاتها فى نعيم الآخرة والكرامة التى أعدّها اللّه لأوليائه وأهل طاعته (١)= (( إلا
قليل ))، يسير. يقول لهم: فاطلبوا، أيها المؤمنون، نعيم الآخرة ، وشرف الكرامة
التى عند اللّه لأوليائه، (٢) بطاعته والمسارعة إلى الإجابة إلى أمره فى النفير لجهاد عدوّه.
٠ ٠
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٧١٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل
الله اثاقلتم إلى الأرض))، أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وبعد الطائف ، وبعد
حنين. أمروا بالنَّفبر فى الصيف، حين خُرِفت النخل ،(٣) وطابت الثمار،
واشتَهُوا الظلال ، وشقَّ عليهم المخرج .
١٦٧٢٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج، عن ابن
جريج، عن مجاهد قوله: ((يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله
اثاقلتم إلى الأرض)) الآية، قال: هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وحنين وبعد
الطائف . أمرهم بالنَّفير فى الصيف ، حين اختُرٍ فت النخل، وطابت الثمار، راشتهوا
الظلال، وشَقَّ عليهم المخرج. قال: فقالوا: ((الثقيل))، ذو الحاجة، والضَّيْعة
والشغل، (٤) والمنتشرُ به أمره فى ذلك كله، فأنزل الله: ﴿ أُنْفُرُوا خِفَفَا وَيِقَالاً﴾،
[ سورة التوبة: ٤١ ].
#
(١) انظر تفسير ((متاع)) فيما سلف من فهارس اللغة (متع).
(٢) فى المطبوعة: ((وترف الكرامة))، والصواب ما فى المخطوطة.
(٣) ((خرف النخل يخرفه خرفاً، واخترفه اخترافاً))، صرم ثمره واجتناه بعد أن يطيب.
(٤) فى المطبوعة: ((فقالوا: منا الثقيل وذو الحاجة والضيعة ... ))، غير ما فى
المخطوطة ، وكان فى المخطوطة ما أثبت . وهو مقبول، مع شكى فى أن يكون سقط من الكلام شىء .

٢٥٤
تفسير سورة التوبة : ٣٩
القول فى تأويل قوله ﴿إِلَّ تَنْفِرُواْ يَمَذِّبْكُمْ عَذاب
أَلِمَا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءُ
قَدِيرٌ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله ، متوعد هم
على ترك النَّفْر إلى عدوّهم من الروم: إن لم تنفروا، أيها المؤمنون، إلى من استنفر كم
رسولُ اللّه، يعذّبكم الله عاجلاً فى الدنيا، بترككم النَّفْر إليهم، عذاباً مُوجِعاً (١) =
((ويستبدل قوماً غيركم))، يقول: يستبدل الله بكم نبيّه قوماً غير كم ، ينفرون إذا استنفروا،
ويجيبونه إذا دعوا، ويطيعون الله ورسوله (٢) = (( ولا تضروه شيئاً))، يقول:
ولا تضروا اللّه، بترككم النّفير ومعصيتكم إياه، شيئاً، لأنه لا حاجة به إليكم ، بل
أنتم أهل الحاجة إليه، وهو الغنى عنكم وأنتم الفقراء = ((واللّه على كل شىء قدير ))،
يقول جل ثناؤه: واللّه على إهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم، وعلى كل ما يشاء
من الأشياء ، قدير. (٣)
وقد ذكر أن ((العذاب الأليم)) فى هذا الموضع، كان احتباسَ النَطْر عنهم .
ذكر من قال ذلك :
#
١٦٧٢١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن الحباب قال ، حدثنى
عبد المؤمن بن خالد الحنفى قال ، حدثنى نجدة الخراسانى قال : سمعت ابن
عباس، وسئل عن قوله: ((إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً))، قال: إن رسول الله
وقوله: ((النقيل: ذو الحاجة والضيعة) هو تفسير قوله تعالى: ((أنفروا خفافاً وثقالا))، جمع
((ثقيل))، كما سترى فى تفسير الآية ص : ٢٦٢ وما بعدها.
(١) انظر تفسير ((النفر)) فيما سلف قريباً ص: ٢٥١.
(٢) انظر تفسير ((الاستبدال)) فيما سلف ٨: ١٢٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((قدير)) فيما سلف من فهارس اللغة (قدر).

٢٥٥
تفسير سورة التوبة : ٣٩
صلى الله عليه وسلم استنفرحيًّا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر، ٩٥/١٠
فكان ذلك عذابهم ، فذلك قوله: ((إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليما)).(١).
١٦٧٢٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا
عبد المؤمن ، عن نجدة قال : سألت ابن عباس ، فذكر نحوه = إلا أنه قال :
فكان عذابهم أنْ أمسك عنهم المطر.(٢)
١٦٧٢٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً))، استنفر اللّه المؤمنين فى لَهَبَان الحرّ فى غزوة تبوك
قِبَل الشأم ، (٣) على ما يعلم الله من الجَهْد.
وقد زعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة .
» ذكر من قال ذلك :
١٦٧٢٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين ،
عن يزيد ، عن عكرمة والحسن البصرى قالا: قال: (( إلا تنفروا يعذبكم عذاباً
أليماً))، وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُوا
(١) الأثر: ١٦٧٢١ - ((زيد بن الحباب العكلى))، سلف مراراً، آخرها رقم:
٠١٦٦٨٤
و ((عبد المؤمن بن خالد الحنفى))، ثقة، مضى برقم ١١٩١٤ .
و((نجدة الخراسانى)) هو: ((نجدة بن نفيع الحنفى))، ثقة، مضى أيضاً برقم : ١١٩١٤.
وهذا الخبر ، رواه الطبرى فيما يلى برقم : ١٦٧٢٢، من طريق يحيى بن واضح ، عن عبد المؤمن.
ورواه أبو داود فى سننه ٣ : ١٦، رقم : ٢٥٠٦، من طريق زيد بن الحباب ، مختصراً ،
ورواه البيهقى فى السنن ٩: ٤٨، بنحوه. وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣: ٢٣٩، وزاد
نسبته إلى ابن المنذر ، وأبى الشيخ، وابن مردويه ، والحاكم ، وصححه الحاكم .
(٢) الأثر: ١٦٧٢٢ - هو مكرر الأثر السالف، وهذا أيضاً لفظ أبى داود والبيهقى :
((المطر)»، من طريق زيد بن الحباب السالف.
(٣) ((هبان الحر))، (بفتح اللام والهاء)، شدته فى الرمضاء. ويقال: ((يوم لهبان))،
صفة، أى شديد الحر. و((اللهبان)) مصدر مثل: اللهب، واللهيب، واللهاب ( بضم اللام) ،
وهو اشتعال النار إذا خلصت من الدخان .

٢٥٦
تفسير سورة التوبة : ٣٩
عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فنسختها الآية التى تلتها: ﴿ومَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَغْفِرُ وا كَافَّةٌ﴾
إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، [ سورة التوبة: ١٢٠ - ١٢٢].
٠ ٠
قال أبو جعفر : ولا خبرَ بالذى قال عكرمة والحسن ، من نسخ حكم هذه
الآية التى ذكرًا، (١) يجب التسليم له ، ولا حجةَ نافٍ لصحة ذلك. (٢) وقد رأى
ثبوت الحكم بذلك عددٌ من الصحابة والتابعين سنذكرهم بعدُ، وجائزٌ أن يكون
قوله: (( إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أيماً)) ، الخاص من الناس ، ويكون المراد به
من استنفرَه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفر ، على ما ذكرنا من الرواية عن
ابن عباس .
وإذا كان ذلك كذلك، كان قوله: ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة))، نهياً من
الله المؤمنين عن إخلاء بلاد الإسلام بغير مؤمنٍ مقيم فيها، وإعلاماً من الله لهم
أن الواجب النَّفْرُ على بعضهم دون بعض، وذلك على من استُنْفِرَ منهم دون من
لم يُسْتَنْفَر. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن فى إحدى الآيتين نسخ للأخرى ،
وكان حكم كل واحدة منهما ماضياً فيما عُنِيَتْ به .
(١) فى المطبوعة: ((التى ذكروا))، والصواب من المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((ولا حجة تأتى بصحة ذلك)) وفى المخطوطة: ((ولا حجة بات نصحه
ذلك))، غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت .

٢٥٧
تفسير سورة التوبة : ٤٠
القول فى تأويل قوله ﴿إِلَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ
أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَنِىَ أَثْنَبْنِ إِذْ مُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ
لِصَحِبِهِ مَ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَاَ﴾
قال أبو جعفر: وهذا إعلامٌ من اللّه أصحابَ رسوله صلى الله عليه وسلم أنّه
المتوكّل بنصر رسوله على أعداء دينه وإظهاره عليهم دونهم، أعانوه أو لم يعينوه ،
= وتذكيرٌ منه لهم فعلَ ذلك به، وهو من العدد فى قلة ، والعدوٌّ فى كثرة، فكيف
به وهو من العدد فى كثرة ، والعدوّ فى قلة ؟
يقول لهم جل ثناؤه : إلا تنفروا، أيها المؤمنون، مع رسولى إذا استنفركم فتنصروه،
فاللّه ناصره ومعينه على عدوّه، ومغنيه عنكم وعن معونتكم ونصرتكم، كما نصره =
((إذ أخرجه الذين كفروا))، بالله من قريش من وطنه وداره = ((ثانى اثنين))،
يقول : أخرجوه وهو أحد الاثنين ، أى: واحد من الاثنين .
...
وكذلك تقول العرب: ((هو ثانى اثنين))، يعنى: أحد الاثنين، و((ثالث
ثلاثة، ورابع أربعة)) ، يعنى : أحد الثلاثة، وأحد الأربعة . وذلك خلاف
قولهم: ((هو أخوستة، وغلام سبعة))، لأن ((الأخ))، و(( الغلام)) غير الستة
والسبعة، ((وثالث الثلاثة))، أحد الثلاثة .
٠ ٠ ٠
وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: ((ثانى اثنين))، رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم
وأبا بكر رضى الله عنه، لأنهما كانا اللذين خرجا هاربين من قريش إذا هُمُوا بقتل
رسول الله صلى الله عليه وسلم، واخْتفيا فى الغار.
٠ ٠٠
وقوله: ((إذ هما فى الغار))، يقول: إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر
ج ١٤ (١٧)

٢٥٨
تفسير سورة التوبة : ٤٠
ورحمة الله عليه ، فى الغار .
و((الغار))، النقب العظيم يكون فى الجبل.
...
= ((إذ يقول لصاحبه))، يقول: إذ يقول رسول اللّه لصاحبه أبى بكر،
٩٦/١٠ (( لا تحزن))، وذلك أنه خافَ من الطََّب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك ،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحزن))، لأن اللهمعنا واللّه ناصرنا،(١)
فلن يعلم المشركون بنا ولن يصلوا إلينا .
يقول جل ثناؤه : فقد نصره الله على عدوه وهو بهذه الحال من الخوف وقلة
العدد ، فكيف يخذله وُيُحْوِجه إليكم، وقد كثَّر اللّه أنصاره وعدد جنوده ؟
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
*
#
* ذكر من قال ذلك :
١٦٧٢٥ -حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( إلا تنصروه))، ذكر ما كان فى
أول شأنه حين بعثه . يقول الله: فأنا فاعلٌ ذلك به وناصره ، كما نصرته إذ ذاك
وهو ثانى اثنين .
١٦٧٢٦ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((إلا تنصروه فقد نصره الله))، قال : ذكر ما
كان فى أول شأنه حين بُعثَ ، فاللّه فاعلٌ به كذلك، ناصره كما نصره إذ ذاك ،
(( ثانىَ اثنين إذ هما فى الغار )) .
١٦٧٢٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إلا تنصروه فقد نصره الله)) الآية، قال: فكان صاحبَه أبو بكر، وأما
(٦) انظر تفسير ((مع)) فيما سلف ص: ٢٤٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٢٥٩
تفسير سورة التوبة : ٤٠
((الغار))، فجبل بمكة يقال له: ((ثَوْر)).
١٦٧٢٨ - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال ، حدثنى أبى قال ،
حدثنا أبان العطار قال ، حدثنا هشام بن عروة ، عن عروة قال : لما خرج النبى
صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضى الله عنه، وكان لأبى بكر مَنِيحةٌ من غَنَم تروح
على أهله ، (١) فأرسل أبو بكر عامر بن فهيرة فى الغنم إلى ثور . وكان عامر بن
فهيرةَ يروح بتلك الغنم على النبى صلى اللّه عليه وسلم بالغار فى ثور، وهو ((الغار))
الذى سماء اللّه فى القرآن. (٢)
١٦٧٢٩ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم بن جبير الواسطى قال ، حدثنا عفان
وحَبّان قالا، حدثنا همام، عن ثابت ، عن أنس ، أن أبا بكر رضى الله عنه
حدَّثهم قال: بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغار وأقدامُ المشركين
فوق رؤوسنا ، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدَمَه أبصرنا! فقال :
يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟(٣)
(١) ((المنيحة))، شاة أو فاقة يعيرها الرجل أخاه، يحتلبها وينتفع بلبنها سنة، ثم يردها إليه.
(٢) الأثر : ١٦٧٢٨ - هذا جزء من كتاب عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان،
والذى خرجته فيما سلف برقم: ١٦٠٨٣، ومواضع أخرى كثيرة. وهذا الجزء من الكتاب ،
فى تاريخ الطبرى ٢ : ٢٤٦.
(٣) الأثر: ١٦٧٢٩ - ((يعقوب بن إبراهيم بن جبير الواسطى))، شيخ الطبرى،
لم أجد له ترجمة فى غير الجرح والتعديل لابن أبى حاتم ٤ /٢٠٢/٢.
و ((عفان)) هو ((عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار))، ثقة، من شيوخ أحمد والبخارى،
مضى برقم : ٥٣٩٢ ٠
و ((حبان))، هو ((حبأن بن هلال الباهلى))، ثقة، روى له الجماعة. مضى برقم : ٥٤٧٢ .
((حبان)) بفتح الحاء لا بكسرها .
ز((شام)) هو ((همام بن يحي بن دينار الأزدى))، ثقة، روى له الجماعة، مضى مراراً،
آخرها : ١٦٣٠٦.
و ((ثابت))، هو ((ثابت بن أسلم البنانى))، ثقة روى له الجماعة، مضى برقم: ٢٩٤٢،
٧٠٣٠ .
وهذا الخبر رواه من طريق عفان بن مسلم، ابن سعد فى الطبقات ١٢٣/١/٣، وأحمد فى
مسنده رقم : ١١، والترمذى فى تفسير الآية .

٢٦٠
تفسير سورة التوبة : ٤٠
١٦٧٣٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن شريك ، عن إبراهيم
ابن مهاجر، عن مجاهد قال: مكث أبو بكر مع النبى صلى اللّه عليه وسلم فى الغار
ثلاثاً .
١٦٧٣١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن الزهرى: ((إذ هما فى الغار))، قال: فى الجبل الذى يسمَّى ثوراً،
مکث فیه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ثلاث ليالٍ .
١٦٧٣٢ - حدثنا يونس قال، أخبرنا بن وهب قال ، أخبرنى عمرو بن
الحارث ، عن أبيه : أن أبا بكر الصديق رحمة الله تعالى عليه حين خطب قال :
أيُّكم يقرأ ((سورة التوبة))؟(١) قال رجل: أنا. قال: اقرأ. فلما بلغ: ((إذ يقول
لصاحبه لا تحزن))، بكى أبو بكر وقال : أنا والله صاحبُه.(٢)
ورواه من طريق حبان بن هلال، البخارى فى صحيحه (الفتح ٨: ٢٤٥)، ومسلم فى صحيحه
١٥ : ٠١٤٩
ورواه البخارى من طريق محمد بن سنان ، عن هلال فى صحيحه ( الفتح ٧ : ٩).
وقال الترمذى: ((هذا حديث صحيح غريب، إنما يروى من حديث همام . وقد روى هذا الحديث
حبان بن هلال ، وغير واحد، عن همام، نحو هذا)) .
وخرجه السيوطى فى الدر ٣ : ٢٤٢، وزاد نسبته إلى ابن أبى شيبة ، وأبى عوانة ، وابن حبان ،
وابن المنذر ، وابن مردويه .
(١) فى المخطوطة: ((سورة البقرة))، وهو خطأ أبين من أن يدل على تصحيحه.
(٢) الأثر: ١٦٧٣٢ - ((عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصارى المصرى))، ثقة،
روى له الجماعة ، مضى برقم : ٥٩٧٣ .
وأبوه ((الحارث بن يعقوب بن ثعلبة، أو: ابن عبد الله، الأنصارى المصرى)). ثقة. مترجم
فى التهذيب، والكبير ٢٨٢/٢/١، وابن أبى حاتم ٩٣/٢/١.